مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2018

بين الصلاة القرآنية للمسلمين والصلاة الشيطانية للمحمديين

الفهرس

مقدمات كتاب ( الصلاة )

الباب الأول : الصلاة فى القرآن الكريم : 

الفصل الأول :  الصلاة قبل نزول القرآن : في الرسالات السماوية السابقة وفى حياة العرب الجاهلية.

 الفصل الثاني :  الصلاة ونزول القرآن : ( معنى بيان القرآن  ـ منهج القرآن الكريم في تفصيلات التشريع.ـ  منهج القرآن في تفصيلات فريضة الصلاة).

( الباب الثانى ) ( الخلفاء الفاسقون وصلاتهم الشيطانية )

تمهيد منهجى عن الصلاة فى تاريخ المسلمين وفى تشريعاتهم   (المشكلة المنهجية فى بحث التراث ـ  منهج البحث فى هذا الكتاب ـ الخلفية التاريخية للمصادر التراثية ـ لمحة عن  الكتابات التاريخية والطبقات الكبرى لابن سعد ــ  التسجيل التاريخى للصلاة عند المسلمين ـ  لمحة عن أنواع الكتابات الفقهية )

 مقدمة الباب الثانى : (الخلفاء الفاسقون وصلاتهم الشيطانية )

 الفصل الأول : بين الصلاة الاسلامية والصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين  

 الفصل الثانى : الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين : حرب الردة والفتوحات

الفصل الثالث : ( التكفير ) فى الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين 

الفصل الرابع : الصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين فى سبيل المال ــ إلاههم الأعظم

الفصل الخامس : فى دينهم الشيطانى : الخلفاء الفاسقون إستخدموا رب العزة جل وعلا للقتال فى سبيل المال إلاههم الأعظم 

 الفصل السادس : الخلفاء الفاسقون هم الأكثر وحشية فى التاريخ لأنهم جعلوا القتل دينا

الفصل السابع : لأن الخلفاء الفاسقين جعلوا الوحشية فى القتل دينا فقد إستمرت بعدهم

الفصل الثامن : صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية ( الفتنة الكبرى الأولى )

 الفصل التاسع : صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية فى العصر الأموى:

الفصل العاشر : معالم الصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين 

الفصل الحادى عشر : الصلاة الشيطانية للخوارج 

الفصل الثانى عشر : الصلاة الشيطانية بين الحجاج بن يوسف وشبيب الخارجى

الفصل الثالث عشر : ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر ( الأموية )

الفصل الرابع عشر : عمرو بن العاص والى الصلاة ( الشيطانية ) فى مصر

الفصل الخامس عشر : صلاة الخلفاء الفاسقين العباسيين : 

الفصل السادس عشر : ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية 

الفصل السابع عشر : من إجرام ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية 

الفصل الثامن عشر : الصلاة الشيطانية للخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله

الفصل التاسع عشر : الصلاة الشيطانية فى الدولة المملوكية 

 الفصل العشرون : الصلاة الشيطانية للسلطان قايتباى أكثر السلاطين المماليك ورعا

الفصل الحادى والعشرون : عن الصلاة الشيطانية والمساجد الشيطانية

 الباب الثالث : التواتر التاريخى فى الصلاة

الفصل الأول : لمحة عن التواتر  

الفصل الثانى : التواتر التاريخى للصلاة: محافظة العرب على أوقات الصلوات حتى فى الحروب والفتن

الفصل الثالث : التواتر التاريخى : أجدادنا تعلموا الصلاة من ( والى الصلاة )

الفصل الرابع : التواتر التاريخى فى الصلاة فى العصر العباسى 

الفصل الخامس : تحريف التواتر فى العصر الأموى وتطوره

الفصل السادس : لمحة عن إستمرار وتطور التهاون فى الصلاة بعد العصر الأموى

الفصل السابع : من إمامة الصلاة الى العزلة فى العصر الأموى 

الفصل الثامن : تحريف التواتر فى الأذان للصلاة

الفصل التاسع : تحريف التواتر الالهى فى التسبيح

الفصل العاشر : التواتر الشيطانى فى صلاة الجمعة فى لمحة تاريخية

الفصل الحادى عشر : صلاة الجمعة فى مصر العصور الوسطى   

 طقوس صلاة الجمعة الفاطمية  

الفصل الثانى عشر : أخيرا : تحريم صلاة الجمعة فى مساجد الضرار

الفصل الثالث عشر : إبتداع وظيفة القصص فى المسجد بعد الصلاة

الفصل الرابع عشر : من القصاص الى ميعاد البخارى

الفصل الخامس عشر : ( مساجد الله جل وعلا ) : ماهية المسجد الاسلامى

الفصل السادس عشر : من التواتر الشيطانى : إبتداع وإستمرار صلاة العيدين

الفصل السابع عشر : لمحة عن الاحتفال بالعيدين فى العصر المملوكى

الفصل الثامن عشر : التواتر الشيطانى فى صلاة الجنازة : لمحة تاريخية

 الفصل التاسع عشر : التواتر الشيطانى فى : إبتداع صلاة السنن بديلا عن النوافل

الباب الرابع :  تحريف التواتر فى الصلاة  بين الفقه والحديث :

 ( مقدمة )

 الفصل الأول : مالك بن أنس ( 93 : 179 ) رائد التواتر الشيطانى فى تشريع الصلاة

الفصل الثانى: التواتر الشيطانى فى تبديل التشهد بالتحيات

الفصل الثالث : كافر بالله جل وعلا من يقول التحيات الشيطانية فى صلاته

الفصل الرابع  : تعقيبات وردود على مقال (كافر بالله جل وعلا من يقول التحيات الشيطانية فى صلاته )

الفصل الخامس : التواتر الشيطانى فى قصر الصلاة وجمعها  .

الفصل السادس : التواتر الشيطانى فى إختراع صلاة العيدين : أولا : مالك بن أنس ، الرائد الشيطانى

الفصل السابع : التواتر الشيطانى فى تشريع صلاة العيدين بعد مالك بن أنس : هجص صلاة العيدين فى البخارى ومسلم

الفصل الثامن : التواتر الشيطانى فى تشريع صلاة الجنازة : هجص ( موطأ مالك ) نموذجا

الخاتمة

مقدمات كتاب ( الصلاة )

مقدمات كتاب ( الصلاة )

أولا :

منذ أن بدأت مناقشة التراث السنى ونقد كتب البخارى وغيره وكان السؤال الذى أواجهه دائما : إذن كيف نصلى ؟ وأين عدد الركعات وكيفيتها ومواقيتها فى القرآن الكريم ؟؟.

فى كل خطبة جمعة كنت ألقيها فى أواخر الثمانينيات فى مصر كنت أضطر ـ فى مناقشات ما بعد الصلاة ـ الى الاجابة على هذا السؤال. ومللت من كثرة الاجابة، وأصبحت ملزما أمام كل فرد غير مقتنع بالقرآن لأن اخلو به جانبا لأقول له نفس الاجابة ، وفى غمرة ضيقى أقترحت لنفسى ساخرا أن أسجل الاجابة واصطحب جهاز التسجيل معى أينما سرت حتى إذا ووجهت بنفس السؤال أدرت جهاز التسجيل وأرحت نفسى من عناء التكرار. ثم قررت أن اكتب كتابا صغيرا فى الموضوع . كتبت الكتاب بخط اليد وسمحت لمن يشاء بتصويره ووزعت منه الكثير من النسخ ، وفيما بعد عندما جاء وقت ارساله للمطبعة حدثت تطورات منعت من نشره.

كانت هذه هى مقدمة الكتابة الأولى للكتاب

1 ـ منذ أن طرده المولى عز وجل وإبليس يعمل دون يأس في غواية بنى أدم إلى قيام الساعة ( فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  قَالَ إِنَّكَ مِنَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ  ).الأعراف 12-) وقد أضل إبليس جيلا كثيرا من البشر في كل زمان ومكان، وسيتضح هذا يوم القيامة حين يقول رب العزة للبشر يذكرهم بالعهد القديم الذي أخذه عليهم بعدم التباع الشيطان وعبادته، وكيف أن معظمهم نسى وعصى، وتكرر هذا في أجيال كثيرة: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) يس 60 ـ62 )

 إن أغلبية البشر أتباع له ،فأكثرية البشر موصوفة في القرآن بالوقوع في الشرك والضلال، وهم لا يعرفون ولا يعترفون بأنهم ضالون أو بتعبير القرآن الكريم "الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)الكهف 104 ) إن الشيطان يزين لهم سوء عملهم فيجعله حسنا في تصورهم، الشيطان هو الحاضر الغائب في معادلة الضلال والإضلال ، والإنسان حين يختارا لضلال بنفسه يكون قد اختارا لشيطان وليا له دون أن يعرف ، بل يحسب نفسه مهتديا. يقول تعالى :( إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) الأعراف 30 ).

 2 ـ البداية انه يختار الإعراض عن كتاب الله تعالى، وساعتها يتولاه شيطان يقترن به يصده عن السبيل ويقنعه أنه على الصراط المستقيم (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ   وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) الزخرف 36 – 37 )

3 ـ كل ذلك التوجيه والسيطرة على الإنسان تتم دون أن يرى الإنسان ذلك الشيطان المسيطر عليه ، فطالما يرتدى الإنسان جسده المادي فلا يمكن أن يرى عوالم البرزخ من الملائكة والشياطين ، ولا يستطيع أن يرى ذلك القرين الذي يسيطر عليه ويقوده. عندما يموت ويبعث ينكشف عنه الغطاء، ويقال له: (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) ق 22) عندها فقط يرى ذلك الشيطان القرين الذي أضله، يقول تعالى عن مفاجأة الإنسان برؤية ذلك القرين الذي أضله: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) الزخرف 38 )

4 ـ وطريقته بسيطة وواحدة أن يقابل الوحي الذي ينزله على الأنبياء بوحي آخر منسوب لله والنبي؛ وأن يحول الناس إلى تقديس النبي نفسه بل وتقديس طواغيت من البشر ويزين لهم أنهم على حق فيحسبون أنهم مهتدون.

5 ـ والله عندما ينزل وحيا مكتوبا على نبي ينزله كاملا تاما مبينا واضحا فهكذا كانت التوراة  (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ)  الأعراف 145) 

وهكذا القرآن الذي ما فرّط في شيء (الأنعام 38)والذي قال تعالى عن تفصيلاته (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. الأعراف 52) ولكن الشيطان صاحب السيطرة على أغلبية البشر يقنع الناس بأن كتاب الله ناقص موجز غامض ولا يكفى ويدفعهم إلى تحريف كتاب الله وإلى إنشاء منهج مزيف ينسبونه لله تعالى و للنبي، لتتم الضلالة باسم الدين والهداية . يقول تعالى عن أعداء الأنبياء من أصحاب الوحي الشيطاني وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ " ثم يتحدث المولى تعالى عن الأتباع من العامة لهذا الوحي الشيطاني: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ " ثم يقول تعالى عن كتابه الذي ينبغي أن تحتكم إليه وهو الكتاب المفصل الذي يعلم أهل الكتاب أنه الحق من ربهم " أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ " ثم يصف القرآن بأنه تام غير ناقص وصادق غير كاذب لأنه كلمة الله " وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ   ) ثم يبين المولى عز وجل أن أكثرية البشر ضالة مضلة تتبع أحاديث آحاد تفيد الظن ولا تفيد اليقين " وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ): الأنعام 112؛116"

 العنكبوت 52لله على من لا يكتفي بالقرآن كلام الله " أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) العنكبوت 51" فالاكتفاء بالقرآن كتابا يعادل الاكتفاء بالله تعالى إلا ها، والمؤمن الحقيقي هو من يكتفي بالقرآن كتابا وبالله تعالى إلا ها لا شريك له (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) الزمر 36 ) والله تعالى هو الحق، وقرآنه هو الحق، وفى ذلك الكفاية للمؤمن: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. العنكبوت  52 ")

6 ـ المكذبون بالقرآن الكريم لا يتوانون عن اتهام رب العزة وقرآنه الكريم بالتفريط والعوج والنقص والغموض، ويسارعون بالسعي في آيات الله تعالى معاجزين متسائلين أين تفصيلات الصلاة في القرآن ؟ أين كذا وكذا في القرآن.

نقول منذ البداية إن هذا الكتاب لن يفلح في إصلاح اعوجاجهم مهما تكاثرت الآيات القرآنية فيه لأنهم ببساطة لا يؤمنون بالقرآن الكريم. تسلط إبليس على عقول أولئك " المسلمين " يتجلى في مواقفهم المختلفة حين قراءة هذا الكتاب. منهم من يشعر بالملل من كثرة الآيات القرآنية، وتسارع عيناه بالهروب من قراءتها ضجرا أو اعراضا عن الفهم ناسيا عنوان الكتاب ( الصلاة في القرآن الكريم ) وما يستلزمه منهج البحث في هذا الكتاب من الاعتماد أساسا على القرآن ولو كره الآخرون. بعضهم قد يقرأ الآيات ممتعضا ولكنها لا تجدي في إيقاظ ضميره الديني، ولا تؤثر على مشاعره الإنسانية طالما تناقض قدس الأقداس عنده وهو الأحاديث والسنة وما وجدنا عليه آباءنا. وبعضهم يقرأ الآيات ويحاول فهمها وفهم ما يقوله المؤلف عنها ولكنه يعيش في انزعاج حقيقي، إذ كيف يضحى بكل ما توارثه مقابل ما يقرؤه لأول مرة في كتاب كهذا وكاتب هذا الكتاب تلاحقه اللعنات وتتوالى عليه الاتهامات..

في المقابل هناك بعض المؤمنين ممن يبحث مخلصا عن الحق داعيا الله تعالى بإخلاص وإخبات أن يهديه للحق وأن يعينه على الصبر عليه والتمسك به، فالحق في هذا الزمن الأغبر بالذات يستلزم صبرا ونضالا للتمسك به. فإذا قرأ هذا الكتاب استراح، وأحس بالتقصير في حق المولى جل وعلا. ومن منّا يستطيع أن يؤدى حق الله تعالى عليه كما يجب؟

7 ـ إلى هؤلاء المؤمنين بالقرآن حق الإيمان أهدى هذا الكتاب

د. أحمد صبحي منصور

كتبت المقدمة فى القاهرة عام 1987. ثم كانت الموجة الأولى من إعتقال أهل القرآن . أكملت الكتاب ، وكتبت خاتمته ، وفيها قلت :

 1- وضح فى القرآن أن الدين واحد وأن كل الأنبياء كانوا يقيمون الصلاة وان القرآن الكريم أمر النبى بإتباع ملة إبراهيم التى كان يعرفها العرب فى الصلاة والحج والصيام ولكن لابد أن يكون اتباع ملة إبراهيم حنيفيا أى مخلصا لله عقيدته من كل معصية ومن كل شرك لأن العرب أضاعوا الصلاة بالمعاص والشرك

2- وبعد نزول القرآن عاد الخلف بعد الإسلام إلى الواقع فى المعصية وفى تقديس الأولياء والقبور وزادوا على ذلك محاولة التشكيك فى الصلاة والتحريف فيها .....ومع ذلك فالخلف فى عصرنا الراهن يتمسكون بهذا التراث ويعكفون على هذه الأحاديث ويدافعون عنها ومن أجلها يتهمون القرآن بأنه  ناقص وبأنه مجمل وبأنه غامض وبأنه  لا يكفى .. وأن كلام البشر الذى نسبوه ظلما للنبى هو الذى يكمل نقص القرآن ويفصل المجمل فيه ويشرح غوامضه.

3- الله تعالى يقول أن القرآن كامل " اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا " أخر ما نزل من القرآن المائدة 2" ويقول " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لامبدل لكلماته وهو السميع العليم : الانعام 115"

وهم يتهمون رب العزة بالكذب ويقولون أن سنة البشر هى التى تكمل النقص فى القرآن لأن القرآن عندهم ناقص .

الله تعالى يقول أن القرآن مفصل " ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . الاعراف 52" ويقول " افغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا . الانعام114 " ويقول عن كتابه " ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . يوسف 111 " ويقول وكل شىء فصلناه . الإسراء 12" ويقول " ما فرطنا فى الكتاب من شىء . الانعام 38 " ويقول عن أحكام التفصيل فى القرآن " آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . هود 1"  ويقول " حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون . فصلت1: 3"  ولكن الذين لا يعلمون لا يكترثون لهذه التأكيدات الإلهيه ويصممون على إتهام رب العزة بالكذب وأنه أنزل القرآن مجملا وليس مفصلا .

والله تعالى يؤكد أن القرآن كتاب مبين وأن آياته بينات واضحات وأن القرآن ميسر : للذكر وأن الله تعالى هو الذى يتولى تبيين آيات الكتاب فى داخل الكتاب .

ولكثرة الآيات فى هذا المجال نقتصر على بعضها " فإذا قرأناه  فاتبع قرأنه  ثم إن علينا بيانه .. القيامة 18؛19" فالله هو الذى يتولى بيان القرآن ثم وما على المؤمن إلا أن يبلغ القرآن كما هو ولا يكتمه فالبيان مجرد تلاوة الاية " إن الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب أولئك لعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ........ البقرة 159 "

وتفسير القرآن فى داخل القرآن " ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا . الفرقان 33" وهذه روعة التكرار والتشابه فى الآيات " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى . الزمر 23"  فكل معنى تجده يتكرر فى القرآن. ثم آيات تكررت كثيرا فى وصف القرآن:  " تلك آيات الكتاب المبين " " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر "

ثم قوله تعالى " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين النحل 89"

وكل هذه الآيات البينات لا تجدى معهم شيئا فهم لا يزالون مصرين على إتهام الله تعالى بالكذب وأنه  أنزل القرآن مبهما محتاجا لأقوال البشر كى تفسره هذا مع أن زعيمهم ابن كثير يعترف فى مقدمة تفسيره أن أحسن التفسير أن يفسر القرآن بعضه بعضاُ .إذن فلا حاجة لأقوال البشر وإنما آيات يشرح بعضها بعضا فالقرآن مثانى ، ولكنهم لا يعترفون بمدلول آية إلا إذا جاء كلام المفسرون مؤيدا لها أى جعلوا كلام البشر مهيمنا على كلام الله عز وجل . هذا مع أن القرآن جعله الله مهيمنا على كل الكتب السماوية السابقة " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه" ...... المائدة 101

4- المؤمن عند الله هو من يؤمن بحديث الله فى القرآن وحسب " فبأى حديث بعده يؤمنون " .... المرسلات 50 ، " أولم ينظروا فى ملكوت السواوات والأرض وما خلق الله من شيىء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأى حديث بعده يؤمنون............الاعراف185." " تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصرمستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب اليم . الجاثية 6-" 

والمؤمن عند الله هو من يكتفى بالله وليا وبالقرآن كتابا أو ليس الله بكاف عبده .. الزمر 36" " أولم يكفيهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن فى ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا يعلم ما فى السماوات وما فى الارض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون . العنكبوت 51 - " لم يكفيهم رب العزة وليا فاتخذو الأولياء ولم يكفهم القرآن كتابا فوضعوا لأنفسهم الأسفار وأساطير الأولين ثم التفتوا إلى كتاب الله يتهمون الله بأنه أنزل كتابا ناقصا موجزا مبهما مختصرا فأعلوا من مقدار علمائهم بقدر ما ظلموا الله تعالى وبخسوه حقه ثم إذا تليت عليهم آيات الله كادوا يبطشون بك " واذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم؟ النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز الحج 72-) 

ثم هم بعد ذلك يطالبون بتطبيق شريعة من كتبهم الصفراء ما أنزل الله بها من سلطان ويخدعون الشباب ويدفعونهم للتطرف والتدمير والإصطدام بالسلطة واستحلال قتل المسلم وكل ذلك من أقوال علمائهم الذين حكموا بغير ما أنزل الله ونسبوا أقولهم للرسول كذبا وبهتانا.

ويوم القيامة سيكون الرسول خصما لهم أمام الله لأنهم هجروا كتاب الله " ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا ياويلتى ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا لقد اضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى وكان الشيطان للإنسان خذولا وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا .... الفرقان27-" . صدق الله العظيم .                             

 د. احمد صبحى منصور 1988

 لم يتيسر للكتاب الطبع والنشر بعدها لظروف كثيرة استمرت طيلة التسعينيات . ثم هاجرت الى أمريكا بلاد الحرية واستمتعت بنعمة الانترنت وتفضلت الكثير من المواقع الليبرالية بنشر كتاباتى وتتابعت نفس الأسئلة عن الصلاة فى القرآن الكريم. ورددت عليها بين سطور بعض المقالات والأبحاث. ومنها ما قلته فى نهاية بحث (الاسناد ) :

(هنا نضع بعض الحقائق القرآنية والحقائق التراثية .

معنى السنة فى القرآن هو المنهج او الطريقة وذلك فيما يخص تعامل الله تعالى مع المشركين .كما ان معناها هو التشريع الالهى ،وبالمعنيين فان السنة فى القرآن تأتى منسوبة لله ، اى سنة الله ، يقول تعالى فى تشريع خاص بالنبى (صلي الله عليه وسلم)((ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له ، سنة الله فى الذين خلوا من قبل وكان امرا الله قدرا مقدورا :الاحزاب 38 ))وفى الاية الكريمة يتضح ان ((فرض الله ))يعنى(( سنة الله ))يعنى ((امرا الله))هى ((شريعة الله))اى أن السنة معناها الشرع..

وهذا يتفق مع المعنى اللغوى لكلمة السنة ،تقول ((سن قانونا ))اى شرع قانونا ،واذا تم سن القانون اصبح شريعة واجبة التنفيذ.

وهذا ايضا يتفق مع المعنى الفقهى لمصطلح ((السنة العملية))اذ تعنى السنة العملية العبادات من الصلاة وزكاة وحج وصيام..

وفى كل ذلك فان الله تعالى هو صاحب التشريع الذى نزل فى القرآن الكريم، والنبى عليه السلام هو القدوة لنا فى تطبيق ذلك التشريع ،لذلك يقول تعالى ((لقد كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة :الاحزاب 21 ))لم يقل كان لكم فى رسول الله سنة حسنة ،لان السنة هى سنة الله، اما النبى عليه السلام فهو القدوة الحسنة فى تطبيق سنة الله وشرع الله..

الا ان بعض فقهاء التراث يقولون ان السنة العملية هى العبادات التى اشرنا اليها ، اما السنة القولية للنبى فهى تلك الاحاديث التى اسندوها اليه بعد موته بقرون فيما يعرف بكتب الصحاح وغيرها . وهنا نختلف معهم ،لان السنة القولية للنبى عليه السلام هى ما ورد فى القرآن فى كلمة "قل "التى يتميز بها القرآن .

وقد تكررت كلمة "قل "للنبى فى القرآن (332)مرة ..وكانت الموضوعات التى ترددت فيها كلمة "قل" تشمل كل ما يحتاجه المؤمن من امور الدين ،وبعضها يؤكد ما جاء فى القرآن ايضا بدون كلمة "قل".وكان النبى عليه السلام مأمورا بأن يقول ذلك القول المنصوص عليه فى القرآن كما هو دون زيادة او نقصان ،اذ لايملك ان يتقول على الله تعالى شيئا فى امر الدين ((ولو تقول علينا بعض الاقاويل ،لاخذنا منه باليمين ،ثم لقطعنا منه الوتين ،فيما منكم من احد عنه حاجزين :الحاقة44 :47 )).باختصار ان السنة القولية للنبى هى كلمة ((قل )) لان السنة تعنى الشرع المفروض اتباعه .

ويقولون أن تلك الاحاديث هى مصدر المعرفة بالصلاة والعبادات .وهذا خطأ ظاهر لان تلك الاحاديث اقاويل ،والسنة هى طريقة تأدية للعبادة وكان معروفا تأدية العبادات ليس فقط قبل عصر البخارى وغيره ،بل كانت معروفة قبل نزول القرآن ،اذ كانت هى الملامح الاساسية لملة ابراهيم التى امر الله تعالى النبى والمسلمين باتباعها حنفاء ،بل ان تلك الاحاديث التى رويت فيما بعد النبى بقرون لم تتعرض بالتفصيل لكيفية تأدية الصلاة. وأكثر من ذلك أنها تشوه الصلاة وتشكك فيها.

ومن الطبيعى ان النبى عليه السلام وهو يقيم دولة وينشئ امه ويواجه مكائد اعدائه ان تكون له اقوال وتعليمات،كما كانت له تطبيقاته فى تنفيذ شرائع القرآن خارج العبادات ،مثل اعداد الجيش والقوة الحربية .وذلك كله يدخل ضمن التاريخ والسيرة ،وليس ضمن الدين الذى يعلو فوق الزمان والمكان .)

ولم تفلح تلك الاشارات فى منع تكرار نفس السؤال . لذا  قررت اعادة نشر الكتاب بصورة جديدة وتحت عنوان جديد . واستلزمت الكتابة الثانية للكتاب مقدمة ثانية. قلت فيها :

1 ـ كانت الكتابة الأولى لهذا الكتاب تحت عنوان ( الصلاة فى القرآن الكريم )، وكان رقم 3 من سلسلة " دراسات قرآنية " التي لم يصدر منها سوى كتاب " المسلم العاصي : هل يخرج من النار ويدخل الجنة " وقد صودر في ظروف ادخالي السجن في نوفمبر 1987 . ثم كان كتاب " لا ناسخ ولا منسوخ في القرآن الكريم" هو رقم 2 في السلسلة والذي لم أستطع طباعته وقتها،  فظلت بقية السلسلة ممنوعة قابعة بين أوراقى ومنها كتب ( الصلاة فى القرآن الكريم ) إلى أن أنعم الله تعالى بنعمة الهجرة والحرية ونعمة الانترنت فطلبت من أولادي كتابة هذا الكتاب الثالث من السلسلة على الكومبيوتر لنشره تلبية لرغبة كثير من القرّاء. وهكذا يظهر هذا الكتاب بعد تأليفه بحوالى عشرين سنة مصحوبا بفصول إضافية ترتب عليها تغيير عنوانه ليكون ( الصلاة بين القرآن الكريم والمسلمين ) .

كان الكتاب القديم يتحدث فقط عن الصلاة فى القرآن الكريم معتمدا على القرآن فقط. ثم جاءت الاضافة بحثا جديدا فى ميدانه يسير مع الصلاة فى الواقع التاريخى للمسلمين وفى التنظير الذى كتبه الفقهاء ورواة الحديث، وما حدث من تحريف وتضييع للصلاة بعد نزول القرآن الكريم خلال القرنين الأوليين بعد الهجرة ، أى فى العصر الأموى والصدر الأول من العصر العباسى، مع اشارات لتأثر الصلاة فى عصرنا بهذا الموروث، خصوصا مع غلبة التدين الوهابى السلفى. 

2 ـ الكتاب الأصلى كان للرد على سؤال سئمت من سماعه من كثرة ما قيل لى : هو إذا كان القرآن الكريم لا يحتاج الى السّنة فأين مواقيت الصلاة وركعاتها في القرآن ؟؟ لذا كان الكتاب فى بدايته يؤكد أن القرآن الكريم ما فرّط في شيء، وأنه نزل تبيانا لكل شيء، وأن فيه تفصيل كل شيء.. ولكن أولئك الناس لا يفهمون منهج القرآن الكريم فى التشريع. ولأنهم مؤمنون بما يناقض القرآن الكريم ـ وهى السّنة ـ لذا يتهمون الله تعالى  بالكذب حين أكّد فى القرآن الكريم أنه ما فرّط فى شىء وأنه نزل تبيانا لكل شىء . أولئك الناس نبّأ الله تعالى عنهم سلفا بأنهم يسعون وسعوا فى آيات الله معاجزين ، يحاولون النيل من كتابه الكريم و نسبة العوج اليه ، والسعى الى تعجيزه لاثبات أنه ناقص يحتاج للبشر لاكماله ، ولاثبات أنه غامض يحتاج للبشر لتفسيره وايضاحه ، وأنه موجز مخلّ يحتاج للبشر لتفصيله . أولئك الذين سعوا ويسعون فى آيات الله تعالى معاجزين مشككين معاندين توعدهم رب العزة بالعذاب ، فقال عنهم : (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم )الحج 51 (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ. وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.) (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ).سبأ 5؛ 6؛ 38.صدق الله العظيم.

يوم القيامة سيكون الأشهاد من هذه الأمة هم أولئك الذين وهبوا حياتهم للدفاع عن القرآن ، الذين جاهدوا ليثبتوا أنه نزل تبيانا لكل شىء وهدى وموعظة للمتقين . "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" النحل 89) صدق الله العظيم.

3 ـ فى الكتابة الثانية للكتاب جعلت الفصلين الأوليين عن الصلاة فى القرآن بابا واحدا فى الاجابة على ذلك السؤال المعاند ثم أضفت بابا آخر يتكون من ستة فصول لتسير مع الصلاة فى تاريخ المسلمين وتراثهم فى القرنين الأولين. الهدف هو التنبيه على ما حدث من خلل وتحريف وضياع لثمرة الصلاة. ولإثبات اعجاز القرآن الكريم. فالقرآن الكريم لم يخبر فقط مقدما عن أولئك الذين يسعون فى آياته معاجزين ، وإنما حذر مقدما من تضييع الصلاة بالوقوع فى الانحلال الخلقى والشرك بالله تعالى كما كان يفعل العرب فى الجاهلية ، حين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وجاء المسلمون على آثار أجدادهم يهرعون ، ويرتكبون نفس الاثم ويقولون نفس البهتان ويقدسون نفس الافك.والقرآن الكريم بينهم قد اتخذوه مهجورا ، وقد أخبر رب العزة مقدما عنهم أنهم أعداء النبى محمد الذين سيتبرأ منهم يوم القيامة.( الفرقان 30 :31 ).

  4 ـ أرجو من ربى جل وعلا أن يفلح هذا الكتاب فى التحذير والانذار لمن لا تزال لديه بقية من ايمان وتوقير للقرآن ، قبل أن يمضى به قطار العمر الى النهاية ..( الأعراف 185 )

 أما من زين له الشيطان له سوء عمله فرآه حسنا فلا فائدة منه ، ولا نملك له الا  الأسى والشفقة.( فاطر 8 )

 والله تعالى المستعان.

أحمد صبحى منصور

 فرجينيا ـ الولايات المتحدة الأمريكية

يونية 2006

أخيرا

1 ـ  نبدأ من اليوم بعون الرحمن جل وعلا إستكمال كتاب الصلاة . غدا نعيد نشر كتاب ( الصلاة فى القرآن الكريم ) للتذكرة . ثم ننشر ـ بعونه جل وعلا ــ الجزء الثانى عن إضاعة المسلمين الصلاة الاسلامية خلال عرض تاريخى سريع يبدأ من عصر الخلفاء الفاسقين ( من أبى بكر الى على ) ثم الخلفاء الأمويين ثم العباسيين وينتهى بالعصر المملوكى ، ثم عرض فقهى لتضييع الفقهاء السنيين للصلاة بالتحريف والابتداع . ثم مناقشة موضوع التواتر .

2 ـ هذا تصور مبدئى حتى الآن .

3 ـ والعادة أن الباحث يضع تصورا مبدئيا لبحثه ، ثم يسير خلف المادة العلمية هى التى توجهه ، وعلى أساس ما يظهر له يتم تعديل فصول الموضوع وعناوينه .

والله جل وعلا هو المستعان .

فيرجينيا

السبت 15 سبتمبر 2018 .

الباب الأول : الصلاة فى القرآن الكريم :

الباب الأول : الصلاة فى القرآن الكريم : 

الفصل الأول :  الصلاة قبل نزول القرآن : في الرسالات السماوية السابقة وفى حياة العرب الجاهلية.

أولا:

وحدة الدين - وحدة الوحي - وحدة الشرع - ووحدة الحساب في الآخرة.

 1- مهما اختلفت الأديان وتنوعت ففي النهاية تنقسم إلى نوعين: دين الحق الذي أنزله الله تعالى على الأنبياء، ودين الباطل وهو ما يخترعه البشر من أديان أرضية أو نوعيات التدين العملي الناتج عن تحريف البشر في وحى الله تعالى ودينه الحق.

ومهما اختلفت لغات البشر فدين الله الذي انزله وحيا على الأنبياء يعنى الإسلام " (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ)( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).آل عمران  19؛85" وهذا الإسلام يعنى في كل اللغات التي نزل بها الوحي الإلهي التسليم لله تعالى وحده وطاعته وحده فيما يخص التعامل مع الله تعالى، والسلام في التعامل مع البشر، إلا انه تحول عندنا إلى دين بشرى محلي في صناعة بشرية تمتلئ بالتعصب والإرهاب ناطقة باللغة العربية .

2- لقد نزل كل وحى على كل نبي بلسان قومه " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ - إبراهيم 4" وكل وحى عبّر عن إسلام المؤمن قلبه وحواسه لله تعالى وحده وتمسكه بالسلام مع الناس. وهكذا كان أتباع الأنبياء في كل عصر مسالمين في التعامل مع غيرهم ومسلمين لله وحده صلاتهم وحياتهم ومماتهم، وهذه ما ورثته ملة إبراهيم من تاريخ السابقين من الأنبياء، وما أمر الله تعالى خاتم النبيين محمد – عليهم جميعا السلام – أن يعلن الالتزام به واتباعه:" قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ  "  الأنعام -163" 

3- وفى القرآن تأكيد على وحدة الوحي الإلهى الذي نزل على كل الأنبياء من نوح إلى محمد عليهم السلام " إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ. النساء 163" 

الشورى 13"أيضا تأكيد على وحدة التشريع الكلي في الرسالات السماوية: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. الشورى  13"

فإقامة الدين وعدم التفرق فيه شرع واحد في كل الرسالات، وإقامة الصلاة أهم مظهر في إقامة الدين، ومعناه أن الصلاة طريقة واحدة في كل الرسالات التي نزلت على نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام.  

4-وهكذا فالله واحد أحد، ودينه للبشر جميعا واحد هو الإسلام بالمعنى الذي ذكرناه مهما اختلف الزمان والمكان، وقد نزل به الوحي الالهى بمختلف اللغات. يقول: تعالى لخاتم النبيين محمد عليهم جميعا السلام " مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ. فصلت 43 " فالذي قيل له في الوحي الالهى واحد، وما قيل ضده من تجريح واضطهاد من المشركين واحد أيضا مهما اختلفت اللغات والزمان والمكان. وفى قصص الأنبياء في القرآن تقرأ نفس الكلام في  دعوة كل نبي لقومه مهما اختلفت اللغات والأقوام؛ كل نبي يأمرقومه بالتقوى . والتقوى هي تلخيص معجز لمعنى الإسلام الذي يعنى طاعة الله تعالى في العقيدة والسلوك.

ويقول تعالى لخاتم الأنبياء ينبه على وحدة العقيدة الإسلامية في كل العصور وفى كل الوحي الذي نزل على كل الأنبياء ومسئولية كل نبي في طاعة هذا الوحي وإلا أضاع نفسه وكان من الخاسرين: " وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ. الزمر65-66 )

والشرع الذي يعبد الناس به ربهم الواحد هو أيضا واحد في أساسياته، ومنه إقامة الصلاة، وكل نبي يقول " بسم الله الر حمن الرحيم " باللغة التي يتكلمها قومه - ليس في الصلاة فقط - ولكن في ابتداء كل أمر،  كما فعل نوح عليه السلام حين ركب السفينة " وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ.هود 41 " لم يقلها نوح باللغة العربية التي لم تكن موجودة وقتها، قالها بلغة قومه التي اندثرت ولا نعرف شيئا عنها.  النبي سليمان عليه السلام حين كتب رسالة إلى بلقيس يدعوها إلى الإسلام وليس إلى غيره قال في مطلع خطابه لها:" إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. النمل 30-31 " اى كتب البسملة ودعا للإسلام باللغة العبرية- وليس العربية - وأعلنت بلقيس إسلامها بلغة اليمن العربية الجنوبية " قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ:النمل 44 "

والقرآن الكريم نقل آيات من الوحي الذي نزل على إبراهيم وموسى في الأمر بالصلاة وإيثار الآخرة:" قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى  بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى." الأعلى 14 -"  وتكرر ذلك في سورة النجم " 36 –"

ولان الوحي واحد والشرع واحد انزله الإله الواحد جل وعلا فان أوامر القرآن – وهو آخر وحى إلاهي للبشر - تأتى عامة للبشر بالعدل وإقامة الصلاة في كل مسجد مع إخلاص العبادة لله وحده ومنه قوله تعالى في سياق حديثه لكل بنى آدم وعنهم:" قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.الأعراف" 29 - 31"

المؤمنون في كل زمان ومكان يلتزمون بالوحي الصحيح الذي نزل باللغة التي يتكلمونها، والله تعالى أوجب عليهم الصلاة فرضا يتكرر في أوقات معلومة " إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا. النساء 103" الآية هنا عامة تتحدث عن كل المؤمنين قبل نزول القرآن وبعده في تقرير إلاهي مؤكد مكتوب أي مفروض.

5- وليس المؤمنون هم أتباع الرسالة الخاتمة فحسب بل المؤمنين هم أتباع كل رسالة سماوية وأتباع كل نبي، لأن الحساب يوم القيامة يوم عام لجميع الناس ولكل الأمم " ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ.هود103 ".

وفي نفس الوقت فذلك الحساب العام حساب موحد بشرع واحد في أساسياته، أنزله الإله الواحد.  ومهما اختلف اللغات التي يصلى بها البشر للرب الواحد الأحد جل وعلا فالعبرة بالخشوع في الصلاة وفى المحافظة عليها بالخلق السامي والسلوك القويم في التعامل مع الناس، وتلك أمور قلبية وسلوكية تسرى على كل مجتمع و على كل إنسان.

وفى هذا الحساب الموحد العام لكل البشر تأتى الصلاة فيه بندا أساسيا، والخاسرون في كل زمان ومكان هم الذين أضاعواالصلاة ولم يصدقوا بكتاب الله " وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ  فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى. القيامة 29 -"

وبعد أن يدخلوا جهنم يعترفون بالذنب، إذ أضاعوا الصلاة بالعصيان " مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ.المدثر 42 -"

إذن هي صلاة واحدة لإله واحد في دين إلاه واحد، ويوم الحساب واحد للجميع.

 الصلاة في الرسالات السماوية السابقة.

الأمم السابقة أمم بائدة وأمم استمر وجودها وتراثها:

لا نعرف عدد الأنبياء (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) النساء 164 مع أن الله تعالى أخبر انه بعث في كل أمة نذيرا (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر 24) والأمة في المصطلح القرآني تعنى هنا اى مجتمع في زمان معين.لم يقص علينا القرآن إلا ما بعض من بعثهم الله تعالى في منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال قصص الأنبياء جاء تاريخ بعض الأمم السابقة التي عاصرت أولئك الأنبياء.

تنقسم الأمم السابقة إلى قسمين: قسم أهلكه الله تعالى وأباده مثل قوم نوح وغيرهم.

استمرت ذرية نوح بعد هلاك قومه المعاندين، وكان من هذه الذرية من عاند الأنبياء اللاحقين فعوقبوا بالابادة مثل قوم وعاد وثمود ومدين في منطقة الشرق الأوسط.

قال تعالى عن البشر بعد طوفان نوح ": وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ "الصافات 77"،. يقول تعالى عن البائدين من ذرية نوح كقوم عاد وثمود " فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ؟؟ الحاقة (8) ويقول تعالى " وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى  وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ". النجم (50 -)

وقسم استمر وجوده متمتعا بالرسالات السماوية المشهورة في فروعه، ومنهم في الشرق الأوسط ذرية إبراهيم المتمثلة في العرب المستعربة وبنى إسرائيل، يقول  تعالى عن إبراهيم: " قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة  (124)  إذن له ذرية سيكون إماما للمسلمين  منهم . ويقول تعالى عن ذرية نوح وإبراهيم:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) الحديد26"

في الأمم البائدة كانت الصلاة موجودة يحافظ عليها المؤمنون مع النبي، وقد اندثر تاريخ هذه الأمم لكن القرآن يذكر طرفا منه،  فقوم شعيب يتهكمون عليه وعلى صلاته " قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ "هود:87) وبينما اندثر تاريخ الأمم السابقة فإن تراث إبراهيم استمر مع ذريته صحفا سماوية وأنبياء من ذريته مع تحريفات وضعتها الذرية، واختلافات، واتباع بالحق وزيغ بالباطل، وكانت الصلاة احد المعالم الأساسية التي توارثناها عن إبراهيم فلحقها كل ذلك.

ثانيا:

ملة إبراهيم الحنيفة بين تشريع السماء وتحريف الذرية

1 -كانت الكعبة أول بيت وضعه الله تعالى للبشر قبل إبراهيم " قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ َ  إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ - فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينََ " آل عمران 95".

كان بيت الله مهجورا قبل إبراهيم ثم أوضح الله لإبراهيم مكان البيت." وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. الحج (26-)   

وجعل الله تعالى من إبراهيم إماما للناس يقيم الصلاة حول البيت بعد أن رفع قواعده، و يساعده في ذلك ابنه إسماعيل الجد الأكبر للعرب المستعربة" وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ".. البقرة (124-) 

2- إذن توافد الناس على إبراهيم بعد أن أتم بناء البيت الحرام يتعلمون مناسك الحج والاعتكاف والصلاة عند البيت بنفس الطريقة التي أراها الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل، وهى نفس طريقة العبادة التي كانت من قبل للأمم السابقة البائدة حيث كان البيت الحرام أول بيت لله تعالى وضعه للناس منذ أن كان على هذا الكوكب ناس. وهي نفس الطريقة التي حافظت الذرية على حركاتها وأعدادها ومواقيتها حتى جاء خاتم النبيين محمد عليهم جميعا السلام. هذه الطريقة في العبادة من صلاة وصدقة وصيام وصلاة تسمى في مصطلح القرآن الكريم " ملة إبراهيم ".

وقد كان إبراهيم وهو يرفع القواعد من البيت مع ابنه إسماعيل يدعوان الله أن يريهما ويعلمهما مناسك الصلاة والحج وان يجعل من ذريتهما امة مسلمة تحافظ على مناسك الإسلام وان يبعث الله فيهم رسولا يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). البقرة (127-)   

والحكمة المذكورة في قوله تعالى:  "ويعلمهم الكتاب والحكمة " ليست شيئا خارجا عن الكتاب بل هي آيات التشريع والأحكام التي بداخل الكتاب، ولذا تأتى الحكمة مرادفة للكتاب معطوفة عليه عطف بيان أو تأتى بديلا عن الكتاب لأنها صفة له ومن أهم أساسياته.

وأسلوب العطف في القرآن من مظاهر التفصيل والتوضيح. وفى كل كتاب سماوي كانت الحكمة أهم ما يو صف به الكتاب وأهم ما يتضمنه، فمثلا يقول تعالى يصف الإنجيل الذي تعلمه عيسى: "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ " آل عمران 48) فوصف الإنجيل بالكتاب والحكمة، والإنجيل بالطبع مصدق للتوراة. وفى موضع آخر يصف رب العزة الإنجيل بوصف واحد وهو الحكمة " وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ " الزخرف 63)

والقرآن هو الحكمة حيث "أحكم " الله تعالى آياته، أو هو(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ). هود 1) لأن الذي أنزله هو الحكيم الخبير.

 وفى سورة الإسراء جاء تفصيل للتشريع من أول قوله تعالى " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " إلى أن يقول تعالى " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا " الاسراء23 – 39 )فالحكمة في داخل القرآن وليست شيئا خارجا عنه.

والحكمة –كوصف للكتاب الإلهي جاءت وصفا للرسلات السماوية التي تتابعت في ذرية إبراهيم، فهي –أي الحكمة – وصف لملة إبراهيم، وهنا نقرأ قوله تعالى " فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ "النساء 54 )

3- وبإبراهيم وابنه إسماعيل تكون مجتمع جديد يقيم الصلاة ويؤدى مناسك الحج إلى بيت الله الحرام.  وحرص إبراهيم على أن تستمر إقامة شعائر الصلاة في ذريته فكان يدعو الله بذلك:" وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ " –" رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ " – " رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء ". إبراهيم 35 -40)

وحرص إبراهيم ثم الأنبياء من ذريته على أن يوصى كل نبي ذريته - وهو على فراش الموت - بالتمسك بالإسلام وبالصلاة وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) البقرة 132 -

4- وتلك هي ملة إبراهيم التي نزل القرآن الكريم يأمر خاتم النبيين محمدا باتباعها وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) النساء 125)" قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. الأنعام 162/163) وبذلك تحققت دعوة إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت،  فجاء خاتم النبيين متبعا لملة جده إبراهيم في الصلاة وليس مخترعا لها.

 الأنبياء من ذرية إبراهيم والمحافظة على ملة إبراهيم :.

1- أنجب إبراهيم ولدين كلاهما صار نبيا لله تعالى وهما:  إسماعيل في مكة واسحق في الشام، وفرح بهما إبراهيم في شيخوخته " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء " ودعا الله تعالى لذريته بأن يهديهم لإقامة الصلاة:" رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء). إبراهيم 39 -

وصارت لإسحق ذرية كبرى من ابنه يعقوب.إذ أنجب يعقوب النبي واسمه إسرائيل وأنجب يعقوب أو إسرائيل الأسباط وهم اثنا عشر ذكرا كان يوسف هو النبي منهم، وتناسل أبناء يعقوب أو أبناء إسرائيل الاثنا عشرة فصاروا اثني عشرة قبيلة سكنوا مصر بعد أن استقدم يوسف والديه و إخوته من الشام إلى مصر.

ثم تكاثر أبناء إسرائيل في مصر أبان حكم الهكسوس، وبعد أن طرد المصريون الهكسوس تولى الفراعنة الحكم فأسرفوا في اضطهاد بنى إسرائيل لأنهم كانوا أعوان الهكسوس. فبعث الله تعالى موسى لينقذ بنى إسرائيل من الاضطهاد. وبعد غرق فرعون موسى يذكر القرآن الكريم انتشار بنى إسرائيل بين مصر والشام والحجاز ( الأعراف137 – القصص 48 الشعراء 57 /59 – الدخان25/ 28 ) ثم ما لبث أن أقاموا لهم ملكا في فلسطين بلغ الذروة في عهد النبيين داود وسليمان عليهما السلام.وتتابع فيهم الملك والرسالة ( النساء 54 ) إلى أن دمّر بختنصر البابلي ملكهم، ولكن وجودهم البشرى استمر ومعه الرسالات السماوية إلى أن كان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام آخر النبيين من بنى إسرائيل. 

وأولئك الأنبياء من ذرية اسحق بن إبراهيم حافظوا على الصلاة التي تعلموها من ملة إبراهيم وأقاموا هذه الصلاة بين العراق والشام ومصر بمختلف اللهجات واللغات، وكان كل نبي يوصى بها قومه كما ذكر القرآن عن احتضار إبراهيم ويعقوب ووصيتهما عند الموت. على أن الذرية كانت في اغلبها تضيع الصلاة بالوقوع في الشرك وفى المعاصي.

يقول تعالى عن إبراهيم ولوط واسحق ويعقوب "وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ. الأنبياء 73) أي كانوا أئمة للناس في عصرهم يهدون للحق ويقيمون الصلاة التي تعلموها من ملة إبراهيم ويؤتون الزكاة ويعبدون الله جل وعلا.

2- بل انه حين بدأ الوحي لموسى وهو في طريق عودته إلى مصر قال له ربه جل وعلا مؤكدا على عدم تضييع الصلاة بالوقوع في الشرك:" إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي. طة 14-) إذ قد يصلى المؤمن لله تعالى ولكن يذكر في صلاته – على سبيل التعظيم – أسماء مخلوقات من الأنبياء وغيرهم، مخالفا بذلك إخلاص العبادة لله تعالى وحده، وهذا ما كانت العرب في الجاهلية تفعل ونزل قوله تعالى لخاتم النبيين: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) الزمر 2- &11- )

هنا يكون التضييع للصلاة والذي حذّر الله تعالى موسى منه حين أمره أن يقيم الصلاة لذكر الله تعالى وحده. وهذا هو معنى افتتاح الصلاة ب( الله أكبر) وطالما تقول إن الله تعالى هو الأكبر في الصلاة والأذان فلا تذكر معه غيره.

وحين اشتد أذى فرعون ببني إسرائيل أمرهم موسى عليه السلام بالتوكل على الله إن كانوا حقا مسلمين "وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ " وأوحى الله تعالى لموسى وهارون بأن يقيموا الصلاة في بيوت سرية خوفا من أذى فرعون وبشرهم بقرب الخلاص: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.. يونس 84؛87)  فنظرا لاضطهاد فرعون فلن يتمكنوا من صلاة الجماعة والجمعة علنيا ،فكان ذلك التشريع  استثنائيا كصلاة الخوف . 

وبعد أن أنجى الله بنى إسرائيل اخذ عليهم الميثاق ورفع فوقهم جبل الطور، وكانت إقامة الصلاة أهم شروط الميثاق: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ)المائدة 12).

لقد قال الله تعالى لبنى إسرائيل في عهد نزول القرآن: " وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ. البقرة 45 ) ولأنها نفس الصلاة التي يصليها المسلمون الذين يقرءون القرآن فأن القرآن يكرر نفس الأمر للمسلمين في نفس السورة:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. البقرة 153). لو كانت الصلاة شيئا مختلفا بين الفريقين لنزل في القرآن ما يفيد ذلك حين توجيهه الحديث لبنى إسرائيل ولاتباع القرآن الكريم، ولكن على العكس جاء الخطاب واحدا يدعو الجميع إلى اتباع ملة إبراهيم حنيفا - أي بدون الوقوع في الشرك والمعاصي-و ملة إبراهيم هي الأصل في العبادات  للجميع.

إن الصلاة علاقة مستمرة وعهد بين الله تعالى وبين المؤمن. هي ذكر منظم ومقنن ومحدد وموقن – أي بتوقيت - خمس مرات كل يوم، فإذا أقام المؤمنون عهدهم مع الله تعالى أقام الله عهده معهم، أي إذا ذكروه بصلاتهم ذكرهم بمغفرته وعونه ورضوانه وجنته، وكانت صلاتهم لله تعالى – مع فضيلة الصبر - عونا لهم على شدائد الحياة، وطريقا يستعينون به في مواجهة الصعاب. هذا ما نستفيده من قوله تعالى للمؤمنين في عصر الوحي: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة 152- )

ونقض اغلب اليهود الميثاق فحرفوا في الكتاب وأضاعوا الصلاة وزعموا إنهم مغفور لهم، ولكن بقيت أقلية من بنى إسرائيل تتمسك بالكتاب وتقيم الصلاة متبعة ملة أبيهم إبراهيم بلا وقوع في شرك أو عصيان. يقول تعالى عنهم" وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الأعراف 168)أي كان منهم الصالحون والمفسدون من خلط عملا صالحا وآخر سيئا، وتعرضوا للابتلاء والاختبار.

تقول الآية الثالثة:" فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ. الأعراف 169 - ) أي جاء جيل آخر من بنى إسرائيل معتقدين أن الله تعالى سيغفر لهم مهما فعلوا من ذنوب وآثام معتمدين على عروض وهمية من أساطير مزيفة تؤكد لهم دخول الجنة مهما ارتكبوا من خطايا. وان جاءهم عرض جديد بنفس التوجه والافتراء تمسكوا به. ونسوا العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على أسلافهم حين رفع الطور فوقهم. وقد تمثل هذا العهد في ألا يفتروا على الله تعالى كذبا. ولكنهم افتروا الكذب على الله تعالى مع دراستهم للكتاب السماوي. ونسوا أن الدار الآخرة هي لمن اتقى. وفى مقابل هذا الضلال والإضلال كان هناك من بنى إسرائيل من تمسك بالحق المنزل في كتاب الله تعالى وحافظ على صلاته دون تضييعها، يقول تعالى فيهم: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) الأعراف 170 ) أي توارثوا الكتاب السماوىفالتمسك بالكتاب وحده وإقامة الصلاة أهم مظاهر الصلاح في كل زمان ومكان.

 ويلاحظ أننا وقعنا فيما وقع فيه أغلبية بنى إسرائيل من التحريف والافتراء وتضييع الصلاة، كما ظل فريق منهم ومنا يتبع الحق ويتمسك بالكتاب وحده ويحافظ على صلاته بالتقوى وعدم الوقوع في الشرك بالمولى عز وجل. ولذلك تكرر القصص القرآني عن بنى إسرائيل لهدايتهم وهدايتنا، وللتنبيه على انتمائنا لملة واحدة هي ملة إبراهيم، وتضييع معظمنا لها وثبات الأقلية منا عليها. والغريب أن بعض الضالين يشكك في القرآن متسائلا لماذا لم يذكر أوقات الصلاة وكيفيتها ليثبت نقص كتاب الله تعالى وليكذّب تأكيد الله تعالى بأنه ما فرّط في الكتاب من شيء وانه أنزل القرآن تبيانا لكل شيء.

نعود إلى حديث رب العزة عن بنى إسرائيل والذي جاء في الآيات السابقة والذي ختمها الله تعالى بالإشارة إلى العهد والميثاق الذي أخذه على بنى إسرائيل في عهد موسى حين رفع فوقهم جبل الطور في سيناء المصرية وكانوا ينظرون إليه في رعب يخشون أن يقع عليهم: " وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ) الأعراف 171 )

 3-وفى سياق القصص القرآني عن بنى إسرائيل أشار القرآن لصلاة الأنبياء من بنى اسرئيل، فهناك قصة الخصمين اللذين تسورا المحراب على النبي داود عليه السلام وهو يصلى: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ  إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ  قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ  )  ص 20-24)

ويفهم من ذلك أن المحراب كان المكان المفضل لنبي الله داود. وإذا تمثلت القصة وجدتها طبيعية تنطبق في عصرنا على أي مسلم صالح يصلى في المحراب ويقصده الناس ليحكم بينهم في خلافاتهم، وشأن نبي الله تعالى داود عليه السلام فانه حين شكّ في احتمال وقوعه في الخطأ بادر بالاستغفار والركوع والصلاة في خشوع وإنابة.

ومثله زكريا عليه السلام فقد بشرته الملائكة بمولد ابنه يحيى وهو قائم يصلى في المحراب (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ) أل عمران 39) وجاءت تفصيلات أخرى في سورة مريم " فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) مريم 11)

وقد كفل زكريا عليه السلام الطفلة النقية مريم بنت عمران فعاشت معه في المسجد، في بيئة غاية من الطهر لا نجد تعبيرا أفضل مما حكاه رب العزة في سورتي آل عمران ومريم. في تلك البيئة النقية كانت الملائكة تكلم الطفلة العذراء الطاهرة المطهرة تنصحها بالصلاة:" وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)آل عمران 43) فاعتادت مريم الاعتكاف عن الناس في المحراب فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ) آل عمران 37)

وحين ولدت العذراء المطهرة عيسى عليه السلام معجزة حية بدون أب نطق المولود عيسى في المهد قائلا " وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا )  مريم 31)

وقبل ذلك كان لقمان ينصح ابنه قائلا " يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) لقمان 17)

هذا فيما يخص ذرية فرع اسحق بن إبراهيم، فماذا عن فرع إسماعيل بن إبراهيم الذي جاء فيه خاتم النبيين عليهم سلام الله تعالى ؟

تواتر الصلاة في العرب أبناء إسماعيل:   

1-رأينا كيف كان أبناء إسماعيل وأحفاده من أنبياء بنى إسرائيل يوصى احدهم أبناءه بالمحافظة على الإسلام وشرائعه وبذلك كان لقمان يعظ ابنة يحذره من الشرك يأمره با"RTL"> ونعود للقرآن في سورة  مريم ، فبعد أن تحدث رب العزة جل وعلا عن إبراهيم وذريته اسحق ويعقوب  وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس قال عنهم " أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا  " ثم يقول عن الخلف  الذين جاءوا من نسل يعقوب أي بنى إسرائيل ومن نسل إسماعيل أي العرب " فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) مريم 58-59)

مشكلتنا الكبرى هي إضاعة الصلاة مع أننا نؤديها. نصلى ولكن لا نحافظ على الصلاة. نركع ونسجد ونقوم ونقعد ونسبح ونفعل كل حركات الصلاة ونقرأ الفاتحة ونسبح ولكن أداء تلك الحركات بدون المحافظة على الصلاة يصبح كما قال تعالى " مكاء وتصدية". باختصار إننا نصلى ولكن لا نقيم الصلاة، فإقامة الصلاة شيء آخر غير تأدية الصلاة. إن أقامة الصلاة أو المحافظة على الصلاة هي نقيض إضاعة الصلاة. ونحن – في الأغلب – قد أضعنا الصلاة مثلما فعل الخلف.

بين إضاعة الصلاة وإقامة الصلاة

الصلاة ليست هدفا في حد ذاتها وكذلك كل العبادات، فهي جميعا وسائل للتقوى، يقول تعالى للبشر " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. البقرة 21" فالتقوى هي الهدف وسائر العبادات وسائل لتنمية مشاعر التقوى والخوف من الله.

فالصيام وسيلة إلى التقوى يقول تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. البقرة 183) 

والصلاة أيضا وسيلة للتقوى، والذي يحافظ على صلاته أومن يقيم الصلاة هو الذي تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر فيكون  متقيا لله تعالى " وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ " العنكبوت 45)

أما الذي يضيع صلاته فهو ذلك المصلى الذي يقع في المعاصي. قد يكون مؤمنا ولكنه لن يكون مؤمنا من المفلحين أصحاب الجنة. لقد بدأت سورة "المؤمنون" بتحديد المؤمنين المفلحين، وجاء التحديد مرتبطا بإقامة الصلاة والخشوع فيها ليؤكد إن بعض المؤمنين وبعض من يصلى منهم لن يكون من أصحاب الجنة لأنه لم يخشع في صلاته ولم يقم بالمحافظة عليها بالتزام السلوك الحميد. يقول تعالى:" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ"

" لم يعط القرآن الكريم صفة الفلاح لكل المؤمنين بل توالت الآيات تحدد من هم المفلحون من المؤمنين، فقالت:" الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ " أي حين يصلى أحدهم لا بد أن يخشع في صلاته حين يناجى ربه مبتهلا له يدعوه رغبة ورهبة دون أن يسمعه أحد، ودون أن يكون هناك وسيط بينه وبين ربه جل وعلا. إنها علاقة مباشرة بينه وبين مولاه يشكو له جل وعلا ما يلاقيه في المحنة ويشكر له عند المنحة والنعمة. بعد الخشوع في الصلاة تأتى صفات أخلاقية أخرى يتصف بها المؤمن ويلتزم بها بين صلواته،  هي الاعرض عن اللغو ثم التزام الزكاة أي السمو في أفعالهم والابتعاد عن الزنا ثم مراعاة العهود والأمانات وبالتزام تلك الأخلاق يكون الحفاظ الفعلي على الصلاة " وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ".

هذا هو معنى المحافظة على الصلاة. وهو نفس معنى إقامة الصلاة.

هو أيضا معنى إيتاء الزكاة.

وهذا يستحق توضيحا.

معنى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة

التطبيق العملي لإقامة الصلاة هو الجمع بين الخشوع في الصلاة والمحافظة عليها.

فالصلاة تستلزم أثناء تأديتها خشوعا كما تستلزم تقوى ومحافظة على السلوك القويم فيما بين الصلوات الخمسة. أي أن يوم المؤمن المصلى ينقسم إلى قسمين: قسم أصغر هو الدقائق التي يؤدى فيها الخمس صلوات الموزعة على أوقات اليقظة في اليوم. والقسم الأكبر هو بقية الوقت الواقع بين تـأدية الصلوات الخمس، وفى تلك الأوقات يجب المحافظة على الصلوات بالتقوى والالتزام الخلقي القويم.

وهناك علاقة وثيقة بين الخشوع أثناء تأدية الصلاة والمحافظة على الصلاة بعد تأديتها بعدم الوقوع في المعاصي بين الصلوات الخمس. فالخشوع أن يِؤكد المؤمن على إخلاصه في كل كلمة يناجى بها ربه جل وعلا في صلاته خصوصا وهو يقول في كل ركعة في الفاتحة " اهدنا الصراط المستقيم "، الخشوع هو الصدق في مخاطبة رب العزة والإخلاص التام في دعائه وعبادته. ولا يمكن أن تخشع في صلاتك بهذا الشكل وأنت تفعل الفحشاء وترتكب المعاصي بعد الصلاة وتصمم عليها أثناء الصلاة وبعدها و تصلى لربك وتقول له جل وعلا: اهدنا الصراط المستقيم. إذا فعلت هذه فإنما ترائي الناس ولا تخدع سوى نفسك.

إقامة الصلاة هو المصطلح القرآني الذي يعنى الخشوع في الصلاة والمحافظة عليها معا. وهذا يؤكد أن الصلاة مجرد وسيلة لغاية أسمى هي التقوى، أو الابتعاد عن الفحشاء والمنكر. على هذا الأساس نستطيع أن نقرأ معا الآيات الأولى من سورة المؤمنون في ضوء ما سبق قوله عن الصلاة؛ الخشوع فيها والمحافظة عليها.( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)المؤمنون "1إلى 9"

 وتكرر ذلك المعنى وفى سورة المعارج (22-34)

ومن اجل ذلك تقول الآية توضح معنى إضاعة الصلاة عند الخلف الذي جاء بعد الأنبياء "فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) مريم59  - 60  (

 هم أضاعوا الصلاة حين اتبعوا الشهوات والمعاصي ومن تاب منهم وآمن إيمانا حقيقيا وعمل صالحا أصبح محافظا على صلاته غير مضيع لها واستحق بذلك دخول الجنة. ينطبق هذا على الخلف الماضين كما ينطبق علينا الذين خلفنا اللاحقين، ولذلك ذكر الله تعالى لنا هذه الحقائق في آخر رسالة سماوية كي نعتبر ونهتدي.

في اللغة العربية والمصطلح القرآني تجد مفهوم " قام على الشيء" بمعنى حافظ عليه ورعاه.

الله تعالى وصف ذاته باسم من أسمائه الحسنى هو " القيوم" الذي لا تدركه سنة ولا نوم:" اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) البقرة 255 )

الآية الكريمة تشرح معنى القيوم، أي القائم على كل شيء ولا يغفل عن شيء، ويصف تعالى ذاته كقيوم يحفظ أعمال كل إنسان وأقواله ليحاسبه عليها يوم القيامة: " أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) الرعد 33) القيوم هنا بمعنى الذي يحفظ أعمال كل إنسان، يتم ذلك عن طريق ملائكة الحفظ (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) الرعد 11 ) (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ  يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) الانفطار 10 -) ( أيضا سورة ق :16 - )

لذلك يأمرنا ربنا جل وعلا أن نكون ( قوامين بالقسط ) أي قائمين على رعاية العدل والقسط:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ  ) النساء 135 ).

ولأن العرب في الجاهلية وقريش في عهد النبوة كانت تصلى وتعرف الصلاة ولكن لا تقيم الصلاة لذا نزلت الأوامر لهم في مكة بإقامة الصلاة، أي بالمحافظة عليها بعدم الوقوع في الشرك والمعاصي والخشوع أثناء تأديتها. على سبيل المثال جاء الأمر بإقامة الصلاة في الفترة المكية في السور الآتية ( فاطر 18 ، 29 ) الشورى 38) (الروم 31).

 لم تعلمهم الصلاة لأنهم كانوا فعلا يعرفونها ويؤدونها. أمرتهم فقط بفعل ما لم يكونوا يفعلون وهو إقامةالصلاة بالخشوع فيها والمحافظة عليها لكي تقوم الصلاة بدورها في سمو السلوك الخلقي وتهذيبه.

إيتاء الزكاة هي نفسها إقامة الصلاة

للقرآن الكريم مصطلحاته الخاصة المخالفة لمفاهيم التراث الذي صنعه المسلمون بعد نزول القرآن بعدة قرون.

إقامة الصلاة في مصطلحات القرآن تعنى الخشوع في أثناء الصلاة والتزام التقوى والسمو الخلقي بين الصلوات. لكن إقامة الصلاة في حياتنا الدينية التراثية تعنى رفع الأذان للمصلين في المسجد بأداء الصلاة بعد الأذان العام للصلاة.

ويفهم معظم المسلمين – تبعا للفقه التراثي – أن إيتاء الزكاة هو إعطاء الصدقة فقط، وبذلك يفهمون الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على انه أمر بشيئين مختلفين هما الصلاة وإعطاء الزكاة وهى عندهم لا تعنى سوى شيء واحد فقط هو إعطاء الصدقة للفقراء والمستحقين.

طبقا لمفاهيم القرآن الكريم ومصطلحاته فان إقامة الصلاة هي نفسها إيتاء الزكاة، أي أنه أمر واحد بشيء واحد هو التطهر والسمو الخلقي والتقوى. الخلاف الوحيد هو أن وسيلة إقامة الصلاة تتركز في الخشوع في الصلاة أثناء تأديتها - ثم بعد تأديتها تكون المحافظة عليها بالتزام السلوك القويم. أما الزكاة فهي تزكية النفس وتطهيرها والسمو بها بوسائل كثيرة من الصلاة والذكر لله تعالى وإعطاء الصدقات وكل فعل صالح مقصود به وجه الله تعالى.

نبدأ توضيح ذلك باختصار.

1- إن الإسلام باختصار هو تزكية النفس بالعقيدة الصحيحة والسلوك القويم، لذلك فان موسى حين دعا فرعون للإسلام قال له كلمة واحدة: ( هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى) النازعات 18 ) بل إن رب العزة قد أوجز مفهوم المشرك بأنه الذي لم يقم بتزكية نفسه: (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) فصلت 6-7 ) فالمشرك يضع كل همه في الدنيا ويبيع من أجلها الآخرة. يرتكب كل المعاصي في دنياه غافلا عن تزكية نفسه بالتقوى لذا ينتهي إلى الجحيم.

لقد خلق الله تعالى النفس الإنسانية على أساس الفجور والتقوى، تقبل أن تكون تقية أو فاجرة، ثم يختار الإنسان بإرادته طريقه، إن أراد الهداية قام بتزكية نفسه، وان أراد الفجور سقط بنفسه إلى مستنقع الغواية. إذن فالإنسان يختار بين اثنين: تزكية نفسه أي تطهيرها والسمو بها، أو الهبوط بنفسه إلى حضيض الرذيلة. وليس هناك من طريق وسط. المهم هنا أن الزكاة للنفس تعنى السمو بها. اقرأ هذا المعنى في قوله تعالى:" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا7- )الشمس.

2- ولذلك فان الهداية للحق من معاني الزكاة. والهداية هي اختيار شخصي يبدأ باختيار الإنسان لنفسه طريق الهداية ثم تأتيه هداية الله له تؤكد ما اختاره لنفسه. والهداية كالزكاة هي عملية تطهير للنفس من الأحقاد والشرور وتقديس غير الله تعالى. ومن اهتدى فقد اهتدى لنفسه حسبما قال رب العزة:" مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) الإسراء 15 ) وبالمثل فان من يتزكى أي يتطهر فإنما يتزكى لنفسه (وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) فاطر 18 )

وفى النهاية فان الجنة هي مكافأة من تزكى وتطهر في الدنيا أو اهتدى، يقول تعالى (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) طه 76 )

 إن وظيفة النبي هي أن يزكى قومه بالكتاب السماوي الذي يدعوهم إليه، أو يهديهم إليه (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ. ) البقرة 151 ) وتكررت التزكية كوظيفة للنبوة القائمة على الكتاب في مواضع أخرى في القرآن الكريم: (البقرة 129 – آل عمران 164 – الجمعة 2 )

ولارتباط الهداية بالزكاة فقد وصف الله تعالى عيسى وعن يحيى عليهما السلام بالطهر والعفاف والسمو الخلقي، أي  كان "غلاما زكيا " أو كان "زكيا" ( مريم: 19 ، 13 ) .

3- هناك وسائل للزكاة، بمعنى إن إيتاء الزكاة يعنى اختيار "أزكى " أو أطهر أو أسمى الخيارات وهى التشريعات القرآنية، ومنها الإحسان في التعامل مع الزوجة المطلقة( البقرة 232 ) وفى الاستئذان وفى غض البصر والعفاف الخلقي ( النور 28، 30 ) وتلك وسائل للوصول إلى " إيتاء الزكاة " أو تزكية النفس التي هي الهدف الأعلى للمؤمن.

وهناك وسائل أخرى أشار إليها القرآن مثل الصلاة وذكر الله تعالى، ومعروف أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر- أو يجب أن تكون كذلك – وكذلك ذكر الله تعالى بمعنى تعظيمه وتقواه. (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) العنكبوت 45) وكذلك من وسائل التزكية – أو إيتاء الزكاة - الصلاة وذكر الله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) الأعلى 14-15 ) ومنها خشية الله تعالى وإقامة الصلاة (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُُ) فاطر 18 )

وأخيرا منها إعطاء الصدقة المالية فالمؤمن المفلح في الآخرة هو (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ) الليل 18 ) ولذلك أمر الله تعالى خاتم النبيين بأن يأخذ صدقة من المؤمنين ليتطهروا ويتزكوا:( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) التوبة 103 )

إذن فإيتاء الصدقة هي مجرد وسيلة من وسائل إيتاء الزكاة، لأن الزكاة هي التطهر القلبي والسلوكي الذي يجعل المؤمن طاهرا مستحقا للجنة.

4- أكثر من ذلك فان تشريع الصدقة في القرآن لم يرد فيه مطلقا لفظ الزكاة، وإنما جاء بلفظ الإنفاق وإيتاء الأموال و الصدقات.

وتراث المسلمين الفقهي يخالف ذلك كله .

 ليس فقط في اختيارهم لمصطلح الزكاة بمعنى مخالف للقرآن ولكن أيضا في تشريعات الصدقة ذاتها.

ونعطى لمحة سريعة عاجلة:

فعندهم وطبقا لمصطلحاتهم فان الزكاة:

(ا)- تجب بالحول - أي إخراج الزكاة بعد مرور عام وليس قبل ذلك، أي على الجائع أن ينتظر عاما ليأخذ حقه.

الخ.وليس إخراج الزكاة عن كل ما يملك الإنسان بل على أصناف محددة مثل الذهب والفضة – أي لا زكاة عندهم على بقية المعادن مثل النحاس والقصدير والبلاتين.. الخ . ..ولا زكاة عندهم على الجواهر والمعادن الثمينة مثل الماس واللؤلؤ والياقوت - وعروض التجارة – وليس على البيوت والإيجارات -والزراع والمواشي – وليس على مزارع الدواجن مثلا.

(ج)- وبشرط أن يبلغ ما يمتلكه الإنسان حد النصاب.

( د )- ثم قرروا إخراج الزكاة فيما يزيد عن النصاب – زكاة بنسبة محددة - تتراوح بين ربع العشر ونصف العشر.

هذا كله يتناقض مع القرآن الكريم.

 فليس في القرآن الكريم مصطلح زكاة بمعنى الصدقة، بل إيتاء المال أو الصدقة أو الإنفاق بالمال. وقد حددت تشريعات القرآن كل التفاصيل المطلوبة بما يخالف التشريع الفقهي بدون استعمال مصطلح الزكاة.

 ا - فالصدقة واجبة عليك بمجرد ان يأتيك رزق من الله – عندها يجب إخراج حق الله تعالى فيه دون انتظار لمرور عام أو الحول كما يقول الفقهاء بل بمجرد الحصول عليه، أو بالتعبير القرآني (وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الأنعام 141 ) فالحصاد ليس فقط في الزرع  وإنما يشمل مجيء الرزق من مرتب أو مكسب تجارى أو ريع آت من تأجير عقار وغيره. ولقد تكرر في القرآن كلمة " ومما رزقناهم ينفقون " للتأكيد على ذلك ( البقرة 3 – الأنفال 3 – الحج 35 – السجادة 6 – القصص 54 الشورى 38 )

ب - بل وصف القرآن الكريم المتقين الصالحين بالأنفاق باستمرار سرا وعلانية ليلا ونهارا (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة 274 ) وأنهم ينفقون من أحب ما يملكون – هذا من حيث الجودة (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ) البقرة 177 ) (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) الإنسان 8 )

 ومن حيث الكمية فهم ينفقون حتى وهم ليملكون الفائض، أي يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ( الحشر 9 )

وفى كل الأحوال لا ينفقون إلا من الكسب الحلال الطاهر الذي لم يدخله سحت أو سرقة أو اختلاس أو ظلم أو جور كما هو السائد في عصرنا. إن الله تعالى يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) البقرة 267 )

ولا بد لمن يتصدق أن يبتغى وجه الله تعالى وحده  وأن يعطى الفقير والمستحق لأنه فقير ومستحق بغض النظر عن دينه أو صلاحه أو عصيانه فليس المتصدق مسئولا عن هداية أحد سوى نفسه وعليه إعطاء الصدقة لمستحقها وكفى (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) البقرة 272 ) ثم عليه وهو يعطى أن يتذكر إنما يعطى المحتاج (حقه ) فليس له أن يمتن عليه أو أن يجرح شعوره ( البقرة 264) ، يقول تعالى في التأكيد على حق مستحق الصدقة: " فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) الروم 38 ) (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا)( الإسراء 26 )

ج - وخلافا لما قاله الفقهاء فان الله تعالى لم يحدد نسبة معينة لإخراج الصدقة، لأن الأساس فيها هو التنافس في الخير والسعي لتزكية النفس والتعامل المباشر مع الله تعالى. فالذي يسارع في الخير هو المتقى الذي ينفق في السراء والضراء ( آل عمران 133- 134 ) وكل المتقين مدعون للتنافس في هذا المضمار ن وللقرآن الكريم نداء شديد الوقع يجعل المتصدق كمن يقرض الله تعالى قرضا حسنا، والله تعالى سيرد له الأجر مضاعفا.( البقرة 145) ( الحديد 11 )( التغابن 17 ) (المرمل 20)

ومع ذلك فان الله تعالى جعل للمؤمن مقياسا يتصرف على أساسه هو الاعتدال في الإنفاق العادي، والاعتدال في الإنفاق في سبيل الله تعالى بالصدقة، أي ينفق المؤمن معتدلا على حاجاته دون إسراف، ثم ما يزيد عن حاجته فهو لله تعالى صدقة.لقد سألوا النبي محمدا عن المقدار الذي ينبغي أن ينفقوه صدقة فنزل الوحي يقول انه "العفو ". والعفو في مصطلح القرآن هو الفضل والزائد عن الحاجة.( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) البقرة 219 ) . وقبلها في مكة نزل تشريع القرآن يؤكد على ذلك التوسط في الإنفاق العادي وفى إخراج الصدقة بحيث لا يقع المؤمن في التبذير أو الإسراف (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) الفرقان 67 ) (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (----وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) الإسراء 26 – 29 )

وفى كل الأحوال فالمؤمن هو الذي يجعل بينه وبين نفسه حقا محددا معلوما لديه للصدقة يلتزم بإخراجه ابتغاء وجه الله تعالى عن كل مال يصل إليه، وهذه صفة من صفات المتقين: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) المعارج 24 -25 ) (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) الذاريات 19 )

د - والصدقة لها نوعان من المستحقين تبعا لنوعيتها. هناك صدقة يعطيها المؤمن للدولة، وهى تقوم بجمع الصدقات وتوزيعها على مستحقيها المذكورين في قوله تعالى:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) التوبة 60 ) الدولة هنا هي التي تحدد وتعين مستوى الفقير، والمسكين، والغارم، و المؤلفة قلوبهم، والعاملين عليها وابن السبيل أي الأجنبي الغريب السائح الزائر الذي يجب إكرامه وليس تكفيره وقتله - وعتق الرقيق – أي إذا كان هناك من لا يزالون رقيقا – ولا يزال الرق موجودا بصفة غير رسمية في بعض دول الخليج برغم إلغائه رسميا من السعودية سنة 1962 – أولئك هم مستحقو الصدقة الرسمية من الدولة.

 وهناك مستحقون للصدقة الفردية، وهم أقارب المؤمن المتصدق ومن يعرفهم من المحيطين به من اليتامى والمساكين وابن السبيل المار ببيته، وقد سئل النبي محمد عليه السلام في هذا الموضوع فلم يفت كعادته وإنما انتظر الإجابة من الوحي فنزل قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  ) البقرة 215 )

ه - لقد جعل الله تعالى من صفات المتقين الأبرار الصادقين إنهم ليسوا فقط الذين يراءون الناس بالتوجه للصلاة صوب المشرق والمغرب ، ولكنهم الذين يؤمنون أيمانا حقيقيا  بالله تعالى واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، ثم يعطون المال صدقة لمستحقي الصدقة من  الأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل ومن يسأل الناس إحسانا ، ويقومون بإطلاق سراح المستعبدين – إذا كان ثمة استرقاق لا يزال موجودا ، وهم الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة والذين يوفون بالعهد والصابرين في الشدائد والمصائب وفى الجهاد ،.( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ  ) البقرة 177 )

الملاحظ هنا إن الآية الكريمة قامت بالفصل بين الصدقة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إذ تكلمت على إيتاء المال صدقة للمستحقين بعد صفة الأيمان مباشرة، ثم بعد الصدقة ذكرت إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصفات أخرى كريمة لتجعل فاصلا بين إيتاء الصدقة ومفهوم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

 وقد تكرر هذا الفصل بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة  وبين تشريع الصدقة في موضعين آخرين في القرآن الكريم :

ففي الحديث عن الميثاق الذي أخذه رب العزة على بنى إسرائيل في عهد موسى جاء الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ثم الأيمان بالرسل وتأييدهم ، ثم إعطاء الصدقة ، ولو كانت إعطاء الصدقة هو نفسه الزكاة ما جاء هذا الفصل بينهما  (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) المائدة 12 )

وجاء الإقراض أيضا بمعنى الصدقة تاليا للعبادة وقراءة القرآن وقيام الليل وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في خطاب للنبي محمد عليه السلام وأصحابه في بداية أقامتهم في المدينة  :(فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) المزمل 20 ).

إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بين مفهوم الإسلام ومفهوم الشرك والكفر

إن المشركين في الجاهلية كانوا يؤدون الصلاة ولكن لم يقيموا الصلاة، وكانوا مشهورين بالكرم ولكن دون أن يؤتوا الزكاة بمعنى التطهر والسمو الخلقي، لذلك ظلوا يغير بعضهم على بعض ، وينتهكون الحرمات ويسبون ويسلبون ويشربون الخمر ويرتكبون النسىء اى يستحلون القتال حتى في الأشهر الحرم بعد إعلان عدم حرمتها أو تأجيل حرمتها (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) التوبة 37 ).

ومعناه أنه يمكننا أن نتعرف على من لا يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة طبقا لسلوكياته وظلمه وفجوره، فكل من يرتكب علنا كل الفجور والفساد لا يمكن أن يكون مؤتيا للزكاة مقيما للصلاة حتى لو اشتهر بدخول المساجد وعمارتها.

وبعضهم كان يقوم بعمارة المسجد الحرام وخدمة الحجاج ويقرن ذلك بارتكاب المعاصي وعبادة الأولياء والقبور المقدسة. وقد رد عليهم رب العزة جل وعلا معتبرا أن ذلك لا شأن له بالتعمير الحقيقي لمساجد الله تعالى أو لدينه، ولا شأن له بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) التوبة 17- 18 )

وفى عصر نزول القرآن في الفترة الأخيرة من حياة النبي ظل أئمة الكفر يواصلون الاعتداء على المسلمين ونكث العهود التي كانوا يعطونها للمسلمين- وهى حقائق تاريخية أغفلتها روايات السيرة بينما أشارت إليها سورة التوبة في نصفها الأول – لذلك نزلت سورة براءة بإعلان البراءة منهم وإعطائهم مهلة للتوبة. شرط التوبة الكف عن الاعتداء الحربي والمسلح، والكف عن الغدر ونقض العهود. كان انتهاء المهلة هو انقضاء الأشهر الحرم.واعتبر رب العزة كفهم وتوبتهم عن الاعتداء إقامة للصلاة وإيتاء للزكاة: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) التوبة 4-5 ).. (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) التوبة 10 -11 )

إن إقلاعهم عن الاعتداء والظلم هو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وهذا هو المقياس البشرى الذي نستطيع الحكم عليه. فلا نستطيع مثلا أن نعرف إن كان الله تعالى سيقبل صلاتهم وصدقاتهم أم لا، ولا نستطيع أن نعرف إذا كانوا يخشعون في صلاتهم أم يراءون الناس. ليس ذلك لنا ولا نملكه. الذي نملك الحكم عليه فقط هو سلوكهم الخارجي، هل هم مسالمون أم معتدون، هل هم أبرياء أم مجرمون. فالمسالم الذي لا يظلم أحدا – في رؤيتنا البشرية الظاهرية - هو المقيم للصلاة والذي يؤتى الزكاة. والفاجر الظالم عندنا هو الذي يضيع الصلاة مهما كان مصليا. ونفس الحال فى التعرف على المسلم والكافر أو المشرك. فالمسالم هو المسلم بغض النظر عن عقيدته ، والكافر أو المشرك هو المجرم المعتدى الارهابى بغض النظر عن الدين الذى يزعم الانتماء اليه.

وفى كل الأحوال ، لا شأن لإعطاء الصدقة هنا بإيتاء الزكاة المذكور في الآيتين الكريمتين من سورة التوبة، فإيتاء الزكاة هو التطهر والسمو الخلقي . الدليل أن الدولة الإسلامية ليس لها أن تفرض على الناس تأدية الصلوات الخمس، وليس لها أن تجمع الصدقات من الناس بالقوة والإرغام، إذ لا إكراه في الدين – أي لا إكراه في دخول الدين أو في الخروج منه، كما لا إكراه في تأدية شعائره من صلاة وصيام وحج وصدقات وقراءة للقرآن وقيام لليل وتسبيح للمولى عز وجل. كل ذلك هي حقوق الله تعالى علينا، وعلينا بدافع من التقوى أن نفعلها ابتغاء مرضاة الله تعالى وليس خوفا من السلطان أو مراءاة للناس.

وقد كان المنافقون في عهد النبي عليه السلام يؤدون الصلاة ولا يقيمونها ، أي يتظاهرون بالصلاة رياء ونفاقا، لذا لم يقبلها الله تعالى منهم واعتبرها خداعا ليس لله تعالى وإنما لأنفسهم (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً 142 )النساء.

 أولئك المنافقون أيضا كانوا يعطون الصدقات متطوعين لستر حالهم،  ولكن مع حقد شديد، ولأن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور فقد أخبر عن مكنون قلوبهم ومنع النبي أن يأخذ منهم صدقاتهم: (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ ) التوبة 53 – 54 )

في ضوء هذا التوضيح القرآني فان النبي محمدا عليه السلام لم يرغم الناس على إعطاء الصدقات ولم يرغمهم على تأدية الصلوات وسائر حقوق الرحمن. أما حقوق العباد – أو حقوق الإنسان – فلا بد من حفظها وإلزام الناس باحترامها، لذا هناك عقوبات للقتل والزنا والقذف وقطع الطريق.

ولذلك فان المشركين المعتدين حين نقضوا العهود وأغاروا على المسلمين المسالمين أوجب الله تعالى قتالهم حفظا للحقوق البشرية، وجعل مقياس الاسلام الظاهرى هو التزام السلام.

ووفقا لمصطلحات القرآن التي غفل عنها أئمة التراث فان الإسلام له معنيان:

1- " السلام " أو المسالمة، وهو هنا معنى سلوكي يستطيع أن يحكم عليه البشر حسب الظاهر في التعامل مع الناس، فكل إنسان مسالم فهو مسلم بغض النظر عن عقيدته ودينه، وليس لأحد أن يحكم على عقيدة أحد أو درجة ما في قلبه من إخلاص أو رياء أو نفاق أو إشراك. مرجع ذلك لله تعالى وحده يوم القيامة.

2- الاستسلام لله تعالى والانقياد له وحده: هذا هو الإسلام في معناه القلبي العقيد في التعامل مع الله تعالى. انه استسلام لله جل وعلا في العقيدة فلا اله إلا الله، وفى السلوك بالطاعة المطلقة له تعالى وبتقواه وحده لا شريك له. وهذا ما سيظهر فيه الحكم على كل منا يوم القيامة حيث سيحكم علينا الواحد القهار الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض والسماء.

وطبقا لمعنى الإسلام الظاهري فان الذي يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة هو كل إنسان مسالم لا يعتدي على أحد ولا يظلم أحدا بغض النظر عن عقيدته أو صلاته. المهم ألا يعتدي على أحد أو لا يظلم أحدا.

الشرك أو الكفر معناهما واحد في المصطلح القرآني ( التوبة 1-2 -17 )( غافر 42 ) ولهنا أيضا معنيان:

1-- سلوكي ظاهري في التعامل مع البشر ويستطيع أن يحكم عليه البشر، والكفر والشرك هنا يعنيان الاعتداء والظلم للبشر, ولذا تأتى من مرادفاتهما في القرآن مصطلحات مماثلة مثل الظلم – الفسق – الإجرام – الاعتداء. كل من يرتكب جرائم القتل ويظلم الناس ويستحل دماءهم فهو مشرك كافر حسب سلوكه ، ولا شأن هنا بعقيدته. وعلى هذا الأساس تأتى تشريعات القرآن الكريم في التعامل الظاهري مع المشركين في الزواج وفى الموالاة مثلا، فلا تتحدث عن شركهم العقيد وإنما السلوكي الذي يمكن لنا أن نحكم عليه حسب تصرفاتهم العدوانية.( البقرة221 ) ( الممتحنة 1- 13 ) من المكن أن تصف بالكفر والشرك أسامة بن لادن ومن هم على شاكلته ممن يقتلون الأبرياء ويعتدون على من لم يعتدي عليهم– طالما لم يتوبوا.

2- الشرك بالمعنى العقيد أي اتخاذ أولياء وآلهة مع الله تعالى وتقديس البشر والشجر والحجر. وهذه عادة سيئة يقع فيها المسلمون وغيرهم، مع ادعاء معظمهم بالإيمان القويم، لذلك فان الذي سيحكم على الناس جميعا هو الله تعالى يوم القيامة, إذ أنه ليس لهذا الشرك العقيدي عقوبة في الدنيا اكتفاء بالخلود في النار يوم القيامة. الله تعالى – وهو الأعلم بالقلوب – أكد في القرآن أن أغلبية البشر يقعون في الشرك العقيدي وإنهم لا يؤمنون بالله تعالى إلا وهم مشركون. ( يوسف 103- 106 ) لذا فان الفصل في هذا الموضوع هو لله تعالى يوم القيامة، وذلك ما تردد في عشرات الآيات القرآنية. عندها – يوم القيامة – سيدخل الجنة الذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة في سلوكهم السامي الظاهري وفى عقيدتهم الصحيحة معا.

المشركون العرب وإضاعة الصلاة:.

1- -ضياع الشيء لا يعنى زواله نهائيا ولكن يعنى وجوده الفعلي بعيدا عنك. حين تضيع منك حافظة نقودك فلا يعنى هذا أنها قد اختفت نهائيا من الوجود ولكن المعنى أنها ضاعت منك أنت وضاع عليك الانتفاع منها. وهكذا المعنى في ضياع الصلاة أو تضييع الجاهليين للصلاة، إنهم أضاعوا ثمرتها، وأضاعوا الهدف الأساسي منها وهو التقوى والسمو الخلقي.

معروف أن الله تعالى يحبط العمل الصالح للمشرك يوم القيامة، فالمشرك قد يأتي بصلاة وصيام وسائر العبادات ولكن الله تعالى يحبط عمله الصالح أي يضيع ثمرته فلا ينجيه من النار ولا يغنى عنه شيئا. وهذا ما حذر منه رب العالمين جل وعلا كل الأنبياء؛ حذرهم من الوقوع في الشرك الذي يحبط الأعمال الصالحة ويضيع أثرها. اقرأ قوله تعالى لخاتم الأنبياء :" وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الزمر65)

ينطبق على العرب في الجاهلية من أبناء إسماعيل قوله تعالى " فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ..)  إذ كانوا يؤدون الصلاة مجرد حركات شكلية من ركوع وسجود وقيام دون إخلاص في العبادة لله ودون سلوك ملتزم بطاعة الله .

ولذلك لم يأت الأمر في القرآن بأن يؤدوا الصلاة مجرد تأدية لأنهم كانوا يؤدونها، ولكن جاء الأمر بإقامة الصلاة، وإقامتك للصلاة يعنى محافظتك عليها واهتمامك بها فالمصلى القائم على صلاته هو الذي يخشع أثناء الصلاة ويتقى الله في غير أوقات الصلاة يقيمها في نفسه سلوكه حميدا وتقوى لله وإخلاصا في عبادته لله وحده دون شريك للمولى عز وجل.

وقوله تعالى لهم " أقيموا الصلاة" يعنى الصلاة المعهودة المعروفة لكم فاللام في كلمة (الصلاة ) تسمى" لام العهد" التي تأتى لوصف الشيء المعهود المعروف للسامع والذي لا يحتاج إلى إيضاح.

2-العرب في الجاهلية أضاعوا صلاتهم حين اكتفوا بتأديتها شكلا فقط بينما وقعوا في الشرك والفحشاء. وذكر القرآن أن العرب كانوا يؤمنون بان الله هو خالق السماوات والأرض ومسخر الشمس والقمر وانه مالك الأرض ومن فيها وأن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه (المؤمنون 84؛89" العنكبوت  61 " الزمر 38) ولكنهم مع ذلك لم يخلصوا لله تعالى عبادتهم إذ اتخذوا أولياء أقاموا لهم الأنصاب أي الأضرحة – كما نفعل اليوم -  وحجوا إليهم – كما نفعل نحن في الموالد الصوفية - وعكفوا على قبورهم المقدسة بزعم أنها تقربهم لله زلفى – كما نفعل في ضريح الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والإمام الشافعي والمرسى أبى العباس والسيد البدوي وغيرهم -وذلك ينافى الإخلاص في عبادة الله وحده، يقول الله تعالى لهم – ولنا أيضا - " أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ الزمر 2-3)

3- والمصلي الذي يعبد الله ويشرك بعبادته مع الله تقديس ولي أو ضريح جزاؤه عند الله أن يحبط الله عمله ( الزمر 65-) وإحباط العمل يعنى تضيع ثوابه، فذلك المصلى المشرك بالله أضاع صلاته بالشرك وهذا هو السبب الأول في إضاعة العرب لثواب صلاتهم عند الله.

والسبب الثاني وقوعهم في المعاصي وتعودهم عليها بل الفخر بها واعتبارها جزءا من الدين عندهم حتى لقد نسبوها لأمر لله تعالى، وقد احتج رب العزة على هذا التزوير الديني الذي وقعوا فيه فقال تعالى يسجل ذلك عليهم:" وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ). الأعراف 28")

المخزي أن بعض الصوفية بعد نزول القرآن بعدة قرون جعل للزنا والشذوذ وسائر المعاصي مسوغا دينيا بأن أسندها لأمر الله تعالى فيما يعرف عندهم بوحدة الفاعل – أي الله تعالى – وهو ترديد مخجل لأقاويل الجاهلية تؤكد عظمة الإعجاز القرآني الذي سيكون حكما على الجاهليين و على المسلمين الضالين وكلاهما أضاع الصلاة بالمعاصي والشرك مع قيامه بتأدية حركاتها وفى مواقيتها. لقد ذكر الله تعالى أفعال الجاهليين ورد عليها في القرآن في سورة الأعراف التي ذكر فيها من قبل أن الشيطان سيظل يمارس مهمته إلى قيام الساعة (قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ )الأعراف 15 – 17 )

إن من يقع في الشرك وفى المعصية ومع ذلك يصلى فلا عبرة بصلاته طالما لم يحافظ عليها بسلوكه وبقلبه، بمعنى آخر هو قد غفل وسها عن الهدف الحقيقي للصلاة، فالصلاة ليست مجرد حركات بل لا بد أن تثمر تقوى وسموا خلقيا في التعامل مع الناس يعبر عن إيمان حقيقي. إذا اكتفى بعضهم بمجرد تأدية حركات الصلاة واعتبر الصلاة هدفا في حد ذاته فقد وقع في تكذيب دين الله تعالى لأن صلاته ستتحول إلى مسوغ له لارتكاب المعاصي معتقدا أنه طالما قد صلى فقد أصبح مغفورا له مهما فعل لأن مجرد صلاته ستمحو ذنوبه. هنا تكون الصلاة وسيلة للعصيان وليست وسيلة للتقوى، وهذا هو التكذيب لدين الله تعالى.

وقع في هذا التكذيب لدين الله تعالى بعض الجاهليين المتدينين الذين كانوا يصلون الصلاة في مواعيدها معتبرين إياها هدفا في حد ذاتها، ولذا اقترنت صلاتهم بارتكاب المعاصي والرياء. نفهم هذا من قوله تعالى في سورة مكية:" أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) سورة الماعون)

فالخطاب في السورة للرسول بالتعجب من ذلك المشرك الذي يكذب بالدين ويزجر اليتم ولا يهتم بطعام المسكين ومع ذلك يؤدى الصلاة وهو ساه عنها وعن معاصيه بل يرائي بهذه الصلاة ولا خير فيه للناس، وهكذا كان حال مشركي مكة وهو حال أغلب محترفي التدين من المسلمين اليوم، حيث يقترن تدينهم وصلاتهم بالغلظة والقسوة والجبروت والرياء والنفاق والتناقض بين الظاهر والباطن واستحلال أموال الناس بالباطل، أو بما تسميه العامة في مصر ( بقلة الدين).

وكانت للعرب المشركين مساجد يؤدون فيها الصلاة ولكنهم لوقوعهم في الشرك كانوا يسمون هذه المساجد بأسماء الأولياء الذين يعبدونهم كما نفعل نحن الآن، وحين دعا النبي إلى أن تكون هذه المساجد لله تعالى وحدة تكالبوا عليه يريدون إيذاءه، واقرأ معنى ذلك في قوله تعالى " وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا الجن 18-19).

وقد أمر الله تعالى رسوله محمدا أن يوجه خطابا محددا لأولئك العرب الذين يقدسون أضرحة الأولياء المدفونة في مساجد الله تعالى، والذين يقرنون أسماء البشر المقدسين مع اسم الله تعالى في الأذان للصلاة وفى تأديتهم للصلاة. الخطاب المحدد هو أيضا موجه لنا حيث يذكر المسلمون اسم محمد نفسه مع اسم الله تعالى في الأذان وفى الصلاة ويكتبون اسم محمد مع الله تعالى بما يعنى تقديسا لمحمد وهو الذي أرسله الله تعالى لمحو تقديس البشر والحجر والشجر. ولذلك فان الله تعالى أمر محمدا رسوله الكريم أن يعلن ويحدد مهمته فى أن يدعو ربه – أي يقدسه – فقط ولا يجعل لله تعالى شريكا في التقديس، وأنه لا يملك هدايتهم لأن الهداية مسئولية كل إنسان فمن شاء الهداية هداه الله تعالى، ومن شاء الضلال تركه الله تعالى للشيطان يضله، فمن اهتدى فإنما يهتد لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها. أما النبي فلا يملك أن يهدى من أحب طالما أن من يحرص النبي على هدايته يرفض الهداية،  وأنه عليه السلام لن ينجيه من ربه إلا تبليغ الرسالة القرآنية، أي أنه سيحاسبه الله تعالى على تبليغ الرسالة، والحساب على قدر المسئولية، ومن يعرض من الناس عن قبول الحق فان جهنم تنتظره: (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاَّ بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) الجن 20 -23 )

وقد اعتبر القرآن صلاة مشركي العرب في المساجد صلاة ضائعة غير مقبولة طالما استمروا في شركهم يقول تعالى " مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ)

أما الذي يقبل الله صلاته فهو المؤمن بالله مخلصا لله قلبه وعمله المتقى الذي لا يخشى إلا الله المصلى الذي يقيم الصلاة في قلبه وسلوكه وليس مؤديا لحركات الصلاة فقط (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ. إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) التوبة 17- 18 )

ومن أسف أن الأقلية فقط هي التي تنطبق عليها الآية سواء في عصرنا الراهن أو في العصر الجاهلي.

إذن عرف العرب قبل الإسلام الصلاة في المساجد وان كانوا قد لوثوها بعبادة أولياء مع الله وكانوا جميعا بعد نزول القرآن مشركين ومسلمين يؤدون الصلاة في نفس المساجد وبعد أن هاجر المسلمون من مكة.

دور قريش

قريش كانت أشهر وأقوى قبيلة عربية بسبب سيطرتها على الكعبة – بيت الله تعالى الحرام – وسيطرتها على موسم الحج الذي كان يفد إليه العرب في الأشهر الحرم. سيطرت قريش على الحياة الدينية لكل العرب إذ كان لكل قبيلة صنمها الخاص الموضوع في الحرم المكي، وتقوم قريش على رعايته. استغلت قريش سلطتها الدينية في تأكيد سلطتها السياسية والاقتصادية فنعمت بالإيلاف وهو حصانة قوافلها التجارية – رحلة الشتاء والصيف – من النهب والاعتداء، و لعبت قريش دور الوسيط في نقل تجارة الهند الآتية إلى اليمن فحملتها إلى الشام لتصل إلى أوربا وروما، وبالعكس حملت تجارة روما إلى اليمن لتسافر بحرا إلى الهند وآسيا.

وازدادت قريش ثراء وأمنا في الوقت الذي عانت فيه القبائل الأخرى من الفقر والتقاتل والسلب والنهب. هذه التجارة بالدين استلزمت من قريش أن تحافظ على طقوس الشرك الديني والظلم الاجتماعي في مجتمعها الرأسمالي القائم على وجود فجوة هائلة بين المترفين الأثرياء والجوعى من الرقيق والفقراء. تم عبور هذه الفجوة وتسويغها بالتدين السطحي الذي يحرص على أداء العبادات من صلاة وصوم وحج وصدقات، مع الحفاظ في نفس الوقت على الظلم والبغي والعصيان والانحلال الخلقي.

ابتدع هذا التدين السطحي تبريرات للمعصية تزعم أن هذا ما وجدنا عليه آباءنا وان الله تعالى أمرهم بها ( الأعراف 28)، كما استخدم تأدية الصلاة ومناسك الحج والصدقة كمكفرات للذنوب، أي طالما تصلي فلا حرج عليك مهما ارتكبت من معاصي، وطالما تحج فقد تم غفران ذنوبك. أي أصبح أداء العبادات ليس للسمو الخلقي والتقوى ولكن لتبرير المعصية والتشجيع عليها، والغنى المترف يستطيع بماله أن يشترى الجنة بما ينفقه في عمارة لبيت الحرام ورعاية الحجاج. علاوة على شفاعة الأولياء والتي ساد الاعتقاد الراسخ فيها في العصر الجاهلي مما استوجب من القرآن أن يرد عليهم مؤكدا أن الله تعالى وحده هو الولي المقدس وهو الشفيع وهو الناصر يوم القيامة.

ومن أسف أن تلك الثقافة القرشية ما لبث أن عادت رويدا رويدا بعد موت النبى محمد عليه السلام. ثم أصبحت سائدة حتى عصرنا. وبتلك الثقافة يتميز المتدين فى عصرنا عن الشخص العلمانى.

جاء الإسلام ليهدد كهنوت قريش وتدينها السطحي الذي أضاع ملة إبراهيم.

قريش اعترفت بان ما جاء به القرآن هو الهدى ولكنهم لو اتبعوا ذلك الهدى لفقدوا الأمن والثراء: وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) القصص 57 )

لذلك أعلنها القرآن صريحة: أنهم يكذبون بالقرآن حماية لمصالحهم الاقتصادية  (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ َ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) الواقعة 81-82 )

اختارت قريش أن تصلى دون أن تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، لأن إقامة الصلاة تعنى تدمير مكانتها التي قامت على الظلم والفجور والتدين الفاسد القائم على استغلال الدين في السحت والاحتراف الديني.

 اضطهدت قريش المسلمين فاضطرت معظمهم إلى الهجرة إلى المدينة، وبقى بعض المؤمنين في مكة وحاولوا أن يصلوا في نفس المساجد ولكن المشركين القرشيين المعتدين منعوهم من دخولها فنزلت آية في المدينة تقول " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  - البقرة 114)

وعوضا عن ذلك أقيمت المساجد في المدينة لذكر الله وحدة مصداقا لقوله تعالى " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ. النور 36-)

بل كان من أسباب تشريع القتال للمؤمنين وهم في المدينة أن تكون المساجد لله تعالى وحده ليذكر فيها اسمه كثيرا دون غيره وان تقام الصلاة كيفية وسلوكا وتقوى دليلا على تمكن المسلمين في أرضهم يقول تعالى " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ". الحج39-41

إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تعنى التفاعل بالخير والمعروف مع المجتمع، أو بالتعبير القرآني: " الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" والمعروف هي القيم العليا المتعارف عليها من الصدق والإحسان والعدل والأمانة والإخاء والسلام والشجاعة والمروءة والمحبة والكرم والتسامح..الخ. والنهى عن المنكر يعن النهى عن كل الخصائص المذمومة من الظلم والبغي والبخل والأنانية والعصيان. وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تثمر مجتمعا تسود فيه هذه الفضائل، وهذا ما كان عليه – في الأغلب – مجتمع المدينة في عهد النبي محمد عليه السلام حين كانت إقامة الصلاة تظهر واضحة في تعامل الناس فيما بينهم.

نقول في الأغلب  لأن ضمان الإسلام للحرية المطلقة في العقيدة والسلوك السلمي  اتاح للمنافقين حرية الحركة في الدعوة للمنكر والنهى عن المعروف بمثل ما كان المؤمنون والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ولذلك انتشرت في المدينة حركتان متناقضتان في جو من الحرية الدينية لا مثيل له حتى في عصرنا. المنافقون والمنافقات يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف – علانية – بينما المؤمنون والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر –علانية – يقول تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) التوبة 67 )

أي كانوا يقبضون أيديهم بخلا ويقترفون المعاصي فسقا في المقابل يقول تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة 71) جاء هنا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع طاعة الله تعالى ورسوله – أي طاعة القرآن – توضيحا لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وقد سبق القول بان المنافقين كانوا يفعلون حركات الصلاة خداعا ومراءاة للناس ( النساء 142) أي أن المشكلة لدى المشركين والمنافقين لم تكن على الإطلاق هو أداء حركات الصلاة في مواقيتها ولكن إقامتها بالحفاظ عليها والخشوع فيها.

وإذا كان للمشركين مساجد في مكة يؤدون فيها الصلاة فان المنافقين في المدينة أيضا حين أرادوا إنشاء مركز في المدينة لمقاومة الإسلام أسرعوا بإقامة مسجد يكرر سيرة المشركين ومساجدهم الشركية وقال تعالى فيهم وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  )" التوبة 107" أي اتخذوا المسجد حربا للمسلمين في عقر دارهم ، وكان المسلمون العاديين يأتون للمسجد للصلاة فيه غير مدركين لما يجرى فيه من تآمر، بل المستفاد من الآية التالية أن النبي محمدا عليه السلام كان مخدوعا في هذا المسجد وكان يأتي أيضا للصلاة فيه إلى أن نزل الوحي يخبر بحقيقة المسجد وينهى النبي عن الإقامة فيه (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)

ثم يقول تعالى يقارن بين مساجد المؤمنين ومساجد المشركين (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين)َ   التوبة – 109)

فالمساجد موجودة للصلاة في العصر الجاهلي وبعد ظهور الإسلام. والصلاة يؤديها المسلمون والمشركون والمنافقون بنفس الكيفية وفى نفس المواقيت، وليست هناك مشكلة في عدد الركعات وكيفية الصلوات ومواعيدها، ولو كان هناك خلاف في هذا لجعل منه المشركون والمنافقون قضية كبرى يتهمون فيها محمدا بالابتداع في الدين وهجر الصلاة المتوارثة بكيفيتها ومواعيدها وهيئاتها منذ عهد إبراهيم.

لم تكن حركات الصلاة وأعدادها ومواقيتها مشكلة على الإطلاق. المشكلة كانت – ولا تزال – هي تضييع الصلاة بالشرك العقيد والعصيان والفجور. المشكلة كانت – ولا تزال – في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة – بمعنى أن تثمر الصلاة زكاة وتطهيرا للنفس وسموا في الخلق، وليس أن تصبح رياء ووسيلة لخداع الناس والإسراف في العصيان.

5- وهكذا لم تستفد المشركون من صلاتهم في هذه المساجد إلا الضياع والخسران، بل إن القرآن سخر من تأديتهم للصلاة بمجرد الركوع والسجود وهم على ما هم عليه من تكذيب للقرآن واستمرار على العصيان فوصف هذه الصلاة بحركات اللعب واللهو التي تبعث على السخرية والاستهزاء، وهو وصف دقيق لمن يصلى قائما راكعا ساجدا بمجرد حركات دون وعى ودون معنى، يقول تعالى " وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ). الانفال 35)

وقبل هذه الآية الكريمة أوضح القرآن أنهم كانوا يستغفرون الله وأن الله تعالى سينجيهم بهذا الاستغفار من الهلاك في الدنيا طالما لم يخرجوا النبي من مكة " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ). الأنفال 33) ولكن العذاب ينتظرهم في الآخرة مهما صلوا ودعوا الله تعالى طالما لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يتقون الله تعالى" قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ).. الفرقان 77)

وهكذا ضاعت صلاتهم كما ضاع دعاؤهم لله تعالى واستغفارهم إياه بسبب عصيانهم وتمسكهم بعبادة الأولياء والأنصاب وعصيانهم وتكذبيهم للقرآن.

مؤمنو أهل الكتاب ومؤمنو العرب المتمسكون بأصول ملة إبراهيم الحقيقية

وصراعهم مع المشركين الذين لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة

وفى وسط هذه الظلمة الحالكة كان بصيص نور من الإيمان عند بعض أهل الكتاب ومن بقى متمسكا بالحنفية ملة إبراهيم من العرب.

1-يقول تعالى عن أهل الكتاب " لَيْسُواْ سَوَاء " أي أنهم جميعا ليسوا في التدين مثل بعضهم وان كانوا جميعا أتباع دين واحد هو الكتاب المقدس الحق الذي نزل القرآن الكريم يؤيده ويصدقه. لكنهم في التدين أو تطبيق الدين لم يكونوا سواء، وتطبيق الدين بصدق يعنى التقوى أو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهنا يختلف الناس حسب الإيمان والسلوك برغم الشعارات المرفوعة؛ بعضهم سابق في الخير وبعضهم توسط، وبعضهم ضل وفسد، وتتحدث الآية عن الصنف المفلح من أهل الكتاب فتقول عنهم بصيغة الجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والدوام في كل عصر وأوان: (مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) أي قائمة بالدين إيمانا وشعائر وسلوكا أو بمعنى آخر هي أمة تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، ولذلك فإنهم كما قال تعالى: " يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) ولذلك فان الله تعالى لن يضيع أجرهم، فالمتقون هم أصحاب الجنة: (وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) آل عمران 113-115)

2-وأكد القرآن الكريم على إقامتهم الصلاة وإيتاء الزكاة بالمفهوم القرآني أي بإخلاص العقيدة لله تعالى وحده وسمو السلوك وتطهر القلب والجوارح، فبعد أن ذكر الله تعالى الصنف السيئ منهم وذكر بعض سيئاتهم ومنها: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) النساء " 161".

 قال مستدركا يصف الصنف المفلح السامي منهم : (لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا  )"النساء 162" وصفهم بإقامة الصلاة وليس مجرد التأدية الشكلية للصلاة وهى تفيد تزكية النفس أو إيتاء الزكاة وتؤكد إيمانهم الصحيح بالله تعالى وحده إلها لا شريك له ، والإيمان الصحيح باليوم الآخر الذي لا مجال فيه لشفاعة بشر أو حجر. هذا الإيمان الصحيح بالله تعالى واليوم الآخر يعتبر أيمانا بكل الكتب السماوية، لذا فهم مؤمنون بالقرآن الذي يصدق بما سبقه من كتاب سماوي. وبعدها يتحدث القرآن عن وحدة الوحي الذي نزل على محمد وعلى الأنبياء السابقين فيقول تعالى " إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا " النساء 163-) ولاحظ أن الآية تفصل بين نوح ومن بعده من الأنبياء الذين دمر الله أقوامهم فلم تعد لهم باقية -وبين إبراهيم وذريته التي استمرت وجاء منها الأنبياء إسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وغيرهم إلى خاتم النبيين محمد عليهم جميعا السلام.. أن الوحي واحد للجميع والصلاة أيضا، كما أن موقف الجميع واحد في تدينه، منهم من أقام الصلاة وآتى الزكاة بالمفهوم الذي عرفناه، ومنهم من أضاع صلاته وسقط في حضيض الكفر والعصيان. 

هذا ما حدث من الأكثرية من الخلف في عدم إخلاص القلب والعبادة لله وحده مع أن ذلك ما جاء به الوحي لكل نبي. وبسبب العصيان وعدم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تفرقوا من بعد ما جاءهم الوحي الإله بالبينة  " وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )  . البينة 4-) رفضوا ملة إبراهيم الحنفية فلم يخلصوا العقيدة واكتفوا بمجرد تأدية حركات الصلاة إذا صلوا - دون إقامة حقيقية لها في القلب والحواس والسلوك.

 3-على أن هناك من العرب من ظل متمسكا بالحنفية مقيما للصلاة مؤتيا للزكاة تاركا الظلم والعصيان وعبادة الأصنام وهم الحنفاء، ذكر منهم تاريخ العرب شخصيات كثيرة منهم مثل زيد بن عمر بن نفيل وقس بن ساعدة الايادى وورقة بن نوفل، وأولئك اخلصوا لله تعالى صلاتهم فقاموا بالصلاة وفق ما أمر الله وكانت لهم مع قومهم صرا عات دارت حول المساجد التي حولها المشركون إلى معابد يذكر فيها اسم الله تعالى ويذكرون معه الأولياء وقبورهم المقدسة بمثل ما نفعل اليوم. يقول الله تعالى " الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الحج 40 "

وهذه القاعدة التاريخية الاجتماعية تنطبق على تاريخ الصراع الديني في التاريخ الإنساني ومنه تاريخ العرب قبل وأثناء ظهور الإسلام ونزول القرآن. نفهم من هذه القاعدة التاريخية الاجتماعية إن أماكن العبادة للعرب وأهل الكتاب مثل الصوامع والبيع والمساجد شهدت صراعات شتى بين أتباع الحق وأتباع الباطل ليس حول كيفية الصلاة، وإنما حول الاستخدام السيئ لبيوت العبادة في التجارة بالدين والاسترزاق منها. وذكر القرآن).الكريم طرفا من ذلك في قصة أهل الكهف وكيف أن السادة أقاموا على جثثهم مسجدا للتبرك بهم.( الكهف 21 )  .

إن العادة أن أصحاب السلطة والنفوذ هم الذين يسيطرون على المساجد لنهم هم الذين يشيدونها تكفيرا عن مالهم السحت وامتصاصهم عرق الضعفاء، وقد يؤدون الصلاة إلا أنهم لا يقيمونها، بل يستخدمون سلطتهم على المساجد في منع الضعفاء ممن يخالفهم في الرأي والتدين، حتى لو كان أولئك الضعفاء متمسكين بالحق العقيدي والصالحات من الأعمال. وهكذا فعلت قريش بمن بقى في مكة من المسلمين بعد هجرة أغلب المسلمين إلى المدينة فمنعهم المشركون من دخول المساجد " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )البقرة 114)

وذلك ما حدث مع النبي محمد نفسه حين منعوه من الصلاة في البيت طالما يكفر بالأصنام " أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى) ويبين الله تعالى أن ذلك الكافر أضاع نفسه بالمعاصي والضلال:( أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ) إلى أن يقول تعالى لرسوله الكريم: (كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) العلق 9؛ 19)

فقد تزعمت قريش حزب الشرك، وبما لها من سيطرة على الكعبة أحاطتها بالأصنام والأنصاب ليكون لأولئك الأولياء نصيب في الصلاة التي تؤدى لله في بيت الله الحرام، ومن لا يستحب لذلك كانوا يمنعونه من دخول الحرم ومن الصلاة فيه، فقال رب العزة يتوعدهم وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) الأنفال 34.

أي أن المتقين فقط هم الأحق بولاية بيت الله تعالى الحرام. فالمتقون هم الذين كانوا في ذلك الوقت يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة في قلوبهم وحواسهم وسلوكهم، أما أولئك الذين يؤدون حركات الصلاة من سجود وركوع دون خشوع ودون تقوى - بل وصد عن سبيل الله - فصلاتهم لهو ولعب يستحقون عليها العذاب، ولذلك تقول الآية التالية تسخر من صلاتهم – وهى مجرد حركات عجلى بدون خشوع أو تقوى: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ) الانفال -35 ) أي لم تردهم تلك الصلاة إلا عذابا يوم القيامة.

خاتم النبيين (محمد ) متبع لملة إبراهيم حنيفا وليس بدعا من الرسل وليس منشئا لدين جديد

1- من الأخطاء الكبرى أن يعتقد المسلمون إن محمدا خاتم النبيين قد جاء بدين جديد أو كان بدعا بين الرسل. لقد أمره ربه جل وعلا أن يعلن أنه ليس متميزا عن الرسل السابقين وانه حتى لا يعلم الغيب مثل بعض الرسل السابقين – نقصد رسل الله تعالى بالطبع. اقرأ قوله تعالى: (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) الأحقاف 9 )

وأمره ربه جل وعلا أن يقتد بالهدى الذي جاء به من سبقه من الأنبياء عليهم جميعا السلام. أقرأ قوله تعالى للنبي محمد بعد أن قص الله تعالى قصة هداية إبراهيم وذريته: (  أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) الأنعام 90 )

2- وأهم الهدى هو ما تعلق بطريقة العبادة أو ما يعرف بالملة. وإذا كانت الأمم السابقة في المنطقة قد فنيت ولم يعد لها بقاء فقد بقيت أمم أخرى تكاثرت وانتشرت في كل أنحاء العالم، منها في الشرق الأوسط ذرية إبراهيم وهو أبو الأنبياء وأبو شعبين هما ينو إسرائيل والعرب المستعربة، وفيهما توارثت الذرية ملة إبراهيم من صلاة وصوم وصدقة وحج وتلاوة للكتاب الإلهي.

ولكن تمسك أغلب الخلف بالحركات والتدين السطحي الظاهري المنافق المرائي دون إخلاص الدين لله تعالى فتحولت الطاعة إلى عصيان، ولهذا تعاقب الأنبياء في بنى إسرائيل كلهم يدعو إلى العودة إلى الأصل المضيء لملة إبراهيم، أو " ملة إبراهيم الحنيفية" التي تعنى إخلاص العقيدة لله تعالى وحده وطهارة السلوك، أو بمعنى آخر هو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

ثم جاء خاتم الأنبياء جميعا من ذرية إسماعيل بن إبراهيم رسولا للبشر جميعا إلى قيام الساعة ينادى بنفس المهمة وهى اتباع ملة إبراهيم حنيفا. أي باختصار هي دعوة لإصلاح الدين الأصلي – الإسلام – الذي جاء به جده الأكبر أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.

نزل الوحي عليه يأمره بالتباع ملة أبيه إبراهيم في إن تكون صلاته بل وحياته ومماته  لله وحده لا شريك له، وأمره ربه أن يعلن ذلك لقومه وللعالم :" قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وفى كلمات موجزة بليغة تشرح الآيتان  التاليتان  معنى الإسلام وإخلاص العقيدة في ملة إبراهيم (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ). الانعام162/163 -) إذن أصبح خاتم النبيين إماما للمسلمين في التباع ملة أبيه إبراهيم الحنيف، وداعية للعالم كله إلى التباع ملة إبراهيم الحقيقية: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ) النساء 125 )

ودائما تقترن كلمة (ملة إبراهيم )بوصف (حنيفا) أي حال كونه مخلصا في عبادة الله وحده لا شريك له، ذلك أن العرب كانوا يدعون التمسك بملة إبراهيموهم مقيمون على الشرك، وكما قلنا فان الملة هي طريقة العبادة وقد تمسك العرب بطريقة الصلاة المتوارثة من ركوع وسجود ومواقيت ولكن وقعوا في الشرك وأدمنوا البغي والعصيان، وظنوا كما نظن الآن أن مجرد الشكل يكفى، وتناسوا – كما نتناسى نحن الآن أيضا – معنى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة الذي أضاعوه وأضعناه.

3- لقد مدح رب العزة في القرآن إبراهيم عليه السلام وقال فيه ما لم يقله في أي نبي آخر.

 فهو النبي الوحيد الذي عندما عاتبه ربه قرن العتاب بالمدح، فعندما جاءت الملائكة لتبشر إبراهيم بابنه اسحق ثم يعقوب، وتخبره بأنها ستدمر قوم لوط – أخذ إبراهيم يجادل ويدافع عن قوم لوط خوفا على المسلمين في داخل القرية، دون أن يعرف أن الأمر الإلهي قد صدر فعلا وأن الله تعالى لا يبدل القول. اقرأ قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) وجاء تعليق رب العزة يمدح إبراهيم عليه السلام قائلا: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ)  هود 74 – 75 )

وإبراهيم هو النبي الوحيد الموصوف بأنه ( وفّى ) أي أوفى ونجح في كل الاختبارات التي امتحنه الله تعالى بها :{ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) النجم 37  ). جاءه الاختبار كلمات تقول له اذبح ابنك الوحيد، اتركه غريبا في صحراء الحجاز عند البيت الحرام..الخ وأتم إبراهيم تنفيذ كل تلك الكلمات فقال تعالى عنه:( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) البقرة 124 ) أي جعله الله تعالى إماما لكل المتقين إلى قيام الساعة سواء كان أولئك المتقون من ذريته أو لم يكونوا. وفى كل عصر وفى كل مكان بعد إبراهيم فان من يرفض ملة إبراهيم فقد ضل سواء السبيل، يقول تعالى عنه:( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينََ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ) البقرة 130- 131 )

وهو النبي الوحيد الذي تتالت الآيات تمدحه بما لم تقله في نبي آخر، ثم تختتم بتقرير إن خاتم النبيين تابع له متبع لملته ومأمور بذلك، يقول تعالى عنه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أي كان وحده يعادل "أمة "أو مجتمعا من الخير، وكان يداوم العبادة مخلصا لربه ولم يقع في الشرك.( شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) إلى أن يقول تعالى لخاتم النبيين: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) النحل 120-123) وهذا الإصرار على وصف ملة إبراهيم بالحنفية التي تعنى عدم الوقوع في الشرك يعنى الرد على أولئك الذين زعموا من العرب أن ملة إبراهيم عندهم هي مجرد التمسك بكيفية الصلاة المتوارثة عن جدهم إبراهيم دون التمسك بالإخلاص في العبادة لله وحده وإسلام الرجة لله تعالى وحده.

4- وهو نفس الرد على أهل أبناء عم العرب ومن نسل إبراهيم الذين اعتقدوا أن اليهودية أو النصرانية هي استمرار لملة إبراهيم فقال لهم المولى عز وجل " وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينََ. البقرة135) أي يدعوهم إلى الرجوع لملة إبراهيم الحنيفية.

وكان بعض أهل الكتاب في المدينة يعتقدون أنهم على الحق فى اتباع ملة إبراهيم ورد القرآن عليهم " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)آل عمران 67-68 ) أي أحق الناس بملة إبراهيم هو خاتم النبيين والذين اتبعوا هذه الملة من المؤمنين في كل زمان ومكان. أي أن الأمر ليس شعارا يرفع وإنما هو إتباع صادق للدين الحنيف الذي جاء به أبو الأنبياء وأبو المسلمين:إبراهيم عليه السلام، لذا قال تعالى للمؤمنين " وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا ) الحج78 -)

فملة إبراهيم هي إقامة الصلاة لله وحده والجهاد في سبيله تعالى وعبادته وحده دون ولي أو شريك...وقد تتالت الأوامر والنواهي على النبي بإخلاص العبادة لله وحده وعدم اتخاذ أولياء مع الله لاستعادة نقاء ملة إبراهيم. قال له ربه: "وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). يونس 105) . أي كانت دعوة محمد خاتم النبيين تتركز في إتباع ملة إبراهيم حنيفا بإخلاص العبادة والصلاة لله وحده وفق ما كان إبراهيم يفعل في عبادته وفى صلاته.

موقف االمشركين من الرسول محمد بعد إن دعا للحنيفية :.

1-قام الكهنوت القرشي على أساس الإكراه في الدين، واستعملوا نفس الأسلوب مع خاتم النبيين ، لم يقبلوا أن يصلى لله تعالى دون أن يصلى للأولياء فأمروه بأن يجعل من صلاته جزءا للأولياء وأمره الله تعالى بالرفض تاركا لهم حرية الخيار في عبادة غير الله تعالى حيث لا إكراه في الإسلام اقرأ هذا المعنى في قوله تعالى" قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي  فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ "- " قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ). الزمر 13؛14؛15؛64؛)

2-لقد امتن الله تعالى على خاتم النبيين بأنه هداه إلى الحق بعد أن كان يعيش في نفس الضلال الذي عاشته قريش، يقول تعالى له في أوائل ما نزل في القرآن الكريم: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ) الفجر 7 )

هداه الله تعالى إلى الحق بالحق القرآني، وما كان قبله يدرى ما الكتاب ولا الأيمان:( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ ) الشورى 52 ) بالوحي القرآني ترك محمد عبادة الأولياء والأنصاب وأخلص لله تعالى عقيدته وفقا لملة أبيه إبراهيم، فاشتد الضغط عليه من قريش ليعود إلى ما كان عليه من الشرك فى العقيدة.

 ومع كثرة ضغطهم عليه بأن يعود إلى ما كان عليه قبل النبوة والهداية أمره ربه أن يعلن أن الله نهاه عن ذلك، وأنه تعالى أمره في القرآن بعدم العودة إلى الشرك الذى كان فيه قبل الوحي :" قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) غافر 66) أي أمره ربه جل وعلا أن يعلن لهم أنه جل وعلا قد نهاه عن عبادة غير الله تعالى، فقد جاءه الهدى في القرآن، وأمره ربه جل وعلا أن يسلم وجهه لله تعالى وفق ملة إبراهيم.

وتكرر الضغط القرشي عليه بالعودة لعبادة الأوثان والأضرحة فتكرر نفس الرد(  قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) الأنعام 56).

وتكرر نفس الموقف وجاءت آيات القرآن تحث النبي على التمسك بإخلاص عقيدته لربه وألا يكون من المشركين مناصرا للكافرين (وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مَ"> عرفنا أن ذرية إبراهيم من العرب وأهل الكتاب توارثوا كيفية الصلاة ومواقيتها ضمن ما توارثوه من ملة إبراهيم ولكنهم اكتفوا بالشكل الذي يؤدون به الصلاة وتركوا القلب والجسد مرتعا يحيله الشيطان كفرا ومعصية.

ونزل القرآن يدعو للإتباع الصحيح لملة إبراهيم ويحذر من الشرك والمعاصي ويأمر بالمحافظة على الصلاة وليس مجرد تأدية الشكل دون المضمون.ويلفت النظر أن الأوامر الخاصة بالصلاة كانت بلفظ " أقيموا الصلاة " أي أقيموها في قلوبكم خشوعا وفى جوارحكم طاعة وتقوى.والألف واللام في "الصلاة " تفيد العهد أي الصلاة المعهودة المعروفة لديكم أقيموها وحافظوا عليها.

وقد تكرر الأمر بإقامة الصلاة في أكثر من أربعين موضعا بالإضافة إلى أوصاف أخرى تفيد نفس المعنى مثل " حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ.... البقرة 238) والاستعانة على كل شيء بالصلاة والصبر (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)... البقرة 45)

وأولئك الذين كانوا يؤدون الصلاة دون إقامتها والمحافظة عليها كالمنافقين وصف القرآن طريقتهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) النساء 142 " فهم لم يقيموا الصلاة وإنما يتكاسلون في أدائها في الظاهر ويراءون الناس بينما لا يذكرون الله تعالى في قلوبهم وفى سلوكهم ولو فعلوا لكانوا متقين مقيمي الصلاة. والله تعالى لن يقبل منهم هذه الصلاة التي يؤدونها رياء وهم كسالى: (وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى. التوبة 54) فلن تغنى عنهم شيئا فهم في الدرك الأسفل من النار مهما ركعوا وسجدوا.

إن فريضة الصلاة صلة متجددة بين المسلم وربه، ولذلك تتوزع طيلة النهار منذ بداية اليقظة في الفجر حتى بداية النوم في العشاء، وفيما بين أوقات الصلاة يظل المؤمن محافظا على صلت بربه إذا أقدم على معصية بعد فريضة الظهر أدرك انه سيصلى العصر لله تعالى فكيف يخشع في صلاته والله اعلم بإصراره على المعصية ؟ إذن فالصلاة الحقيقية التي يحافظ عليها صاحبها أو التي يقيمها صاحبها هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.

وهذا هو جوهر الحنيفية التي تعلمها الناس من إمامهم إبراهيم ولكن ما لبث الشيطان أن أغرقهم في الشكل والحركات وعبث بالقلب والجوارح فأحدث فجوة بين الصلاة والسلوك. وهكذا كان العرب حين نزل القرآن يعرفون حركات الصلاة ومواقيتها ويؤدونها مجرد تأدية ولكن لا يقيمونها في سلوكهم ولا في قلوبهم فنزل القرآن يصحح الوضع لتكون الصلاة صلة متجددة بالمولى عز وجل ووسيلة لتقواه وإخلاص الدين له تعالى وحده.لو كان هناك تقصير آخر أو جهل بمواقيت الصلاة وحركاتها وكيفية تأديتها لأوضحه رب العزة ولكن كان حال العرب في الجاهلية كالمثل الذي نقوله الآن " هذه نقرة وهذه نقرة". وهذا مثل شعبي مصري عن الانفصال بين الصلاة والسلوك السيئ، إذ أن الشيطان فعل بنا مثلما فعل مع السابقين، فالشيطان لم يقدم استقالته.

أخيرا نقول إن محمدا عليه السلام كان متبعا لملة إبراهيم، ونزل عليه القرآن بالدعوة لإصلاحها في تشريعاتها، ولم يكن مبعوثا بدين جديد لا يعرفه العرب. ومن هنا فانه ليس منتظرا منه الإتيان بصلاة جديدة أو تشريعات جديدة بالكامل وإنما نزل القرآن ليتعامل مع مجتمع تم فيه تحريف ملة إبراهيم فجاء القرآن لتصحيح ما تم تحريفه وإقرار ما لم يتم تحريفه، أما التشريعات الجديدة في سياق ملة إبراهيم فقد نزل القرآن يفصل ويشرح بنودها.

هذا ما نتوقف معه بالشرح في الفصل التالي.

الباب الأول : الصلاة فى القرآن الكريم : 

  الفصل الثاني :  الصلاة ونزول القرآن :

( معنى بيان القرآن  ـ منهج القرآن الكريم في تفصيلات التشريع.ـ  منهج القرآن في تفصيلات فريضة الصلاة).

 معنى بيان القرآن:

1- لو كان العرب حين نزل القرآن يجهلون صلاة المغرب وعدد ركعاتها وصلاة الجمعة وكيفيتها لجاءت تفصيلات القرآن تعلم الناس ما يجهلون من عدد ركعات الصلاة وكيفيتها ومواقيتها وكل شيء عنها. ولكن العرب توارثوا حركات الصلاة جيلا بعد جيل مثلنا الآن، وكانوا يؤدون الصلاة دون أن يقيموها أو يحافظوا عليها- مثلنا الآن أيضا- فجاء القرآن يخاطبهم- ويخاطبنا أيضا- بعلاج هذا الخلل الخطير في القلب وفى السلوك. 

وللناس عادة سيئة مع آيات الله فلا يحاولون التدبر فيها بل يقرأون القرآن باللسان فقط، وبالتعود تفقد الألفاظ مدلولها وتصبح الآيات مجرد كلمات منظومة يتغنى بها المنشدون في حفلات السمر ومناسبات العزاء..

2- يقول تعالى:( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) الأنعام 38 " فلكل شيء اصل في القرآن، وإذا لم يكن له تداخل في إحدى قواعد القرآن فله صله في إحدى تفصيلات القرآن، إذ لا تفريط في كتاب الله. ومعنى أن القرآن ما فرّط في شيء أنه لم يترك شيئا ـ يحتاج الناس لتوضيحه ويكون تركه تفريطا ـ إلا أوضحه وأبانه. أما من يتهم كتاب الله تعالى بالتفريط والنقصان والاحتياج للبشر فانه يخلق مسائل ومشاكل ويتوجه بها لكتاب الله تعالى معاجزا يبحث عن إجابة لما اخترعه من مشاكل ومسائل ليثبت لنفسه والآخرين نقصان كتاب الله تعالى وتفريطه، وليثبت أن كتاب الله تعالى قد فرّط في شيء وأشياء، وليتهم رب العزة بالكذب حين قال " مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ".

العجيب أنه مع اختلاف المسلمين طوال تاريخهم في كل شيء فقد اتفقوا على عدد الصلوات وكيفيتها ولم تكن لهم بشأنها مشكلة على الإطلاق، إلا حين ظهرت الدعوة للاكتفاء بالقرآن وحده فتكاثرت الاتهامات للقرآن الكريم والتكذيب له ومحاولة معاجزته بأسئلة عن عدد ركعات الصلاة وكيفياتها ومواقيتها، وطالما لم تكن موجودة في القرآن فالله تعالى يكون عندهم كاذبا في قوله: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ). تناسوا أن المجال متاح لمن يكذّب بالقرآن ولمن يتهم رب العزة بالكذب بدلا من أن يقول "صدق الله العظيم "، بل تناسوا أن الله تعالى قد أنبأ سلفا في القرآن بأنهم سيفعلون ذلك. وهاهم يحققون فيهم أعجاز القرآن الكريم.

3- إن تفصيلات القرآن لا تغطى كل ما لا داعي له،  والا تكاثرت آيات القرآن بحيث لا تكفيها البحار مدادا ولا الأشجار أقلاما، وهذا وجه من أوجه الإعجاز في تفصيلات القرآن، فليست تفصيلات القرآن ثرثرة - حاش لله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - ولكن تفصيلات القرآن جاءت بإحكام دقيق " كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) هود 2" أي جاءت من لدن الحكيم الخبير جل وعلا، فتعالى الله تعالى أن تكون تطويلا لا فائدة منه، بل جاءت على أساس منهجية علمية دقيقة " وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ).. الأعراف 52" أي أن الذي يفهم الأسس العلمية للتفصيلات القرآنية ليس كل الناس وإنما هم فقط أولئك الذين يؤمنون به، ولذا تكون لهم هدى ورحمة...

4- ويسيء الناس فهم البيان القرآني حين يسعون في آيات الله معاجزين يطالبون بتوضيح كل تفصيلات الحياة ومفرداتها. فالبيان لا يكون إلا للغامض الذي يتطلب التبيين والتوضيح. يقول تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ). النحل 89"

فبيان القرآن الكريم – مثل تفصيلات القرآن – هي أيضا هدى ورحمة لمن يستحقها وهم المسلمون الحقيقيون وليس أولئك الذين يسعون في آيات الله تعالى معاجزين.

أولئك المكذبون للقرآن يشترطون للإيمان بالقرآن وأنه نزل تبيانا لكل شيء أن ترد فيه تفصيلات الصلاة وعدد ركعاتها ومواقيتها وهيئاتها. هم لا يفهمون أن البيان إنما يكون فقط للغامض المستحق التوضيح، أما الواضح الظاهر البائن بنفسه فلا يتطلب توضيحا والا كان إهانة  للقارىء واتهاما له بالغباء والجنون، علاوة على أنها ثرثرة لا تليق بكتاب بشرى عادى فكيف بكتاب الله تعالى الذي نزلت تفصيلاته على علم وحكمة . وإذا كان العرب يؤدون صلاة المغرب ثلاث ركعات فان من العبث ومن السخرية بهم أن يأمرهم القرآن بان يصلوا المغرب ثلاث ركعات.

المؤمن بالقرآن الكريم لا يسارع باتهام الله تعالى بالكذب حين قال: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) وحين يؤكد: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) ولا يقول معاجزا لرب العزة فأين كذا وكذا في القرآن متحديا ربه جل وعلا، بل يقول: صدق الله العظيم، ويسجد مؤمنا بقوله تعالى، ثم يبحث متدبرا في القرآن متفهما لمصطلحاته طالبا من ربه جل وعلا الهداية بإخلاص. عندها سيكرمه ربه جل وعلا بالهداية ويفتح له من كنوز القرآن ما لم يكن يتخيل، وعندها يعرف أن تفاصيل القرآن قد جاءت فعلا عن علم، وأنها هدى ورحمة لمن يستحقها.

حينئذ يعرف أن للقرآن منهجا في تفصيلاتة التشريعية.

على أن الشيطان لم يقدم استقالته وسيظل له أتباع من أكثرية البشر وبين من ينتسب للإسلام. وأولئك لن يكفوا عن التكذيب بالقرآن واتهامه بالتفريط وحاجته للبشر كي يكملوه ويوضحوه، وفى سبيل ذلك سيظلون يسعون في آيات الله تعالى معاجزين، وستظل تلكك مهمتهم ومهنتهم إلى قيام الساعة.

هذا ما أشار إليه رب العزة في القرآن الكريم نفسه:

اقرأ قوله تعالى يخبر عن ذلك سلفا:

(وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)الحج 51 

(وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ. وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ) سبأ  5

(وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) سبأ  5؛6؛38)

ولسنا هنا في معرض الرد عليهم وإنما لإنصاف القرآن الكريم من اتهاماتهم، وذلك بالتعرف علي منهج القرآن الكريم في تفصيلاته التشريعية حتى لا ينخدع بعض السطحيين باتهاماتهم ويبادر باتهام الله تعالى بأنه فرط في كتابه حين لم يذكر عدد ركعات الصلاة وبأنه ما فصل في القرآن كيفية الصلاة أو أنه ما أبان في القرآن فرائض الصلاة من الفجر للعشاء.

وحتى بدون الحاجة إلى التعرف على هذا المنهج يمكن لأحدهم إذا كان سليم النية أن يسأل نفسه بصدق: هل قرأ في صغره كتب الحديث والفقه وتعلم منها كيفية الصلاة وركعاتها ؟ أم قد تعلم ذلك من الصغر بالتوراث والمشاهدة ؟ .

لم يقرأ أي واحد منهم كتب البخارى ومسلم وابن حنبل وغيرهم وتعلم منها الصلاة. ولو كانت تلك الكتب مرجعية للصلاة فكيف كان الناس قبل أولئك الأئمة بقرنين من الزمان يؤدون الصلاة ؟

منهج القرآن الكريم في تفصيلات التشريع.

يلفت النظر أن معظم تشريعات القرآن لم تأت في سياق موضوعي واحد، أو في سياق زماني واحد، وإنما تناثرت بين السور في إيجاز أحيانا وفى تفصيل أحيانا أخرى.

لو كان القرآن قد نزل بشريعة جديدة ليست معروفة من قبل لكان منتظرا أن تأتى التشريعات منتظمة متتابعة متتالية في سياق موضوعي وزمني واحد. إلا أن القرآن نزل على قوم يؤدون الصلاة والصدقة والحج والصيام، ولكن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فبدلوا وحرفوا فاختلطت حياتهم الدينية بأصول حقيقية من ملة إبراهيم مع تحريفات قديمة وأخرى حديثة، اختلط التطبيق الصحيح بالتطبيق الفاسد، فنزل القرآن الكريم يعالج ما تم تحريفه قديما وما استجد تحريفه وما تم نسيانه وما يساء تطبيقه.

وهناك ما هو أهم.

أن الوحي القرآني لم ينزل في فراغ بل في بيئة متحركة حية تطبق ملة إبراهيم وتحريفاتها في نفس الوقت، ولهذه التحريفات أنصار، وقد نشأت عليها مصالح تتمثل في قريش وحمايتها للأنصاب والأصنام والظلم والاستغلال. ودفع المسلمون الثمن اضطهادا وتعذيبا، ثم هجرة وحروبا فرضها المشركون المعتدون عليهم.  وكان لا بد أن ينعكس هذا الصراع على الوحي فكان يأتي مستجيبا أحيانا للأحداث بالتعليق والتصحيح وبالحوار، لذا كان يتكرر التشريع الواحد يفصل ما سبق إيجازه ويشرح ما سبق الإشارة إليه، ويؤكد ما سبق قوله، وانعكس هذا على ما يخص العبادات أي ملة إبراهيم والتدين السائد بما فيه من صحيح وتحريف. فنزل الوحي يصحح ويعلق ويجيب الأسئلة.

 نزل القرآن على قوم يزعمون التمسك بملة إبراهيم ومنهم من كان يقرأ صحف إبراهيم وتوراة موسى حتى لقد اتخذ القرآن من صحف إبراهيم وموسى الموجودة عندهم حجة عليهم   يقول عن بعضهم " أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) النجم 36 -37 ) وكان منهم علماء تخصصوا في السفسطة والجدال في آيات الله تعالى فنهى الله تعالى عن جدالهم ( الأنعام 121 ) ( غافر 4 ـ 35 ـ 56 ) ( الشورى 16 ـ 35 ) وقال عنهم في إحدى مجادلاتهم (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) الزخرف 58 )

وقد كان في حياتهم الدينية الصحيح والفاسد، كان منها ما بقى من ملة إبراهيم دون تغير وما ادخلوه من تخريف وتحريف، ونزل القرآن بتفصيلاته التشريعية لا يتعرض لتوضيح التشريع الواضح الذي لا تغيير فيه ـ مثل هيئة الصلاة ومواقيتها ـ بل تركزت تفصيلاته على علاج التحريف الحادث، ثم إذا جاء تشريع جديد نزل مفصلا واضحا.

 وهذا هو منهج التفصيل في تشريعات القرآن:

الواضح الذي لم يلحقه تغيير لا يحتاج بيانا.

أما التحريف في القديم والتشريع الجديد فلابد لهما من التفصيل الذي يعالج التحريف ويفصل في التشريع الجيد.

ونعطى أمثلة.

 في تشريع جديد جاء لأول مرة:

( الميراث)

من العادات السيئة للبشر ـ حتى في داخل الأسرة الواحدة ـ أن يستأثر الأكبر بكل ما يستطيع من ثروة العائلة آكلا حقوق أهله وأقرب الناس إليه. والمرأة هي الأكثر تضررا إذا كانت أختا أو بنتا أو عمة أو أمّا. تستوي في ذلك المجتمعات الصحراوية والمجتمعات الزراعية. إلا أن الظلم الذي يقع على المرأة في المجتمعات الزراعية أخف وطأة، بسبب الدور الذي تلعبه الدولة والمرأة في البيئة الزراعية المستقرة بما يخفف من مسئولية الرجل وسطوته أيضا.  ومع ذلك يظل ظلم المرأة قائما، وتظل مساواتها بالعدل مع الرجل قضية تستحق النضال، هكذا كانت ولا تزال في الغرب والشرق على السواء.

يتجلى هذا في قضية الميراث بالذات.

أنصف الإسلام المرأة ولكن تدين المسلمين ما لبث أن ظلم المرأة ومنعها حقوقها . حتى الآن فمن النادر أن تأخذ المرأة المصرية ميراثها كاملا من الأرض الزراعية أو من العقارات. وهى في الأغلب ترضى بهذا الظلم خصوصا في الريف والصعيد. أما في البيئة الصحراوية فالمشكلة أعقد، نلمحه من تردى وضع المرأة السعودية في عصرنا الحالي، وهى تعانى من نير الثقافة الصحراوية ونار الفقه السلفي المتزمت الذي أعاد ظلم وظلام الرؤية الصحراوية للمرأة وجعلها تشريعا سنيّا وهابيا.

 في البيئة الزراعية تقوم الدولة بمعظم الأعباء المفروضة على الرجل، يقوم جيشها بحماية الوطن من العدو الخارجي وتقوم شرطتها بحماية الأسرة من الخطر الداخلي، كما تقوم على أمور الري والصرف والسماد وتيسير ومساعدة الفلاح في عمله. فى البيئة الصحراوية التقليدية القديمة انعدم دور الدولة ووقع على كاهل رجال القبيلة أن يكونوا الجيش والشرطة فأصبح رجل الأسرة هو المكلف بكل الأعباء من حماية الأسرة وحراستها ورعايتها والسعي وراء الكلأ بالإبل والإغارة على الآخرين ليقوم بواجب كفالة الأسرة. المرأة هنا أصبحت ضمن المتاع المملوك للرجل سواء كانت ابنته أو زوجته. وتنتقل ملكيتها للأقوى الذي يغير على القبيلة ويهزم رجالها وينهب متاعها ( الصامت والناطق ) من نساء وأطفال وابل ومال. والمرأة تستسلم للأقوى المغير و ليست ملومة على ذلك، إنما يقع اللوم على الذي فرّط في حريمه ومتاعه. طبقا لهذه الثقافة كان إعطاء المهر في الزواج إنما يكون للأب أو ولى أمر المرأة وليس للمرأة. وكان يحدث توارث المرأة في الزواج فالابن الأكبر يرث زوجة أبيه وتؤل إليه، وهذا ما حرّمه القرآن الكريم ( النساء 22) ويرث الأخ أرملة أخيه ويتم إكراهها على الزواج منه، وقد حرّم الله تعالى هذا الإكراه في الزواج، وان كان زواج الأخ بأرملة أخيه صحيحا في حد ذاته إلا أن الإكراه حرام، يقول تعالى وقد جعلها قضية عامة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ.. ) النساء 19 ) والعضل هو منع النساء من الزواج اذ كان أخو الزوج المتوفى يمارس حق وراثة أرملة أخيه فيمنعها من الزواج إلا بعد أن تدفع له مالا قد يكون هو المهر الذي ستحصل عليه من العريس القادم. بعد نزول القرآن اخترعت البيئة الصحراوية والفقه السني نوعا آخر من الزواج أعاد ثقافة استعباد المرأة تحت اسم " زواج الشغار"، وبه يتفق رجل مع رجل آخر أن يتزوج كل منهما ابنة الآخر بدون صداق، أو بأن يتبادلا الصداق ليأخذه كل منهما بدلا من العروس، ويستمتع كل منهما بابنة الآخر وشبابها بدون دفع صداق حقيقي.

 تلك لمحة عن الظروف التي نزل فيها لأول مرة تشريع الميراث في بيئة صحراوية قوية التأثير إلى درجة أنها أعادت إنتاج نفس الثقافة المضادة للإسلام بعد الإسلام ونسبتها للإسلام تحت اسم السنة. نزل القرآن الكريم في تلك البيئة الظالمة، وفى أشد العصور الوسطى ظلاما وإظلاما، أي ظلمة الزمان وظلمة المكان، ومع ذلك جاء بأروع التشريعات وأكثرها تقدمية وعدلا، لولا ما فعله به أتباعه المسلمون السنيون وغيرهم.

ونتوقف الآن مع منهج القرآن في تشريع الميراث باعتباره تشريعا نزل لأول مرة.

هنا نلاحظ الآتي:

إن التشريع جاءت تفصيلاته متتابعة في سياق واحد، لأنه تشريع جديد ينزل لأول مرة، بدأ بالآية السابعة من سورة النساء واستمر إلى الآية الرابعة عشر من نفس السورة.

بدأ هذا السياق المتتابع بتمهيد يلخص تشريع الميراث بحسم وحزم يقرر أنّه (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) النساء "7". الآية تؤكد من البداية العدل بين الرجال والنساء فيما يرثونه من تركة الوالدين والأقربين . تأكيد العدل جاء واضحا بقول نفس العبارة للرجال  (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) ثم تكرارها بنفس الألفاظ للنساء وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) ثم التأكيد على أن ذلك يسرى على كل التركة بغض النظر عن قيمتها قليلة فقيرة ، أو ثمينة غزيرة(مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ). إذن هو عدل على مستوى الورثة وعدل على مستوى التركة، أو قل على المستوى الأشخاص والموضوع معا.

حرصا على الالتزام بتطبيق تشريع الميراث جاء في سياق التشريع جاءت نصيحتان، الأولى لكل إنسان يتوقع الموت بأنه إذا كان قلقا على ذريته من الصغار والضعاف من بعده فعليه بتقوى الله تعالى والتزام الحق: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا

). يعنى إذا خاف على مستقبل ذريته من بعده فليتق الله تعالى وليقل الحق وحينئذ سيتكفل بهم الرحمن الرحيم جل وعلا. وقد ذكر القرآن في موضع آخر قصة الغلامين اليتيمين في المدينة، وقد كان أبوهما صالحا، وقد ترك لهما كنزا، وقد عاشا في رعاية الله تعالى وكنفه بسبب صلاح أبيهما المتوفى ( الكهف 82 ). الآية التالية جاءت تحذيرا شديدا لمن يأكل أموال اليتامى أو ميراثهم، إذ سيتحول هذا المال الحرام إلى نار في بطونهم وهم يذوقون عذاب السعير. (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا )

بعد التمهيد الذي يؤكد على العدل، وبعد النصح والتحذير حتى يكون التطبيق على أكمل مستوى جاءت تفاصيل تشريع الميراث في آيتين (النساء 11، 12)

بعد إيراد تفصيلات تشريع الميراث في الآيتين المشار اليهما جاء تحذير آخر صارم لمن يبغى على حدود الله تعالى. مصطلح الحدود في القرآن الكريم لا يعنى العقوبة وإنما يعنى الحق والشرع الالهى. وتشريع الميراث أحد حدود الله تعالى ومن ينتهك هذه الحدود ويتعداها عاصيا لله تعالى فجزاؤه الخلود في النار يتجرع فيها العذاب المهين. ومن يطع الله تعالى ورسوله ـ الرسول هنا فى مصطلح القرآن يعنى الرسالة أي القرآن ـ فجزاؤه الخلود في الجنة. وذلك هو الفوز العظيم. (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم. وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ُ) أي تخيل انك حرمت أخاك أو أختك من بعض ارثه، وكان هذا الميراث قليلا تافها لا يتعدى بعض المواشي أو بعض النقود، فان مصيرك إلى النار مهما عملت من طاعات، هذا هو منطق الآية، و لا نجاة لك إلا إذا أديت الحق لأصحابه قبل موتك وتبت توبة نصوحا عن انتهاكك لحدود الله تعالى.

بعد تشريع الميراث وردت للنبي محمد أسئلة تتعلق بمواضع لم يرد ذكرها بالتحديد. ولأن النبي محمدا عليه السلام ليس مفوضا بالإجابة ولا يملك إعطاء الفتوى حتى لو كان قادرا على الفتيا وعالما بالإجابة، فانه عليه السلام انتظر أن تأتى الإجابة من الله تعالى وحيا قرآنيا. وهكذا استفتوا النبي محمدا فانتظر الفتوى من الوحي: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٌ ) النساء 176 )

بهذا اكتمل تشريع الميراث في القرآن الكريم، ومن السهل بعدها استخلاص خطوات توزيع الميراث كالآتي:

أولا:

قبل البدء بقسمة الميراث يجب الآتي:

1 ـ إذا حضر القسمة الأقارب ـ غير الورثة ـ واليتامى والمساكين فيجب إعطاؤهم بعضا منه مع الإحسان لهم في القول. (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا)

2 ـ ولا بد من تنفيذ الوصية وسداد الديون:

 عن الوصية نقول:

تفصيلات تشريع الميراث في سورة النساء ( 11، 12 ) تردد فيها تنفيذ الوصية وسداد الديون قبل القسمة: (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (ْ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ )

معنى ذلك إن تفصيلات الميراث في هذه السورة تحيل إلى تشريع الوصية الوارد في سورة البقرة، والذي يجعل الوصية واجبة على كل مسلم يترك ميراثا ولا بد أن يترك وصية قبل موته. والوصية تكون تحت رعاية ومسئولية المجتمع في إقرارها وفى تطبيقها حتى ترتبط بالعدل ولا يلحق ظلم في إقرارها أو في تنفيذها.

تشريع الوصية في سورة البقرة يقول:ً ُكتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) البقرة 180 ـ 182 )

الملاحظ أن الفقه السني قام بإلغاء هذا التشريع القرآني الكريم بحديث كاذب هو في الأصل قاعدة فقهية تقول: "لا وصية لوارث". وقد جعلوا تلك الفتوى تصادر التشريع القرآني الذي يأمر بالوصية لبعض الورثة ويجعل ذلك فرضاً على الإنسان حين يشرف على الموت. إن الله تعالى يقول ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة 180). فالآية تفرض الوصية عند الموت للوالدين إذا كانا معا أو أحدهما على قيد الحياة، وتفرض الوصية للأقربين ، وهم الورثة. ومعروف أن للوالدين نصيباً مفروضاً في الميراث إلى جانب الوصية، يقول تعالى عن حق الوالدين في الميراث ﴿ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ﴾ (النساء 11). إذن للوالدين نصيب مفروض في الميراث ولهما أيضاً نصًيب مفروض في الوصية، ولكن ذلك كله لم يغن شيئاً أمام حديث منسوب زوراً للنبي يقول "لا وصية لوارث"، فأسرعوا بإلغاء الحكم في قوله تعالى ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾.

لقد فرضوا تشريعا مناقضا لتشريع الإسلام تحت اسم السنة، وتناسوا ما في الآية من عبارات الإلزام والتأكيد مثل " كُتِبَ عَلَيْكُمْ " " حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ". وتناسوا التفصيل القرآني الحكيم الذي جاء بشأن الوصية أن من يبدل وصية الموت عقابه شديد عند الله ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. وتأتى الآية التالية لتبيح التدخل في إصلاح الوصية إن كان فيها ظلم ليستقيم العدل، يقول تعالى ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. وتناسوا أن آيات الميراث في القرآن جعلت تنفيذ الوصية وسداد الديون قبل توزيع الميراث. وتناسوا أن كلام القرآن عن الوصية جاء بصيغة مطلقة تدل على حق الإنسان في أن يوصى بوارث أو غير وارث فتقول آية الميراث ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾.. وتناسوا حكمة التشريع القرآني في الميراث والوصية، فقواعد الميراث تقوم على أنصبة محددة لا مجال فيها للتعديل أو التبديل، وفيها يتم توزيع التركة بالنصف وبالربع وبالثمن والسدس والثلث هكذا بالتحديد، ومصير من يتعدى تلك الحدود أن يكون خالداً في النار ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ (النساء 13،14). ولكن الوصية يمكن أن يراعى بها الإنسان الظروف الاستثنائية والحقوق الطارئة، يمكن بها إعطاء ابنته المحتاجة بالوصية ما يجعلها تعادل أو تفوق أخاها لأنه وجد العدل يحبذ ذلك، ومن الممكن طبعا أن يستخدم الوصية ليظلم ويوصى لمن لا يستحق، وهنا يتدخل المجتمع لاقرارالحق.

ثانيا : توزيع التركة:

وهذا يتم طبقا لما جاء في آيات سورة النساء (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)( النساء 11،12.)

:( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) النساء 176 )

وهنا نلاحظ الآتي أن قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" تسرى فقط على الأبناء وبعض الأخوة والزوج دون الوالدين وإخوة الزوج المتوفى في ميراث الكلالة، فلكل من الوالدين نصيب مساو للآخر هو ثلث التركة إذا لم يكن للمتوفى ذرية أو أخوة، ولكل واحد منهما السدس إذا كان للمتوفى ولد أو أخ. كما أن للأقارب غير المذكورين نصيب غير محدد ليس فقط في إطار الوصية ولكن أيضا إذا حضروا القسمة.

لسنا في موضع التفصيل لتشريع الميراث وما أحدثه الفقه من اختلافات عن تفصيلات القرآن هنا، ولكن جئنا بتشريع القرآن في الميراث في وقفة سريعة تتناوله من حيث المنهج القرآني في بيان تشريع يأتي لأول مرة.

 في تشريع متوارث لحقه التحريف:

 * في الزواج والطلاق والأحوال الشخصية:

 لم يتعرض القرآن لكيفية عقد الزواج لأنهم قبل الإسلام كانوا يتزوجون بنكاح صحيح فوالدا رسول الله (عبد الله وآمنة ) تزوجا بنكاح صحيح، والشاب محمد بن عبد الله قبل أن يكون نبيا تزوج خديجة بنكاح صحيح بنفس التراث الذي كان سائدا في عقد الزواج. ولأنه تراث صحيح فلا حاجة لتوضيحه فهو معروف في كل زمان ومكان.

ولم يذكر القرآن الكريم وجوب وجود شاهدين في عقد الزواج لأن ذلك كان ولا يزال عرفا يميز الزواج عن العلاقات السرية غير المشروعة، لكن التحريف في تشريع الطلاق وجعله كلمة ينطق بها الزوج ويطرد بها الزوجة من بيته ومن حياته جعلت تفصيلات القرآن تترى في موضوع الطلاق ومنها اشهاد شاهدي عدل. ومن أسف أن تحريفات الجاهلية في تشريع الطلاق أعادها الفقه السني، ولا زلنا نطبقها حتى الآن مع وضوح التشريعات القرآنية.

عرف الزواج الجاهلي بعض التحريف مثل نكاح زوجة الأب أو الجمع بين الأختين ونزل القرآن بتفصيلات واضحة في المحرمات في الزواج فيها التوصيف الكامل وفيها الاستثناءات الواضحة مثل قوله تعالى " وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) (وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) (وَرَبَائِبُكُمُ الَّلاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ الَّلاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ) " النساء 22-)

وتجاهلت الجاهلية عدة المرأة المطلقة والمتوفى عنها زوجها فأنزل الله تعالى تفصيلات لكل حالة:{ البقرة  228 234 }{الطلاق 4}{الأحزاب 49} وجعل عدة المرأة مرحلة هامة هامة في الطلاق والزواج منعا لاختلاط الأنساب. ومنع عضل النساء أي منع المرأة من الزواج أو أن يتزوج الرجل أمرأة أخيه دون رضاها "النساء 19 ". وكان الطلاق مجالا خصبا لرجال الجاهلية في ظلم المرأة فدخل فيه كثير من الزيف فجاء القرآن بتفصيلاته توضح كل شيء: البقرة 226:241) (الطلاق 1-7).  النساء 34 ؛ 35؛ 138 ؛139 ؛140). 

وهكذا يعالج تشريع القرآن الخلل في الزواج والطلاق ويسكت عن التراث الصحيح المتعارف عليه.

* في الحج

1 ـ الحج أبرز معالم ملة إبراهيم.ولم ينزل القرآن يشرح مناسك الحج من البداية للنهاية لأن العرب كانت تحج وتؤدى المناسك منذ الجيل الأول من ذرية إبراهيم وإسماعيل،  ولكن حديث القرآن الكريم عن الحج والبيت الحرام جاء مزيجا من التاريخ القديم لإبراهيم وإسماعيل، وتعليقا على الصراع الحربي بين قريش والمسلمين وانعكاس ذلك على منع المسلمين من الحج والقتال في البيت الحرام أو في الأشهر الحرم، وما استجد من أمور احتاجت إلى تصحيح أو تشريع جديد في فريضة الحج.

 ونعطى بعض التفاصيل:.

إبراهيم والبيت الحرام والحج

فالبيت الحرام هو البيت العتيق أو أول بيت وضعه الله تعالى للناس، وأوجب الله تعالى الحج إليه فرضا على كل مستطيع من الناس، وفى مقدمتهم أهل الكتاب الذين توارثوا ملة إبراهيم.

اقرأ في ذلك قوله تعالى لأهل الكتاب على وجه الخصوص:

{ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }{ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) { آل عمران 95ـ  97}

إبراهيم عليه السلام هو الذي أرشده الله تعالى إلى مكان البيت الحرام، وأمره بإعداده لاستقبال الحجيج، وأمره بدعوة كل البشر للحج ليأتوا إليه من كل فج عميق مهما اختلفت عقائدهم ومللهم وأديانهم طالما كانوا مسالمين غير معتدين:

"{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }{ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } الحج 26 ـ29

وقام إبراهيم مع ابنه إسماعيل ببناء البيت ( الكعبة )

إقرأ قوله تعالى :

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) البقرة 125 ـ 130 )

واضح هنا أن ـ البيت الحرام بيت الله تعالى  ـ عام لكل الناس باعتبارهم عباد الله تعالى،وليس مقصورا على المسلمين وحدهم . وإن إبراهيم وإسماعيل عندما كانا يرفعان قواعده كانا يدعوان الله تعالى بأن يمنّ بالخير والبركة على سكان مكة باعتبارهم أهل البلد القائم على رعاية البيت ورعاية ضيوف الرحمن جل وعلا.  وقد دعوا الله تعالى بان يهديهما وذريتهما للتمسك بالإسلام فالإسلام هو دين الله تعالى لكل البشر مهما اختلفت اللغات والرسالات والأقوام والزمان والمكان، وهو باختصار إسلام الوجه والقلب لله تعالى وحده ومسالمة الناس.

أما كيفية العبادة فقد دعى إبراهيم وإسماعيل أن يمن الله تعالى عليهما بأن يريهما مناسكها، وتلك المناسك شملت الحج وغيره وأطلق عليها "ملة إبراهيم ". ودعا إبراهيم وإسماعيل الله تعالى أن يبعث من ذرية إسماعيل نبيا يقوم على تعليمهم وتزكيتهم وإرجاعهم إلى حقيقة ملة إبراهيم التي قال تعالى عنها في نفس السياق: " . وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ".

وجاء محمد خاتما للنبيين ليجد قومه قد توارثوا ملة إبراهيم وحرفوا فيها وخلطوا الصحيح بالفاسد  فنزل القرآن الكريم يعالج الوضع ويأتي ببعض الجديد من التشريعات ويرد على بعض التساؤلات.

قريش توارثت الحج من ملة إبراهيم وأفسدته

الكفر أساس البلاء لدى قريش وغيرها:

الكفر هو نفسه الشرك، ويجمعهما معنى الظلم. فالكفرالعقيدى بالله تعالى والشرك به ظلم له تعالى، والكفر أو الشرك في السلوك هو الاعتداء على الناس والبغي عليهم في حق الحياة والمال والعرض. وقد مارست قريش الكفر العقيدي باتخاذ أولياء وإقامة أوثان وأنصاب وأصنام لها حتى داخل الحرم، ومارست الكفر السلوكي بالظلم للبشر والاعتداء عليهم بالقتل والاسترقاق حتى في الأشهر الحرم. وكانوا يفخرون بالكفر السلوكي والكفر العقدي معا ، كما كانوا يفخرون برعايتهم لبيت الله الحرام والقيام على رعاية الحجيج وعمارته وتعميره. ورد الله تعالى عليهم بأن ما يقدمونه من عمل صالح  سيضيع وسيحبطه الله تعالى لأنه صدر من عقيدة ظالمة كافرة واقترن بكفر سلوكي معتد أثيم.

يقول تعالى في قاعدة عامة: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ. إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ } ثم يقول لهم موبخا: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } التوبة17ـ 19 }

الصد عن البيت الحرام عند قريش وغيرها :

بهذا الكفر العقيدي والسلوكي واجهت قريش النبي محمدا وأصحابه المسالمين المستضعفين.وبسبب الاضطهاد والتعذيب هاجر بعض المسلمين مرتين للحبشة ثم هاجروا إلى المدينة ومعهم خاتم النبيين عليه وعليهم السلام. تابعت قريش المسلمين في المدينة بالقتال والاعتداء بعد هجرتهم ومنعت المسلمين من الحج إلى البيت الحرام وهم أحق الناس ببيت الله الحرام، مما استوجب تهديد الله تعالى للقرشيين بالعذاب، فقال: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } الأنفال 34}

 ويؤكد رب العزة على حقيقة هامة أغفلتها قريش وتغفلها الآن المملكة السعودية وهى أن بيت الله تعالى والحج إليه حق لكل الناس يستوي في ذلك أهل مكة والقادمون إليها من كل بنى البشر ، لا فرق بين هؤلاء وهؤلاء في استحقاق الحج:{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } الحج 25 )

أى بغض النظر عن الدين والمذهب والمعتقد والجنس واللون والغنى والفقر طالما كان القادم للحج مسالما لا يحمل سلاحا. هو مسلم حسب سلوكه ولا شأن لنا بعقيدته ، وليس لنا أن نقيم محاكم تفتيش واختبارات فى عقيدة كل قادم للحج، وليس لنا أن نشق على قلب كل حاج لنعرف اخلاصه أو تقواه أو سريرته. المطلوب فقط أن يكون مسالما حسب الظاهر ليكون مسلما.

المشركون باعتدائهم وتسلطهم على الآمنين هم ما نعرفهم اليوم باسم الارهابيين ، وهم الذين لا يتورعون عن تفجير بيوت العبادة ، وفى مقدمتها المساجد، ولا يتورعون عن قتل المارة و الأبرياء والنساء والأطفال ، وفى مقدمة ضحاياهم المسلمون فى مصر والجزائر والعراق وباكستان وتركيا وافغانستان وغيرها من بلاد تعيش فيها أكثرية مسلمة. هم الذين احتلوا المسجد الحرام فى حركة جهيمان العتيبى فى مطلع عام 1400 سنة 1997.هؤلاء الوهابيون المعتدون هم فقط الممنوعون من الحج للبيت الحرام الذى جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا ، وجعل من تشريعه أن كل من دخله كان آمنا. ومن أسف أنهم هم الذين يسيبطرون على المسجد الحرام ، وما كانوا أولياءه ، إن أولياءه إلا المتقون.!!

إنها نفس قصة قريش الطاغية تتكرر. قصة الصد عن بيت الله الحرام لاعتبارات سياسية ودنيوية، وقصة استغلال الاسلام مطية للحكم ، إما للوصول اليه أو للاحتفاظ به.

وبعد فتح مكة لم يخضع أئمة الكفر من قريش فاستأنفوا اعتداءهم ، فأعطاهم الله تعالى مهلة للتوبة ، ومنعهم من دخول البيت الحرام أو الاقتراب منه ( التوبة 28 ). وظلوا كذلك الى أن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وفق ما حدده رب العزة فى سورة التوبة التى حفلت باشارات تاريخية غفل عن التعقيب عليها رواة السيرة.

وقبل فتح مكة رأى النبي محمد عليه السلام  مناما أنه يحج البيت، فبادر بالذهاب مع عدة آلاف من أصحابه للحج مسالمين بدون نية حرب ولكن قريشا منعتهم من الدخول. وبعد  ومفاوضات تم عقد صلح الحديبية ، ونزلت في هذا الموضوع سورة الفتح وفيها يقول تعالى عن المشركين القرشيين  (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ  ) ويقول عن النبي محمد عليه السلام : " لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ   } الفتح  25 ـ 27 }.

تشريع الاحصار فى الحج

هذه ملامح قرآنية تدخل في تاريخ العلاقات بين المسلمين الأوائل وقريش، إلا أن ذلك الصد عن بيت الله تعالى ومنع المسلمين من الحج أوجد وضعا جديدا في تشريع الحج الذي توارثته قريش والعرب ضمن معالم ملة إبراهيم. هذا الوضع الجديد كان يستلزم تشريعا جديدا يعطى الفتوى الإلهية فيمن يريد الحج واستعد له ولكن حاصرته ظروف تمنعه من الحج، فماذا يفعل.

هنا جاء التشريع القرآني الجديد ليعالج بالتفصيل هذه الحالة وهى "الاحصار: فقال تعالى في تشريع جديد هنا: { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  } البقرة 196 )

تشريع القتال في البيت الحرام وفى الأشهر الحرم

واستلزم الاعتداء القرشي على المسلمين في المدينة نزول الإذن للمسلمين بالقتال، ثم تطورت المعارك لتتشابك مع نوعين من الحرمات: الحرمة الزمانية وهى الأشهر الحرم، والحرمة المكانية وهى البيت الحرام، وثارت أسئلة عن القتال الدفاعي للمسلمين: هل يجوز في الأشهر الحرم ؟ وهل يجوز في البيت الحرام ؟ ونزلت الإجابة في الوحي القرآني بالتفصيل.

نزلت القاعدة الأساسية وهى أن يكون القتال دفاعيا فقط وليس هجوميا معتديا:{ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ } وعليه فالمعتدون لا يحبهم الله تعالى لهم.

وهذا ينطبق على ما يسمى بالفتوحات الاسلامية التى كانت اعتداء على شعوب وأمم لم تعتد على العرب المسلمين. كانت احتلالا واستعبادا لبلاد لم يسبق لها ان رأت الجزيرة العربية. وتلك الجريمة الكبرى فى حق الاسلام والتى ارتكبها الخلفاء الراشدون ثم الخلفاء الأمويون  كانت استمرارا لقصة الطغيان القرشى قبل وبعد نزول القرآن الكريم. وهذا الطغيان هو الذى أضاع الصلاة قبل وبعد نزول القرآن الكريم.

وعن القتال عند المسجد الحرام قال تعالى :ِ(وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ } أي هو قتال دفاعي فقط إذا هاجمهم العدو داخل المسجد الحرام.

وهو نفس الفتوى الإلهية في القتال في الشهر الحرام، أي رد الاعتداء إذا حدث في الأشهر الحرم: { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }

ولم يكتف بعضهم بهذا التوضيح فسأل النبي محمدا عليه السلام نفس السؤال، ولأنه عليه السلام لا يملك أن يفتى في الدين طالما ينزل الوحي فقد انتظر الإجابة من الله تعالى، وهذه إحدى معالم التشريع القرآني الإسلامي:أن النبي لا يملك الإفتاء وإنما ينتظر مجيء الفتوى من الله تعالى، حتى لو كان السؤال قد سبقت الإجابة عليه، وحينئذ ينزل قوله تعالى ( يسألونك عن ) كذا ( قل ) كذا. وهذا ما حدث هنا.

بعد نزول الآية السابقة قاعدة عامة تؤكد أن الشهر الحرام بالشهر الحرام وأن الحرمات قصاص لم يقتنع بعض الصحابة وسأل نفس السؤال عن القتال في الأشهر الحرم، وانتظر النبي الإجابة، وكان يمكنه أن يحيله إلى الآية السابقة، لكنه لا يملك حتى الإحالة إلى ما نزل من القرآن، ونزل قوله تعالى بالتوضيح والتحليل والتعليل: (  يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )

وفى كل الأحوال فإذا كفوا عن الاعتداء فلا مجال للحرب:{ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ }

( البقرة 190 ـ 194 & 217 )

التحريف ونزول القرآن للتوضيح

1 ـ كان النسيء من معالم التحريف في ملة إبراهيم، ويعنى استحلال القتال في بعض الأشهر الحرم وتأجيل التحريم إلى شهر آخر أو عام آخر. وقد اعتبره رب العزة جل وعلا زيادة في الكفر، فقال:

(إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } التوبة  ـ37 }

قبل هذه الآية الكريمة أوضح الله تعالى عدة أشهر العام وأن منها أربعة حرم يحرم فيها الظلم { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } التوبة 36}

2 ـ وكان من الاعتداء وانتهاك حرمة البيت الحرام قتل الصيد أثناء الإحرام واستحلال الشعائر والمشاعر الحرام وقطع الطريق على قوافل الحجاج ونهبهم وقتلهم ونهب الهدى من الإبل والأنعام التي تساق لتنحر هديا لإطعام ضيوف البيت الحرام. والاستمرار على ذلك أنسى العرب أن ذلك انتهاك لحرمة الكعبة ومناسك الإحرام. بعد فتح مكة كان  لا بد من منع هذه الانتهاكات وتأكيد التشريع الذي يخصها والذي نسيه العرب في حمأة عصيانهم وضلالهم،  فنزلت سورة المائدة ـ وهى أواخر ما نزل من القرآن ـ بافتتاحية تقول للمؤمنين مباشرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ } المائدة 1ـ 2 }

إلا انه كان اختبارا عسيرا ـ فيما يبدو ـ أن يكف الناس عن الصيد في الحرم وهم في الإحرام، فأنزل الله تعالى لهم هذه الآية تحذيرا وإنذارا يؤكد لهم انه سيجعل حيوان الصيد ( من غزال ووعول وظباء) يدخل الحرم ليكون في متناول أيدي الناس ورماحهم، فهل سيقتلونه وهو في ضيافة الرحمن أم لا ؟ وهنا اختبار شخصي للتقوى، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

ثم جعل الله تعالى عقوبة فدية على من يقتل الصيد وهو في حالة إحرام. وجعل تنفيذ الفدية مرتبطا بضمير الحاج نفسه، يقول تعالى:(  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ   ) .. و كلمة (مُّتَعَمِّدًا) في الآية الكريمة تجعل الأمر موكولا إلى نية الحاج وضميره، فهو وحده الذي يحكم هل قتل الصيد متعمدا قاصدا أم ناسيا ساهيا.

ثم تؤكد الآية التالية بإيجاز وإعجاز أن كل لحم البحر حلال، بينما يحرم صيد البر في حالة الإحرام فقط، يقول تعالى  (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) وفى النهاية يقول رب العزة عن الكعبة بيت الله تعالى الحرام : (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } المائدة  94 ـ 97 }

الرد على الأسئلة والاستفسار

3 ـ كانت قريش تجعل لنفسها أفضلية في تأدية مناسك الحج فيما يعرف ب ( الحمس ) فكانوا عند الإحرام لا يدخلون بيوتهم من أبوابها ولكن من ظهورها، ويجعلون ذلك من التقوى في أداء المناسك، فقال تعالى لهم: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

وأباح لهم التجارة وتبادل المنافع مع التركيز على عدم تميزهم في طواف الإفاضة على بقية الناس، فلا بد أن يفيضوا من حيث أفاض الناس {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ }{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}

4 ـ واعتاد العرب الفخر بالشعر في أسواق عكاظ وغيرها وامتد ذلك إلى اجتماعهم في الحج الذي هو في الأصل لتعظيم الله تعالى وحده وليس للفخر بالأسلاف وتمجيد الآباء، لذا أرشدهم الله تعالى إلى ما هو أفضل؛ الدعاء لله تعالى بأفضل صيغة للدعاء في الحرم وخارجه: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } البقرة 189 ـ202 }

 5 ـ وسأل بعضهم عن وجوب الطواف بين الصفا والمروة فنزلت الإجابة الإلهية بأنه مباح و لا حرج فيه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ  } البقرة 158}

هذه لمحات قرآنية توضح منهج القرآن الكريم التصحيح في تشريع العبادات المتوارثة من ملة إبراهيم، ومنها الحج. ..فماذا عن الصيام ؟

في الصيام

1 ـ ونزل تشريع الصيام على العرب الذين كانوا يصومون شهر رمضان.

نزل في المدينة.  وكان شهر رمضان معروفا للمسلمين بأنه شهر القرآن فهو الذي نزل فيه القرآن مرة واحدة على قلب النبي محمد حين كان في مكة.

أول آية في تشريع الصوم قالت :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) لم تشرح ألآية الأولى في تشريع الصوم معنى الصوم وأنه الامتناع عن الطعام والشراب واللقاء الجنسي بالزوجة – كما تفعل كتب الفقه . والسبب بسيط هو أن العرب كانوا يصومون رمضان، بل وكانوا يتخذون منه عادة اجتماعية للهو واللعب بدون مراعاة للتقوى كما نفعل نحن الآن. لذا تخبر الآية الأولى في التشريع القاعدة الأولى وهى تأدية الصوم كما اعتادوه بنفس ما كان في ملة إبراهيم (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) من الامتناع عن الأكل والشرب واللقاء الجنسي، وهوالذى كانوا يفعلونه أنفسهم في مكة قبل أن ينزل التشريع القرآني بهذا التصحيح والتنقيح.

ثم تختم آية التشريع الأولى بتقرير أقامة الصوم في سلوك المؤمن عقيدة وسلوكا أي أن يكون هدف الصوم هو التقوى. (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

2 ـ بعد تقرير أن الصوم عبادة متوارثة ولا بد من مراعاة التقوى فيها تأتى الآيتان التاليتان بتشريع جديد لم يكن موجودا من قبل وهو عن الأعذار المبيحة للفطر في رمضان، ولأنه تشريع جديد فقد جاءت تفصيلاته واضحة،  بل وتكررت في آيتين متتاليتين توضحان بالتفصيل السماح للمريض والمسافر وعدم القادر على الصوم بالإفطار ومجال دفع الفدية أو قضاء الصوم (البقرة 183- 185).

3 ـ وكان الصوم المعروف المتوارث وقتها قبل نزول التشريع القرآني الجديد يبدأ بعد العشاء ويستمر طيلة الليل والنهار حتى مغرب اليوم التالي ليكون الإفطار مرحلة قصيرة هي ما بين المغرب والعشاء فقط. وكانت هذه الفترة القصيرة لا تكفى إلا للطعام فحسب، ويأتي الليل فيضطر أحدهم لمباشرة زوجته في وقت يجب أن يكون فيه صائما. ونزل التخفيف تشريعا جديدا مفصلا في قوله تعالى " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ) أي جاء التشريح الجديد بأن مباشرة الزوجة مباح في ليلة الصيام (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ) وهنا يخبر الله تعالى عن وقوع بعضهم في مباشرة الزوجة في ليلة الصيام حين كان واجبا الصوم فيه، ويبشر الله تعالى بأنه عفا عنهم وتاب عليهم، وأنزل هذا التخفيف عليهم، لذا جاء التشريع الجديد يقول للمؤمنين  (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) يأتي هنا تفصيل التشريع الجديد لوقت الإفطار في رمضان حيث يباح الأكل والشرب واللقاء الجنسي بالزوجة من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر، وظهور أول تباشير الضوء حين تتمكن العين المجردة من تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود . توضيح مفصل في تشريع جديد يعقبه تشريع جديد آخر يتضمن تصحيحا لتشريع قديم هو الاعتكاف في ليالي رمضان في المساجد (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )... البقرة 187-) كانوا يعتكفون في المساجد رجالا ونساء، وكان الزوج يعتكف مع زوجته في المسجد في ليالي رمضان، وكان يحدث لقاء جنسي بينهما وقت الاعتكاف، لذا نزل التشريع الجديد يحرم ذلك اللقاء الجنسي بالزوجة أثناء الاعتكاف الرمضاني في المسجد.

4 ـ ذلكم هو بيان القرآن لما يحتاج فعلا إلى بيان من تشريع جديد يعرفه الناس لأول مرة أو يوضح وجه الحق في تحريف أدخله الناس في تشريع سائد. لذا اختتمت الآية بتقرير أن ذلك هو بيان القرآن للناس لعلهم يتقون:  (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ]

 وبالفعل فان بيان القرآن الكريم في تلك الآيات احتوى على كل ما يلزم المؤمن في تشريعات الصوم. وما أحدثه الفقهاء بعدها من ثرثرة وفتاوى وأحكام فقهية كلها هراء لا طائل من ورائه، لذا اختلفوا فيه وانشغلوا بهذا الاختلاف قرونا وكتبوا فيه آلاف الصفحات عبثا.

وبنفس المنهج القرآني جاءت تفصيلات القرآن عن فريضة الصلاة التي أثبتنا أن العرب كانوا يعرفونها شكلا ويؤدونها ركعات وفرائض ولكن دون خشوع وإيمان وإخلاص في القلب ودون تقوى وطاعة في الجوارح.

منهج القرآن في تفصيلات فريضة الصلاة:.

1-كما كان عقد الزواج تراثا معروفا لا اختلاف حوله فلم يتعرض له القرآن وهكذا كان معنى الصوم معروفا ومتوارثا، و كانت مناسك الحج وترتيبها تراثا معروفا فلم يتعرض القرآن لتوضيح الواضح الشائع. وكذلك كانت ـ  ولا تزال ـ  ركعات الصلاة ومواقيتها تراثا معروفا واضحا فليس لها نصيب في تبيين القرآن ، فالشيء المبين لا يحتاج إلى بيان إلا كان إعجاز القرآن عبثا وتعالى الله عن العبث والهزل. يقول تعالى عن القرآن الكريم : (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) الطارق 13؛14)

2- كان الخلل في صلاة المشركين متمثلا ليس في الشكل ولكن في المضمون، أي عدم إقامة الصلاة، لذا تركز حديث القرآن حول إقامة الصلاة والمحافظة عليها بالتقوى والتحذير من الشك والعصيان وذلك في التشريع المكي خصوصا، وفيها يأمرهم الله تعالى بالمحافظة على الصلاة وإقامتها، ذاكرا "الصلاة " بالألف واللام ( أل) التي تفيد العهد، أي الصلاة المعهودة لديكم، بما يؤكد أن الصلاة معروفة لديهم.يقول تعالى يوجب إقامة الصلاة طالما ظل الإنسان مستيقظا غير نائم: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) هود 114 ) طرفا النهار وبعض الليل يشمل كل وقت اليقظة للإنسان، وعليه في هذا الوقت أن يؤدى الصلاة في مواقيتها وأن يحافظ على صلاته بالتقوى فيما بين أوقات الصلاة طالما ظل يقظا، فإذا نام فلا مسئولية عليه، وبهذا يكون قد أقام الصلاة كل يومه. ويقول تعالى في سورة مكية أخرى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ) الإسراء 78 ـ79 ) هنا أمر آخر للنبي وللمؤمنين بإقامة الصلاة طيلة وقت اليقظة، مع إضافة قيام الليل وقرآن الفجر لمن أراد أن يكون من السابقين المقربين يوم القيامة. المقام المحمود هنا هو الجنة وليس الشفاعة كما يعتقد المكذبون للقرآن الكريم. اقرأ قوله تعالى عن السابقين ممن ورثوا القرآن وعملوا بمقتضاه (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) فاطر 32 ـ ) فمن أوصاف الجنة هنا أنها المقام المحمود.

3- وقد نزلت آيات تعالج نواحي الخلل ويظهر من أسلوب القرآن فيها أنه يكلم أناسا يعرفون الصلاة ويمارسونها قبل نزول الآيات ولكن حدث خلل من ناحية ما فجاءت الآيات تنبه على الخلل ولا تشرع شيئا جديدا بالنسبة للصلاة. 

* فالآذان للصلاة كان معروفا وحدث أن المشركين كانوا يستهزئون ويتلاعبون وقت الآذان فنزل قوله تعالى " وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ) المائدة 58) فليس هنا تشريع للآذان عند الصلاة وإنما احتجاج على خلل أحدثه المشركين عند الآذان.

* ومنذ عهد إسماعيل وأبيه إبراهيم عرف العرب يوم الجمعة الذي يجتمعون فيه لأداء صلاة جماعية أسبوعية، ومنها اشتق اسم يوم الجمعة. وكان اهتمام المشركين قبيل صلاة الجمعة ينصب على البيع والتجارة. وبعد الهجرة لم يتخلص بعض المسلمين من هذه العادة السيئة، وحدث إن أقبلت قافلة تجارية للمدينة في يوم الجمعة أثناء وقوف النبي للخطبة، وكان وقتا عصيبا فسارع بعضهم للخروج من المسجد وترك النبي قائما يخطب الجمعة، فنزل قوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ).  الجمعة 9-)

لم تنزل هذه الآيات الكريمة لتشريع صلاة جديدة هي صلاة الجمعة، وإنما لتنبه على خلل وقع فيها ولا يزال يقع، إذ ينبغي أن يبادر المسلم للذهاب إلى المسجد حين يؤدى صلاة الجمعة وأن يترك البيع ثم إذا انتهت الصلاة يعود إلى بيعه وتجارته كالمعتاد في بقية أيام الأسبوع فليس يوم الجمعة أجازة من العمل، المهم ألا يفتر المسلم عن ذكر الله. ثم يأتي اللوم لأولئك الذين انفصلوا عن الرسول وتركوه في المسجد قائما يخطب.

4- وبمناسبة ذكر القرآن ليوم الجمعة نقول لأولئك الذين لا يفهمون معنى تبيين القرآن أن أيام الأسبوع من الجمعة للسبت معروفة ولم يحدث أن اختلف الناس في يوم ما هل هو يوم الأربعاء أم الخميس، ولأن أيام الأسبوع شيء بين واضح فلم يأت عدد أيام الأسبوع في القرآن لان تبيين القرآن يكون لما يستلزم التبيين من الأشياء الغامضة، وتخيل جدلا- ونستغفر الله- لو جاءت أيام الأسبوع في القرآن لكان الأمر مدعاة للاستهزاء بآيات الله تعالى وكتابه، ونستغفر الله العظيم.

وهكذا كان العرب يعرفون أيام الأسبوع ويعرفون عدد ركعات الصلاة ومواقيتها فلم يأت ذكر لبعض الفرائض إلا في سياق الحديث عن خلل ما أو في سياق تشريع أخر...

لم يأت ذكر لأيام الأسبوع إلا يوم الجمعة في مناسبة خلل حدث في صلاة الجمعة، وذكر القرآن الكريم يوم السبت بمناسبة الخلل الذي أحدثه اليهود في يوم السبت يقول تعالى: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ) النحل 124) (وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ) (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ)النساء 154؛47) . لم يذكر القرآن من أيام الأسبوع إلا يوم الجمعة والسبت فهل معنى ذلك أن نلغى باقي الأيام ؟  أو نجعل الأسبوع يومين فقط. أو أن نتهم الله تعالى بالكذب والتفريط لأنه لم يعرفنا أيام الأسبوع ؟

5ـ ونفس الحال بالنسبة للأشهر وعدتها في السنة. لم يذكر القرآن الحكيم ذلك إلا بمناسبة النسيء الذي كان يرتكبه العرب الجاهليون ({إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ..}( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } التوبة 36  ـ37 }

 وذكر القرآن الكريم شهر رمضان لارتباطه بتشريع الصيام، فهل معناه أن بقية الأشهر غير معروفة أو غير معترف بها ؟ أو يدور خلاف هائل حولها أو حول ترتيبها ؟

لقد سئل خاتم النبيين محمد عليه وعليهم السلام عن سؤال يعرف إجابته يقينا، وكالعادة لم يرد بما يعرف وانتظر الإجابة من الوحي ونزل الوحي يقول " (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) البقرة 189 ). أي كانوا يعرفون الأهلة ( جمع هلال ) ويتخذون منها تقويما قمريا للحج ولبقية الأغراض التي يحتاجها الناس. والإجابة القرآنية لم تأت بجديد لا يعرفه العرب، ولكن الجديد فيها لنا هو أن نعرف ونؤمن بأن النبي محمدا لم يكن له أن يفتى في الدين حتى فيما كان يعرفه، وأن نؤمن أن تفصيلات القرآن لم تترك شيئا يحتاج إلى تبيين بدون توضيح،  وأن كل سؤال وجّهه الناس للنبي جاءت إجابته في القرآن الكريم، حتى الأسئلة المكررة جاءت الإجابات القرآنية عليها مكررة ولكن تحمل نفس المعنى وبتفصيلات أخرى في نفس الموضوع. وللمزيد لمن يريد: ارجع إلى المصحف المفهرس وراجع كلمة " يَسْأَلُونَكَ " وَ " يَسْتَفْتُونَكَ ".

6- ولأن فرائض الصلاة وركعاتها معروفة للعرب مثل معرفتهم لأيام الأسبوع فإن القرآن يذكر بعض الفرائض مثل الفجر والظهر والعشاء ليس لتشريع جديد يفرض صلاة الفجر والعشاء ولكن في سياق حديثه عن تشريع أخر هو تشريع الاستئذان، يقول تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاء ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). النور 58)

لم يخترع المسلمون ساعة زمنية يعرفون بها الوقت، ولأنهم يقيمون الصلاة في أوقاتها ويحافظون عليها في غير أوقاتها فإن مواعيد الصلاة كانت مقياس الوقت لديهم، لا يقولون الساعة الثالثة مثلا وإنما يقومون قبل صلاة الظهر أو بعد صلاة العصر، وهذه لغة خاصة بمن يقيم الصلاة في قلبه وجوارحه وحياته. وهذه اللغة لا تزال حتى الآن بين المحافظين على الصلاة في مواعيدها.

لذا يتحدث القرآن إليهم بلغتهم هذه حين يشرع آداب الاستئذان، وعليه فالأطفال والموالى عليهم الاستئذان عند الدخول على البالغين في أوقات الراحة بعد صلاة العشاء وقبل صلاة الفجر، إذ أن عادة المسلمين هي الراحة بعد صلاة العشاء ثم الاستيقاظ لصلاة الفجر، والقيلولة بعد صلاة الظهر، وهذا التشريع ليوجب استئذان الأطفال والخدم عند الدخول على الآباء والأمهات والكبار في أوقات الراحة والنوم. أما الكبار البالغون فعليهم الاستئذان في كل وقت وفقا لما جاء في الآية التالية: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) النور 59 )

هذا بيان الله تعالى لاستئذان الصغار والكبار، وقد جاء بالتفصيل، وهو مسألة اجتماعية ليست في منزلة الصلاة، فهل يا ترى يهمل الله تعالى كيفية الصلاة ومواقيتها بينما يشرح "آداب الاستئذان" داخل البيوت ؟ القضية أن العرب كانوا لا يعرفون هذه الآداب الراقية الحضارية فنزل تعليمهم لها بالتفصيل في سورة النور وغيرها. أما الصلاة فقد كانوا يعرفونها ويؤدونها بنفس الكيفية والعدد ، لذا كان عبثا توضيح ما هو واضح لهم.

إن الآية لم تنزل لتشريع صلاة الفجر أو صلاة العشاء وإنما لتشريع الاستئذان قبل صلاة الفجر وبعد صلاة العشاء وبعد صلاة الظهر، ومعناه الواضح أن المسلمين قبل نزول الآية كانوا يعرفون صلاة الفجر وصلاة العشاء، بل كانوا يضبطون إيقاع الحياة على أوقات الصلاة. ولأن معرفة أوقات الصلاة وركعاتها من البديهيات لم يتعرض لها بيان القرآن، ويكفى أن الآية ختمت بقوله تعالى " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). النور 58) . فهذا تبيين الله العليم الحكيم لما ينبغي تبيينه وتوضيحه، أما الواضح المبين البيّن فلا يوضحه أو يبينه القرآن الكريم. وهذا ما ينبغي أن نفهمه قبل أن نبادر باتهام المولى عز وجل بأنه فرط في كتابه.

7-  ولم يأت التشريع القرآني بجديد خاص بالصلاة في مكة وإنما جاء في المدينة وحين نزل ذلك التشريع الجديد نزل مفصلا يوضح كل شيء في هذا التشريع الجديد .

* وأول تشريع جديد في الصلاة هو الخاص بالقبلة، وكان في حقيقته اختبارا في الطاعة،  فالعرب كانوا يتوجهون في الصلاة إلى الكعبة، وبتوالي القرون بعد أبيهم إسماعيل ترسب فيهم الشعور بتقديس بناء الكعبة، وزاد ذلك وقوعهم في الشرك وعبادة الأضرحة والأنصاب والأصنام وزرعها حول الكعبة، فإذا كانوا يقدسون حجارة القبور والأنصاب والأوثان والأضرحة والأصنام فحجارة الكعبة أولى بالتقديس. وبمجيء النبي محمد خاتما للنبيين ورجوع  كثيرين إلى الحنيفية الإبراهيمية الحقيقية تم تنظيف قلوبهم من الاعتقاد في الأوثان والأنصاب والأصنام والقبور المقدسة. لكن لا يزال هناك تقديس في داخلهم لبناء الكعبة خصوصا وهم يتجهون إليها في صلاتهم اليومية. وازداد الأمر بعد هجرتهم من مكة إلى المدينة إذ اختلط لديهم الحنين للوطن ( مكة ) وبيت الله تعالى الحرام بمشاعر التقديس للكعبة. وكان لا بد لهم من مواجهة مع النفس بامتحان يتضح لهم فيه أن التوجه للكعبة لا يعنى تقديسا لها على الإطلاق وإنما هو طاعة للآمر رب العزة جل وعلا. تماما مثلما أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم ، فلم يكن تقديسا لأدم ، بل كان اختبارا للطاعة. نفس الحال هنا؛ امتحنهم الله تعالى بأن أمرهم بالتوجه إلى مكان آخر. وأطاع النبي والمؤمنون معه وصبروا على أقاويل السفهاء بتغيير القبلة، وبعد أن نجح النبي والمؤمنون في الاختبار نزل الوحي يجيب رجاء الرسول لله بالعودة إلى التوجه للبيت الحرام، فقد تعلموا الدرس.

وتفصيلات الموضوع جاءت في سورة البقرة(142؛150)

* ثم نزل تشريع الوضوء والطهارة والغسل والتيمم، ولم يكن معروفا من قبل، وجاء بيانه في آيتين في المدينة " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ }.   النساء 43)  ومع هذا البيان المحكم المفصل فقد تكرر في سورة المائدة وبتفصيلات جديدة عن الوضوء يقول تعالى . " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ.  المائدة 6) وتأمل كلمة الصلاة في " لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ " " إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ " أي الصلاة المعروفة لديكم وعليكم قبل أن تقومون لها أن تتطهروا لها، أو بالمصطلح الفقهي "الوضوء " فالصلاة معروفه أما الغسل والطهارة قبل الصلاة فهو شيء جديد نزل تشريعه لأول مرة.

*  وفرض الله تعالى القتال على المؤمنين في المدينة بعد الهجرة.

والهجرة نفسها نوع من الجهاد، إذ أنه سفر فيه مطاردة وضرب في الأرض شديد، والمؤمن في حال الهجرة والقتال مطالب بالصلاة لأن الصلاة كانت على المؤمنين ـ قديما وحديثا ت كتابا موقوتا أي فرضا يؤدى بتوقيته كل يوم. وعليه كان لابد أن ينزل تشريع خاص للصلاة في وقت الخوف أثناء الهجرة والقتال. 

وحين نزل تشريع صلاة الخوف نزل مفصلا يتحدث لأناس يعرفون الصلاة معرفة اليقين، وجاء الحديث عن صلاة الخوف في سورة النساء (100؛103) ويبدأ بالهجرة وما فيها من مشاق وإمكانية الموت أثناءها  { وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا  }.

 ثم يتحدث المولى تعالى عن نوعية السفر التي تستلزم قصر الصلاة { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا) ثم توضح الآيات التالية طريقة الصلاة في الركعة الواحدة والتعديل الذي يلازم ظروف المواجهة مع العدو حين الصلاة " وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا " النساء 100، 101، 103، 102.

واضح في الآيات أن قصر الصلاة يكون فقط في حالة السفر المرتبط بالخوف " إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ "  وان القصر من الصلاة الكاملة المعتادة المعروفة، وأن مقدار الركعات التي تقصر من الصلاة متروك حسب ظروف المواجهة . والتفصيلات كافية هنا في توضيح ذلك التشريع الجديد بحيث لا يحتاج إلى إضافة أو استفهام، فمثلا لا بد من كتبية حراسة تحمل السلاح وتحمى الفريق الذي يصلى خصوصا عند السجود، وبعد أن تنهى صلاة القصر يتبادلون المواقع فيصلى الحراس ويقوم الآخرون بالحراسة، ولابد من التمسك بالسلاح إلا في حالة الضرورة في المطر أو المرض. وبعد انتهاء صلاة القصر هذه ينبغي أن يعوض القصر فيها بالاستمرار في ذكر الله قياما وقعودا ونياما، ثم إذا زالت حالة الخوف تقام الصلاة الكاملة في أوقاتها المعروفة.  

ثم تأتى آية أخرى في سورة البقرة تضيف تفصيلا آخر  لصلاة الخوف " حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } البقرة 238)

ففي حالة الخوف من العدو أو الخوف من ضياع وقت الصلاة أو عندما تتعذر الصلاة بالطريقة المعتادة وأنت راكب على بعير أو طائرة أو سيارة ـ يأتي تشريع جديد آخر بالتفصيل، فتصلى كيفما اتفق مترجلا أو راكبا، فإذا ذهب الخوف فلابد من ذكر الله قياما وقعوا ونياما وإقامة الصلاة لذكره تعالى فالله تعالى هو الذي علمهم ذلك التشريع الجديد الذي لم يكونوا يعلمونه.

8 ـ لقد شملت تفصيلات القرآن كل شيء يحتاجه المؤمن في حياته حتى من الآداب الراقية الحضارية أو ما يعرف الآن بالاتيكيت.من آداب الكلام و التحية والسلام إلى آداب المشي أو السير والطعام.

في آداب الطعام

قال تعالى : (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُ"> وحتى في رفع الصوت أو خفوته تأتى التفصيلات في العبادة والدعاء:

 فلا بد أن يكون الدعاء خفيا بدون صوت مسموع مثلما فعل زكريا عليه السلام: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا) مريم 3 ) أما نحن فلا يقنصر الأمر على الصياح بالدعاء بل يتعداه الى السخرية بالله تعالى فبدلا من أن يكون الدعاء بكاءا وتضرعا نجعله غناء ورقصا، أي نتعدى على جلال الله تعالى بتحويل عبادة الدعاء إلى لهو ولعب متناسين قوله تعالى في تشريع الدعاء: (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) وفى تشريع ذكر الله تعالى  (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ) الأعراف 55 & 205 ) أما الصلاة فلا مجال فيها للجهر كما نفعل باستخدام الميكروفونات ، يقول تعالى : (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ) الإسراء 110 )

 وحتى في الحديث العادي لا يصح أن ترفع صوتك: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) لقمان 19 )

وفى المشي والسير هناك آداب قرآنية:

فلا يصح التعاظم والسير بخيلاء، ومصطلح المرح يعنى تلك النوعية من الاستكبار في السير والغرور في الحركة كان يقول تعالى: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) الإسراء 37 ) وقال تعالى عن بعض المستكبرين من مدعى العلم: (ثَانِيَ عِطْفِهِ) الحج 9 ) وهو وصف حركي يصور الذي يتحدث مع الناس متعاليا عليهم. ونحوها قوله تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) لقمان 18 )

أما شان المؤمن فهو السير على الأرض هونا معرضا عن الجاهلين محسنا لهم ما استطاع : (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) الفرقان 63 ) او أن يمشى بقصد أي باعتدال عارفا أين يذهب محتسبا خطاه في سبيل مولاه جل وعلا : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) لقمان 19 )

آداب التحية

لا تقتصر على المحسن من الناس بل تشمل أيضا الرد على صاحب اللغو بإلقاء كلمة السلام وهى تحية الإسلام. على أنه إذا حياك احد بأي لغة أو أي مصطلح فالواجب عليك رد التحية بأحسن منها سواء كان الذي حياك مسلما أم غير مسلم، تعرفه أو لا تعرفه. : (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ) النساء 86 )

والتحية ليست فقط من القادم الواقف على الجالس القاعد بل هي أيضا يقولها الجالس للقادم عليه ن وهذا أمر وجهه الله تعالى للنبي محمد عليه السلام في تعامله مع المؤمنين: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الأنعام 54 )

9 ـ ما سبق هو مجرد أمثلة لتفصيلات القرآن الكريم في الآداب العامة في الحياة الاجتماعية، لم يكن للعرب معرفة بها فجاءت تفصيلاتها واضحة، والصلاة أعظم فريضة إسلامية، يكفى في بيان قدرها أن يقال عن الخاسر يوم القيامة: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى) القيامة 31 ) فالتصديق هو الإيمان، أما العمل الصالح فقد جاء التعبير عنه بالصلاة.

 إذا كانت الصلاة بهذه الأهمية فهل تتناساها تفصيلات القرآن وتذكر الآداب الاجتماعية في السير والحديث والتحية والاستئذان ؟

وهكذا تأتى تفصيلات القرآن تشرح التشريع الجديد وتنبه على ما يحدث من خلل في أداء الصلاة. أما ما هو واضح من ركعات الصلاة وأوقاتها فمن الهزل تشريعه لمن يعرفونه ويؤدونه. أما أولئك الذين يحاولون تكذيب المولى عز وجل في قوله تعالى مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ " فلن تنفع معهم حجة ولا برهان لأنهم يسعون في آيات الله معاجزين وموعدنا معهم أمام الله تعالى يوم القيامة:" وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ...  سبأ 38) .

الباب الثانى : ( الخلفاء الفاسقون وصلاتهم الشيطانية ) ج١

تمهيد منهجى عن الصلاة فى تاريخ المسلمين وفى تشريعاتهم

  (المشكلة المنهجية فى بحث التراث ـ  منهج البحث فى هذا الكتاب ـ الخلفية التاريخية للمصادر التراثية ـ لمحة عن  الكتابات التاريخية والطبقات الكبرى لابن سعد ــ  التسجيل التاريخى للصلاة عند المسلمين ـ  لمحة عن أنواع الكتابات الفقهية )

أولا :المشكلة المنهجية فى بحث التراث

1 ـ أهم مشكلة منهجية فى الدراسات الاسلامية هى التعامل مع المصادر. أغلبية الباحثين يخلط بين الحقائق القرآنية المطلقة وبين روايات التراث وأحاديثه التى كانت تسميتها الأصلية : أخبار وروايات. هذه التسمية: ( أخبار وروايات )هى فصل الخطاب فى موضوعنا.

2 ــ فى عصر الازدهار العلمى لحضارة المسلمين كان علماء الحديث يطلقون على تلك الأحاديث مصطلح ( الخبر) والخبر عندهم هو الذى يحتمل الصدق والكذب، ولأن الأصل فيه الشك وليس اليقين فقد كانوا يجعلون له اسنادا عبر أجيال من الرواة ليحاول أن يؤكد صحته. وهذا الاسناد لا يعطى ذلك الحديث صفة اليقين لأن هناك مطاعن ضد الرواة واختلافات فى مدى صدقيتهم وحفظهم وأمانتهم فى النقل. ولا يوجد اتفاق عام على توثيق راو أو تضعيف راو آخر حسبما قال الامام الذهبى فى كتابه ( ميزان الاعتدال ). ولذلك كان علماء الحديث يقولون ان تلك الأحاديث تفيد الظنّ ولا تفيد اليقين. أى مجرد أخبار تحتمل الصدق والكذب ، وبالتالى ليست جزءا من الدين لأن الدين لا بد أن يكون يقينيا من عند الله تعالى ، وهذا لا يتأتى الا فى القرآن فقط . وقد قالوا ايضا ان العقائد أوالسمعيات  لا تؤخذ الا من القرآن لأنها تدخل ضمن الايمان ولا بد للايمان أن يكون مصدره يقينيا.

3 ـ وفى عصر الازدهار الفكرى بعد موت النبى محمد بقرنين وأكثر ـ اى فى العصر العباسى  الأول ـ عاش أئمة الحديث والفقه. لم يكونوا يقولون مباشرة ( قال رسول الله ) وانما يقولون ( روى فلان عن فلان عن ..  ان رسول الله قال .. ) أى يؤكدون انها رواية بشرية وليست قولا مباشرا مؤكدا قاله النبى بنفسه لمن كتب ذلك الحديث. وبعضهم كان يختصر فيقول بطريقة المبنى للمجهول  ( روى أن رسول الله قال ..) هو يؤكد نفس المعنى من أنها مجرد رواية متناقلة عبر رواة متعددين مختلفين فى الزمان والمكان.

4 ـ وفى عصر التقليد والجمود بدءا من القرن السابع الهجرى عكف اللاحقون على كتب السابقين يشرحونها ويلخصون الشرح ويجعلونه مختصرا موجزا ثم يحولون المختصر الى متن ثم يعيدون شرح المتن. وبذلك تقهقرت الحركة العلمية من تقليد الى جمود الى تأخر ، وذلك من بداية العصر المملوكى الى أواخرالعصر العثمانى. وبالتالى تحولت كتب العلماء السابقين الى أسفار مقدسة ـ مع اختلافها والشقاق بين مؤلفيها ـ وتحول أولئك الأئمة الى أنصاف آلهة لا يجوز الاعتراض عليهم أو مناقشة آرائهم. والأهم من ذلك أن روايات الأخبار عن النبى أصبحت بالتقليد الأعمى وغيبة العقل والنقد جزءا أساسا من الدين . وأصبح لا يقال ( روى فلان عن فلان عن أن رسول الله قال ) بل يقال على وجه التأكيد ومباشرة ( قال رسول الله ) او يقال : (روى البخارى أن رسول الله قال) كما لو أن البخارى كان صاحبا ملازما للنبى محمد عليه السلام وسمع منه مباشرة. والبخارى اكتسب قدسية مرعبة ترهب من يفكر فى مناقشة أحاديثه.

5 ــ ثم جاء عصر الصحوة التى بدأها الامام محمد عبده وحملها فى رحلاته الى تونس والجزائر وغيرها ، واقترنت هذه الصحوة الدينية بتوجهات سياسية وفكرية ليبرالية فى مصر وغيرها ، وكان مأمولا أن تثمر هذه الحركة نهضة اصلاحية تعيد الاسلام الى المسلمين وتعيد المسلمين الى الاسلام لولا ظهور الدولة السعودية بفكرها الوهابى الذى استرجع أردأ انواع الفكر السلفى وأشده تعصبا وتخلفا وجمودا وظلامية. وقام قطار النفط بنشر الوهابية على أنها الاسلام ، وأيدته ظروف محلية واقليمية ودولية فانتشر وساد ، واسفر فى النهاية عن اتهام الاسلام بالارهاب والتخلف والجمود. وهذا ما نعانيه الآن وما يستوجب الاصلاح.

5 ـ ومن ملامح هذا التخلف الوهابى المسيطر أنه أعاد منهج العصر العثمانى فى التفكير، وهو العصر الذى عاش فيه محمد بن عبد الوهاب، فلم يعد يقال : روى فلان عن فلان عن   أن رسول الله قال ، بل أصبح أحدهم يقول بجرأة : قال رسول الله، كما لو كان جالسا مع النبى للتو واللحظة .. ولم يعد يقال انها " اخبار " أو انه (خبر ) عن النبى ، بل أصبح يعرف بأنه حديث تحدث به النبى على وجه اليقين فأصبح جزءا من الدين.

6  ـ بناء على هذه البلوى فاننا نعانى :

6 / 1 : من خلط مستمر فى المنهج بين حقائق القرآن وأقاويل التراث المنسوبة للنبى. فالعلماء التقليديون ومن سار على نهجهم من محترفى الكتابة فى الدين ـ بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير ـ يخلطون بين حقائق القرآن وأكاذيب التراث وأقاويله، يخلطون بين الحقيقة القرآنية المطلقة وأخبار التراث البشرية التى ـ ان صدقت ـ فالصدق فيها احتمال كما أن الكذب فيها احتمال آخر ، وكلاهما وارد.

6 / 2 : وزاد الطين بلة ـ كما يقولون ـ أنهم ألحقوا التاريخ بالأحاديث، مع أن كل دارس للتاريخ لا بد ان يبدأ بمنهجية الأحكام النسبية لكل روايات التاريخ ووقائعه، سواء كانت اقوالا أو كانت أحداثا بسيطة أو مركبة ، وسواء كان الراوى أو المؤرخ معاصرا للحدث ناقلا عنه من واقع المشاهدة والرؤية العيانية أو كان ناقلا عن السابقين من المؤرخين .

6 / 3 :تتضح البلوى أكثر لدى من يكتب فى الاسلاميات بدون علم ، أو بمجرد الهواية والجرأة الهائلة على الابحار فى هذا المحيط دون استعداد عقلى وثقافة ومعرفة وعلم بالمناهج البحثية . ترى أحدهم لا يكتفى بالكتابة فيما لا يعرف وفيما لا يفقه بل ويتصدى لنا مناطحا صائحا ويجد خلفه الأتباع وسقط المتاع يؤيدونه ويزايدون على جهله جهلا. وأساس الجهل عندهم هو ذلك الخلط بين حقائق القرآن المطلقة وأخبار التراث ، ورفعهم أخبار التراث الى مستوى حقائق الاسلام القرآنية. قد أكتب بحثا أستشهد فيه بآيات القرآن الكريم وببعض أخبار التراث وأحداث التاريخ فترى هؤلاء وقد تراءى لهم اننى وقعت فى مأزق فيتساءلون : اذا كان ينكر الأحاديث فلماذا يستشهد بها ؟ أواذا كان ينكر التراث فلماذا يستشهد بأحداثه ؟

7 ـ أننى انكر نسبة تلك الأحاديث للنبى محمد عليه السلام. انكرها ايمانيا كمسلم يكتفى بالله تعالى ربا وبالقرآن كتابا ،ومعى أدلّتى من القرآن الكريم ، وقد فصّلت القول فى ذلك فى كتاب ( القرآن وكفى )، وانكر نسبة هذه الأحاديث للنبى محمد كباحث متخصص فى التراث وفى البحث التاريخى .  وقد فصّلت نقد الاسناد ( أى اسناد الحديث للنبى محمد ) فى بحث منشور عن الاسناد. انكارى نسبة تلك الأحاديث للنبى محمد يعنى أنها ليست جزءا من الاسلام الذى اكتمل بالقرآن. ومعنى انكارى نسبتها للنبى محمد اننى أراها معبرة فقط عن ثقافة المسلمين فى العصر الذى تمت كتابتها فيه، وأراها معبرة عن ثقافة مؤلفها ، فصحيح البخارى يعبر عن عقلية البخارى بمثل ما يعبر كتابى هذا عن ثقافتى وعصرى وعقليتى. وفى النهاية فهو جهد بشرى يؤخذ منه ويردّ عليه.

8 ـ  وهذا الأخذ والرد والقبول والرفض ليس عشوائيا أو انتقائيا أو بمجرد الهوى او بدافع التحامل أو الجهل . بل له منهج علمى فى البحث، وقد شرحته بالتفصيل فى كتبى التى كانت مقررة فى جامعة الأزهر قسم التاريخ والحضارة الاسلامية ، ومنها كتب :( البحث فى مصادر التاريخ الدينى: دراسة عملية) ( اسس البحث التاريخى ) ، و(التاريخ والمؤرخون : دراسة فى تاريخ علم التاريخ) ( والتاريخ والمؤرخون : دراسة فى المادة التاريخية ).

هناك منهج يستطيع به الباحث قبول رواية تاريخية ورفض أخرى ، يستطيع به فحص الروايات اذا كانت متشابهة أو متعارضة أو متداخلة، ومنهج يستطيع به فحص الرواة والمؤرخين ومدى مصداقية أحدهم اذا كان ناقلا عن الغير أو ناقلا بنفسه عن عصره .. والحديث يطول فى منهجية البحث التاريخى وطبيعة المادة التاريخية ومناهج المؤرخين السابقين ومصطلحاتهم.. وفى النهاية فان مصداقية الباحث التاريخى والتراثى ترتبط بمدى كفاءته العلمية ومدى حياده ونزاهته وتقواه. وفى النهاية أيضا فان ما يتوصل اليه الباحث من بحثه التاريخى ( فى تلك الأخبار التراثية والتاريخية التى تحتمل الصدق والكذب ) ليس سوى وجهة نظر شخصية ، وليس أبدا حقائق مطلقة، لأن الحقائق المطلقة لا توجد الا فى القرآن الحكيم وحده.

9 ـ ما نستنبطه من القرآن الكريم وما نختاره من ( اخبار ) التراث والتاريخ هو عمل بشرى غير معصوم من الخطأ ، تكون جودته بقدر ما فيه من جهد عقلى وابداع بحثى واستدلال علمى . ولأنه عمل بشرى فانه يحمل اسم المؤلف، سواء كان المؤلف هو البخارى او أى فلان من الناس. أما القرآن العظيم فليس له مؤلف من الناس .أنه كتاب رب العالمين جل وعلا ، لذا فلا يصح مساواته بكتب البشر.

10 ـ هذا عن المناهج عامة ، فكيف بتطبيقها فى هذا الكتاب عن  الصلاة بين القرآن الكريم والمسلمين ؟

ثانيا : منهج البحث فى هذا الكتاب

1 ـ بدأ الكتاب فى بابه الأول ببحث الصلاة فى القرآن الكريم أساسا، أى لا بد أن يكون القرآن الكريم هو مرجعيته حين نبحث عن ملامح الصلاة فى القرآن الكريم. ولهذا البحث عن الصلاة فى القرآن منهجية ، أذ أن للقرآن الكريم منهجه الخاص فى ايراد القصص وفى الاشارات العلمية وفى الدعوة وفى الحوار، وله منهجه الخاص فى التشريع عموما ، و فى تشريع ملة ابراهيم خصوصا، وهذا ما أوضحناه فيما سبق فى هذا الكتاب.

2 ـ بعده هذا المبحث الذى يتتبع الصلاة فى تراث المسلمين وفى تاريخهم بعد نزول القرآن الكريم. هنا لا بد من الاعتماد على المصادر البشرية من كتب الفقه والحديث، وكتب التاريخ التى أرّخت للقرنين  الأول والثانى بعد الهجرة . وكلها موجودة ومنشورة ومشهورة. بالطبع ليست سوى روايات وأخبار وأحداث وآراء بشرية لأفراد  تحتمل الصدق والكذب . بعضها قالها أصحابها بأنفسهم أو نسبوها كذبا للنبى محمد عبر الاسناد الذى نرفضه دينا وعلما، ونرى ان تلك الأحاديث انما هى آراء لأصحابها حملت اسم النبى بعد موته بقرن وأكثر زورا وبهتانا.

3 ـ هذه المصادر الفقهية والحديثية والتاريخية نحتكم فيها للقرآن الكريم ، ومروياتها تخضع للمنهجية العلمية الصارمة ، فهى  روايات ورؤى بشرية تحتمل الخطأ والصواب والصدق والكذب وهى مقطوعة الصلة بالاسلام لأنها جهد لمؤلفيها من المسلمين ومعبرة عنهم وليس عن الاسلام العظيم الذى اكتمل بالقرآن الكريم. وما نصل اليه من آراء واجتهادات ليست هى الأخرى معصومة من الخطأ ، مهما تعاظم المبذول فيها من الجهد. 

ثالثا : الخلفية التاريخية للمصادر التراثية

1 ـ الفتوحات أو الغزو العربى وتكوين امبراطورية عربية تحمل اسم الاسلام ، هو المفتاح لفهم الخلفية التاريخية لتراث المسلمين.

2 ـ انشغل العرب بالفتوحات والنزاع السياسى والعسكري خلال فترتى الراشدين والأمويين ، ولم يكونوا فى الأصل أصحاب حضارة سابقة أو من الأمم ذات الشهرة فى الكتابة والتدوين. كانت الأمم المفتوحة ذات ارث حضارى متصل ومكتوب، وقد تعامل العرب معهم ـ خصوصا فى الدولة الأموية ـ على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية ، فكان لقبهم السائد ( موالى ) أى الأتباع والخدم والعبيد، سواء منهم من كان رقيقا أو كان حرا فى بلاده، اذ كان يدفع الجزية حتى لو أسلم.

3 ـ فى وقت انشغال العرب بالفتوحات والفتن والحروب الأهلية والفتن والمكائد السياسية نشأ جيل جديد من الموالى خدم كبار الصحابة ونقل حكاياتهم ، وكانت لهم خلفية علمية لم تكن موجودة لدى العرب ، وكان العلم سبيلهم فى التميز الاجتماعى فى مواجهة أسيادهم العرب كما كانت المبالغة فى  التدين بالاسلام وترك الدنيا بدعوى الزهد  طريقة بعضهم فى المزايدة الدينية على العرب المسلمين الذين تنازعوا وسفكوا فى سبيل حطام الدنيا الدماء البريئة التى حرمها الله تعالى. 

4 ـ أولئك الموالى وأبناؤهم كانوا قادة الحركة العلمية فى العصر الأموى، خصوصا بعد موت المتأخرين من الصحابة مثل خادم النبى الصحابى أنس بن مالك الذى توفى بالبصرة سنة 92 عن عمر يناهز 99 عاما،وهو آخر من توفى من الصحابة بالبصرة ، وعبد الله بن أوفى ت 86 وعبد الله بن الزبير 73 وابن عمرو 65  وابن عمر 74 وابن عباس 68 . جاء بعدهم من خدمهم من الموالى مثل سالم مولى عبد الله بن عمر 106، و عكرمة مولى ابن عباس الذى اخترع حديث : (من بدّل دينه فاقتلوه ) والتفاصيل فى كتابنا : ( حد الردة ).

5 ـ ينقل إبن الجوزى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قوله  لما مات العبادلة " عبد الله بن عمر وعبدالله بن عمرو و عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير" صار الفقه فى جميع البلاد الى الموالى ، فكان فقيه أهل مكة عطاء بن رباح ، وفقيه أهل اليمن طاووس ، وفقيه أهل اليمامة يحيى ابن كثير ، وفقيه أهل البصرة الحسن البصرى ، وفقيه أهل الشام مكحول ، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراسانى ، إلا المدينة فان الله تعالى خصها بقرشى فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع ) ( تاريخ المنتظم 6 : 319 ـ 320 ). ونقول تعليقا على هذه الرواية :

5 / 1 : هذه الرواية تجاهلت مشاهير الفقهاء من الموالى  مثل سعيد بن جبير  ت 95 والشعبى  ت 104 و مجاهد بن جبر 104 وابن سيرين 110  ومالك بن دينار 130 وكلهم من العراق ، كما أنها تجاهلت مصر تماما ، و قد قاد الحركة الفقهية فيها بعد سالم ( مولى ابن عبد الله ابن عمرو بن العاص ) فقيه مشهور من الموالى هو الليث بن سعد المتوفى 175 وكان مولى لخالد الفهمى ، وكان الليث معاصرا لأبى حنيفة وأستاذا لمالك بن أنس فى المدينة. وعن مدرسة المدينة فقد كان فقيهها سعيد بن المسيب الذى ولد بعد سنتين من مقتل عمر ابن الخطاب ، ثم عاش ليدرك الدولة الأموية معارضا سلميا لها الى أن مات فى خلافة الوليد بن عبد الملك سنة 94 ، وكان من أشهر تلامذته الزهرى  ت  124الذى كان أستاذا لمالك ابن أنس ت 179. كما أن مالك بن أنس كان أستاذه فى المدينة مولى ، وكان أعرف بالفقه والعلم منه ، إذ جمع بين الرأى والحديث إنه فروخ ، أو ربيعة الرأى المتوفى سنة 136 . إلا أن العصبية العربية أشهرت مالك وتجاهلت فروخ ، أو ربيعة الرأى الذى كان أستاذا أيضا لأبى حنيفة فى مدرسة الرأى والاجتهاد.

5 / 2 : ابن الجوزى نقل الرواية السابقة عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المتوفى سنة 182 ، أى كان معاصرا لأولئك الأعلام الذين تجاهلهم. وقد يكون هذا التجاهل مبعثه اختلاف الرأى أو الحسد ، إذ لم تبلغ شهرة إبن أسلم أو علمه مبلغ أولئك الأعلام.

6 ـ جاء العباسيون للحكم بسيوف الفرس المسلمين من أتباع أبى مسلم الخراسانى ومساعدة من قبائل العرب القحطانية ، فتحولت الكفة الراجحة للموالى فتطرف بعضهم الى درجة الشعوبية وانتقاص العرب بل والطعن فى الاسلام واصطناع الالحاد والزندقة التى أصبحت ( موضة ) المثقفين وكتبة الدواوين العباسية ، ولا بأس بها لدى الخلافة العباسية طالما يظل ولاء الزنديق للدولة العباسية، فاذا كان متهما فى ولائه عوجل بتهمة الزندقة وقتلته الدولة بحد الردة الذى اخترعوه لقتل خصوم الدولة باسم الشرع، على نحو ما أوضحنا فى كتب ( حد الردة ) و( الحسبة ) وغيرها.

7 ـ واذا كان العصر الأموى قد شهد بداية الحركة العلمية فى بساطتها وسذاجتها و شفهيتها فان العصر العباسى الأول هو الذى شهد ازدهارها وتدوينها وتشعبها وتنوعها وتعقيدها من العمومية الى التخصص . وبدا واضحا أن الحضارات السابقة فى الرافدين والنيل قد تم بعثها وتلقيحها برؤي مستمدة من الاسلام وناطقة بالعربية. وكان لهذا التطور تأثيره فى الجزيرة العربية الموطن الأول للرسالة الاسلامية الخاتمة.

8 ـ لقد تعقدت الحياة فى العصر العباسى خصوصا فى بيئات الأنهار مثل العراق والشام ومصر ، بل ان دخول أبناء الأمم المفتوحة ـ أو الموالى  ـ  فى الاسلام ومعيشة بعضهم فى الجزيرة العربية جعل الحياة الصحراوية البسيطة فى مكة والمدينة أكثر تطورا. والبيئات الصحراوية بالذات منغلقة رتيبة الحركة تعيش على التقليد وتنأى عن التطور، والمدينة ومكة كانتا معا أهم الحواضر فى صحراء الجزيرة العربية.

9 ــ وبينما ظلت أهمية مكة سارية بالمسجد الحرام وظلت علاقتها بالتطور متجددة بالحج والعمرة فان المدينة لم تعد عاصمة المسلمين بعد مقتل عثمان ، اذ تحولت العاصمة الى الكوفة ثم دمشق ، ثم بغداد ، وأنحسرت عن المدينة الأضواء وتحول المال والقوة والاهتمام الى العراق والشام ومصر. ولم يعد للمدينة الا أن تعيش على ماضيها حين كانت عاصمة النبى محمد ومركز القوة والسيطرة فى عهد الخلفاء ( الراشدين ) وكبار الصحابة. من هنا تخصصت المدينة فى (حكى ) أو رواية تاريخ النبوة ،اذ هو تاريخ الآباء والأجداد لمن عاش من ذرية الصحابة فى المدينة فى العصر العباسى.

10 ـ ولأنها بيئة ماضوية تعيش على الماضى المجيد وتنسب نفسها للنبى محمد وعصره فقد واجهتها مشكلة التأقلم مع التطورات الجديدة الآتية من البيئات النهرية ذات الحضارة القديمة من مصر والعراق وفارس والشام. لم يكن متاحا الاجتهاد العقلى الصريح لأن البيئة تنكره وتنتصر للتقليد والاحتكام للماضى. كان المتاح هو تغطية ذلك الاجتهاد بنسبته للنبى محمد عليه السلام ، أو لكبار الصحابة ، او لما كان يعرف بعمل أهل المدينة. أى يقول أحدهم رأيا فلا يجرؤ على نسبته لنفسه ، خشية السخط عليه فيسارع بنسبته للنبى أو لأحد كبار الصحابة.

11 ـ هذا هو منهج الامام مالك الذى منع (أن يقول أحد فى الاسلام برأيه )، وتلك مدرسة الحديث الحجازية التى واجهت مدرسة الرأى فى العراق التى أنشأها أبوحنيفة . ثم ما لبثت مدرسة الحديث أن انتقلت الى العراق ومصر بالتطور الذى أحدثه فيها الشافعى.

رابعا : لمحة عن  الكتابات التاريخية والطبقات الكبرى لابن سعد

1 ـ لسنا هنا فى معرض التحليل والشرح ، لكن نقرر بسرعة أن الكتابات التاريخية الأساسية وهى (الحوليات) ـ التى تسجل الأحداث بالحول أو بالسنة ـ  ركّزت اهتمامها على الصراع السياسى دون اهتمام كاف بالتطورات الاجتماعية والدينية والتى تشمل أخبارا عن كيفية تأدية العبادات ومنها الصلاة. الا أن هذا النقص تداركته ـ نسبيا ـ كتب ( الطبقات ) وهى التى تترجم أو تؤرخ أساسا للعلماء والفقهاء والمشاهير. وبدأ الفقيه المؤرخ محمد بن سعد ( ت 222 ) ـ المعروف بكاتب الواقدى ـ هذا الفن التاريخى بكتابه الأشهر ( الطبقات الكبرى ) وهو عمدة هذا الفن وأقدم تاريخ متخصص ومفصّل لطبقات الصحابة والتابعين وتابعيهم. ثم تنوعت بعده كتب الطبقات للفقهاء عموما ولفقهاء المذاهب وللأدباء والنحويين و المغنيين والشعراء والمفسرين ... الخ.  واذا كان تاريخ الطبرى هو أهم كتب الحوليات على الاطلاق فان طبقات ابن سعد قد سبق الطبرى نفسه بنحو قرن من الزمان ، وعنه أخذ الطبرى ( ت 310 ) ثم ابن الجوزى ( ت 597 ) نظام العنعنة فى اسناد الروايات التاريخية .وقد اعتمدنا أساسا على طبقات ابن سعد فيما جاء من اشاراته عن الصلاة كما اعتمدنا على كتب الفقه النظرى وكتب الحديث فى اعطاء لمحة عن الصلاة فى تاريخ المسلمين بعد عصر النبوة الى صدر العصر العباسى .

2 ـ وتاريخ ابن سعد ( الطبقات الكبرى ) مؤسس وفق تنظيم زمنى ( طبقى ) ، يبدأ بالطبقة الأولى من الصحابة المهاجرين ثم الأنصار حسب أسبقية الدخول فى الأسلام ، ثم يتتبع تواجدهم فى الأمصار من الكوفة والبصرة ودمشق والفسطاط ثم من جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم حسب ترتيب الرواة فى الحديث المنسوب للنبى محمد عليه السلام .

3 ـ وكالعادة اتبع محمد بن سعد تسجيل الروايت التاريخية بالسند والعنعنة وفق منهج المحدثين حتى فى تأريخه لأشخاص من التابعين وتابعيهم .وابن سعد هو المصدر الأصلى والأساسى لمعظم من جاء بعده من المؤرخين الذين كتبوا فى نفس الفترة من عصر النبوة الى مطلع العصر العباسى ..

4 ـ وقد عاش ابن سعد فى خلافة المأمون ، وكان من زعماء الفقهاء والمحدثين الذين رفضوا رأى المعتزلة بأن القرآن مخلوق وكان ضمن المضطهدين فى هذه الفتنة ، واضطر الى التراجع بينما ثبت على رأيه ابن حنبل وابن نوح . ومع أنه كان فقيها محدثا صاحب رأى وموقف إلا أنه كان ــ فى الأغلب ــ منصفا فيما يكتب ، خصوصا وأنه لم يتعرض فى طبقاته للتركيز على موضوع خلق القرآن.

5 ـ وقد دون ابن سعد الروايات المتداولة فى عهده – فى خلافة المأمون العباسى ـ عن أجيال الصحابة والتابعين الذين ماتوا فى عصر النبوة والخلفاء الراشدبن والأمويين والعباسيين حتى عصره . وبعض هذه الروايات تشير إلى بعض انشطة الذين يؤرخ لهمم وأقوالهم والأقاويل التى قيلت عنهم.  وخلال هذه الروايات يرد بين السطور إشارات عن الصلاة والزكاة والحج والثياب واللحى وتخضيبها وتنتهى بموت وجنازة من يؤرخ له .

6 ـ وبعض الإشارات التى ذكرها ابن سعد  ( وغيره ) عن الصلاة هى تصوير للواقع  التاريخى لتأدية الصلاة من حيث الشكل ومن خلالها نفهم كيف تم استغلال الصلاة  سياسيا لصالح الحكم الأموى . وكيف كانت صلاة القوم وسيلة فى العصيان والبغى والعدوان ، وجمعت بين  المعاصى الأخلاقية من إنحلال خلقى و التطرف فى العبادة السطحية المظهرية . أى كانت ( صلاة شيطانية ) . الصلاة إسلامية هى وسيلة للتقوى وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغى ، أما الصلاة الشيطانية فهى تبرير وتشجيع مقدما على العصيان والظلم وسفك الدماء ، وهذا ما بدأه الخلفاء الفاسقون ( أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ) ثم إتبعهم الأمويون ثم العباسيون والفاطميون والمماليك. 

7 ـ وبعض الروايات الأخرى عن الصلاة وغيرها كانت انعكاسا لاختلافات فقهية ، فحاول كل فريق تأييد رأيه وتدعيمه بإسناده للنبى محمد أو أحد كبار الصحابة ، خصوصا عمر وعلى ، أو بعض التابعين مثل الحسن البصرى ومكحول وعمر بن عبد العزيز.

خامسا : التسجيل التاريخى للصلاة عند المسلمين

1 ـ ودائما تتناقض كتب الحديث و التاريخ والفقه فيما بينها . وحتى فى داخل الكتاب الواحد وربما فى الصفحة الواحدة ، ومثلا فإن ابن سعد فى طبقاته الكبري يقول : عن عبد الله ابن عمر انه كان يصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد ، ثم يروى رواية اخرى تقول ان ابن عمر اعتاد فى منزله الوضوء لكل صلاة والمصحف بينهما ( الطبقات الكبرى 4 – 119، 125) . ومهمة الباحث أن يرجح الرواية الصحيحة بين الروايات المتناقضة بنقد المتن و السند ، وبالنظر الى روايات اخرى فى نفس الموضوع، وفى النهاية فإن كل ما يصل اليه الباحث هو مجرد وجهة نظر،والعلم الحقيقى بهذا الغيب عند الله تعالى وحده.

2 ـ ومن الطبيعى أن التسجيل التاريخى للصلاة يختلف عن الكتابة الفقهية عن الصلاة وغيرها . الكتابه الفقهية تكتب فى الفراغ نظريا وتضع أحكاما لأحداث تفترض وقوعها على نسق من فعل كذا فهو واجب أو مكروه أو حرام . أما الكتابه التاريخية عن الصلاة وغيرها فهى فى الأغلب تسجيل ما كان يحدث وكتابة ما كان يقال دون إعطاء حكم فقهى له .

3 ـ وفى هذا البحث التاريخى عن الصلاة فإن المادة التاريخية التى جمعناها هى التى تحدد مسار البحث لأن الباحث التاريخى لا يفرض أمنياته على البحث ولا يؤلف روايات من خياله ولا ينتقى من الروايات ما يحلو له ، بل هو يدخل إلى الموضوع المراد بحثه فى العصر التاريخى دون حكم مسبق ودون هوى أو غرض ، ليبحث كل الروايات الخاصة بموضوعه ، والقريبة منه والتى تعطى خلفية للأحداث والقضايا الأساسية فى بحثه، ويقرن ذلك بفهم عميق لكل نواحى العصر التاريخى الذى يأخذه مجالا لبحث تلك الجزئية . وعموما فالروايات تتحدث عما هو كائن بالفعل وبالتالى فليس على الباحث سوى أن يجمع ما اتصل منها فى موضوعه ثم يقوم بنقده وتحليله ، وإذا إستلزم عرضه على القرآن الكريم فلا بد أن يفعل طالما هو يؤرخ لشعيرة دينية هى الصلاة .

سادسا : لمحة عن أنواع الكتابات الفقهية

بعد تلك اللمحة التاريخية نعطى القارىء فكرة سريعة على أنواع الكتابات الفقهية وصلتها بالواقع التاريخى الذى عاشه المسلمون لنتمكن من أن نتتبع ـ تاريخيا ـ كيف أدّى المسلمون فريضة الصلاة بعد انتهاء عصر النبوة.

الفقه النظرى والشافعى 

الكتابات الفقهية الكلاسيكية تأثرت بمنهج الشافعى  ت 204 فى كتابه الضخم (الأم ) وبالقواعد التى وضعها فى " الرسالة ".

منهج الشافعى فى كتاباته الفقهية ( الفقه النظرى )

  كان يبدأ بفكرة مسبقة ويحاول الاستدلال عليها بإنتقاء الآيات القرآنية وتحريف معناها وبصناعة أحاديث تعضدها ، وبالرد مقدما على خصومه المخالفين لرأيه. ونعطى بعض التفصيل :

1 ـ  الاعتماد على تأليف الأحاديث المنسوبة للنبى محمد عليه السلام ، وجعلها تحمل الرأى الذى يريده دون الحاجة الى استدلال عقلى .

2 ـ ظهرت الكتابة الفقهية الجدلية على يد الشافعى، ويبدو فيها  كأنه فى مناظرة أو مناقشة مع خصم له ، مثل قوله : فإن قلت كذا فالجواب كذا. ومع أنه بهذا جمع منهج أهل الحديث مع منهج أصحاب الرأى إلا إن الشافعى قد قام بتطويع الرأى للحديث. ونفس الحال قام بتطويع المنهج الصورى للحديث.

3 ـ  ظهر أبو حنيفة ( ت 150 )  زعيما لمدرسة الرأى فى العراق فكان ( مالك بن أنس ) خصما لهذه المدرسة بإفتراء الأحاديث.  إنحاز الشافعى لشيخه ( مالك ) فى ( المدينة ) ( ت 179 ) وقام بتقعيد مدرسة ( الحديث ) فى رسالته المشهورة . وفى هجرته للعراق تعلم من البيئة العراقية غرامها بالمنهج الصورى ( التصورى ) الاستقرائى فجاء كتابه (الأم ) مزيجا من الحديث المخترع المنسوب للنبى محمد عليه السلام والفقه التصورى النظرى .

لمحة عن المنهج الصورى ( التصورى ) الذى بدأه الشافعى فى الكتابة الفقهية :

1 : أن ( يتصور الفقيه فى خياله ) :

1 / 1 : رأيا مخالفا لرأيه فيرد عليه . والشافعى هو الذى بدأ هذا المنهج الصورى  فى كتاباته التى يغلب عليها طابع الجدل والمناظرة ، خصوصا وأنه واجه من ينكر الأحاديث فى عهده ، فقام بالرد عليهم مقدما دون أن يستفيض فى ذكر أدلّتهم.  

1 / 2 : حدثا ثم يضع له حكما فقهيا ، مثل قوله : أن فعل كذا فالحكم فيه كذا.

2 ـ هذا المنهج التصورى نشأ وتطور فى الحضارة السريانية قبل الغزو العربى ، ثم عاد للظهور فى العراق فى العصر العباسى مع النهضة الفكرية وقتها .

2 : وهذا المنهج الصورى أو التصورى له بالطبع أصل نسبى فى الواقع الذى عاشه الفقيه. فالفقيه كان تتأثر أفكاره بمعطيات عصره.

3 ـ الا أن الفقه السّنى بالغ وأوغل فى التنظير والتصورات مبتعدا عن ذلك الواقع. ثم انتقل من التنظير الى الاستقراء أى محاولة تعميم الحكم بالبناء عليه والتوسع فيه الى درجة  تغطية كل الصور العقلية الممكنة التى يفترضها افتراضا . وأقرب مثل لهذا المنهج بعد الشافعى وكتابه ( الأم ) هو الفقيه الحنفى علاء الدين أبو بكر القاشانى المتوفى سنة 587 فى كتابه الضخم : ( بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع )

4 : كان هذا مقبولا نوعا ما فى عصر الازدهار العلمى والنضج العقلى فى العصر العباسى الأول . الا أنه تحول الى بلوى فى العصور اللاحقة التى سيطر فيها التصوف وانتشرت فيها خرافات الكرامات والمنامات وانقطع الاجتهاد وحل محله الجمود والتقليد والتأخر والتخلف بالتدريج . التنظير الفقهى فى هذا العصر وصل الى افتراضات مضحكة بذيئة كقولهم ( من اضطر الى أكل لحم نبى هل يجوز له ) ( من حمل قربة فُساء هل ينتقض وضوؤه ) ( من كان لذكره فرعان ونكح زوجته فى قبلها ودبرها هل يجب عليه غسل واحد أو غسلان ) ( من زنى بأمه فى نهار رمضان فى جوف الكعبة عامدا ماذا عليه من الاثم ). وقد كان ابتلاؤنا فظيعا بهذا الفقه فى التعليم الأزهرى. وهو مع خيالاته المريضة البعيدة عن الواقع فقد كان انعكاسا أمينا للذهنية الفقهية ومستواها الهابط الى الحضيض . ولا يزال هذا الفقه فى مناهج الأزهر ، وبدأنا الإنكار عليه من ربع قرن وطالبنا بمحوه بإجتهاد جديد يستنبط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم ، وتعرضنا للإضطهاد كالعادة .

 بين الفقه النظرى والواقع المُعاش :

1 ـ يتكون الفقه النظرى من ( أحاديث ) مصنوعة ، ومن ( تصورات ) بالمنهج الصورى المشار اليه.

2 ـ وقلنا إن هذا الفقه النظرى الصورى أو التصورى لم يكن ـ  فى أغلبيته العظمى  ـ شديد الالتصاق بحركة المجتمع ولم يكن قوى التأثير فيها ، وان كان نابعا منها ومن خيالات الفقيه وتصوراته ومعبرا عن مستواه الثقافى والعقلى..

3 ـ  ونفس الحال مع الأحاديث التى إفتراها مالك والشافعى ومن جاء بعدهما من أعمدة الحديث السُّنّى مثل ابن حنبل والبخارى ومسلم. والذين راعوا الأبواب الفقهية فى كتبهم ( الحديثية ) . معظم الأحاديث الفقهية فى الفقه النظرى كان انعكاسا لبعض المظاهر الحياتية وقتها . فقد كانت تلك الأحاديث رد فعل للمتطلبات الحياتية وانعكاسا للتطور السائد  حتى فى البيئة المحافظة التقليدية كالمدينة. وكان الأمر أكثر وضوحا فى البيئات النهرية خصوصا فى العراق حيث التنوع الثقافى والعنصرى والجنسى والاختلافات السياسية والمذهبية والدينية ، وتحولها الى أحزاب متصارعة بالبنان واللسان والسنان. وكان اختراع الأحاديث أهم سلاح فى الخلافات الفقهية والمذهبية والسياسية والحزبية والطائفية والقبلية ( نسبة للقبيلة ) والقطرية( نسبة للقطر).

فقه الحيل

1 ـ أنتج العراق هذا النوع الفقهى الذى يريد الالتفاف على الفرائض الشرعية بأنواع من الحيل متناسيا أن تلك الأوامر التشريعية هى مجرد وسائل للتقوى، واذا كنا نتحايل على شرع الله تعالى فلا مجال للتقوى فى القلوب.

2 ـ  فقه الحيل كان تعبيرا أمينا على التلون الذى ساد العصر العباسى ، فقد أعطى فقه الحيل مشروعية زائفة للجمع بين المظهر الدينى والانحلال الخلقى والعقيدى. كان النتاج الطبيعى للتدين المظهرى السطحى الشكلى الذى أعادته الى حياتنا المعاصرة الحركة الوهابية فى الصحراء العربية وربطته بالاسلام زورا وبهتانا. كان المجون على أشده فى القصور العباسية والحانات الشعبية ، وكان على الجانب الآخر حركات دينية فاعلة ومساجد مأهولة وثقافة دينية يختلط فيها الصحيح بالفاسد مع ظلم اجتماعى وقهر سياسى وخلافة كهنوتية تنتسب للنبى عليه السلام وتشجع الرواية عنه وعن ابن عمه ابن عباس وهو جد الخلفاء العباسيين. وظهر (فقه الحيل ) يعقد الصلح شكليا بين الواقع المُشين والتدين السطحى المظهرى ، فيعطى حُجة زائفة للمعاصى أن تستمر وتعلو برأسها متمتعة بدليل من فقه الحيل ( أو التحايل ) على شرع الرحمن جل وعلا.

3 ـ بدأ فقه الحيل داخل مدرسة الرأى التى تزعمها الفقيه الثائر ابو حنيفة (ت 150)، وهذا فيما يروونه عنه ، لأن أبا حنيفة ظهر مبكرا قبل عصر التدوين ولم يؤلف كتبا .

4 ـ تطور فقه الحيل فى العصر العباسى الثانى ليصبح منهجا متكاملا يتطرف فى استعمال الحيل بذكاء فى مقابل مدرسة الحديث الفقهية المحافظة التى تطورت بعد الشافعى بظهور ابن حنبل الذى جعل كتاباته الفقهية أحاديث خالصة فيما يعرف ب(مسند أحمد ).

5 ـ واستمر فقه الحيل حتى صدر العصر المملوكى ، فكتب ابن القيم الجوزية ( 691 : 751 )  يرد عليه فى كتابه (إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان ) .

الفقه الوعظى

1 ـ واذا كان فقه الحيل استجابة طبيعية للبيئة العباسية ومعبرا عنها بصورة غير مباشرة فان الفقه الوعظى  ــ الذى بدأ فى العصر العباسى الثانى ــ كان الأكثر تعبيرا عن عصره والأكثر قربا من علم التاريخ .

2 ـ (الفقه الوعظى ) هو تعبير من إختراعنا ، ونعنى به الكتابة الفقهية التى تتوخى الوعظ     تعليقا بالنقد والانكار على بعض ما يقع فيه الناس من أخطاء ، والحكم عليها فقهيا بالحرام أو المكروه.

3 ـ واذا كان الفقه النظرى يتخيل مسبقا حدوث فعل ثم يعطيه حكما فقهيا كقولهم ( ان فعل كذا فهو حرام أو حلال او مندوب أو مكروه) فان الفقه الوعظى يحكى الواقعة الحقيقية التى تحدث أو اعتاد الناس فعلها ثم يعلق عليها بالانكار معطيا ما يراه حكما فقهيا لها.

4 ـ هنا يتحول الفقيه ـ دون أن يدرى ـ الى مؤرخ . بل ومؤرخ موثوق به لأنه ـ دون أن يدرى ايضا ـ قد ذكر ملامح تاريخية اجتماعية ثمينة بدون تهويل أو تضخيم. والعادة أن المؤرخ المعاصر للحدث لا يهتم بالتفصيلات الاجتماعية الحياتية العادية، ويركز على الأحوال السياسية ويلون الأحداث برؤيته الشخصية.

5 ـ ميزة الفقه الوعظى من الناحية الفقهية أنه يصاحب تطور المجتمع بالنقد والتعليق، يجرى معه وخلفه يطلب الاصلاح من وجهة نظر الفقيه المؤلف بالطبع.

6 ـ نشأ هذا الفقه الوعظى مع ابى حامد الغزالى ( ت 505 ) بين ثنايا كتابه ( احياء علوم الدين). ثم أفرد له الفقيه المؤرخ الحنبلى عبد الرحمن بن الجوزى ( ت 597 ) كتابا خاصا هو ( تلبيس ابليس ) . ثم سار على أثره ابن القيم الجوزية الحنبلى 751 فى كتابه ( اغاثة اللهفان من مكائد الشيطان ) ، والفقيه المغربى الصوفى ابن الحاج العبدرى (  ت   737 ) فى كتابه ( المدخل ). ثم جاء الشعرانى973  فى نهاية العصر المملوكى وبداية العصر العثمانى ليكتب كثيرا من المؤلفات فى الفقه الوعظى منها ( تنبيه المغترين ) و ( لطائف المنن ) و( المنن الصغرى ) ( الأنوار القدسية فى معرفة قواعد الصوفية ) ( ألأنوار فى صحبة الأخيار ) ( آ داب  العبودية ) ( البحر المورود فى المواثيق والعهود ) ( لواقح الأنوار ). وقد مزج الشعرانى فقهه الوعظى بالحديث عن كراماته وكرامات أشياخه المزعومة .

أخيرا :

بعد هذه اللمحة التاريخية والفقهية ندخل فى موضوعنا عن الصلاة ، وكيف أضاعها ( المسلمون ) فى تاريخهم وفى تشريعاتهم .

مقدمة الباب الثانى : (الخلفاء الفاسقون وصلاتهم الشيطانية )

أولا :

1 ـ كان العرب ( يؤدون ) الصلاة تأدية حركية بلا خشوع وبلا تقوى . أضاعوا الصلاة بعصيانهم وبإنغماسهم فى الشهوات الحرام والمنكر والبغى والعدوان وبعبادة الأولياء والقبور المقدسة التى ألحقوها بمساجدهم ، كما يفعل المحمديون اليوم. لذا كان التركيز فى القرآن الكريم على إقامة الصلاة وليس على تأدية الصلاة ، وجاء ذكر ( الصلاة ) ب ( أل ) أى ( الصلاة ) التى تعرفونا. ( أل ) هنا بمعنى ( العهد ) أى الصلاة المعهودة المعروفة.

2 ـ لم تكن عندالعرب ولا أهل الكتاب ــ وقتها ــ  مشكلة على الاطلاق فى عدد ركعات الصلاة وتوقيت الصلوات الخمس أو الفاتحة ، وكل هذا متوارث من ملة ابراهيم شأن الحج والصيام فى رمضان والأشهر الحرم . 

3 ـ لو كانت الصلاة تشريعا جديدا جاء به القرآن الكريم :

3 / 1 : لنزلت تفصيلاته فى الكيفية وفى المواقيت ، لأن رب العزة ما فرّط فى الكتاب من شىء يكون السكوت عنه تفريطا ، بل أنزل الكتاب تبيانا لكل شىء يحتاج الى بيان . ولم تكن كيفية الصلاة ومواقيتها تحتاج الى بيان. هى حقيقة يكفر بها المحمديون الذين يسعون فى آيات الله جل وعلا مُعاجزين .!.

3 / 2 لو كانت الصلاة تشريعا جديدا لا يألفه العرب كانوا سيكفرون به ويتعجبون منه كما فعلوا مع :

3 / 2 / 1 : دعوة ( لا إله إلا الله ) فقالوا :

3 / 2 / 1 / 1 : (   أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴿٥﴾ ص ).

3 / 2 / 1 / 2 :  وقال جل وعلا عنهم : (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴿٢﴾ يونس  ) .

3 / 2 / 2 : مع دعوتهم الى الايمان بالبعث قالوا ساخرين :

3 / 2 / 2 / 1 :(هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿٧﴾ أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ ۗ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ﴿٨﴾ سبأ )

3 / 2 / 2 / 2 : (  وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾ يس ).

3 / 2 / 3 :  لو كانت عندهم مشكلة فى كيفية الصلاة ومواقيتها لأزعجوا النبى محمدا  بأسئلة متكررة عنها . لكنهم لم يسألوا مطلقا عن كيفية الصلاة ومواقيتها ، لأنها ببساطة معروفة لديهم ويؤدونها .

3 / 2 / 4 : ونعطى نماذج من أسئلتهم فى مكة عن موعد الساعة والرد الالهى عليها :

3 / 2 / 4 / 1 :  حقيقة قرآنية مؤكدة كررها  رب العزة جل وعلا فى القرآن ، وهى أن النبي لا يعلم الغيب ولا يعلم موعد قيام الساعة ولا ما سيحدث له أو للناس ، واقرأ في ذلك قوله جل وعلا :

3 / 2 / 4 / 1 / 1 : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (الأنعام 50) ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ..﴾ (الجن 25: 27)

3 / 2 / 4 / 1 / 2 : ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ (الأنبياء 109)

3 / 2 / 4 / 1  / 3 : وهل هناك أوضح من قوله تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ..﴾ ؟(الأحقاف 9).

3 / 2 / 4 / 2 :  وهناك آيات أخرى كثيرة تؤكد أن علم الساعة عند الله وحده . قال جل وعلا :

3 / 2 / 4 / 2 / 1 :  ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ (لقمان 34)

3 / 2 / 4 / 2 / 2 :  ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (فصلت 47) ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (الزخرف 85).

3 / 2 / 5 :  كلها آيات تؤكد أن النبي لا يعلم الغيب وأن علم الساعة لله وحده وكانت تكفى آية واحدة ولكنهم سألوا النبي ــ عنادا ــ مرة ومرات عن الساعة ، ومع ذلك لم يبادر بالإجابة بأن يقرأ عليهم الآيات السابقة ، وإنما انتظر الوحى ، وكان الوحى ينزل دائماً بنفس الإجابة وهى أن علم الساعة لله وحده وأن النبي لا يعلم الغيب.
3 / 2 / 6 : انتظر النبي الإجابة ونزل قوله تعالى :

3 / 2 / 6/ 1 :  ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ  قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ ...﴾ (الأعراف 187: 188) وهذا توضيح فيه أكثر من الكفاية.
3 / 2 / 6 / 2 :  ولكنهم سألوه أيضاً عن الساعة ونرى النبي عليه السلام أيضاً ينتظر الإجابة فنزل قوله تعالى يجيب ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا  فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا  إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا  إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾ (النازعات 42: 45) والآيات الأخيرة ملئت بأسلوب الاستفهام الإنكاري ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا  ﴾ وجاء أسلوب القصر يقصر علم الساعة على رب العزة ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴾ ويقصر وظيفة النبي على الإنذار ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴾.

3 / 2 / 7 :  لو كانت الصلاة تشريعا جديدا لبادروا بالأسئلة لمجرد العناد . وكانوا يفعلون هذا فى طلبهم المتكرر لأن تنزل على النبى آية حسية كراهية فى القرآن الكريم.
ثانيا :

1 ـ لم تكن كيفية الصلاة ومواقيتها مشكلة بعد موت النبى محمد عليه السلام وإنتهاء الوحى القرآنى نزولا . كانت المشكلة مع الخلفاء الفاسقين ( ابو بكر وعمر وعثمان وعلى ) ، وقد كانوا أئمة بتضييعهم للصلاة بأفظع ما كانوا يفعله العرب فى الجاهلية . وتبعهم الأمويون بتضييع الصلاة ثم تحريفها . وفى العصر العباسى إكتملت فيه أديانهم الأرضية من سنة وتشيع وتصوف ، وبدأ التشريع لها بتحريفات أسّسوها على أحاديث كاذبة ينسبونها للنبى محمد بعد موته بقرون . 

2  ـ ومنها فى موضوع الصلاة حديث : ( صلوا كما رأيتمونى أصلى ). لو كان هذا صحيحا

2 / 1 : فليست الصلاة واجبة على الأجيال التى جاءت بعده ولم تره كيف يُصلّى ، ومنها نحن .

2 / 2 : ستكون واجبة على من رآه فقط يصليها . وكان عليهم أن يسجلوها بالضبط . ولكن هذا لم يحدث إذ إنشغل الصحابة وخلفاؤهم بالفتوحات وبالفتنة الكبرى ، ثم سار على سُنّتهم الأمويون والعباسيون .

3 ، ظهرت الكتابات الفقهية فى تشريعات الصلاة مع موطأ مالك . وسنعرض لهذا ، ثم تابعه الشافعى وغيره . فهل هذا يعنى أن السابقين لم يكن لديهم علم بالصلاة ؟

أخيرا :

1 ـ سنعرض ـ بعون الرحمن جل وعلا ـ  للصلاة عند ( المسلمين ) تاريخيا وتشريعيا . لنرى كيف أضاعوها تاريخيا وكيف زيفوها وحرفوها تشريعيا .

2 ـ  وردّا على سعى خصومنا فى آيات الله جل وعلا مُعاجزين يسألون أين عدد الصلوات وكيفيتها ومواقيتها سنعرفهم من خلال تاريخهم وتشريعاتهم جناية ( سلفهم الصالح ) على الصلاة الاسلامية .

3 ــ والله جل وعلا هو المستعان .

الباب الثانى :

الفصل الأول : بين الصلاة الاسلامية والصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين  

 1 ـ تحدثنا فى الباب الأول عن إقامة الصلاة الاسلامية وتضييعها  لدى العرب والقرشيين الذين أهملوا ملة ابراهيم ، ونزل القرآن الكريم بالاصلاح وفق ملة ابراهيم الحقيقية بإخلاص الدين والعبادة والدعاء لرب العالمين وحده . ننصح بالرجوع الى الباب الأول منعا للتكرار.

2 ـ ولكن نعيد التأكيد والتركيز على النقاط الآتية :

أولا : القيام للصلاة غير إقامة الصلاة

1 ـ القيام للصلاة يعنى الاستعداد لتأديتها بالطهارة ( المائدة 6 ) كما جاء فى قوله جل وعلا 

2 ـ بالاستعداد لتأديتها فى ظروف الخوف  ( النساء 102 ) . 

3 ـ وكان المنافقون يؤدونها كسالى ز ( النساء 142 )

 ثانيا : إقامة الصلاة بالاسلام الحقيقى :

الاسلام الحقيقى  هو (السلام ) مع الناس و( التسليم ) للخالق جل وعلا. أى أن يكون الانسان مسالما فى تعامله مع الناس وأن يُسلم قلبه ودينه وعبادته للخالق جل وعلا. أى يجمع بين الاسلام الظاهرى السلوكى بالسلام وبين الاسلام القلبى بالايمان الخالص والعمل الصالح والابتعاد عن الظلم والفسوق والبغى والعدوان ، أى تكون إقامته للصلاة فى هذا الإطار من السلام مع الناس والإخلاص فى عبادة الله جل وعلا وعمل الصالحات .

فى هذا المعنى جاءت آيات القرآن الكريم عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بمعنى التزكى والتطهر :

  1 : فى الخطاب العام للبشر : ( المؤمنون 1 : 11 ) ( المعارج 19 :35 ) ( النور 37 ) ( الحج 34 : 35 ) ( ابراهيم 31 ) ( فاطر 29 : 30 )( الشورى 36 : 39 )( الرعد 19 : 25 )( البقرة 2 : 3 ) ( النمل 1 : 3 ) ( لقمان 2 : 5 ) ( الاعراف 170 ) ( البقرة 277 ) ( الانعام 92 ) ( الانفال 2 : 3 ) ( الحج 40 : 41 )

  2 : فى ملة ابراهيم : ( ابراهيم 35 : 40 ) ( الأنبياء 73 ) ( الحج 78 )

  3 : فى أهل الكتاب : ( طه 14 )( يونس 87 ) ( البقرة 43 ، 83 ) ( النساء 162 )( المائدة 12 ) ( البينة 4 : 5 ) ( البقرة 45 )

  4 : اهل القرآن :

  4 / 1 : نزل للمؤمنين فى مكة الأمر ليس بتأدية الصلاة لأنها معروفة ولكن بإقامة الصلاة التى تنهى عن الفحشاء والمنكر :( العنكبوت 45 ) ( الروم 30 : 32 )( هود 114 ) ( الاسراء 78 : 79 ) ( فاطر 18 ) ( الانعام 71 : 72 )

4 / 2  :ونزل فى المدينة : ( النور 56 ) ( البقرة 153 ، 177 ، 238 ) ( النساء 77 ) ( المجادلة 12 : 13 ) ( الأحزاب 33 )  ( المائدة 55 ) ( التوبة 71 ).

ثالثا: إقامة الصلاة بالاسلام السلوكى الظاهرى ، بالسلام :

1 ـ كل مسالم هو إنسان مسلم  بغض النظر عن عقيدته .

2 ـ ومن الصحابة من كان مسلما من حيث إختيار السلام ومؤمنا من حيث إختيار الأمن والأمان . دخلوا فى صحبة النبى وهاجروا معه ، ونزلت آيات فى السور المدنية تدعوهم الى أن يعززوا إيمانهم السلوكى ( بمعنى الأمن والأمان ) بإيمان قلبى بأنه ( لا إله إلا الله ) . جاء هذا فى قوله جل وعلا لهم :

2 / 1 : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴿١٣٦﴾ النساء )

2 / 2 :( آمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿٧﴾ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚوَإِنَّ اللَّـهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿٩﴾الحديد )

3 / كانوا عاكفين على عبادة الأوثان متمتعين بالحرية المطلقة فى الدين فى دولة النبى محمد الاسلامية ، والتى تمتع فيها المنافقون أيضا بحريتهم الدينية والسياسية ( السلمية ) نزلت آيات مدنية تدعوهم لنبذ الرجس من الأوثان ،  قال لهم جل وعلا :

3 / 1 : ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣٠﴾ الحج )

3 / 2 : لم يستجيبوا ، وظل هذا ساريا ، فكان من أواخر ما نزل فى المدينة قوله جل وعلا لهم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٩٠﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ﴿٩١﴾ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٩٢﴾ المائدة )

4 ـ إذا كان هذا هو حال بعض الصحابة فى المدينة فالحال خارجها أكبر. بمعنى أن الاستجابة للاسلام القلبى فى الجزيرة العربية لم تكن هائلة . هذا بينما كانت الاستجابة للاسلام السلوكى عامة ، إذ دخل فى الاسلام السلوكى بمعنى السلام والأمن والأمان العرب أفواجا . قال جل وعلا فى أواخر ما نزل من القرآن عن النصر والفتح : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ ﴿١﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّـهِ أَفْوَاجًا ﴿٢﴾ النصر ). النبى محمد لم ير قلوب الذين دخلوا فى دين الله جل وعلا أفواجا ، فهو لم يكن يعلم الغيب وخصوصا غيب ما تخفيه الأنفس ، فقد كان من أصحابه من مرد على النفاق ، ولم يكن يعلمهم ئئئئز قال جل وعلا : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾ التوبة ) ؟ لم ير النبى محمد الاسلام القلبى ولكن رأى الاسلام الظاهرى السلوكى . رآهم يدخلون أفواجا فى الاسلام بمعنى السلام. آثروا العيش فى سلام ونبذ الغارات والحروب القبلية ( نسبة للقبيلة ) .

5 ـ دخولهم فى السلام ( دين الله جل وعلا السلوكى ) جعلهم متمتعين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة السلوكية . فهناك (إقامة للصلاة وإيتاء للزكاة قلبيا وسلوكيا ) وتعرضنا لها سابقا ، وهنا إقامة للصلاة وإيتاء للزكاة سلوكيا وظاهريا بإختيار السلام والأمن وعدم الإعتداء.

6 ـ بعد أن دخل العرب فى دين الله جل وعلا أفواجا وعقدوا العهود والمواثيق على إلتزام السلام نكث العهد متطرفون من قريش ، إعتدوا على المؤمنين فى مكة وهمُّوا بإخراج النبى والمؤمنين ، وهذا ضمن المسكوت عن تفصيلاته فى أول كتاب للسيرة وضعه محمد بن إسحاق تقربا لبنى العباس ، بما يوحى أن من الناكثين للعهد من كانت ذريته صاحبة سلطان وقت تأليف ابن إسحاق لسيرته التى ملأها بأكاذيب جعل فيها شخصية للنبى تخالف القرآن وتتشابه مع شخصية أبى جعفر المنصور المشهور بالغدر والاسراف فى سفك الدماء.

جاءت تفصيلات نكث العهد هذا فى صدر سورة براءة ، وكما يدل إسم السورة فقد بدأت ببراءة الله جل وعلا ورسوله فى لهجة شديدة ، قال فيها جل وعلا : (  بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّـهِ ۙ وَأَنَّ اللَّـهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴿٢﴾ وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّـهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚفَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّـهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣﴾ التوبة ) . لم تبدأ السورة بالبسملة التى توحى بالرحمة بل بإنذار وإعطائهم مهلة الأشهر الألاربع الحرم الأربعة يتوبون فيها ، فإن لم يتوبوا بعد الأشهر الحرم فيجب على النبى والمؤمنين قتالهم بكل ما يستطيعون ، قال جل وعلا : (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥﴾ التوبة ). وكان نكثهم للعهد ذا أثر هائل أغاظ المؤمنين المسالمين ، لذا قال جل وعلا فى تحريض المؤمنين على قتالهم : (  قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّـهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴿١٤﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّـهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٥﴾ التوبة  ) .

7 ـ ومع هذا :

7 / 1 : فإن الجندى المعتدى منهم إذا إستجار فيجب على المؤمنين إجارته وضمان سلامته ، وإسماعه القرآن الكريم ثم إلرجاعه الى مأمنه . ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّـهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ ﴿٦﴾ التوبة )

7 / 2 : إن تابوا ورجعوا الى السلام أو الاسلام السلوكى فقد عادوا الى دين الله الذى دخل فيه الناس أفواجا ، ويكونون بهذا قد حققوا ( ظاهريا وسلوكيا ) إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ويجب تخلية سبيلهم ، قال جل وعلا : ( فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٥﴾)( فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ التوبة ).

رابعا : الحكم للبشر فى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة سلوكيا

1 ـ عرفنا إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة سلوكيا تعنى الإلتزام بالسلام ونبذ الاعتداء على الغير.

2 ـ ليس للبشر الحكم على إقامة الصلاة قلبيا فذلك مرجعه لله جل وعلا يوم الدين وهو الذى يحكم على البشر بهذا الخصوص . ولكن للبشر الحكم على الاسلام الظاهرى السلوكى طبقا للتصرفات . فالذى يبغى ويقتل ويقاتل معتديا يكون كافرا بسلوكه وبغيه . فإذا تاب عن البغى والعدوان وعاد الى طريق السلام فقد أصبح أخا فى دين الله بمعنى السلام . ولهذا نزلت التشريعات الاسلامية صالحة للتطبيق حسب تصرفات البشرية الظاهرة .

3 ـ ينطبق هذا على أولئك المعتدين الذين نزلت فيهم آيات تشريع بخصوصهم فى سورة التوبة ، قال جل وعلا عنهم : ( لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴿١٠﴾ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ التوبة ). هم المعتدون أى الكافرون سلوكيا والمشركون سلوكيا. وهذا وصفهم فى الآيات الثلاث الأولى من السورة . ولكن إذا تابوا عن الإعتداء أصبحوا أخوة فى الاسلام السلوكى الذى به تتأسس المواطنة فى الدولة الاسلامية ، ويتمتع فيها المواطنون بالحرية الدينية المطلقة والحرية السياسية المطلقة تحت مظلة السلام ، وهو الاسلام السلوكى. وبهذا الاسلام السلوكى الظاهر يكون المعتدى حربيا على المواطنين المسالمين فى الداخل محاربا لله جل وعلا ورسوله ، ونزلت فيهم عقوبة الحرابة (  إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴿٣٣﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣٤﴾ المائدة ) . أما الذى يعتدى على الدولة من الخارج فيجب على المؤمنين القتال الدفاعى ردا على هذا المعتدى .

خامسا : تشريعات القتال الدفاعى فى الاسلام

1 ـ دولة الاسلام مؤسسة على الاسلام بمعنى السلام ، والدعوة فيها أن يدخل الناس فى السلم كافة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿٢٠٨﴾ البقرة )

2 ـ وقد عرضنا كثيرا لتشريعات الاسلام الدفاعية ، ومنها:

2 / 1 :  أن القتال فى سبيل الله هو الدفاعى فقط ، لأن الله جل وعلا لا يحب المعتدين ، قال جل وعلا : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿١٩٠﴾ البقرة ) .

2 / 2 : وأن المؤمنين المسالمين حين يتعرضون لهجوم باغ معتد عليهم أن يدعو الله جل وعلا أن ينصرهم على المعتدين الكافرين قائلين : ( أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٨٦﴾ البقرة ) . فالكافرون  سلوكيا هم الذين يشنُّون حربا هجومية على قوم مسالمين لم يبدأوهم بالاعتداء .

2 / 3 : ردُّ الاعتداء على هذا الهجوم يتوقف بتوقف الهجوم : (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٩٢﴾ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّـهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿١٩٣﴾ البقرة ) . بل يمنح الله جل وعلا المغفرة للكافرين المعتدين إذا تابوا عن إعتدائهم زكفوا عنه ، قال جل وعلا : (  اقُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ﴿٣٨﴾ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّـهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّـهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴿٣٩﴾ لأنفال ). هذا مع القوم المعتدين المهاجمين .

2 / 4 : أما الدولة التى لم تشنُّ على المسلمين حربا ولم تخرجهم من ديارهم ولم تظاهر وتؤيد إخراجهم من ديارهم فيجب على المؤمنين التعامل معهم بالبر وبالقسط . قال جل وعلا : ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٨﴾ الممتحنة )

3 ـ وفى هذا كله يكون قتل الانسان المُسالم جريمة فظيعة .

3 / 1 : إذ لا يمكن التصور إسلاميا أن يقتل مسلم مسالما إنسانا مُسالما إلا عن طريق الخطا. وإذا حدث فعليه دية مغلّظة ، قال جل وعلا : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ) ﴿٩٢﴾ النساء )

3 / 2 : أما الذى يتعمد قتل مؤمن مسالم فمصيره الخلود فى النار مع اللعنة والغضب الالهى والعذاب العظيم ، قال جل وعلا فى ألاية التالية : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴿٩٣﴾  النساء )

3 / 3 : يسرى هذا على الجندى فى جيش معتد وفى أرض المعركة، إذا ألقى هذا الجندى السلام ( شعار الاسلام السلوكى ) عندها يجب حقن دمه ، قال جل وعلا فى الآية التالية ينهى ويحذّر : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّـهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّـهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴿٩٤﴾ النساء ).

سادسا : بالتالى :

 1 ـ دولة الاسلام السلمية تطبق هذا فى تعاملها مع غيرها. تتعامل بالبر والقسط من لم يعتد عليها . ولا يمكن أن تعتدى على دولة أخرى ، وفى داخلها لا يمكن السماح بقتل إنسان مؤمن مسالم. ومن يخرج على هذه الدولة من داخلها فجزاؤه ما نزل فى سورة المائدة ( آية 33 : 34 ).

2 ـ بالتالى فالدولة الكافرة هى التى تشنُّ هجوما باغيا على دولة أخرى لم تقم تلك الدولة بالاعتداء عليها.

3 ـ تلك الدولة الكافرة نوعان :

3 / 1 : دولة علمانية تهاجم دولا أخرى بلا شعار دينى ، وهذا ما كانت قبائل العرب تفعل فى غاراتها على بعضها بلا شعارت دينية. وهذا ما فعله سفاكو الدماء فى تاريخ العالم من جنكيزخان الى هتلر وستالين ..الخ .. هنا ظلم للناس فقط .

3 / 2 : دولة ترفع إسم الله ودينه الاسلامى وهى تعتدى على دول أخرى تقتل المدافعين عنها وتسبى نساءهم وأطفالهم وتنهب كنوزهم وتستبقى الفلاحين والعوام لتسترقهم فى العمل وترغمهم على دفع الجزية والخراج . وتحتل بلادهم ، ثم بسبب الاختلاف على المسروقات يتقاتلون فيما بينهم ، وينشرون فى كل ما يفعلون الفساد فى الأرض . 

3 / 3 :  وهذا ما بدأه الخلفاء الفاسقون ( أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ) . فى إستغلالهم للإسلام العظيم لم يظلموا فقط مئات الملايين بل ظلموا رب العالمين . وسار على سنتهم اللاحقون . ولا يزالون .! الخلفاء الفاسقون أشرُ من هتلر وستالين .!

سابعا : صلة موضوع الصلاة بتشريعات القتال الاسلامية :

1 ـ  هناك الصلاة الاسلامية التى هى ضمن العبادات الاسلامية وسيلة للتقوى ، قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ البقرة ).

2 ـ إقامة هذه الصلاة الاسلامية تعنى أن  يجتنب المؤمن الفحشاء والمنكر : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّـهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴿٤٥﴾ العنكبوت ).

3 ـ صلاة الخلفاء الفاسقين كانت تحثهم على الفحشاء والمنكر ، وتجعلهم يهتفون ( الله أكبر ) وهم يرتكبون البغى والعدوان ويسبون النساء وينهبون الأموال . وهم لم يتذكروا قول الله جل وعلا : ( إنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٩٠﴾ النحل ) . وعظهم الله جل وعلا لعلهم يتذكرون ، فلم يتذكروا . ليس هذا مجرد تضييع للصلاة ، هو أفظع .!

ثامنا : هناك أنواع من تضييع الصلاة :

 1 : هناك من وصفهم رب العزة بالمكذبين بالدين الذين يسيئون معاملة اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين ، وهم بذلك عن الصلاة التى يصلونها ساهون ، اضاعوها بهذا بل وكانوا يؤدون الصلاة رياءا . لذا توعدهم رب العزة جل وعلا بالويل. قال جل وعلا : ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣﴾ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿٦﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾ الماعون ).

 2 : هناك من العرب القرشيين من كان يصُدُّ عن المسجد الحرام ومع هذا يؤدون الصلاة ، وصفها رب العزة بالمُكاء والتصدية ، قال جل وعلا  يتوعدهم بالعذاب : ( وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّـهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴿٣٤﴾ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٣٥﴾ الانفال )

 3 : هناك من اضاع صلاته بالمعاصى وإتباع الشهوات وتوعدهم الله جل وعلا بالعذاب إن لم يتوبوا ، قال جل وعلا عن الأجيال اللاحقة : ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴿٦٠﴾ مريم )

4 ـ نحن هنا أمام وضع فريد فى جنون العصيان أسّسه الخلفاء الفاسقون : إنها ما نسميه بالصلاة الشيطانية ، وهى أن تتعبد بالصلاة وتتديّن مستغلا دين الله جل وعلا وإسم الله جل وعلا فى البغى والعدوان بقتل الملايين ونهب الشعوب وإحتلال البلاد والسبى والإسترقاق للصغار والكبار. نتذكر أن قتل مؤمن مسالم واحد يعنى الخلود فى النار مع غضب الله جل ولعنته فكيف بقتل الملايين ؟، ثم كيف بقتلهم بشعار الاسلام إفتراءا على الله جل وعلا ورسوله ؟ كل المطلوب أن تتهم الغير بالكفر وتستحل دماءهم وأموالهم وأعراضهم وتجعل ذلك دين الله جل وعلا.! ترتكب كل هذا الفجور وأنت تصلى الصلوات الخمس وأنت تهتف ( الله أكبر ) .

5 ـ المعبود الأكبر لهم ليس رب العزة جل وعلا بل هو المال الذى تأتى بالحرب وسفك الدماء ، وفى سبيل معبودهم الأكبر يؤدون الصلاة . من حيث الشكل هى الصلاة الاسلامية ( فى الأغلب بسبب وجود تحريفات لاحقة ) ومن حيث المضمون هى وسيلة ليس للتقوى ولكن للحث على البغى والعدوان والفساد والظلم .

أخيرا : فى الفصول القادمة نتتبع الصلاة تاريخ الخلفاء بإستغلالها فى الإثم والعدوان مع تأديتها بنفس المعهود من توقيتها وكيفيتها .

الفصل الثانى : الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين : حرب الردة والفتوحات

 مقدمة :

1 ـ دين الخلفاء الفاسقين يناقض دين رب العالمين . يقوم دين رب العالمين على السلام والايمان بالله جل وعلا واليوم الآخر ، وبه تكون إقامة الصلاة تقوى وخشوعا والجهاد فى سبيله إبتغاء مرضاته . أما دين الخلفاء الفاسقين ومن تبعهم  ومن خرج عليهم فإلاههم الأكبر هو المال ، وللحصول عليه يؤدون الصلاة ويؤمنون بالاستحلال ؛ إستحلال الدماء والأموال والأعراض وإحتلال البلاد.

2 ـ نبدأ هنا بلمحة قرآنية عن طوائف الصحابة وهم فى المدينة حول النبى محمد عليه السلام. ثم بعدها مع لمحة تاريخية عنهم فى عصر الخلفاء الفاسقين بعد موت خاتم النبيين.

أولا : دعوة الجهاد فى سبيل الله جل وعلا تأتى مقرونة بالايمان بالله واليوم الأخر

1 ـ النفس والمال هما أحرص ما يحرص عليه الانسان فى حياته الدنيا . المؤمن بالله جل وعلا يعلم إن حياته المؤقتة فى هذه الدنيا الفانية هى فرصته ليفوز بالخلود فى الجنة . ولهذا فهو يبادر بالتضحية بحياته وماله فى سبيل الله جل وعلا .

2 ـ لذا إحتوى خطاب الدعوة للقتال فى سبيل الله جل وعلا على أن الجنة تنتظر من يجاهد صابرا فى سبيله جل وعلا . قال جل وعلا : ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّـهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٢﴾ آل عمران )

3 ـ وبعضهم كان يتثاقل عن الخروج دفاعا عن المدينة ، قال جل وعلا يلومهم على إيثارهم الحياة الدنيا الفانية على الخلود فى الجنة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٣٨﴾ التوبة  ) وأوضح لهم رب العزة جل وعلا أن القتال الاسلامى هو الخير لهم لو كانوا يعلمون : ( انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾ التوبة ).

4 ـ وجاء الخطاب الالهى لهم فى شكل صفقة تجارية بالبيع والشراء . بيع الدنيا وشراء جنة الآخرة . قال جل وعلا :

4 / 1 : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿١٠﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٢﴾ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّـهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾ الصف )

4 / 2 : (  إِنَّ اللَّـهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚيُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١١﴾ التوبة ).

5 ـ القتال الدفاعى فى الاسلام هو رد الاعتداء بمثله بلا أى تجاوز ، قال جل وعلا : ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿١٩٤﴾ البقرة ) . ولكن هذا القتال الدفاعى يستوجب تكلفة مالية ، أو الإنفاق فى سبيل الله ، لذا جاءت الآية التالية تحث عليه لأنه بدونه تكون التهلكة على يد عدو لا يرقب فى مؤمن إلّا ولا ذمّة . قال جل وعلا :  ( وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛوَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٩٥﴾ البقرة ).

6 ـ وتكررت الدعوة الى الإنفاق فى سبيل الله جل وعلا بصورة غاية فى التأثير:

6 / 1 : تجعله إقراضا لرب العزة الغنى الحميد. قال جل وعلا : ( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّـهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٤٥﴾ البقرة ) ( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١١﴾ الحديد )( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١٨﴾ الحديد )( وَأَقْرِضُوا اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّـهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّـهَ ۖ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٢٠﴾ المزمل ). 

6 / 2 : وتحذّر المؤمنين من الندم حين يأتى الأجل ويتمنّى أحدهم أن يعود ليتبرع بالمال فى سبيل الرحمن جل وعلا : (  وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠﴾ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّـهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّـهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١١﴾ المنافقون )

ثانيا : تطبيق الصحابة لهذه الأوامر الالهية

1 ـ فى بداية سورة البقرة ( المدنية ) اشار رب العزة الى أن البشر ثلاثة أصناف :

1 / 1 :  المتقون : ( ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾)

1 / 2 : الكافرون الصُّرحاء : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّـهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖوَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾).

1 / 3 : المنافقون :

1 / 3 / 1 : وصفهم رب العزة بأنهم يزعمون الايمان بالله جل وعلا وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين :  ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّـهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠)﴾ .

1 / 3 / 2 : وذكر رب العزة جل وعلا جانبا من مكرهم وقلبهم الحقائق :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴿١٤﴾ اللَّـهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٥﴾ البقرة ) .

1 / 3 / 3 : وقال جل وعلا عن خداعهم : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّـهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٤٢﴾ النساء ).

2 ـ وتنوعت إستجابة الصحابة حسب الايمان والتقوى والكفر والنفاق :

2 / 1 : الصحابة المتقون الصادفون فى إيمانهم . منهم مهاجرون تركوا أموالهم وبيوتهم وهاجروا فى سبيل الرحمن جل وعلا ، وفى المدينة وجدوا من أهل المدينة من أكرمهم وأثرهم على أنفسهم حتى لو كانوا فقراء ذوى خصاصة. قال جل وعلا يصف أوائك الصحابة المهاجرين الصادقين : ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿٨﴾ الحشر ) ,فى الآية التالية قال جل وعلا عن الصحابة الأنصار الصادقين : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٩﴾ الحشر )

2 / 2 : مصطلح ( صاحب ) فى القرآن يعنى الصُّحبة فى نفس الزمان والمكان. بالتالى كان كفار العرب الذين عاشوا فى عصر النبى وتعاملوا معه هم ضمن أصحابه . وقد كانوا يهاجمون المؤمنين بعد الهجرة حتى فى الأشهر الحُرُم ، وتحرّج بعض المؤمنين من القتال الدفاعى فى الشهر الحرام ، وسألوا النبى فنزل قوله جل وعلا : (  يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّـهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢١٧﴾ البقرة ). هنا تاكيد إلاهى أن أولئك سيستمرون فى الهجوم الحربى حتى يردوا المؤمنين المسالمين عن دينهم. وأن الذى يرتد عن الاسلام ويموت كافرا فمصيره الخلود فى النار. ( هنا دليل على ان من يرتد يظل حيا حتى موته ، اى ليس هناك : حدّ الرّدّة ).!

3 ـ الصحابة المنافقون :

3 / 1 : كانوا يرفضون القتال الدفاعى  .قال جل وعلا عنهم :( وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّـهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٨٦﴾ التوبة ) 

 3 / 2 :  فى الإنفاق المالى :

3 / 2 / 1 : كانوا يقبضون أيديهم عن الإنفاق فى سبيل الله.قال جل وعلا عنهم :( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نسُوا اللَّـهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٦٧﴾ التوبة )

3 / 2 / 2 : كانوا يتزعمون حملة لمنع التبرعات ، قال جل وعلا عنهم :( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ) ﴿٧﴾ المنافقون )

3 / 2 / 3 : كانوا يسخرون ممّن يتطوع بماله من المؤمنين الأتقياء ، قال جل وعلا :( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّـهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴿٧٩﴾ التوبة )

ثالثا : عقد مقارنات :

1 ـ بين المتقين والكافرين :

لا يخلو المشركون من أعمال صالحة ، وكذلك كان كفار قريش ، وكانوا يعتقدون أن أن سقايتهم للحجاج وتعمير البيت الحرام بالبناء والتشييد يرفع مكانتهم عند الله جل وعلا ، كما هو الحال مع الأسرة السعودية الآن. قال جل وعلا يعقد مقارنة بينهم وبين المؤمنين المتقين المجاهدين فى سبيل الله جل وعلا بأموالهم وأنفسهم: ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٩﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّـهِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿٢٠﴾ التوبة )

2 ـ بين المتقين والمنافقين :

2 / 1 : فى حصار الكفار للمدينة فى موقعة الأحزاب وعد الله جل وعلا أهل المدينة بالنصر . وتباينت مواقف المؤمنين الصادق والمنافقين .

2 / 1 / 1 : عن المنافقين قال جل وعلا : ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴿١٢﴾ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴿١٣﴾ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ﴿١٤﴾ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّـهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚوَكَانَ عَهْدُ اللَّـهِ مَسْئُولًا ﴿١٥﴾ الاحزاب )  .

2 / 1 / 2 : وقال جل وعلا عن موقف المؤمنين المتقين :(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿٢٢﴾ِّ منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴿٢٣﴾ الاحزاب )

2 / 2 : فى موقعة ذات العسرة والتى كانت وقت قيظ شديد تباينت المواقف :

2 / 2 / 1 : كان هناك منافقون يستأذنون النبى فى التخلف عن القتال وهم كاذبون ، ويحلفون كذبا يهلكون أنفسهم ، عنهم قال جل وعلا : ( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚوَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٤٢﴾ التوبة )، بعدها عاتب رب العزة النبى محمدا على قبول إعتذارهم الكاذب ، فقال له :  ( عَفَا اللَّـهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿٤٣﴾ التوبة  ).

2 / 2 / 2 : بعدها قال جل وعلا فى المقارنة بينهم وبين المؤمنين : ( لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗوَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿٤٤﴾ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴿٤٥﴾ التوبة )

2 / 3 : وفى مقابل أولئك المنافقين قال جل وعلا عن النبى والمؤمنين : ( لَـٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨٨﴾ التوبة ) وقال جل وعلا عن مثوبتهم : (أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٨٩﴾ التوبة ).

2 / 4 : كان هناك مؤمنون متقون تمنعهم ظروف قهرية من الجهاد فى سبيل الله جل وعلا بالنفس والمال ، قال جل وعلا : ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٩١﴾ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ﴿٩٢﴾ التوبة ) فى المقابل قال جل وعلا عن المنافقين الذين يستأذنون وهم أصحّاء أغنياء : ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ ۚ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّـهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴿٩٣﴾التوبة)

رابعا : لا إجبار ولا إكراه فى الجهاد :

1 ـ هو عمل تطوعى يقوم به من يؤمن بالله جل وعلا واليوم الآخر . وعقاب من يتخلف هو حرمانه من شرف الجهاد بالنفس والمال ، وينتظره العذاب الأليم فى الآخرة. 

2 ـ  عن المنافقين الرافضين للجهاد فى سبيل الله جل وعلا بأموالهم وأنفسهم قال جل وعلا : ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّـهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿٨١﴾ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٢﴾ التوبة ) . عقابهم هو حرمانهم متقبلا من شرف الجهاد الاسلامى ، ثم عذاب أليم فى الآخرة . قال جل وعلا :  ( فَإِن رَّجَعَكَ اللَّـهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖإِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴿٨٣﴾ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨٤﴾ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٨٥﴾ التوبة ).

3 ـ  وليست تبرعاتهم المالية مقبولة ، وينتظرهم عذاب أليم فى الآخرة ، قال جل وعلا : ( قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٥٣﴾ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿٥٤﴾ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٥٥﴾ التوبة )

4 ـ : بل كان بعضهم يأمر بالبخل تحديا لرب العزة جل وعلا . قال جل وعلا :

4 / 1 : ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٢٤﴾ الحديد )
4 / 2 : وتوعدهم رب العزة جل وعلا بأن يهلكهم فى الدنيا ويستبدل بهم قوما آخرين . قال جل وعلا : ( هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّـهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ﴿٣٨﴾ الحديد )

4 / 3 :وتوعدهم رب العزة جل وعلا بالعذاب فى الآخرة . قال جل وعلا :

4 / 3 / 1 : ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖسَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّـهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١٨٠﴾ آل عمران )

4 / 3 / 2 : ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴿٣٧﴾ النساء )

5 ـ وعن الذين كانوا يسخرون ممّن يتطوع بماله من المؤمنين الأتقياء ، قال جل وعلا:   (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٨٠﴾ التوبة  ) .

خامسا : النوع الأخطر من المنافقين :

1 ـ أولئك المنافقون فضحوا أنفسهم بأقوالهم وأفعالهم ونزل القرآن الكريم يخبر بأمرهم. الأخطر هم الذين مردوا على النفاق ، إذ لم يصدر منهم قول أو فعل ينبىء ويشير ويشى بما فى قلوبهم من كُفر ،وبالتالى أحاطوا بالنبى محمد ، وكانوا الأقرب اليهم ، ومنهم مهاجرين بعثت بهم قريش جواسيس حول النبى ليختطفوا ( الاسلام ) حين تُتاح لهم الفرصة فيستغلونه لصالح قريش . وهم الذين أصبحوا ( الخلفاء الراشدين ) ومن تبعهم . قال عنهم رب العزة جل وعلا : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾ التوبة ). أنبأ رب العزة مقدما أنهم لن يتوبوا عن كفرهم بل سيرتكبون عظائم الكبائر بحيث سيستحقون عليها عذابا دنيويا مرتين ، ثم عذاب عظيم فى الآخرة . ونرجو الرجوع الى كتابنا عن المسكوت عنه من تاريخ الخلفاء الراشدين ، وهو منشور هنا ، وفيه التفصيل.

2 ـ أولئك الخلفاء الفاسقون هم الذين ذكرهم التاريخ ، بينما أهمل التاريخ المؤمنين الصادقين السابقين بعملهم وبإيمانهم . إذ يكفيهم الخلود فى الجنة ، قال جل وعلا عنهم : ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٠٠﴾ التوبة )

سادسا : لا ننتظر من التاريخ أن يذكر أولئك الصحابة المؤمنين الصادقين . لماذا ؟:

 1 :  لا يهتم التاريخ بالفقراء المغمورين . منهم من لم يكن ثريا غنيا أو صاحب جاه. يكفى وصف رب العزة جل وعلا لهم : ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٩١﴾ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ﴿٩٢﴾ التوبة )

  2 : العادة أن ( عباد الرحمن ) لا يتصدرون المواكب ، ولذا لا تطفو  أخبارهم الى التسجيل التاريخى ، قال جل وعلا : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴿٦٣﴾ الفرقان ).

3 / 3 : وهم أبعد الناس عن الصراع على ( العُلُوّ ) فى الدنيا وحطامها الزائل.   قال جل وعلا عن المتقين أصحاب الجنة : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٨٣﴾ القصص  ).

4 ـ فى المقابل نعيد التذكير بقوله جل وعلا عن مشاهير التاريخ بعد موت خاتم النبيين :  ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾ التوبة ).

4 ـ نعيش مع تاريخهم المكتوب فى الحلقة القادمة.

  مقارنة بين دين الرحمن ودينهم الشيطانى فى حرب الردة :

1 ـ ابو بكر حاربهم لأنهم طالبهم بدفع الصدقات فرفضوا ، فقال كلمته المشهورة التى ارودها الطبرى : ( لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه ).

2 ـ عرفنا أن الله جل وعلا جعل تقديم الصدقة والانفاق عملا تطوعيا لا إلزام فيه ، بل منع النبى محمدا من قبول نفقات المنافقين. المنافقون كانوا لا يعترفون بذنوبهم بل يصممون عليها يتخذون الحلف الكاذب برب العزة وسيلة. ( المنافقون 1 : 6 ) . وهناك صحابة مؤمنون إعترفوا بذنوبهم فأمرهم رب العزة جل وعلا  أن يقدموا صدقة تطهرهم مقابل أن يستغفر لهم النبى ( التوبة 102 : 104 ). 

3 ـ وعرفنا أن العرب دخلوا أفواجا فى الاسلام السلوكى بمعنى السلام والأمن ، وأن إختيارهم السلام ونبذ الحرب وإحترام العهود والمواثيق تعنى إقامتهم الصلاة وإيتاءهم الزكاة سلوكيا وظاهريا . وهذا هو الذى للبشر الحكم عليه . أما من حيث الايمان القلبى وتزكية النفس بالتقوى ( أى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قلبيا ) فهذا مرجعه لرب العزة جل وعلا يحكم به على البشر جميعا. بالتالى فإن العرب الذين دخلوا فى الاسلام السلوكى أفواجا فوجئوا بنظام حكم جديد يتسلط عليهم ويأمرهم بدفع الصدقات له ، وكانوا من قبل يتولون هم جمع الصدقات وتوزيعها. لذا رفضوا فأعلن ابو بكر الحرب عليهم .

4 ـ عرفنا أن الاسلام القلبى وما فيه من عبادات ليس فيه إلزام فى دولة الاسلام القائمة على الحرية المطلقة فى الدين وأنه لا إكراه فى الدين ، لأن الحساب فى حق الله جل ( فى الدين ) وعلا مؤجل الى ( يوم الدين ) . وعرفنا انه كان من الصحابة الموصوفين بالذين آمنوا من كان يعبد الأنصاب مع تكرار الأمر الالهى لهم بالإيمان القلبى . بالتالى فإن أبا بكر صادر هذه الحرية الدينية ، خصوصا فى موضوع الصدقات.

فى الفتوحات :

1 ـ عرفنا ان الله جل وعلا دعا المؤمنين فى الدخول فى السلم كافة وألّا يتبعوا خطوات الشيطان ( البقرة 208 ) وأنه جل وعلا حصر القتال فى الدفاع فقط وأن يكون قصاصا بالمثل ( البقرة 190 : 194 ) وأنه جل وعلا أمر بمعاملة من لا يعتدى على المسلمين بالبر والقسط ( الممتحنة 8 )، وأن من ينكث العهود السلمية كل مرة فعلى النبى أن يتعامل معهم بإستقامة ( الانفال 56 : 58 ) ، وأنه جل وعلا حرّم القتال والظلم فى الأشهر الحُرُم وإعتبر النسىء زيادة فى الكفر ( التوبة 36 : 37 )، والنسىء يعنى إستحلال شهر من الأشهر الحرم وتأجيله الى شهر آخر .

2 ـ أبو بكر فى دينه الشيطانى فعل عكس ذلك . بعد أن أخمد حركات الردة بصعوبة رأى ومعه قريش أنه لا بد من شغل الأعراب المرتدين بحرب خارجية تفاجأ بها الحكام من حوله . هذا يستدعى دينا جديدا بدأ أبو بكر بتطبيقه عمليا بالحديد والنار ، وهو أن يصف الأقوام الأخرين بالكفر ويستحل دماءهم واموالهم وأعرضهم ويحتل بلادهم . يقف على أبوابهم مستعدا للهجوم ، ويخيّرهم ــ أو بمعنى أصحّ ــ يرغمهم على قبول الاسلام او الجزية او الحرب . هو يعلم أنه يتعامل مع أمم قوية لا ترضى بهذه الإهانة ، وقد إعتادت الاستهانة بالعرب ، بالتالى فلا بد من ان يدافعوا عن أوطانهم وكرامتهم. أى لا بد من الحرب ، وهى حرب بين عرب  ( جوعى متلهفين على الثروة ويعتبرون حربهم دينا كما أفهمهم ابو بكر وقريش ) وبين أمم مترفة يحكمها مستبدون فاسدون. 

3 ـ لذا كانت تأدية الصلاة فى مواقيتها وبكيفيتها أمرا ضروريا لإقناع العرب أنهم على الحق وأن الآخر هو كافر يستحلون دمه وماله وعرضه وبلاده.

4 ـ ونستشهد ببعض ما جاء فى الطبرى :

4 / 1 : يقول الطبرى عن حملة خالد : ( .. أن أبا بكر رحمه الله وجه خالد بن الوليد إلى أرض الكوفة وفيها المثنى بن حارثة الشيباني فسار في (المحرم) سنة اثنتي عشرة فجعل طريقه البصرة وفيها قطبة بن قتادة السدوسي ) أى سار خالد يغزو باسم ابى بكر فى شهر حرام هو شهر المحرم . واستمرت الحروب لا تعرف توقفا فى الشهور الحُرُم . والهدف هو إلاههم الأعظم : المال والكنوز .

4 / 2 : يذكر الطبرى أنه قبيل موقعة القادسية عام 14 قابل وفد من العرب كسرى ( فأذن لهم وأحضر الترجمان وقال له: سلهم ما جاء بكم وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا؟ أمن أجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟  فقال لهم النعمان بن مقرن إن شئتم أجبت عنكم ومن شاء آثرته فقالوا بل تكلم ..فتكلم النعمان فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه ووعدنا على إجابته خيرالدنيا والآخرة فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب وبدأ بهم وفعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع أتاه فازداد فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء فإن أبيتم فالمناجزة فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم قال فتكلم يزدجرد فقال إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم فأسكت القوم فقام المغيرة بن زرارة بن النباش الأسيدي فقال أيها الملك إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم الأشراف الأشراف ويعظم حقوق هذا الرجل كلامنا فتكلم النعمان فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه ووعدنا على إجابته خيرالدنيا والآخرة فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب وبدأ بهم وفعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع أتاه فازداد فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء فإن أبيتم فالمناجزة فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم قال فتكلم يزدجرد فقال إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم فأسكت القوم فقام المغيرة بن زرارة بن النباش الأسيدي فقال أيها الملك إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم الأشراف الأشراف ويعظم حقوق الأشراف الأشراف ويفخم الأشراف الأشراف وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك فجاوبني لأكون الذي أبلغك ويشهدون على ذلك إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات فنرى ذلك طعامنا وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ديننا أن يقتل بعضنا بعضا ويغير بعضنا على بعض وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده فأرضه خير أرضنا وحسبه خير أحسابنا وبيته أعظم بيوتنا وقبيلته خير قبائلنا وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد قبل ترب كان له وكان الخليفة من بعده فقال وقلنا وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا فلم يقل شيئا إلا كان فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه فصار فيما بيننا وبين رب العالمين فما قال لنا فهو قول الله وما أمرنا فهو أمر الله فقال لنا إن ربكم يقول إني أنا الله وحدي لا شريك لي كنت إذ لم يكن شيء وكل شيء هالك إلا وجهي وأنا خلقت كل شيء وإلي يصير كل شيء وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي ولأحلكم داري دار السلام فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق وقال من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه انفسكم ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم فمن قتل منكم أدخلته جنتي ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك  )

آثرنا نقل هذا النّص بكامله ، ومنه نفهم الآتى :

4 / 1  ـ إحتقار كسرى للعرب ودهشته من غزوهم بلاده ، ووصفه لهم بالجوع .

4 / 2  ـ كذبهم بأن الله جل وعلا قال ( .. وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي ولأحلكم داري دار السلام فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق وقال من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه انفسكم ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم فمن قتل منكم أدخلته جنتي ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه )

4 / 3 ـ تخيير كسرى بين ( الاسلام ) أو ( الجزية ) أو ( الحرب ) . (فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر وإن شئت فالسيف أو تسلم فتنجي نفسك ).!. والنتيجة معروفة مقدما.

5 ـ أى نحن أمام دين شيطانى جديد يناقض الاسلام ، ويطبقه بالحديد والنار. والإله الأعظم فيه هو الثروة والمال . يقول الطبرى عن ( الدهاقين ) أى الذين كانوا يجمعون الأموال لكسرى: (  كان الدهاقين يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة فلما استقام ما بين أهل الحيرة وبين خالد واستقاموا له أتته دهاقين ...  فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هرمز جرد على ألفي ألف ..وأن للمسلمين ما كان لآل كسرى .. وضرب خالد رواقه في عسكره وكتب لهم كتابا : " بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من خالد بن الوليد لزاذ بن بهيش وصلوبا بن نسطونا : لكم الذمة وعليكم الجزية وأنتم ضامنون لمن نقبتم عليه من أهل البهقباذ الأسفل والأوسط ...  على ألفي ألف ثقيل في كل سنة ... ) .

 ثانيا : مقارنة بين المنافقين الذين فضحهم سلوكهم والذين مردوا على النفاق : 

1 ـ المنافقون الظاهرون كانوا ساذجين عكس الماكرين الذين مردوا على النفاق وكتموا كفرهم وخدعوا النبى محمدا فكانوا الأقرب اليه فتولوا الأمر بعد موته ، وأحدثوا تغييرا هائلا على مستوى العالم ، ذكرهم التاريخ ولكن فى ميزان القرآن هم أكابر المجرمين ، وحق عليهم قول الرحمن جل وعلا : ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢٣﴾ الانعام )

2 ـ المنافقون الظاهرون لم يحملوا سلاحا ، وإكتفوا بالإيذاء القولى للنبى والامتناع عن القتال الدفاعى وعن التطوع بالصدقات . ومع أن من يموت منهم على نفاقه فمصيره فى الدرك الأسفل إلا إن من يتوب منهم توبة مقبولة سيكون ( مع المؤمنين ) . قال جل وعلا : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿١٤٥﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّـهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّـهِ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖوَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّـهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٤٦﴾ النساء ). أما الذين مردوا على النفاق فقد أخبر رب العزة جل وعلا ــ وهو علّام الغيوب ــ أنهم لن يتوبوا وأنهم سيرتكبون جرائم يستحقون عليها العذاب الدنيوى مرتين ثم ينتظرهم فى الآخرة عذاب عظيم . قال جل وعلا عنهم : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾ التوبة ).

3 ـ إذا كان المنافقون الظاهرون المسالمون فى الدرك الأسفل من النار ، فما هو مصير الخلفاء الفاسقين وأنصارهم ومعارضيهم الخارجين عليهم ، وقد بلغ بغيهم غايته ثم ألصقوا هذا البغى بالاسلام دين السلام والعدل والحرية والرحمة ؟

ثالثا : مقارنة بين الخلفاء الفاسقين والعرب الجاهليين

1 ـ العرب فى الجاهلية كانت تنشب بينهم الغارات طلبا للسلب والنهب والسبى . وعدا ذلك إشتهر ما يعرف ب ( أيام العرب ) وهى حروبهم المحلية ، ومنها : ( داحس والغبراء بين عبس وذبيان ) ( البسوس بين بكر وتغلب  ) ( حليمة بين الغساسنة والمناذرة ) ( الفجار قريش وكنانة ضدغطفان وهوازن ). كانت حروبا ( علمانية ) بلا مزاعم دينية . ولهذا كانت تنتهى ويتم نسيانها . ثم كان ضحاياها بضع آلاف .

2 ـ حروب الخلفاء الفاسقين كانت عالمية ، وبها حازوا الكنوز والثروات وكونوا إمبراطوية ضخمة إمتدت ما بين حدود الصين الى جنوب فرنسا ، تضخّم عدد ضحاياهم من القتلى والسبى والاسترقاق ليصل الى ملايين . ووصل سفك الدماء الى الداخل فى حروب أهلية .

3 ـ لم يكن الخلفاء الفاسقون أول من أسس أمبراطوريات بالاحتلال والقتل والظلم ، ولكنهم يفترقون عن غيرهم بزعمهم أن هذا هو الاسلام . ترتب على هذا :

3 / 1 : تشويه الاسلام .

3/ 2 :الإستمرار فى هذا الظلم بعد أن إكتسب أرضية دينية وتكونت على أساسه أديان أرضية . المحمديون كرروا ويكررون ما فعله الخلفاء الفاسقون .

3 / 3 : الخلفاء الفاسقون هم شرُّ مكانا من المنافقين الذين هم فى الدرك الأسفل من النار. ومع ذلك فقد أصبحوا آلهة مقدسة لدى المحمديين، بدليل الرهبة التى يشعر بها القارىء حين نصفهم بالخلفاء الفاسقين . هذا مع أننا نستشهد بتاريخهم المكتوب ونحتكم فيه الى القرآن الكريم.

3 / 4 : فى دينهم الشيطانى حافظوا على ( تأدية الصلاة ) لتكون مبررا لهم ووسيلتهم فى إرتكاب الإستحلال والبغى والعدوان والإغتصاب والاسترقاق والسلب والنهب . 

الفصل الثالث : ( التكفير ) فى الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين 

التكفير وسيلتهم فى إستحلال الدماء والأموال والأعراض

أولا :

 1 ـ حرّم الله جل وعلا قتل النفس إلا بالحق : جاء هذا ضمن الوصايا العشر (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾الأنعام  )، وتكرر فى قوله جل وعلا :  (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ﴿٣٣﴾الاسراء )

2 ـ أى لا يجوز قتل النفس إلا بالحق ، أى بالتشريع القرآنى الحق ، والله جل وعلا وصف القرآن الكريم بأنه الحق فى تنزيله وفى مضمونه ، قال جل وعلا : ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴿١٠٥﴾ الاسراء ). وطبقا للتشريع الاسلامى فالمبرر الوحيد لقتل النفس هو القصاص . وهو فى حالتين :

2 / 1 : عقوبة القاتل ، وحتى هنا يمكن تفادى القتل قصاصا بتقديم الدية فى حالات تكون الدية بديلا عن القصاص جاء هذا فى قوله جل وعلا : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٨﴾ البقرة )  هو تخفيف عما فرضه رب العزة جل وعلا على بنى اسرائيل : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) (٤٥﴾ المائدة ).

2 / 2 : فى القتال الدفاعى ، وهنا يكون رد الإعتداء بمثله قصاصا دون تطرف ، فهذا ما يجب أن يراعيه المسلمون المتقون ، قال جل وعلا : ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿١٩٤﴾  البقرة )

3 ـ وحتى فيما يسمى بالانتحار هو حرام فى الاسلام إلا إذا كان عن إضطرار قال جل وعلا : (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿٢٩﴾ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرًا ﴿٣٠﴾ النساء  ).

ثانيا : أحوال البشر فى قتل النفس :

1 ـ المؤمنون عباد الرحمن يؤمنون بحُرمة قتل النفس . قال جل وعلا ضمن صفاتهم : (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿٦٨﴾الفرقان ) . صفات عباد الرحمن تنطبق على الصحابة المسالمين السابقين عملا وتقوى ، والذين لم يذكرهم التاريخ .

2 ـ المجرمون العاديون يقتلون الآخرين ويقتلون حتى أنفسهم فى سبيل المال. وهم نوعان :

2 / 1 : صغار المجرمين من عصابات الإجرام ، تقتل الآخرين وتقاتل البوليس وتتقاتل فيما بينها. ويضحى أفرادها بحياتهم سعيا للمال والنفوذ الذى يأتى بالمال. ضحاياهم بالمئات والالآف .

2 / 2 : أكابر المجرمين ، وهم الحكام المستبدون الذين يعلون فى الأرض بالفساد والعدوان والمؤامرات ، وإذا وصل أحدهم للحكم يضطر للإستمرار فى القتل والتعذيب ليحمى نفسه وسلطانه . هم أكابر المجرمين الذين قال جل وعلا عنهم : (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢٣﴾ الانعام ). نهاية مكرهم خسارة العرش بالقتل أو بالموت أو بالعزل ، ثم عذاب خالد فى السعير. أى هم لا يمكرون إلا بأنفسهم . أكابر المجرمين نوعان :

2 / 2 / 1 : مستبد يقنع بدولته ووطنه . مثل السادات ومبارك وأغلبية المستبدين قديما وحديثا . ضحاياهم من القتلى فى أوطانهم بمئات الألوف وربما بالملايين مثل الخمير الحمر ومستبد بروما الآن الذى يقتل المسلمين الروهينجا.

2 / 2/ 2 : مستبد لا يقنع بدولته وإنما يقيم إمبراطورية بالحروب الهجومية وإحتلال أوطان الآخرين . ضحاياهم بالملايين . هؤلاء المستبدون أكابر المجرمين أيضا نوعان :

2 / 2 / 2 / 1 : أباطرة علمانيون لا يزعمون أن ما يفعلونه دين ، ينطبق هذا على تحتمس الثالث ورمسيس الثانى وقيصر وجنكيزخان وهولاكو ، وهتلر وستالين وموسولينى .

2 / 2 / 2/ 2 : أباطرة يزعمون الخلافة الاسلامية عن الرسول عليه السلام ، ويزعمون أن ما يفعلونه هو دين الرحمن . وحروبهم مؤسسة على دين شيطانى يقوم بتكفير الآخر وإستحلال دمه وماله وبلده وعرضه . وحتى تكون حروبهم مبررة دينيا فلا بد من تأدية ( الصلاة ) . القتال هنا ليس فى سبيل الله جل وعلا بل فى سبيل (المال ) ، وفى سبيل هذا المال يتقربون بالصلاة ( الاسلامية ) من حيث الشكل ، يرجون أن ينصرهم الله على الآخر الذى يعتدون عليه. وبهذا جعلوا رب العزة ( وسيلة ) تقربهم زلفى لمعبودهم الأكبر ، وهو المال ، والنفوذ الذى يأتى بالمال.

2 / 2/ 2/ 3 : هؤلاء إعتبروا المسالمين الذين لم يعتدوا عليهم كفرة يجب غزوهم وإحتلال بلادهم وقتل أبطالهم المدافعين عن الوطن وأهله ، وإستحلال سلبهم ونهبهم وسبى نسائهم وذراريهم. ثم ينسبون هذا لرب العزة جل وعلا.

ثالثا : فى الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين

1 ـ الله جل وعلا جعل الاعتداء الباغى كفرا ، وجعل للبشر تحديد هذا بحسب السلوك الظاهر للغازى المعتدى الباغى . وأيضا فالشعب المُسالم هو الذى لم يعتد ولم يبدأ حربا على شعب مسالم. ولكن الخلفاء الفاسقين قلبوا الوضع ، هم الكفرة المعتدون الباغون ليس فقط على البشر ولكن على رب العزة الذى تمسحوا بدينه وشرعه وإسمه ليرتكبوا هذه الشناعات.

2 ـ تأدية الصلاة ( الاسلامية من حيث الشكل ) تغلّف تاريخ الخلفاء الفاسقين وخصومهم الخوارج . وهذا ما سنتعرض له لاحقا بالتفصيل . ولكن لأن الصلاة وسيلتهم فى عبادة معبودهم الأعظم ( المال ) فسنتوقف هنا مع معبودهم الأعظم وكيف صاغوا له عمليا  عقيدة قتالية وعبادة من الصلاة والتكبير ( الله أكبر )، مما جعل الخلفاء الفاسقين ينتصرون ويرتكبون مذابح هائلة ويحوزون على الملايين من الكنوز ومئات الألوف من السبى . 

3 ـ مجال البحث هو الفتوحات فى عصر الخلفاء الفاسقين أبى بكر وعمر وعثمان . والمصدر الأساس هو تاريخ الطبرى وما نقله عنه ابن الأثير فى تاريخه ( الكامل ) ، وفيه قام ابن الأثير بإنتقاء رواية واحدة من روايات الطبرى فى الموضوع الواحد وتخفّف من ذكر الاسنادات التى ذكرها الطبرى. والإشارات تأتى بين تفصيلات وسطور الروايات عن ( التكفير ) و ( الصلاة ) و ( التكبير ) و ( السبى والسلب ) . لذا تخفيفا على القارىء لن نذكر تفصيلات الرواية بكاملها ، ونكتفى بذكر ما جاء بين سطورها ما يخص الموضوع. ومن يشاء يمكنه الرجوع الى تاريخ الطبرى وتاريخ ابن الأثير ليتأكد مما ننقله .

4 ـ نبدأ بالتكفير وما يعنيه من إستحلال قتال من لم يقاتل العرب وخلفائهم الفاسقين . ننقل النصوص التاريخية ونتمنى أن يتعقلها القارىء :

رابعا : المدافعون عن بلادهم ضد الغزو العربى هم كافرون مشركون :

1 ( كان عمر إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين أمر عليهم أميراً من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش من المسلمين، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي. فقال: سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم فادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وأقاموا بدارهم فعليهم الزكاة وليس لهم من الفيء نصيب، وإن ساروا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم، وإن أبوا فادعوهم إلى الجزية، فإن أجابوا فاقبلوا منهم وإن أبوا فقاتلوهم.. ).

هنا تشريع يضعه (عمر ) فى قتال من لم يقاتلهم . عمر يجعله ب ( إسم الله ) وفى سبيل الله . ويتهم من لم يعتد عليهم بالكفر . وقبل الهجوم عليه يدعونهم الى الاسلام وإلا دفع الزكاة وإلا فالجزية وإن أبوا فالقتال. هذا تشريع الخلفاء الفاسقين المناقض للقرآن الكريم . طبقا للقرآن فمن حق أصحاب البلاد أن يقاتلوا دفاعا عن بلادهم وأنفسهم من هذا الإعتداء ( الكافر ).

2 ـ أى كان وصف أصحاب البلاد بالمشركين لاستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم وإحتلال بلادهم . ونعطى أمثلة من بين سطور الروايات :

 2 / 1 :( وأتاهم الخبر أن الهرمزان قد لحق بتستر، فساروا نحوه وسار النعمان أيضاً وسار حرقوص وسلمى وحرملة وجزء فاجتمعوا على تستر وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس والجبال والأهواز في الخنادق، وأمدهم عمر بأبي موسى وجعله على أهل البصرة، وعلى الجميع أبو سبر، فحاصروهم أشهراً وأكثروا فيهم القتل..  وزاحفهم المشركون أيام تستر ثمانين زحفاً يكون لهم مرة ومرة عليهم.  ). أكثر المعتدون البُغاة القتل فى الأبطال المدافعين عن وطنهم . وأولئك الأبطال المدافعون عن وطنهم وأهاليهم موصوفون بالشرك. 

2 / 2 : ( ذكر خبر بيروذ من الأهواز:...   وتقدم المهاجر فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل. ووهن الله المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة...)

2 / 3 : ( ذكر فتح همذان والماهين وغيرهما:لما انهزم المشركون دخل من سلم منهم همذان وحاصرهم نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو... )

2 / 4 : ( ولما عبر يزدجرد النهر مهزوماً أنجده خاقان في الترك وأهل فرغانة والصغد، فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان فنزلا بلخ، ورجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمرو الروذ، ونزل المشركون عليه بمرو أيضاً.). هرب يزدجر بعد أن هزمه العرب المعتدون ووفد اليه أتباعه ( المشركون ).!!

خامسا : البُغاة يسمون أنفسهم بالمسلمين ، والمعتدى عليهم هم المشركون .

1 ـ ( فجمع عمر الناس واستشارهم، وقال لهم: هذا يوم له ما بعده، وقد هممت أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه فأنزل منزلاً وسطاً بين هذين المصرين ثم أستنفرهم وأكون لهم ردءاً حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح الله عليهم صبيتهم في بلدانهم.... فقام عثمان فقال: أرى يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، ثم تسير أنت بأهل الحرمين إلى الكوفة والبصرة فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين.. ). هنا وصف الأخرين بالمشركين ووصف أنفسهم بالمسلمين.

2 ـ ( ذكر يوم عماس:  .. ثم أصبحوا اليوم الثالث وهم على مواقفهم، وبين الصفين من قتلى المسلمين ألفان من جريحٍ وميتٍ، ومن المشركين عشرة آلاف، فجعل المسلمون ينقلون قتلاهم إلى المقابر والجرحى إلى النساء، وكان النساء والصبيان يحفرون القبور، وكان على الشهداء حاجب بن زيد. وأما قتلى المشركين فبين الصفين لم ينقلوا، وكان ذلك مما قوى المسلمين...ثم حمل على المشركين يقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد.وكان المشركون قد باتوا يعملون توابيتهم حتى أعادوها وأصبحوا على مواقفهم.. فحمل وضرب فيهم حتى ستره الغبار وحمل أصحابه فأفرج المشركون عنه بعدما صرعوه.. فبقي الفيل جريحاً متحيراً بين الصفين كلما جاء صف المسلمين وخزوه وإذا أتى صف المشركين نخسوه. وولى الفيل،.... وكتب سعد إلى عمر بالفتح وبعدة من قتلوا وبعدة من أصيب من المسلمين، وسمى من يعرف مع سعد بن عميلة الفزاري. وكان عمر يسأل الركبان من حين يصبح إلى انتصاف النهار عن أهل القادسية ثم يرجع إلى أهله ومنزله، قال: فلما لقي البشير سأله من أين؟ فأخبره، قال: يا عبد الله حدثني. قال: هزم الله المشركين. ). هنا يتردد وصفهم لأنفسهم بالمسلمين ووصف المعتدى عليهم بالمشركين .

3 ـ وقعة أليس.. على الفرات  : .. واقتتلوا قتالاً شديداً والمشركون يزيدهم ثبوتاً توقعهم قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين، فقال خالد: اللهم إن هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم نهرهم. ) . وصف شجعان بلد أليس بالمشركين ، ووصف المعتدون أنفسهم بالمسلمين .وخالد المعتدى عليهم بجيشه يقسم لو هزمهم سيجعل نهرهم يجرى بدمائهم . جريمتهم أنهم أبطال يدافعون عن بلادهم. 

4 ـ ( وفيها بعث عمر إليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وكان شجاعاً من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار حليف لبني الحبلى، وأمده بأبي موسى، وجعل على مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله، فساروا إلى نهاوند... وسار عبد الله فيمن كان معه ومن تبعه من جند النعمان بنهاوند، نحو أصبهان، وعلى جندها الاستندار، وعلى مقدمته شهربراز بن جاذويه، شيخ كبير، في جمع عظيم، فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق لأصبهان، فاقتتلوا قتالاً شديداً ..). ما علاقة أصفهان الفارسية بالعرب فى جزيرتهم ؟ وما الذى جاء بجيوش العرب الى هذه المنطقة ؟. اللهم سوى الغزو والبغى. ثم يسمى العرب البُغاة أنفسهم مسلمين ويصفون من يعتدون عليهم بالمشركين.

5 ـ (فإذا هم بالقعقاع بن عمرو وقد أخذ به، فانهزم المشركون عن المجال يمنة ويسرة فهلكوا فيما أعدوا من الحسك، فعقرت دوابهم وعادوا رجالة واتبعهم المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد، وقتل يومئذٍ منهم مائة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، فهي جلولاء الوقيعة.). قتل العرب المعتدون مائة ألف من المدافعين عن وطنهم ، وهذا بعد أن جعلوهم مشركين.

6 ـ ( ذكر فتح ماسبذان:   فأرسل إليهم ضرار بن الخطاب في جيش، فالتقوا بسهل ماسبذان فاقتتلوا، فأسرع المسلمون في المشركين، وأخذ ضرار آذين أسيراً فضرب رقبته. ). نفس الوصف للمعتدين بأنهم مسلمون ، والمدافعين بأنهم مشركون ، وقد قتلوا قائد الجيش بعد أن أسروه .

7 ـ ( فلما التقى المسلمون والمقوقس بعين الشمس واقتتلوا جال المسلمون، فذمرهم عمرو، فقال له رجل من اليمن: إنا لم نخلق من حديد. فقال له عمرو: اسكت، إنما أنت كلب. قال: فأنت أمير الكلاب. فنادى عمرو بأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فأجابوه، فقال: تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين، فتقدموا وفيهم أبو بردة وأبو برزة وتبعهم الناس، وفتح الله على المسلمين وظفروا وهزموا المشركين ). هؤلاء لم يهاجموا العرب فى جزيرتهم ولكن عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب يعتبرونهم مشركين ويعتبرون أنفسهم مسلمين .

 8 ـ ( ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد:قال: فساروا حتى لقوا عدواً من الأكراد المشركين فدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، فلم يجيبوا، فقاتلوهم فهزموهم وقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية فقسمه بينهم، ورأى سلمة جوهراً في سفط فاسترضى عنه المسلمين وبعث به إلى عمر.) . الأكراد هم مشركون مع أنهم لم يسبق لهم الإعتداء على العرب فى جزيرتهم. وجعلوا أنفسهم مسلمين .!.

9 :( فما كانت بين المسلمين والفرس وقعة أبقى رمة منها، بقيت عظام القتلى دهراً طويلاً، وكانوا يحرزون القتلى مائة ألف، وسمي ذلك اليوم الأعشار...  وقتل المشركون فيما بين السكون اليوم وضفة الفرات وتبعهم المسلمون إلى الليل ومن الغد إلى الليل.) . هذا تقدير لعدد القتلى من الأبطال المدافعين عن وطنهم وأهاليهم ، وهم مشركون بينما يسمى المجرمون الكفار أنفسهم مسلمين .!!

10 : ( والفرس بالخيار لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج، فخاف المسلمون أن يطول أمرهم، حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجمع تجمع أهل الرأي من المسلمين وقالوا: نراهم علينا بالخيار. وأتوا النعمان ... فتكلم النعمان فقال: قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاؤوا ولا يقدر المسلمون على إخراجهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الذي به نستخرجهم إلى المناجزة وترك التطويل؟.) البُغاة هم المسلمون. والضحايا عندهم مشركون .
11 :  ( فاقتتلوا. فلما أظلم الليل عليهم انهزم المشركون وذهبوا ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا دونه بأسبيذهان فوقعوا فيه، فكان الواحد منهم يقع فيقع عليه ستة بعضهم على بعضهم في قياد واحد فيقتلون جميعاً، وجعل يعقرهم حسك الحديد، فمات منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة.). البُغاة قتلوا من ( المشركين ) أى الأبطال المدافعين عن وطنهم وأهاليهم أكثر من مائة ألف .
12 : ( ذكر فتح قزوين وزنجان:... ثم غزا قزوين، فلما بلغ أهلها الخبر أرسلوا إلى الديلم يطلبون النصرة فوعدوهم، ووصل المسلمون إليهم فخرجوا لقتالهم والديلم وقوفٌ على الجبل لا يمدون يداً، فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح على صلح أبهر؛ وقال بعض المسلمين:

قد علم الديلم إذ تحارب ** حين أتى في جيشه ابن عازب

بأن ظن المشركين كاذب    فكم قطعنا في دجى الغياهب ).

قبائل الديلم واهل قزوين لم يكن لهم علم بالعرب أصلا ، ولكنهم مشركون ،بينما المعتدون الذين هاجموهم وقطعوا آلاف الأميال هم مسلمون !!

13 : نفس الحال :

13 / 1 :( ودخل المشركون همذان والمسلمون في آثارهم فنزلوا عليها وأخذوا ما حولها. )

13 / 2 :( ذكر فتح كرمان:ثم قصد سهيل بن عدي كرمان، ولحقه أيضاً عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وعلى مقدمة سهيل بن عدي النسير بن عمرو العجلي وحشد لهم أهل كرمان واستعانوا عليهم بالقفص، فاقتتلوا في أداني أرضهم، ففض الله تعالى المشركين وأخذ المسلمون عليهم الطريق...)

13 / 3 : ( وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين، فجمعوا أهل فارس عليهم فجاؤوا من كل جهة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاووس وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا.. ).

13/ 4 : ( فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا.. ).

13 / 5 : ( ودخل المسلمون وألقى المشركون بأيديهم ونادوا: الصلح الصلح. فأجابهم إلى ذلك المسلمون بعدما دخلوها عنوةً، واقتسموا ما أصابوا.)

13 / 6 : (  .. فخرج إليه المغيرة بن شعبة فلقيهم بالمرغاب فاقتتلوا. فقال نساء المسلمين: لو لحقنا بهم فكنا معهم، فاتخذن من خمرهن رايات وسرن إلى المسلمين. فلما رأى المشركون الرايات ظنوا أن مدداً للمسلمين قد أقبل فانهزموا وظفر بهم المسلمون. وكتب إلى عمر بالفتح .. )

13 / 7 :( ذكر يوم أرماث:لما عبر الفرس العتيق جلس رستم على سريره ...   وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين، وكان صف المشركين على شفير العتيق، وكان صف المسلمين مع حائط قديس والخندق، فكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق، ومع الفرس ثلاثون ألف مسلسل وثلاثون فيلاً تقاتل..وقيل: إن هلالاً لما قصد رستم رماه رستم بنشابة أثبت قدمه بالركاب، فحمل عليه هلال فضربه فقتله ثم احتز وعلقه ونادى: قتلت رستم! فانهزم قلب المشركين.).

13 / 8 : ( وسار أبو موسى إلى البصرة من السوس وصار مكانه على أهل البصرة بالسوس المقترب بن ربيعة، واجتمع الأعاجم بنهاوند.... فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وتفتحت الأبواب ودخل المسلمون وألقى المشركون بأيديهم ونادوا: الصلح الصلح. فأجابهم إلى ذلك المسلمون بعدما دخلوها عنوةً، واقتسموا ما أصابوا.).

 خامسا : الذين يثورون على الاحتلال العربى كفرة مشركون مرتدون

بعض أصحاب البلاد التى خضعت للعرب ما لبث أن ثارت لتستعيد حريتها ، وهذا حق مشروع فى تشريع الرحمن . ولكن العرب إعتبروه كفرا . وتردد هذا فى روايات كثيرة ، نقتطف منها :

  1 :  (ذكر فتح همذان ثانيا .. قد تقدم مسير نعيم بن مقرن إلى همذان وفتحها على يده ويد القعقاع بن عمرو، فلما رجعا عنها كفر أهلها مع خسروشنوم .) . كفر أهلها بمعنى ثورتهم على الاحتلال العربى.

  2 : بعد هروب كسرى يزدجر ، تقول الرواية : ( وأقام يزدجرد ببلد الترك، فلم يزل مقيماً زمن عمر كله إلى أن كفر أهل خراسان زمن عثمان وكان يكاتبهم ويكاتبونه. ) . كفر أهل خراسان يعنى ثاروا على إحتلال العرب.

  3 :  ( فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه وغلب على آمل ) . هذا حاكم فارسى أذعن للغزو العربى فلما تقاتل على ومعاوية ثار فأصبح عندهم كافرا . 

الفصل الرابع : الصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين فى سبيل المال ــ إلاههم الأعظم

مقدمة

 1 ـ الصلاة الاسلامية ليست مجرد حركات قيام وركوع وسجود وكلمات تُقال ، فهكذا كانت تفعل قريش فى تأديتها السطحية للصلاة . وهى بهذا الشكل أقرب ما تكون الى اللهو واللعب ، وهذا وصف رب العزة جل وعلا لصلاتهم عند البيت الحرام، قال جل وعلا يهددهم بعذاب الآخرة : (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35) الانفال  ). حافظت قريش هلى تأدية صلاة سطحية تؤدى نفس الصلاة الابراهيمية التى نعرفها الآن ، ولكن بلا خشوع وبلا تقوى . الصلاة الاسلامية هى أن تخشع لربك وانت تصلى له ، ثم أن تنهاك صلاتك عن الفحشاء والمنكر ، قال جل وعلا يأمر ويحذّر :( اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّـهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴿٤٥﴾ العنكبوت ). بدون ذلك تصبح الصلاة وسيلة للفسوق والعصيان ، أى فطالما تُصلّى فلا عليك مهما فعلت .

2 ـ بدخول قريش ظاهريا فى الاسلام مالبث أن تولت قيادة المسلمين عبر حواسيسها الذين مردوا على النفاق ثم اصبحوا الخلفاء الفاسقين ، وبهم كان غزو وإحتلال إمتد من أواسط آسيا الى شمال إفريقيا ( من خلافة أبى بكر الى خلافة عثمان ) . فى هذا الغزو إحتاج الغزاة  للمبالغة فى ( تأدية ) هذه الصلاة السطحية. أقنعت قريش الأعراب إن الغزو الاحتلال والبغى والسلب والسبى لمن ليس منهم هو فريضة اسلامية ، لذا كان لا بد أن يصاحب جهادهم هذا تأدية لصلاة سطحية تؤكد لهم إقتناعهم بأنهم على الحق .  وهنا يبدو التناقض هائلا بين المؤمن الخاشع الذى يصلى ويخاطب ربه فى الصلاة قائلا ( إهدنا الصراط المستقيم ) 17 مرة يوميا ، ثم إذا عرضت له معصية بين الصلوات تذكر دعاءه لربه جل وعلا وقوله ( إهدنا الصراط المستقيم ) فيخجل من نفسه إذ كيف يعصى ثم كيف له فى الصلاة التالية يقول لربه جل وعلا ( إهدنا الصراط المستقيم ) . فكانوا يؤدون الصلاة لتساعدهم على ارتكاب أفظع الظلم ، وجعلوها وسيلة تقربهم الى الحصول على إلاههم العظم ( المال ). 

3 ـ من الحُمق الاعتقاد بأن حديث رب العزة عن مسجد الضرار الذى أقامه المنافقون فى المدينة ( التوبة  107 : 110 ) كان مجرد تاريخ انتهى ومضى ولم يتكرر . مسجد الضرار هو الذى يُستخدم فى الاضرار بالناس ، بالتناقض مع دور المسجد الذى يجب أن يكون مكانا آمنا للتقوى والاخلاص فى العبادة لرب العزة وحده لا شريك له . مسجد الضرار يجمع بين الكفر الاعتقادى بتقديس البشر والحجر ( كما كانت تفعل قريش بمساجدها : ( الجن 18 : 23 ) وفى الكفر السلوكى بالاعتداء والظلم ، وهذا أيضا كانت تفعله قريش فى إرهابها المؤمنين ومنعهم من دخول مساجد الله جل وعلا ( البقرة 114 ) . وجمعت قريش بين النوعين فى إستخدامها للبيت الحرام ( التوبة 17 : 18 ) ، ثم أعادت قريش فى خلافة الفاسقين مسيرة مساجد الضرار ، فنشروها فى البلاد إحتلوها ، وما لبث أن اصبحت فيما بعد مراكز للإقتتال الأهلى ، ولا تزال تؤدى نفس الدور. .

4 ـ الصلاة كانت معروفة بمواقيتها وركعاتها ضمن شعائر ملة ابراهيم والتى تشمل الصيام والحج والتسبيح وإخلاص القلب لرب العزة جل وعلا ، بحيث تكون العبادات وسائل للتقوى  ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ البقرة )،  والتقوى تنعكس فى السلام والعدل والابتعاد عن الظلم فى التعامل مع الناس ، وعدم تقديس المخلوقات . قريش حافظت على شكل الصلاة وارتكبت فظائع فى إستغلال البيت الحرام مركزا لتقديس آلهة العرب ، وإضطهاد النبى والمؤمنين ، وبهذا أضاعوا ثمرة صلاتهم  كما حدث للسلف السىء قبلهم والذين قال عنهم رب العزة جل وعلا : ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴿٦٠﴾ مريم )

5 ـ المنافقون فى عصر النبى محمد عليه السلام كانوا يؤدون صلاة سطحية بلا تقوى يراءون فيها الناس ، قال عنهم جل وعلا : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّـهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٤٢﴾ النساء )( وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿٥٤﴾ التوبة ). لذا لم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر ، بل كانوا يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف،قال جل وعلا عنهم : ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّـهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٦٧﴾ التوبة ) وقال جل وعلا عن العذاب الذى ينتظرهم : ( وَعَدَ اللَّـهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّـهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴿٦٨﴾ التوبة ). الأسوا منهم هم الذين مردوا على النفاق وأصبحوا الخلفاء الفاسقين بعد موت خاتم النبيين . المنافقون الصُّرحاء لم يرفعوا سلاحا ولم يسلبوا أموال الناس ولم يسبوا الأحرار. الخلفاء الفاسقون إرتكبوا هذا كله وهم يؤدون صلاتهم الشيطانية. لم يعد هناك وحى قرآنى يتنزل يفضحهم كما كان الحال فى حياة النبى محمد عليه السلام فى المدينة ،فإنطلقوا يفعلون ما يشاءون من غزو وأحتلال وسبى وسلب تعززه صلاة مظهرية شيطانية ، حافظوا على تأديتها  حتى وقت المعارك ، سواء كانت غزوا للآخرين أو حربا أهلية .  

6 ــ الانغماس فى الظلم والبغى مع ( تأدية ) الصلاة  تأدية سطحية يعنى أن تتحول الصلاة الى صلاة شيطانية أى وسيلة تبرر الظلم وتؤكده وتساعد عليه، أى بدلا من أن تكون وسيلة للتقوى تصبح وسيلة للإثم والعدوان .   

7 ـ  ونعرض لتأديتهم الصلاة فى غزوهم .  

أولا :  التحريض على القتال الباغى بالصلاة الشيطانية

1 ـ  : (ذكر غزوة فارس من البحرين:... فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس وعلى أهل فارس الهربذ اجتمعوا عليه فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم فقام خليد في الناس فقال أما بعد فإن الله إذا قضى أمرا جرت به المقادير حتى تصيبه وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم وإنما جئتم لمحاربتهم والسفن والأرض لمن غلب فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع من الأرض يدعى طاوس ). لاحظ : (والأرض لمن غلب ) هذا تشريع كافر ظالم . ويستعينون على تنفيذه بالصلاة وبالصبر : ( فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) لذا إستجابوا له : ( فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا )

2 ـ ( وخطب الناس يومئذٍ، وهو يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة، وحثهم على الجهاد وذكرهم ما وعدهم الله من فتح البلاد وما نال من كان قبلهم من المسلمين من الفرس، وكذلك فعل أمير كل قوم، ... وأمر سعد الناس بقراءة سورة الجهاد، وهي الأنفال، فلما قرئت هشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها. فلما فرغ القراء منها قال سعد: الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم. ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم وقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما كبر سعد الثالثة برز أهل النجدات فأنشبوا القتال.. ... ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضاً وخالطوا القوم واستقبلوا الليل استقبالاً بعد ما صلوا العشاء، وكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم إلى الصباح، وأفرغ الله الصبر عليهم إفراغاً، وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثله قط، وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم، وأقبل سعد على الدعاء، فلما كان عند الصبح انتمى الناس فاستدل بذلك على أنهم الأعلون، ) لاحظ : (  الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم. ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس ..) ( .. ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضاً وخالطوا القوم واستقبلوا الليل استقبالاً بعد ما صلوا العشاء، وكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم إلى الصباح،)

ثانيا : تأدية الصلاة الشيطانية حتى وقت إشتداد القتال :

1 ـ ( فى معركة جلولاء :  .... فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقاتلوا المسلمين مثله في موطن من المواطن حتى أنفدوا النبل وحتى أنفدوا النشاب وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطبرزينات فكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهر ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها ). لاحظ: (ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها )

2 ـ  ( وعطف عليهم النعمان فضرب عسكره ثم عبى كتائبه وخطب الناس فقال إن اصبت فعليكم حذيفة بن اليمان وإن أصيب فعليكم جرير بن عبدالله وإن أصيب جرير بن عبدالله فعليكم قيس بن مكشوح ..   فقال النعمان نصلي إن شاء الله ثم نلقى عدونا دبر الصلاة فلما تصافوا قال النعمان للناس إني مكبر ثلاثا فإذا كبرت الأولى فشد رجل شسعه وأصلح من شأنه فإذا كبرت الثانية فشد رجل إزاره وتهيأ لوجه حملته فإذا كبرت الثالثة فاحملوا عليهم فإني حامل .. ) . لاحظ : (نصلي إن شاء الله ثم نلقى عدونا دبر الصلاة )

3 ـ  ( وخرج عبدالله بن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيدا ونزل أبرشهر وبلغ نزوله أبرشهر سعيدا فنزل سعيد قومس وهي صلح صالحهم حذيفة بعد نهاوند فأتى جرجان فصالحوه على مائتي ألف ثم أتى طميسة وهي كلها من طبرستان جرجان وهي مدينة على ساحل البحر وهي في تخوم جرجان فقاتله أهلها حتى صلى صلاة الخوف فقال لحذيفة كيف صلى رسول الله فأخبره فصلى بها سعيد صلاة الخوف وهم يقتتلون . )  . لاحظ (فقاتله أهلها حتى صلى صلاة الخوف فقال لحذيفة كيف صلى رسول الله فأخبره فصلى بها سعيد صلاة الخوف وهم يقتتلون .  ). عبد الله عامر عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمسـ ابن عم الأمويين ، ومولود فى مكة بعد ثلاث سنوات من هجرة النبى محمد الى المدينة . ثم دخل فى الاسلام بعد فتح مكة ، ومالبث أن صار من قادة البغى المسمى بالفتوحات ولصيقا بالأمويين حتى لقد زوجه معاوية ابنته. كان لا يعرف صلاة الخوف لأنها من التشريعات الجديدة فى الصلاة والتى نزلت فى المدينة .

ثالثا :  الصلاة الشيطانية إحتفالا بعد إنتصار البغى :

1 ـ ( فتح المدائن عام 16 : .... واتخذ سعد إيوان كسرى مصلى ولم يغير ما فيه من التماثيل.  ..ولما دخل سعد الإيوان قرأ( كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ وزروعٍ)  إلى قوله(قوماً آخرين)؛ وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن ولا يصلي جماعة، وأتم الصلاة لأنه نوى الإقامة، وكانت أول جمعة بالعراق، وجمعت بالمدائن في صفر سنة ست عشرة.) . هنا إبتداع فى صلاتهم الشيطانية هى صلاة الفتح (وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن ولا يصلي جماعة، وأتم الصلاة لأنه نوى الإقامة، وكانت أول جمعة بالعراق، وجمعت بالمدائن في صفر سنة ست عشرة  )

2 ـ ( وكان فتح المدائن في صفر سنة ست عشرة قالوا ولما دخل سعد المدائن أتم الصلاة وصام وأمر الناس بإيوان كسرى فجعل مسجدا للأعياد ونصب فيه منبرا فكان يصلي فيه وفيه التماثيل ويجمع فيه فلما كان الفطر قيل ابرزوا فإن السنة في العيدين البراز فقال سعد صلوا فيه قال فصلي فيه .  ). تحول ايوان كسرى الى مسجد ، وتركوا ما فيه من ( تماثيل ) أى ( أصنام ). فكان سعد بن أبى وقاص يصلى فيه ويجمع فيه الناس فى الصلاة وصلاة العيد . ضمن طقوس الاحتفالات بإنتصارهم الباغى.

أخيرا :إغتيال عمر وهو يصلى صلاته الشيطانية :

1 ـ إغتاله أحد ضحاياه ، وهو أبو لؤلؤة المجوسى . وقد كان طفلا من أطفال السبى عاش معاناتهم ، وجىء به للمدينة فرأى معسكرات لأطفال السبى وهم فيها يبكون ، فكان يبكى لبكائهم . وصصم على إغتيال عمر ، فقتله وهو يصلى صلاته الشيطانية ، ثم إنتحر أبو لؤلؤة المجوسى . تقول الرواية (  فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالاً فإذا استوت كبر، ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وقتل معه كليب بن أبي البكير الليثي وكان خلفه، وقتل جماعة غيره...)  ( ولما احتضر ورأسه في حجر ولده عبد الله قال:
ظلومٌ لنفسي غير أني مسلمٌ ** أصلي الصلاة كلها وأصوم ).

2 ـ عليه وعليهم لعنة الله جلا وعلا والملائكة والناس أجمعين.

3 ـ لا أقصد أبا لؤلؤة المجوسى بالطبع ..

الفصل الخامس : فى دينهم الشيطانى : الخلفاء الفاسقون إستخدموا رب العزة جل وعلا للقتال فى سبيل المال إلاههم الأعظم 

مقدمة :

1 ـ نضطر الى القول بأن الخلفاء الفاسقين ( أبو بكر وعمر وعثمان) إستخدموا رب العزة جل وعلا فى إستحلال الدماء والأموال والأعراض ، أى جعلوا رب العزة جل وعلا وسيلة للحصول على المال إلاههم الأعظم . هناك أكابر المجرمين من الغزاة والمحتلين الذين رفعوا شعارات دنيوية شتى ، ولكن هؤلاء الخلفاء الفاسقين جعلوا رب العزة جل وعلا وسيلة للحصول على المال إلاههم الأعظم  .

2 ـ فارق هائل بينهم وبين المؤمنين الموصوفين فى قوله جل وعلا : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ) ٢﴾الأنفال ) (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴿٣٤﴾ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) 35 ) الحج). هؤلاء الكفرة الفجرة كانوا يذكرون إسم الله جل وعلا فى أفظع عصيان لله جل وعلا ، بل يعتبرون هذا دينا وعبادة . هو فعلا دين ولكنه دين شيطانى ، وهى فعلا عبادة ولكنها عبادة شيطانية ، ولكن يزينونها زورا وبهتانا بإسم الله العظيم .

3 ـ تلاعب الشيطان بالعرب والقرشيين وقت نزول القرآن الكريم ، فجعلهم :

3 / 1 : ينسبون وقوعهم فى الفاحشة الى أوامر رب العزة جل وعلا. ذكر هذا رب العزة وردّ عليه. قال جل وعلا : (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٢٧﴾ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّـهُ أَمَرَنَا بِهَا  قُلْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢٨﴾ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ﴿٢٩﴾ الاعراف )

3 / 2 : ينسبون عبادتهم للملائكة الى مشيئة الرحمن جل وعلا ، قال جل وعلا عنهم : ( وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿٢٠﴾ الزخرف )

3 / 3 : ينسبون وقوعهم فى الشرك وتحريم الحلال الى مشيئة الرحمن ، قال جل وعلا : ( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) ﴿٣٥﴾ النحل ). أى هى عادة سيئة فعلها الذين كفروا من قبلها ، وسيفعلها الذين كفروا من بعدهم سيقولون نفس الإفك ، لذا قال جل وعلا بصيغة المستقبل : ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴿١٤٨﴾ الانعام ). قالتها قريش وقالها من سبقهم وسيقولها من سيأتى بعدهم لأنهم أولياء الشيطان ، يشاءون الوقوع فى الشرك والكفر ثم ينسبون هذا الى مشيئة الرحمن جل وعلا . هذا مع إنه تكرر فى القرآن الكريم أن الانسان هو الذى يختار الهدى أو يختار الضلال (الاسراء 107) ( الكهف 29 )  ، والله جل وعلا يزيد الضال ضلالا ويزيد المهتدى هدى، ( مريم  75 : 76) ( محمد 17)( البقرة 10)( العنكبوت 68 : 69 ) وهذا بمجرد أن يشاء فتأتى مشيئة الله تؤكد ما شاءه الانسان لنفسه : ( الانسان 29 : 30 ) ( التكوير 26 ـ ).

4 ـ الشيطان جعل الخلفاء الفاسقين الغُزاة البُغاة ينسبون هذا البغى الى رب العزة جل وعلا الذى حرّم الظلم والعدوان والبغى وأمر بالعدل والقسط . قال جل وعلا : (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ النحل ). وعظهم رب العزة لعلهم يتذكرون ، فلم يتذكروا بل فى تطرف فى الكفر إستخدموا إسم الله جل وعلا فى بغيهم وعدوانهم وظلمهم. أى جعلوا رب العزة جل وعلا وسيلة لتحقيق مطامعهم فى المال : إلاههم الأكبر. عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

5 ـ ونستشهد ببعض ما جاء فى الروايات التاريخية عن إستخدامهم رب العزة جل وعلا فى بغيهم وعدوانهم : 

أولا : البغى بإسم الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا )

1 ـ ( كان عمر إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين أمر عليهم أميراً من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش من المسلمين، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي. فقال: سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، ). ( لاحظ : سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله. ).!

2 ـ  القسم بإسم الله على قتل الجميع : فى وقعة أليس.. على الفرات  : (.. واقتتلوا قتالاً شديداً والمشركون يزيدهم ثبوتاً توقعهم قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين، فقال خالد: اللهم إن هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم نهرهم. ) نذر لله إن إنتصر على المدافعين عن وطنهم أن يقتلهم جميعأ .

ثانيا : النصر الباغى على ضحاياهم ينسبونه الى الله جل وعلا

1 ـ ( فجمع عمر الناس واستشارهم، وقال لهم: هذا يوم له ما بعده، وقد هممت أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه فأنزل منزلاً وسطاً بين هذين المصرين ثم أستنفرهم وأكون لهم ردءاً حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح الله عليهم صبيتهم في بلدانهم.) ( لاحظ: حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب، فإن فتح الله عليهم صبيتهم في بلدانهم ).!
2 ـ فى مصر :  ( فلما التقى المسلمون والمقوقس بعين الشمس واقتتلوا ... فنادى عمرو بأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فأجابوه، فقال: تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين، ) لاحظ (فبكم ينصر الله المسلمين )

3 ـ ( ثم مضى حتى قدم جلولاء فحاصرهم في خنادقهم وأحاط بهم.. وأمد سعد المسلمين، وخرجت الفرس .. فاقتتلوا، فأرسل الله عليهم الريح حتى أظلمت عليهم البلاد فتحاجزوا فسقط فرسانهم في الخندق.. ) لاحظ : (فأرسل الله عليهم الريح )

4 ـ ( وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين...وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا.. ) لاحظ : (  ففتح الله على المسلمين  )

5 ـ ( فخرج عمر من الغد يتوقع الأخبار. قال: فأتيته فقال: ما وراءك؟ فقلت: خيراً يا أمير المؤمنين. فتح الله عليك وأعظم الفتح،) (فتح الله عليك وأعظم الفتح)

6 ـ  سعد بن أبى وقاص كان مريضا فلم يشارك فى قتال القادسية بنفسه فقال شاعر يهجوه :  ( نقاتل حتى أنزل الله نصره ** وسعدٌ بباب القادسية معصم ) لاحظ : (أنزل الله نصره )

7 ـ بزعمهم : الله جل وعلا هو الذى يهزم الضحايا المُعتدى عليهم :

7 / 1 : ( فتقدموا وفيهم أبو بردة وأبو برزة وتبعهم الناس، وفتح الله على المسلمين وظفروا وهزموا المشركين..)

7 / 2 : ( وكان عمر يسأل الركبان من حين يصبح إلى انتصاف النهار عن أهل القادسية ثم يرجع إلى أهله ومنزله، قال: فلما لقي البشير سأله من أين؟ فأخبره، قال: يا عبد الله حدثني. قال: هزم الله المشركين.)

7 / 3 : ( ذكر فتح كرمان:  ..فاقتتلوا في أداني أرضهم، ففض الله تعالى المشركين وأخذ المسلمون عليهم الطريق. )

7 / 4 :( ذكر خبر بيروذ من الأهواز:  .. وعزم أبو موسى على الناس فأفطروا، وتقدم المهاجر فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل. ووهن الله المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة )

7 / 5 :( فتح  البصرة  .. وألقى الله الرعب في قلوب الفرس فخرجوا عن المدينة وحملوا ما خف وعبروا الماء وأخلوا المدينة ودخلها المسلمون فأصابوا متاعاً وسلاحاً وسبياً فاقتسموه وأخرج الخمس منه،)

7 / 6 : (  ثم قاتلوهم، فهزمهم الله وأصاب المسلمون مغانمهم، وأصابوا في الغنائم سفطاً فيه جوهر،)

7 / 7 : احدهم يقسم على الله أن يهزم المُعتدى عليهم : ( ... فحاصروهم أشهراً وأكثروا فيهم القتل،  ... واشتد القتال قال المسلمون: يا براء أقسم على ربك ليهزمنهم لنا. قال: اللهم اهزمهم لنا ... وكان مجاب الدعوة، فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم ثم دخلوا مدينتهم وأحاط بها المسلمون.)
7/ 8 :(..فالتقى النعمان والهرمزان بأربك فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم إن الله، عز وجل، هزم الهرمزان )

7 / 9 : قال أحدهم عن قتل النعمان بن مقرن أحد قادة البغى : ( فلما انهزم المشركون أتيته، ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب فقال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم. قال: الحمد لله! ومات.)
ثالثا :  القاتل المجرم ( النعمان بن مقرن ) جعلوه شهيدا

 ( وقال لهم: إني مكبر ثلاثاً فإذا كبرت الثالثة فإني حامل فاحملوا، وإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة، فإن قتل ففلان، حتى عد سبعة آخرهم المغيرة. ثم قال: اللهم أعزز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك.وقيل: بل قال: اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام واقبضني شهيداً. فبكى الناس. .. فلما أقر الله عين النعمان بالفتح استجاب له فقتل شهيداً، زلق به فرسه فصرع. وقيل: بل رمي بسهم في خاصرته فقتله...) ( ودخل المشركون همذان والمسلمون في آثارهم فنزلوا عليها وأخذوا ما حولها. فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم، ولما تم الظفر للمسلمين جعلوا يسألون عن أميرهم النعمان بن مقرن، فقال لهم أخوه معقل: هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة فاتبعوا حذيفة.)

رابعا : يسلبون وينهبون باسم الرحمن

إسلاميا : الفىء هو ما يفىء الى بيت المال بغير قتال . ( الحشر 6 ) . أما عند الخلفاء الفاسقين فالفىء هو ما يسلبون وما ينهبون وما يسبون من النساء والذرية . وينسبون هذا لرب العزة جل وعلا. ونستشهد ببعض الأمثلة :
1 ـ ( .ذكر فتح الري :.. فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها، وأفاء الله على المسلمين بالري نحواً مما في المدائن ) 

2 ـ  ( فأوثقوه واقتسموا ما أفاء الله عليهم، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألفاً. )
 خامسا : الحث على البغى والعدوان باسم الرحمن جل وعلا

1 ـ بالدعاء :(  وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثله قط، وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم، وأقبل سعد على الدعاء، )

2 ـ بالوعظ : ( وأعلم الناس أنه قد استخلف خالداً وإنما يأمرهم خالد، فسمعوا وأطاعوا، وخطب الناس يومئذٍ، وهو يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة، وحثهم على الجهاد وذكرهم ما وعدهم الله من فتح البلاد وما نال من كان قبلهم من المسلمين من الفرس، وكذلك فعل أمير كل قوم، )

3 ـ بقراءة القرآن : ( .. وأمر سعد الناس بقراءة سورة الجهاد، وهي الأنفال، فلما قرئت هشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها. )

سادسا : الحث على البغى والعدوان بالتكبير ( الله أكبر )

( الله أكبر ) يقولها المؤمن فى صلاته خشوعا، بينما قالها ويقولها الكافرون البغاة وهم يرتكبون مجازرهم . بدأ هذا بالخلفاء الفاسقين ولا يزال مستمرا .

1 ـ ( .ذكر يوم عماس : ... فحين رآهم كبر وكبر المسلمون وتقدموا وتكتبت الكتائب واختلفوا الضرب والطعن والمدد متتابع، فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم فأخبر بما صنع القعقاع، فعبى أصحابه سبعين سبعين، وكان فيهم قيس بن هبيرة ابن عبد يغوث المعروف بقيس بن المكشوح المرادي، ولم يكن من أهل الأيام إنما كان باليرموك، .....فانتدب مع هاشم حتى إذا خالط القلب كبر وكبر المسلمون )  ( وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة من أصحابه كبر وكبر المسلمون ويحمل ويحملون، )

2 ـ ( فدخلوا في السرب والناس من خارج. فلما دخلوا المدينة كبروا فيها وكبر المسلمون من خارج وفتحت الأبواب فاجتلدوا فيها .. )

3 ـ فى موقعة القادسية :

3 / 1 (فلما فرغ القراء منها قال سعد: الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا والبسوا عدتكم. ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ولينشط فرسانكم الناس، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم وقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما كبر سعد الثالثة برز أهل النجدات فأنشبوا القتال،... والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم تلك الفيلة فثبتوا لهم، وكبر سعد الرابعة وزحف إليهم المسلمون ).
3 / 2  ـ ( ولما اشتد القتال، وكان أبو محجن قد حبس وقيد فهو في القصر فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره ورده فنزل، فأتى فقال لسلمى زوج سعد: هل لك أن تخلي عني وتعيريني البلقاء؟ فلله علي إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي ..فرقت له سلمى وأطلقته وأعطته البلقاء فرس سعد، فركبها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبّر ثم حمل على ميسرة الفرس .. وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه )

4 ـ  فى فتح حمص : ( ...  فناهدهم المسلمون فكبروا تكبيرة فانهدم كثير من دور حمص وزلزلت حيطانهم فتصدعت، فكبروا ثانية فأصابهم أعظم من ذلك، )

5 ـ  ( فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتاً فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها. )

خامسا : المرتدون عماد جيوش البغى

1 ـ إرتدوا رفضا لجمع ابى بكر المال. ثم أجبرتهم قريش على العودة ، مقابل أن تتوجه قوتهم الحربية للغزو الخارجى فى سبيل إلاههم الأعظم ، وهو المال. وكان قادة المرتدين ضمن قادة الغزو . ونستشهد بهذه الرواية : ( وسار هاشم من المدائن بعد قسمة الغنيمة في اثني عشر ألفاً، منهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن كان ارتد ومن لم يرتد، ...)

2 ـ طليحة بن عبيد الله كان من زعمار حركة الردة وزعم النبوة ، ثم دخل فى طاعة قريش ،   . وكان عمرو بن معد يكرب فارس المرتدين ، وكذا كان الأشعث بن قيس .  وترددت إسماؤهم فى روايات الغزو ، منها :

2 : 1 : ( . ومضى طليحة وعمرو ابن معد يكرب. فلما كان آخر الليل رجع عمرو، فقالوا: ما رجعك؟ قال: سرنا يوماً وليلةً ولم نر شيئاً وخفت أن يؤخذ علينا الطريق فرجعت. ومضى طليحة ولم يحفل بهما حتى انتهى إلى نهاوند. وبين موضع المسلمين الذي هم به ونهاوند بضعة وعشرون فرسخاً. فقال الناس: ارتد طليحة الثانية. فعلم كلام القوم ورجع. فلما رأوه كبروا. فقال: ما شأنكم؟ فأعلموه بالذي خافوا عليه. )

2 / 2 :( .ذكر ليلة الهرير وقتل رستم:..وأخذ طليحة وراء العسكر وكبر ثلاث تكبيرات ثم ذهب وقد ارتاع أهل فارس ..)

2 / 3 :( ... فأرسل إليهم عبد الله: إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا أخذنا أبواب الخندق فخذوا الأبواب التي تلي دجلة وكبروا واقتلوا من قدرتم عليه.وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فقتله طليحة،)

2 / 4 :(  ..ثم زحف الرؤساء ورحا الحرب تدور على القعقاع، وتقدم حنظلة بن الربيع وأمراء الأعشار وطليحة وغالب وحمال وأهل النجدات، ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضاً وخالطوا القوم )

2 / 5 :(..وخرج فارسي فطلب البراز، فبرز إليه عمرو بن معدي كرب، فأخذه وجلد به الأرض، فذبحه وأخذ سواريه ومنطقته. )

2 / 6 ( وحملت الفيلة عليهم ففرقت بين الكتائب، فنفرت الخيل، وكانت الفرس قد قصدت بجيلة بسبعة عشر فيلاً، فنفرت خيل بجيلة، فكادت بجيلة تهلك لنفار خيلها عنها وعمن معها، وأرسل سعد إلى بني أسد أن دافعوا عن بجيلة وعمن معها من الناس. فخرج طليحة بن خويلد وحمال بن مالك في كتائبهما فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها. وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فقتله طليحة، )

2 / 7 :( وقام الأشعث بن قيس في كندة حين استصرخهم سعد فقال: يا معشر كندة لله در بني أسد أي فري يفرون واي هذٍّ يهذون عن موقفهم، أغنى كل قوم ما يليهم، وأنتم تنتظرون من يكفيكم، أشهد ما أحسنتم أسوة قومكم من العرب. )

2 / 8 : ( ..  وتكلم عمرو بن معد يكرب فقال: ناهدهم وكابرهم ولا تخفهم، ..وقال طليحة: أرى أن نبعث خيلاً لينشبوا القتال فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطراداً فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ما أحب.)

سادسا : كل شىء فى بغيهم ينسبونه لله جل وعلا ، ومنه :

1 ـ الاسراف فى القتل الباغى يجعلونه بمشيئة الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا : (... وفتح المسلمون جور ثم إصطخر وقتلوا ما شاء الله، ..)

2ـ إحتمال النصر أو الهزيمة :

2 / 1 : ( ذكر فتح قزوين وزنجان:لما سير المغيرة جريراً إلى همذان ففتحها سير البراء بن عازب في جيش إلى قزوين وأمره أن يسير إليها فإن فتحها الله على يده غزا الديلم منها )

2 / 2 : كتب عمر الى سعد بن أبى وقاص : ( .. وإن هزم الله الفرس فاجعل القعقاع بين السواد والجبل، وليكن الجند اثني عشر ألفاً.  )

3 ـ استمرار القتال بمشيئة الله : ( وأنشب النعمان القتال بعد حط الأثقال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس والحرب بينهم سجالٌ وإنهم انجحروا في خنادقهم يوم الجمعة، وحصرهم المسلمون وأقاموا عليهم ما شاء الله..)

4 ـ فى الحصار : ( .ذكر فتح فسا ودارابجرد:وقصد سارية بن زنيم الدئلي فسا ودار ابجرد حتى انتهى إلى عسكرهم فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله..)

5 ـ وحتى صبرهم فى القتال الباغى : ( وأفرغ الله الصبر عليهم إفراغاً .. )

6 ـ وحتى الرأى الحربى يجعلونه وحيا إلاهيا : ( وكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديداً، العرب والعجم فيه سواء، ولا تكون بينهم نقطة إلا أبلغوها يزدجر بالأصوات، فيبعث إليهم أهل النجدات ممن عنده، فلولا أن الله ألهم القعقاع ما فعل في اليومين وإلا كسر ذلك المسلمين.).

أخيرا :

تطور هذا فى العصر الأموى ، إذ آمن الأمويون بأن الله جل وعلا هو الذى يقوم بالبغى والعدوان . وبرروا بهذا كل فظائعهم . يرتكبون البغى ويقولون هذه مشيئة الله . وعرضنا لهذا بالتقصيل فى بحث عن فلسفة الجبرية فى الدولة الأموية.

 الفصل السادس : الخلفاء الفاسقون هم الأكثر وحشية فى التاريخ لأنهم جعلوا القتل دينا

 مقدمة :

1 ـ عاشت البشرية كارثتى حربين عالميتين :

1 / 1 : الحرب العالمية الأولى إستمرت أربع سنوات فقط (28 يوليو 1914 : 11 نوفمبر 1918  ) وخلفت ( مليون قتيل وحوالى 21 مليون جريح ).

1 / 2 الحرب العالمية الثانية إستمرت ست سنوات :(  سبتمبر 1939 : سبتمبر 1945  ) شارك فيها أكثر من 100 مليون شخص و 30 دولة . وصل عدد القتلى من المدنيين والعسكرين ما بين 50 الى 85 مليون شخص . هذا بسبب المذابح وقصف المدن واستعمال الأسلحة الدمار الشامل ومنها القنبلة الذرية .

2 ـ نرى أن الحرب التى أشعلها الخلفاء الفاسقون ( أبو بكر وعمر وعثمان ) أفظع من الحربين العالميتين للأسباب التالية :

2 / 1 : هى حرب عالمية ولكن من طرف واحد معتد هاجم الآخرين شرقا وغربا ، اسقط الامبراطورية الفارسية وتعدّاها شرقا ، وهزم الامبراطورية البيزنطية وتوسع على حسابها من الشام الى شمال أفريقيا.

2 / 2 : استمرت الحربان العالميتان عشر سنوات فقط ، بينما إستمرت حرب الخلفاء الفاسقين 22 عاما . بدأها أبوبكر فى شهر محرم عام 12 واستمرت هادرة تقيم حمامات دم بلا توقف حتى قبيل مقتل عثمان بعامين.

2 / 3 : كان ضحايا الحربين العالميتين عشرات الملايين من القتلى والجرحى ، أضعاف أضعاف القتلى فى حرب الخلفاء الفاسقين ، ولكن هذا لا يمنع من كون الخلفاء الفاسقين هم الأكثر وحشية ، لأن:

2 / 3 / 1 : نوعية السلاح المستخدم : كان فرديا فى عصر الخلفاء الفاسقين (سيف يقابله سيف ورمح يقابله رمح ). أما السلاح الحديث فهو يقتل الآلاف فى أقل وقت ممكن.

2 / 3 / 2 : حرب الخلفاء الفاسقين لم تعرف الجرحى ، بل كان يتم ( التزفيف ) عليهم أى قتلهم أو تركهم يموتون، ولم تكن تعرف الأسر ، فالقاعدة عندهم قتل كل ( المقاتلة ) وسبى نسائهم وأولادهم وبناتهم ، مع حقن دماء الفلاحين ومن يجمع منهم الخراج أو الضرائب . لم تصل وحشية الحربين العالميتين الى هذا المستوى فى التعامل مع الجرحى والأسرى والنساء والأطفال.

2 / 3 / 3 : لم تتأسّس الحربان العالميتان على دين أرضى ، بل كانت تنافسا (علمانيا ) على حُطام الدنيا بلا أى خلفية دينية . لذا كان سهلا الشعور بالذنب ومحاولة الاصلاح بعد الحرب العالمية الأولى بتأسيس عُصبة الأمم ، ثم بعد الحرب العالمية تم تأسيس الأمم المتحدة ومؤسساتها لمنع تكرار الحروب العالمية . أما حرب الخلفاء الفاسقين فهى ظاهرة لم تنته بموت طُغاتها . توقفت فقط عندما إختلفوا على الغنائم وتحاربوا ، ثم بعدها تأسس حكم الأمويين فإستأنفوا الغزو حتى وصلوا الى مشارف الصين شرقا وأسوار القسطنطينية شمالا وجنوب فرنسا غربا مع إستمرار الأمويين فى حرب أهلية مع خصومهم الخوارج والشيعة وغيرهم. الأسوأ أن تلك الحروب المسلحة الدينية تأسّس عليها دينا السُّنّة والتشيع ، والطغاة من أولئك الخلفاء الفاسقين أصبحوا آلهة معصومة من الخطأ . لذا إستمرت الحروب الدينية مع الخارج والحروب الأهلية فى الداخل . وتتبعناها فى سلسلة مقالات منشورة عن ( مسلسل الدماء ) وفيما كتبنا عن الوهابية والسعودية وداعش. 

2 / 4 : نتخيل أن الخلفاء الفاسقين كان لديهم اسلحة عصرية ، وهم يعتبرون قتل الآخر عبادة وجهادا فكم سيكون عدد القتلى ؟

3 : هنا نتذكر قوله جل وعلا لخاتم النبيين عليهم السلام : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) الأنبياء 107 ) . أرسل الله جل وعلا رسوله بالقرآن الكريم رحمة للعالمين. فأرسل الشيطان الخلفاء الفاسقين لقتل من يستطيعون من العالمين . ولا يزال خلفاؤهم على سُنّة الشيطان سائرين .

4 ـ نعطى نماذج من وحشيتهم فى القتال فيما بين سطور تفصيلات الغزو :

أولا : إحصاءات لعدد القتلى من الأبطال المدافعين عن أوطانهم وأهاليهم

1 ـ ( وقعة البويب:عام 13 .لما بلغ عمر خبر وقعة أبي عبيد بالجسر ندب الناس إلى المثنى.. وكتب إلى أهل الردة فلم يأته أحد إلا رمى به المثنى، وبعث المثنى الرسل فيمن يليه من العرب فتوافوا إليه في جمع عظيم .... حتى هزموا الفرس، وسبقهم المثنى إلى الجسر وأخذ طريق الأعاجم، فافترقوا مصعدين ومنحدرين، وأخذتهم خيول المسلمين حتى قتلوهم وجعلوهم جثاً .فما كانت بين المسلمين والفرس وقعة أبقى رمة منها، بقيت عظام القتلى دهراً طويلاً، وكانوا يحرزون القتلى مائة ألف، وسمي ذلك اليوم الأعشار، أحصي مائة رجل قتل كل رجل منهم عشرة... وقتل المشركون فيما بين السكون اليوم وضفة الفرات وتبعهم المسلمون إلى الليل ومن الغد إلى الليل.  وكان قد أصاب المسلمون غنماً ودقيقاً وبقراً فبعثوا به إلى عيال من قدم من المدينة وهم بالقوادس. .. فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصن أهله منهم واستباحوا القرى ). شارك فيها المرتدون السابقون ، أرسلهم عمر بن الخطاب مددا للمثنى فجاءوا اليه فى ( جمع عظيم ) . بلغ عدد القتلى 100 ألف ، وجثث القتلى من الفرس ملأت المكان ، وبعدها طارد البُغاة من أفلت من القتل ، وإستباحوا القرى قتلا وسلبا ونهبا وسبيا وإسترقاقا. عليهم اللعنة.

2 ـ ( ذكر وقعة جلولاء وفتح حلوان:

2 / 1 (... وخرجت الفرس وقد احتفلوا، فاقتتلوا، فأرسل الله عليهم الريح حتى أظلمت عليهم البلاد فتحاجزوا فسقط فرسانهم في الخندق، ... فانهزم المشركون عن المجال يمنة ويسرة فهلكوا فيما أعدوا من الحسك، فعقرت دوابهم وعادوا رجالة واتبعهم المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد، وقتل يومئذٍ منهم مائة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، فهي جلولاء الوقيعة. ). 

2 / 2 : وفى رواية أخرى : ( وقد أخذ به وأخذ المشركون في هزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم وعادوا رجالة وأتبعهم المسلمون فلم يفلت منهم إلا من لا يعد . وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم فهي جلولاء الوقيعة ) فى الروايتين : القتلى 100 ألف.

3 / نهاوند عام 21 :

3 / 1 : (... فاقتتلوا. فلما أظلم الليل عليهم انهزم المشركون وذهبوا ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا دونه بأسبيذهان فوقعوا فيه، فكان الواحد منهم يقع فيقع عليه ستة بعضهم على بعضهم في قياد واحد فيقتلون جميعاً، وجعل يعقرهم حسك الحديد، فمات منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة.) 100 الف حرقا بالنار سوى من قُتل فى المعركة.!

3 / 2  :وفى رواية أخرى : ( ورجع إلى موقفه فكبر ثلاثاً والناس سامعون مطيعون مستعدون للقتال، وحمل النعمان والناس معه وانقضت رايته انقضاض العقاب والنعمان معلم ببياض القباء والقلنسوة، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع السامعون بوقعة كانت أشد منها، وما كان يسمع إلا وقع الحديد، وصبر لهم المسلمون صبراً عظيماً، وانهزم الأعاجم وقتل منهم ما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة دماً يزلق الناس والدواب.وقيل: قتل في اللهب ثمانون ألفاً وفي المعركة ثلاثون ألفاً سوى من قتل في الطلب، ولم يفلت إلا الشريد،  )

4 ـ ( وقعة الثني :... وقتل من الفرس مقتلة عظيمة يبلغون ثلاثين ألفاً سوى من غرق ومنعت المياه المسلمين من طلبهم... ) لولا الماء لإزداد عدد القتلى .!

5 ـ (وقعة أليس.. على الفرات  : ..... وبلغ عدد القتلى سبعين ألفاً... )

6 : (  ذكر فتح قيسارية وحصر غزة:.. فسار معاوية إليها فحصر أهلها، فجعلوا يزاحفونه وهو يهزمهم ويردهم إلى حصنهم. ثم زاحفوه آخر ذلك مستميتين، وبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفاً وكملها في هزيمتهم مائة ألف وفتحها، )

ثانيا : تقديرات للقتلى الأبطال بدون حساب

1 ـ أغار المثنى على الأسواق التى يتجمع فيها الباعة والمشترون . نقتطف من الرواية : (وجاء إلى المثنى رجلان أحدهما أنباري فدله على سوق الخنافس، والثاني حيري دله على بغداذ قال المثنى: أيتهما قبل صاحبتها. فقال: بينهما مسيرة أيام. قال: أيهما أعجل؟ قالا: سوق الخنافس يجتمع بها تجار مدائن كسرى والسواد وربيعة وقضاعة يخفرونهم. فركب المثنى وأغار على الخنافس يوم سوقها وبها خيلان من ربيعة وقضاعة، وعلى قضاعة رومانس بن وبرة، وعلى ربيعة السليل بن قيس وهم الخفراء، فانتسف السوق وما فيها وسلب الخفراء. ثم رجع فأتى الأنبار فتحصن أهلها منه، فلما عرفوه نزلوا إليه وأتوا بالأعلاف والزاد، وأخذ منهم الأدلاء على سوق بغداذ وأظهر لدهقان الأنبار أنه يريد المدائن، وسار منها إلى بغداذ ليلاً وعبر إليهم وصبحهم في أسواقهم فوضع السيف فيهم وأخذ ما شاء. وقال المثنى: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة والحر من كل شيء ... ثم سار بهم إلى الأنبار، وكان من خلفه من المسلمين يمخرون السواد ويشنون الغارات ما بين أسفل كسكر وأسفل الفرات، .. ولما رجع المثنى من بغداذ إلى الأنبار بعث المضارب العجلي في جمع إلى الكباث وعليه فارس العناب التغلبي، ثم لحقهم المثنى فسار معهم، فوجدوا الكباث قد سار من كان به عنه ومعهم فارس العناب، فسار المسلمون خلفه فلحقوه وقد رحل من الكباث، فقتلوا في أخريات أصحابه وأكثروا القتل . )

2 ـ ( وكان خليد قد أمر أصحابه أن يقاتلوا رجالةً فقتلوا من أهل فارس مقتلة عظيمة،  ... وكان أهل إصطخر حيث أخذوا الطريق على المسلمين، فجمعوا أهل فارس عليهم فجاؤوا من كل جهة فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاووس وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، فاقتتلوا ففتح الله على المسلمين وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاؤوا،  )

3 ـ ذكر فتح رامهرمز وتستر وأسر الهرمزان:( وسار النعمان أيضاً وسار حرقوص وسلمى وحرملة وجزء فاجتمعوا على تستر وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس والجبال والأهواز في الخنادق، وأمدهم عمر بأبي موسى وجعله على أهل البصرة، وعلى الجميع أبو سبر، فحاصروهم أشهراً وأكثروا فيهم القتل، )

4 ـ ( ذكر فتح همذان ثانياً:  .. فاجتمعوا وتحصن منهم أمراء المسالح وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس الهمذاني وخرج إليهم، فاقتتلوا بواج روذ قتالاً شديداً، وكانت وقعة عظيمة تعدل بنهاوند، فانهزم الفرس هزيمة قبيحة وقتل منهم مقتلة كبيرة لا يحصون، )

5 ـ ( وقام الجالينوس على الردم ونادى الفرس إلى العبور، وأما المقترنون فإنهم جشعوا فتهافتوا في العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبر، وهم ثلاثون ألفاً، ... وقتلوا في المعركة عشرة آلاف سوى من قتلوا في الأيام قبله،  )

6 ـ هذه رواية تستحق التأمل : ( .. وأمر القعقاع وشرحبيل باتباعهم حتى بلغا مقدار الخرارة من القادسية، وخرج زهرة بن الحوية التميمي في آثارهم في ثلاثمائة فارس، ثم أدركه الناس فلحق المنهزمين والجالينوس يجمعهم، فقتله زهرة وأخذ سلبه، وقتلوا ما بين الخرارة إلى السيلحين إلى النجف، وعادوا من أثر المنهزمين ومعهم الأسرى، فرؤي شاب من النخع وهو يسوق ثمانين رجلاً أسرى من الفرس... ولما اتبع المسلمون الفرس كان الرجل يشير إلى الفارسي فيأتيه فيقتله، وربما أخذ سلاحه فقتله به، وربما أمر رجلين فيقتل أحدهما صاحبه.).

7 ـ ( ... فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس وعلى أهل فارس الهربذ اجتمعوا عليه .. فاقتتل القوم فقتل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها قبلها )

8 ـ(وقعة الولجة : ... فانهزمت الأعاجم، وأخذ خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم فقتل منهم خلقاً كثيراً..   )

9 ـ ( ذكر فتح شهرزور والصامغان:لما استعمل عمر عزرة بن قيس على حلوان حاول فتح شهرزور، فلم يقدر عليها، فغزاها عتبة بن فرقد ففتحها بعد قتال .. .. وقتل خلقاً كثيراً من الأكراد. وكتب إلى عمر: إن فتوحي قد بلغت أذربيجان. فولاه إياها )

10 ـ ( ثم إن عمراً سار إلى الإسكندرية، وكان من بين الإسكندرية والفسطاط من الروم والقبط قد تجمعوا له وقالوا: نغزوه قبل أن يغزونا ويروم الإسكندرية. فالتقوا واقتتلوا، فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، )

11 ــ ذكر فتح الري.. ( .. فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتاً فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها، )

 12 ـ ( ذكر الخبر عن فتح توج:... فقصد مجاشع بن مسعود لسابور وأردشير خرة، فالتقى هو والفرس بتوج فاقتتلوا ما شاء الله، ثم انهزم الفرس وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا كل قتلة وغنموا ما في عسكرهم وحصروا توج فافتتحوها وقتلوا منهم خلقاً كثيراً وغنموا ما فيها، )

 13 ـ ( ذكر فتح إصطخر وجور وغيرهما:..وقصد عثمان بن أبي العاص الثقفي لإصطخر فالتقى هو وأهل إصطخر بجور فاقتتلوا وانهزم الفرس وفتح المسلمون جور ثم إصطخر وقتلوا ما شاء الله، ثم فر منهم من فر، )

ثالثا : قتلهم الأبطال غدرا  :

( وخرج عبدالله بن عامر من البصرة يريد خراسان .. وضرب يومئذ سعيد رجلا من المشركين على حبل عاتقه فخرج السيف من تحت مرفقه وحاصرهم فسألوا الأمان فأعطاهم على ألا يقتل منهم رجلا واحدا ففتحوا الحصن فقتلهم جميعا إلا رجلا واحدا )

رابعا : قتل جميع الأسرى :

1 ـ هنا رواية تستحق التأمل :  (وقعة أليس.. على الفرات  : .. واقتتلوا قتالاً شديداً والمشركون يزيدهم ثبوتاً توقعهم قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين، فقال خالد: اللهم إن هزمتهم فعلي أن لا أستبقي منهم من أقدر عليه حتى أجري من دمائهم نهرهم. فانهزمت فارس فنادى منادي خالد: الأسراء الأسراء إلا من امتنع فاقتلوه. فأقبل لهم المسلمون أسراء ووكل بهم من يضرب أعناقهم يوماً وليلةً. فقال له القعقاع وغيره: لو قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، فأرسل عليها الماء تبر يمينك؛ ففعل، وسمي نهر الدم ...)

2 ـ (عين التمر : ... وسار عقة إلى خالد فالتقوا، فحمل خالد بنفسه على عقة وهو يقيم صفوفه، فاحتضنه وأخذه أسيراً ، وانهزم عسكره من غير قتال فأسر أكثرهم..فلما بلغ الخبر مهران هرب في جنده وتركوا الحصن، فلما انتهى المنهزمون إليه تحصنوا به، فنازلهم خالد، فطلبوا منه الأمان، فأبى، فنزلوا على حكمه، فأخذهم أسرى وقتل عقة ، ثم قتلهم أجمعين ..).

3 ـلمجرد التذكرة : قلنا من قبل أنه يحرم قتل الأسير فى الاسلام. الأسير هنا هو فى جيش معتدى.

خامسا : قتل الجميع

1 ـ ( فساروا حتى لقوا عدواً من الأكراد المشركين .. فقاتلوهم فهزموهم ، وقتلوا المقاتلة ، وسبوا الذرية فقسمه بينهم.. )

2 ـ ( ذكر فتح تكريت والموصل:... فلما دخلوا المدينة كبروا فيها وكبر المسلمون من خارج وفتحت الأبواب فاجتلدوا فيها فأناموا كل مقاتل.). أناموا أى قتلوا.!

3 ـ  ( ولحق سلمان بن ربيعة الباهلي وعبد الرحمن بن ربيعة بطائفة منهم قد نصبوا راية وقالوا: لا نبرح حتى نموت، فقتلهم سلمان ومن معه. ). هؤلاء أبطال رفضوا الهرب وصمموا على الصمود فكان مصيرهم القتل.

أخيرا :

1 ـ هتلر نفسه لو قرأ هذا لشعر بالخجل .

2 ـ حتى لا ننسى : صلاتهم "right"> أولا : مقتطفات من روايات الطبرى

عام 98 

1 ـ ( وفي هذه السنة فتح يزيد جرجان الفتح الآخر بعد غدرهم بجنده ونقضهم العهد ..  ثم إن يزيد لما صالح أهل طبرستان قصد لجرجان فأعطى الله عهدا لئن ظفر بهم ألا يقلع عنهم ولايرفع عنهم السيف حتى يطحن بدماءهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل منه . .. وأقبل يزيد حتى نزل عليها وهم متحصنون فيها وحولها غياض ( أى غابات )  يعرف لها إلا طريق واحد ، فأقام بذلك سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء ولا يعرف لهم مأتى إلا من وجه واحد فكانوا يخرجون في الأيام فيقاتلونه ويرجعون إلى حصنهم .. فخرج رجل من عسكره من طيىء يتصيد فأبصر ( وعلا ) ( أى غزال جبلى ) يرقي في الجبل،  فاتبعه،  وقال لمن معه : "قفوا مكانكم ". ووقل في الجبل يقتص الأثر فما شعر بشيء حتى هجم على عسكرهم فرجع يريد أصحابه ..فانطلق به ابنا زحر حتى أدخلاه على يزيد فأعلمه .. فأمر له بأربعة آلاف ، وندب الناس فانتدب ألف وأربعمائة ، فقال : " الطريق لا يحمل هذه الجماعة لالتفاف الغياض ( أى الغابات ) ، فاختار منهم ثلاثمائة ، فوجههم واستعمل عليهم جهم بن زحر . .. وقال يزيد للرجل الذي ندب الناس معه : " متى  تصل إليهم  ؟ " قال : "  عند العصر فيما بين الصلاتين " قال : " امضوا على بركة الله فإني سأجهد على مناهضتهم غدا عند صلاة الظهر. " . فساروا فلما قارب انتصاف النهار من غد أمر يزيد الناس أن يشعلوا النار في حطب كان جمعه في حصاره إياهم ، فصيره آكاما فأضرموه نارا ، فلم تزل الشمس حتى صار حول عسكره أمثال الجبال من النيران . ونظر العدو إلى النار فهالهم ما رأوا من كثرتها ، فخرجوا إليهم . وأمر يزيد الناس حين زالت الشمس فصلوا فجمعوا بين الصلاتين ، ثم زحفوا إليهم ، فاقتتلوا ، وسار الآخرون بقية يومهم والغد فهجموا على عسكر الترك قبيل العصر وهم آمنون من ذلك الوجه ، ويزيد يقاتل من هذا الوجه،  فما شعروا إلا بالتكبير من ورائهم ، فانقطعوا جميعا إلى حصنهم، وركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم ، ونزلوا على حكم يزيد ، فسبى ذراريهم ، وقتل مقاتلتهم ، وصلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره ، وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى الأندرهز وادي جرجان وقال من طلبهم بثأر فليقتل فكان الرجل من المسلمين يقتل الأربعة والخمسة في الوادي ، وأجرى الماء في الوادي على الدم،  وعليه أرحاء ( رحى للطحن )  ليطحن بدمائهم ، ولتبر يمينه ، فطحن واختبز . ( أى عمل منه خبزا ) .

 2 ـ رواية أخرى : (دعا يزيد جهم بن زحر فبعث معه أربعمائة رجل حتى أخذوا في المكان الذي دلوا عليه وقد أمرهم يزيد فقال إذا وصلتم إلى المدينة فانتظروا حتى إذا كان في السحر فكبروا ثم انطلقوا نحو باب المدينة فإنكم تجدوني وقد نهضت بجميع الناس إلى بابها فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى إذا كانت الساعة التي أمره يزيد أن ينهض فيها مشى بأصحابه فأخذ لا يستقبل من أحراسهم أحدا إلا قتله وكبر ففزع أهل المدينة فزعا لم يدخلهم مثله قط فيما مضى فلم يرعهم إلا والمسلمون معهم في مدينتهم يكبرون فدهشوا فألقى الله في قلوبهم الرعب وأقبلوا لا يدرون أين يتوجهون غير أن عصابة منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جهم بن زحر فقاتلوا ساعة فدقت يد جهم وصبر لهم هو وأصحابه فلم يلبثوهم أن قتلوهم إلا قليلا وسمع يزيد بن المهلب التكبير فوثب في الناس إلى الباب فوجدوهم قد شغلهم جهم بن زحر عن الباب فلم يجد عليه من يمنعه ولا من يدفع عنه كبير دفع ففتح الباب ودخلها من ساعته فأخرج من كان فيها من المقاتلة فنصب لهم الجذوع فرسخين عن يمين الطريق ويساره فصلبهم أربعة فراسخ وسبى أهلها وأصاب ما كان فيها )

3 ( وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك : " أما بعد فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما ، وصنع للمسلمين أحسن الصنع ، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه ، أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان ، وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن قباذ وكمري بن هرمز وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله ، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين كرامة من الله له وزيادة في نعمه عليه . وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة ستة آلاف ألف وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله . ) إنتهى .

ثانيا : فى ( الكامل ) لابن الأثير :

( ذكر فتح جرجان الفتح الثاني:  قد ذكرنا فتح جرجان وقهستان وغدر أهل جرجان، فلما صالح يزيد أصبهبذ طبرستان سار إلى جرجان ، وعاهد الله تعالى لئن ظفر بهم لا يرفع السيف حتى يطحن بدمائهم ويأكل من ذلك الطحين. فأتاها وحصر أهلها بحصن .. فحصرهم يزيد فيها سبعة أشهر وهم يخرجون إليه في الأيام فيقاتلونه ويرجعون.بينا هم على ذلك إذ خرج رجل من عجم خراسان يتصيد، وقيل: رجل من طيء، فأبصر ( وعلاً  ) في الجبل ، ولم يشعر حتى هجم على عسكرهم .. فأتى يزيد فأخبره، فضمن له يزيد دية إن دلهم على الحصن، فانتخب معه ثلاثمائة رجل واستعمل عليهم ابنه خالد بن يزيد وقال له: إن غلبت على الحياة فلا تغلبن على الموت، وإياك أن أراك عندي مهزوماً. وضم إليه جهم بن زحر، وقال للرجل: متى تصلون؟ قال: غداً العصر. قال يزيد سأجهد على مناهضتهم عند الظهر... فساروا فلما كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد كل حطب كان عندهم، فصار مثل الجبال من النيران، فنظر العدو إلى النيران فهالهم ذلك فخرجوا إليهم، وتقدم يزيد إليهم فاقتتلوا، وهجم أصحاب يزيد الذين ساروا على عسكر الترك قبل العصر وهم آمنون من ذلك الوجه، ويزيد يقاتلهم من هذا الوجه، فما شعروا إلا بالتكبير من ورائهم، فانقطعوا جميعاً إلى حصنهم، وركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم ونزلوا على حكم يزيد، فسبى ذراريهم وقتل مقاتلهم وصلبهم فرسخين إلى يمين الطريق ويساره وقاد منهم اثني عشر ألفاً إلى وادي جرجان وقال: من طلبهم بثأر فليقتل. فكان الرجل من المسلمين يقتل الأربعة والخمسة، وأجرى الماء على الدم وعليه أرحاء ليطحن بدمائهم ليبر يمينه، فطحن وخبز وأكل، وقيل: قتل منهم أربعين ألفاً.  .... وقيل: بل قال يزيد لأصحابه لما ساروا: إذا وصلتم إلى المدينة انتظروا فإذا كان السحر كبروا واقصدوا الباب فستجدونني قد نهضت بالناس إليه. فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى كانت الساعة التي أمره يزيد أن ينهض فيها فكبر، ففزع أهل الحصن، وكان أصحاب يزيد لا يلقون أحداً إلا قتلوه، ودهش الترك فبقوا لا يدرون أين يتوجهون، وسمع يزيد التكبير فسار في الناس إلى الباب فلم يجد عنده أحدأ يمنعه وهم مشغولون بالمسلمين، فدخل الحصن من ساعته وأخرج من فيه وصلبهم فرسخين من يمين الطريق ويساره، فصلبهم أربعة فراسخ، وسبى أهلها وغنم ما فيها، وكتب إلى سليمان بالفتح يعظمه ويخبره أنه قد حصل عنده الخمس ستمائة ألف ألف.. )  

ثالثا : تاريخ ( المنتظم )  لابن الجوزى ) حوادث عام 98 هجرية : 

(وفيها‏:‏ غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان فى مائة الف مقاتل سوى الموالى والمتطوعين.‏ وجاء فنزل بدهستان فحاصرها ومنع عنهم المواد فبعث إليه ملكهم‏:‏ إني أريد أن أصالحك على أن تؤمنني على نفسي وأهل بيتي ومالي وأدفع إليك المدينة وما فيها وأهلها‏.‏فصالحه ووفى له ودخل المدينة ، وأخذ ما كان فيها من الأموال والكنوز ومن السبي ما لا يحصى ، وقتل أربع عشر ألف تركي صبرًا، وكتب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك .ثم خرج حتى أتى جرجان و قد كانو يصالحون أهل الكوفة على مائة ألف ومائتي ألف وثلاثمائة ألف وقد كانوا صالحوا سعيد بن العاص ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت بعد سعيد إليهم أحد ، ومنعوا ذلك الطريق فلم يسلكه أحد إلا على وجل وخوف منهم‏.‏ فلما أتاهم يزيد استقبلوه بالصلح فاستخلف رجلا .......‏ ثم إنهم غدروا بجنده فقتلوا منهم ، ونقضوا العهد ، فأعطى الله عهدًا لئن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل ، فنزل عليها سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء ولا يعرف لها مأتى إلا من وجه واحد ، فكانوا يخرجون فيقاتلونهم ويرجعون إلى حصنهم ، فدله رجل على طريق آخر يشرف عليهم ، فبعث معه جندًا ، ونهض هو لقتالهم ، فركبهم المسلمون فأعطوا بأيديهم ، ونزلوا على حكمه ، فسبى ذراريهم وقتل مقاتليهم وصلبهم على الشجر عن يمين الطريق ويساره . وقاد منهم اثني عشر ألفًا إلى الوادي فقتلوا فيه فأجرى فيه دماءهم وأجرى فيه الماء وعليه أرحاء فحطن واختبز وأكل ..... وكتب يزيد إلى سليمان‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏أما بعد فإن الله تعالى ذكره قد فتح لأمير المؤمنين فتحًا عظيمًاوصنع للمسلمين أحسن الصنع فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه واظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن قباد وكسرى بنهزمز وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وذا النورين ومن بعدهما حتى فتح الله سبحانه ذلك لأمير المؤمنين كرامة الله عز وجل له وزيادة في نعمه عليه وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله عز وجل على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة سبعة آلاف ألف وأنا حامل هذا لأمير المؤمنين إن شاء الله‏.‏ )

رابعا : التعليق 
1 ـ هذه روايات تختلف فى بعض التفاصيل ، ولكن الأساس فيها واحد ، وهو عن إعادة ( فتح ) جرجان فى   خلافة سليمان بن عبد الملك ، وهى الآن جورجيا وما حولها . سكان هذه البلاد لم يعتدوا على المسلمين ـ بل إن الخلفاء الفاسقين هم الذين واصلوا الغزو و الاستيلاء على تلك البلاد والهجوم عليهم فى عقر دارهم بالاثم والعدوان
2 ـ القائد هنا هو يزيد بن المهلب بن أبى صفرة ، وهو الذى حاصر دولة دهستان ومنع عنها الطعام فاضطر الملك الى الاستسلام والنجاة بنفسه فدخل يزيد بن المهلب المدينة واستولى على ما فيها من أموال وكنوز واسترق ما لا يحصى من أهلها ، وقتل منهم 14 الف انسان ( صبرا ) أى يلقيه فى سجن محكم بلا طعام ولا شراب الى ان يموت بعد ما نتخيله من ألم يعجز الصبر عن تحمله ، وهى من الطرق الوحشية فى القتل ، حيث أن أرحم طرق القتل هو أسرعها وليس أبطأها..وكتب القائد ( المظفر ) الى الخليفة يفتخر بما فعل .. 
3 ـ وهاجم يزيد جرجان أو ما يعرف الان بجورجيا ، وقد كانت خاضعة للأمويين من قبل ولكنهم ثاروا على الاحتلال طالبين الحرية ، أو بتعبير الراوى ( إمتنعوا وكفروا ) فذهب يزيد لاخضاعهم بجيشه فاستقبلوه بالصلح ، فلما ولى عنهم بمعظم جيشه عادوا للثورة أو بتعبير الراوى ( غدروا بجنده فقتلوا منهم ونقضوا العهد ) فاقسم يزيد بن بن المهلب بعهد الله تعالى (عهدًا لئن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل ) فحاصرهم سبعة اشهر الى أن اقتحم المدينة وفعل باهلها شنائع بربرية ، أو بتعبير الراوى (فسبى ذراريهم وقتل مقاتليهم وصلبهم على الشجر عن يمين الطريق ويساره وقاد منهم اثني عشر ألفًا إلى الوادي فقتلوا فيه فأجرى فيه دماءهم وأجرى فيه الماء وعليه أرحاء فحطن واختبز وأكل) أى شرب دماءهم ..!! 

4 ـ كل هذه الوحشية يغلفها الدين الشيطانى للخلفاء الفاسقين ، والذى يتمسح زورا وبهتانا برب العالمين .  ونستشهد بما جاء فى الروايات :

4 / 1 : إستعمال إسم الله جل وعلا فى إرتكاب هذه الشنائع :

4 / 1 / 1 : (  وفي هذه السنة فتح يزيد جرجان الفتح الآخر بعد غدرهم بجنده ونقضهم العهد ..  ثم إن يزيد لما صالح أهل طبرستان قصد لجرجان فأعطى الله عهدا لئن ظفر بهم ألا يقلع عنهم ولايرفع عنهم السيف حتى يطحن بدماءهم ويختبز من ذلك الطحين ويأكل منه ) (  وعاهد الله تعالى لئن ظفر بهم لا يرفع السيف حتى يطحن بدمائهم ويأكل من ذلك الطحين.  )  . أى يعاهد الله على أن يفعل بهم هذا. هو يعاهد الشيطان . وليس رب العزة أرحم الراحمين والذى من ضمن أسمائه الحسنى ( السلام ).

4 / 1 / 2 : ( قال : " امضوا على بركة الله فإني سأجهد على مناهضتهم غدا عند صلاة الظهر)

4 / 1 / 3 : ( فألقى الله في قلوبهم الرعب ) هنا إستخدام حقير لاسم رب العزة جل وعلا .

4 / 1 / 4 : على أن خطاب يزيد بن المهلب الى سليمان بن عبد الملك فى رواية الطبرى يستحق وقفة : (  وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك : " أما بعد فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما ، وصنع للمسلمين أحسن الصنع ، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه ، أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان ، وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى بن قباذ وكمري بن هرمز وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله ، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين كرامة من الله له وزيادة في نعمه عليه . وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة ستة آلاف ألف وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله . ) . نلاحظ هنا أنه :

4 / 1 / 4 / 1 :  ينسب الفتح لرب العزة جل وعلا : ( فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحا عظيما ، وصنع للمسلمين أحسن الصنع ، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه ) (  حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين كرامة من الله له وزيادة في نعمه عليه )

4 / 1 / 4 / 2 : يجعل الخلفاء الفاسقين ( خلفاء الله ) : (وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله ،  ).

4 / 1 / 4 / 3 : يجعل المال السُّحت الحرام من رب العزة جل وعلا : (وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفيء والغنيمة ستة آلاف ألف وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله  )

4 / 2 : الصلاة الشيطانية : كانت فى تفصيلات البغى الآثم :

4 / 2 / 1 : (  وقال يزيد للرجل الذي ندب الناس معه : " متى  تصل إليهم  ؟ " قال : "  عند العصر فيما بين الصلاتين " قال : " امضوا على بركة الله فإني سأجهد على مناهضتهم غدا عند صلاة الظهر. " .

4 / 2 / 2 : (  ... وأمر يزيد الناس حين زالت الشمس فصلوا فجمعوا بين الصلاتين ..)

4 / 3 : التكبير :

4 / 3 / 1 : قال لهم : (فإذا كان السحر كبروا واقصدوا الباب فستجدونني قد نهضت بالناس إليه. فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى كانت الساعة التي أمره يزيد أن ينهض فيها فكبر، ففزع أهل الحصن.. )

4 / 3 / 2 : ( وكان أصحاب يزيد لا يلقون أحداً إلا قتلوه، ودهش الترك ، فبقوا لا يدرون أين يتوجهون، وسمع يزيد التكبير فسار في الناس ).

أخيرا :

 قال جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙالشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴿٢٥﴾ محمد )

1 ـ الشيطان أنساهم أن الجهاد فى الاسلام لرد الاعتداء و الدفاع فقط وليس للهجوم على من لا يعتدى عليك.

2 ـ الشيطان أنساهم أن الله تعالى لا يحب المعتدين . قال جل وعلا : (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ) ( البقرة 190 )

3 ـ الشيطان زين لهم سوء عملهم  فرأوه حسنا . قال جل وعلا : (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) فاطر 8 ) ُ

4 ـ الشيطان أضلهم أكثر فأقنعهم أن ينسبوا جرائمهم لرب العزة الله جل وعلا .  
5 ـ تخيل :

5 / 1 : هذا يحدث لبلدك فاذا قمت بثورة على الطغيان ــ وهو ما يجب عليك  ــ اعتبر الاخرون ذلك كفرا و غدرا.

5 / 2 : أن يعتبر الاخرون اغتصاب نسائك واسترقاق أهلك وقتلهم وشرب دمائهم جهادا ، وهم يعتبرون دفاعك عن شرفك وكرامتك كفرا و غدرا
6 ـ الى هذا الحد ينقلب الحق باطلا و الباطل حقاوالى هذا الحد ننسب جرائمنا لله تعالى ـ ونظلم رب الناس بعد أن ظلمنا الناس وقتلنا الناس وشربنا دماء الناس
7 ـ واذا كتبنا هنا لانصاف الاسلام من المسلمين فان بعضهم يحتج لأنه لا يطيق أن ينتقد أحد السلف الصالح ( المجاهد ) مع أننا نستشهد بواقع تاريخنا المكتوب الذى يعد إقرارا صريحا
8 ـ ومن عادتنا السيئة أننا نكيل بمكياليننهاجم الاستعمار والامبريالية ونقدس ونؤله الخلفاء الفاسقين المحتلين .
9 ـ بل و نفعل ذلك مع الله سبحانه وتعالى . ندافع عن الذين ظلموا رب العزة و نسبوا له جرائمهم. واذا كتب باحث يحاول إنصاف رب العزة والاسلام مما فعله المسلمون أصبح متهما بالخروج عن الاسلام. ..الى هذا الحد شوّهوا الاسلام .! 
10 ـ بسيطة.. يوم الدين آت .. ولا مفر منه ولا مهرب

الفصل الثامن : صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية ( الفتنة الكبرى الأولى )

لمحة تاريخية

1ـ نبدأ بالفتنة الكبرى الأولى التى ترتبت على الغزو الآثم ، وفيها نهب العرب كنوز فارس ومصر وما بينهما وما بعدهما شرقا وغربا

2 ـ فى خلافة عثمان اختص أهله الأمويين وقريش بالنصيب الأكبر فى توزيع المال المنهوب والأراضى الزراعية ، على حساب الأعراب وهم جند الفتوحات ، فاحتج زعماء الأعراب ـ الذين كانوا مرتدين من قبل ، وواجه عثمان احتجاجهم بالاضطهاد ( عام 33 هجرية ) فتحول الاحتجاج الى ثورة احتل فيها الثوار المدينة وقتلوا عثمان عام 35 .

3 ـ وعينوا عليا خليفة فى المدينة فأعطوا الفرصة لمعاوية للمطالبة بالثأر ، محملا عليا المسئولية .بينما ثار صحابة آخرون وتزعموا ثورة ضد (على ) وقادهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله  وعائشة ، وهزمهم (على ) فى موقعة الجمل ، وهى أول حرب طاحنة بين الصحابة ( عام 36) .

4 ـ ثم اضطر (على ) لحرب معاوية ، وكاد أن ينتصر عليه فى ( صفين ) (عام 37 ) لولا لجوء عمرو بن العاص الى خدعة التحكيم ، أى الاحتكام الى كتاب الله ، وأرغم الأعراب من شيعة (على )(عليا ) على قبول التحكيم ، رغم تحذيره لهم بأنها خدعة ، فأضاعوا الانتصار فى صفين ، ثم أرغموا (عليا ) على أن يعين مندوبا عنه فى مفاوضات التحكيم ، وهو ( أبوموسى الأشعرى ) ليتفاوض مع مندوب معاوية وهو عمرو بن العاص ، فأعطوا بذلك اعترافا صريحا بشرعية معاوية وكونه ندا ( لعلى). وانتهى التحكيم بمهزلة خداع عمرو لأبى موسى الأشعرى ، فثار نفس الأعراب على (على ) تحت شعار ( لا حكم الا لله ) ، وطلبوا من (على ) أن يعترف بكفره ويتوب لأنه وافق على التحكيم ، كما اعترفوا هم بكفرهم وتوبتهم حين أرغموه على قبول التحكيم . ورفض (على ) فخرجوا عليه وحاربوه فهزمهم فى النهروان ، فقتله أحدهم ( ابن ملجم ) عام 40 .واكتسبوا آخر ألقابهم وهو (الخوارج ) .

5 ـ  الخوارج أهم مظاهر ونتائج الفتنة الكبرى الأولى .هؤلاء الأعراب كانوا فى البداية كفارا فأسلموا بالاسلام السلوكى بمعنى السلام ودخلوا فى دين الله جل وعلا أفواجا ،كيدا لقريش  ، ثم ارتدوا حين عادت السيطرة لقريش بعد موت النبى محمد ، ولما هزمهم أبوبكر عادوا تحت سيطرة قريش ـ وأفهمتهم قريش أن غزو ما حولهم من البلاد هو جهاد ، لهم به الجنة ولهم أيضا المغانم من سبى وسلب ونهب ، فأصبحوا عماد الفتوحات ، ثم أصبحوا الثوار على عثمان ، ثم شيعة على ، وفى النهاية خرجوا عليه فأصبحوا ( الخوارج  ).
ترتب على الفتنة الكبرى الأولى أيضا تأسيس معاوية للدولة الأموية .فبعد قتل (على ) بايع ابنه الحسن معاوية فيما سمى بعام الجماعة (40 هجرية )، وخرج على هذا الاجماع الخوارج فظلوا فى حرب مع معاوية وبقية خلفاء الدولة الأموية الى سقوطها عام 132 هجرية.
6 ـ فى كل هذه الحروب الأهلية حافظ المتحاربون على الصلاة الشيطانية .

7 ـ وبعد هذه اللمحة التاريخية نقتطف من بين آلاف التفصيلات إشارات عن تأديتهم الصلوات الشيطانية التى تبرر لهم حروبهم وصراعهم على المال ( إلاههم الأكبر ) سواء فى الاعتداء على الخارج أو الإقتتال الأهلى فى الداخل.
أولا : إشارات عن الصلاة فى الثورة على عثمان وقتله

 1 جاء الثوار الأعراب الى المدينة محتجين عليه ، ودارت مفاوضات إنتهت بإتفاق فعادوا راجعين ، وفى الطريق قبضوا على رسول من عثمان يأمر واليه بقتل وفد الثوار ، كتبه مروان بن الحكم المسيطر على عثمان ، وهو اساس الفتنة. عاد الثوار أكثر غضبا ، فدخلوا المدينة فى غفلة من أهلها. تقول الرواية (  فلم يشعر أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها، ونزلوها وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كف يده فهو آمن. وصلى عثمان بالناس أياماً، ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا الناس من كلامه، وأتاهم أهل المدينة وفيهم "علي"  فقال لهم: ما ردكم بعد ذهابكم؟ فقالوا: أخذنا مع بريد كتاباً بقتلنا. ) . الشاهد هنا ان عثمان (صلى بالناس أياما، أى ظل محتفظا بسلطته أياما ، حيث سمح الثوار للناس أن يكلموا عثمان.

2 ـ إختلف الوضع فى صلاة الجمعة التالية ، إذ خطب عثمان وهاجم الثوار يزعم أنهم ملعونون على لسان النبى محمد كما لو أنه عليه السلام كان يعلم الغيب. تقول الرواية : ( ولما جاءت الجمعة التي على أثر دخولهم المدينة، خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء، الله الله! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد، صلى الله عليه وسلم، فامحوا الخطأ بالصواب. ) . غضب الثوار : ( وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشياً عليه، فأدخل داره ) وتأتى إشارة بعدها عن الصلاة ، تقول الرواية : ( .. وصلى عثمان بالناس بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوماً، ثم منعوه الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي ودان له المصريون، والكوفيون والبصريون، وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه ليمتنع به، وكان الحصار أربعين يوماً ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح.). صلى عثمان بالناس ثلاثين يوما ، ثم منعوه الصلاة ، وأصبح الغافقى زعيمهم هو الحاكم الذين يصلون خلفه ، وأصبح عثمان محاصرا فى داره ، وأصبح أهل المدينة تحت رحمة الثوار. وجاءت أخبار للثوار أن جيشا فى الطريق لإنقاذ عثمان فإقتحموا على عثمان داره وقتلوه.  تقول الرواية : (  بقي عثمان ثلاثة أيام لا يدفن،  ) ثم دفنوه فى (حش كوكب، وهو خارج البقيع، فصلى عليه جبير بن مطعم، وقيل: حكيم بن حزام، وقيل: مروان، وجاء ناس من الأنصار ليمنعوا من الصلاة عليه ثم تركوهم خوفاً من الفتنة.).( الحش) هو موضع قضاء الحاجة .(وقيل لم يغسل وكفن في ثيابه.)

ثانيا : إشارات عن الصلاة فى موقعة الجمل :
 كانت عائشة تطعن فى عثمان فلما علمت بقتله وتولى (على ) تزعمت المطالبة بالثأر له ، وأيدها الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله. خرجوا من الحجاز بجيش واتجهوا الى البصرة وعليها وال الصلاة من قبل (على ) هو عثمان بن حنيف ، ودارت بينهم معارك هزموا فيها ابن حنيف وأسروه وأهانوه. ونقتطف بعض التفصيلات .   

1 ـ ( .. فاقتتلوا بدار الرزق قتالاً شديداً إلى أن زال النهار وكثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف وكثر الجراح في الفريقين....فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة مظلمة ذات رياح ومطر ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء، وكانوا يؤخرونها، فأبطأ عثمان، فقدما عبد الرحمن بن عتاب، فشهر الزط والسيابجة السلاح ثم وضعوه فيهم، فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد فقتلوا، وهم أربعون رجلاً، فأدخلا الرجال على عثمان فأخرجوه إليهما. فلما وصل إليهما توطؤوه وما بقيت في وجهه شعرة، ...وقيل: لما أخذ عثمان أرسله إلى عائشة يستشيرونها في أمره، فقالت: اقتلوه. فقالت لها امرأة: نشدتك الله في عثمان وصحبته لرسول الله، صلى الله عليه وسلم! فقالت لهم: احبسوه. فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه وانتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه. فضربوه أربعين سوطاً ونتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه ثم أطلقوه وجعلوا على بيت المال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.) . أسروا عثمان بن أبى حنيف وفعلوا به الأفاعيل ، وفازوا ببيت مال البصرة ، وهذا هو بيت القصيد.
2 ـ انهزم جيش عائشة فى موقعة الجمل . وكان مروان ضمن جيش عائشة ، وقد أتته فرصة فإغتال طلحة بن عبيد الله لأن له يدا فى إغتيال عثمان. ، تقول الرواية : ( وكان الذي رمى طلحة مروان بن الحكم، ..) أما الزبير فهرب بعد الهزيمة فلحقه أحد أتباع (على ) وهو  ( عمرو بن جرموز ) ، تقول الرواية : (  .. وحضرت الصلاة، فقال ابن جرموز: الصلاة. فقال الزبير: الصلاة، فلما نزلا استدبره ابن جرموز فطعنه في جربان درعه فقتله وأخذ فرسه وسلاحه وخاتمه. )

ثالثا :  إشارات عن الصلاة فى موقعة ( صفين )

كان (على ) يتأهب لحرب معاوية ، فشجع الأمويون عائشة وطلحة والزبير على الخروج على (على ) وقتاله إستنفادا لجهده ولإتاحة الفرصة لمعاوية حتى يستعد. وكانت المواجهة بينهما فى حرب صفين. ونلتقط منها بعض إشارات عن الصلاة :

1 ـ عن بأس (الأشتر النخعى ) قائد جيش على تقول الرواية : ( وقاتلهم الأشتر قتالاً شديداً، .. فما زال هو ومن رجع إليه يقاتلون حتى كشف أهل الشام وألحقهم بمعاوية والصف الذي معه بين صلاة العصر والمغرب، ) هنا التوقيت للإقتراب من النصر بما بين صلاتى العصر والمغرب .

2 ـ وتستمر الرواية : ( وانتهى إلى عبد الله بن بديل وهو في عصابة من القراء نحو المائتين أو الثلثمائة قد لصقوا بالأرض كأنهم جثاً، فكشف عنهم أهل الشام فأبصروا إخوانهم فقالوا: ما فعل أمير المؤمنين؟ قالوا: حيٌّ صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه. فقالوا: الحمد لله! قد كنا ظننا أنه قد هلك وهلكتم.).. و ( القُرّاء ) هو لقب من أصبحوا الخوارج فيما بعد. ووصفهم بالقراء يعنى الذين يقيمون الليل قراءة للقرآن وصلاة . وقد تطرف الخوارج فى الصلاة وفى إستحلال دماء الأبرياء ، وسنعرض لهم لاحقا.

3 ـ وتقول الرواية : (  .. فتناهض الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالاً شديداً نهارهم كله، ثم انصرفوا عند المساء وكلٌّ غير غالب، فلما كان يوم الخميس صلى "علي " بغلس وخرج بالناس إلى أهل الشام فزحف إليهم وزحفوا معه، وكان على ميمنة علي عبد الله ابن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعلى ميسرته عبد الله بن عباس، والقراء مع ثلاثة نفر: عمار، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل، والناس على راياتهم ومراكزهم. .. ورفع معاوية قبة عظيمة فألقى عليها الثياب وبايعه أكثر أهل الشام على الموت .. ) . هنا إشارة لصلاة (على ) فى الغلس أى فى الفجر عند إختلاط ضوء الفجر بظلام الليل. وهنا أيضا إشارة الى ( القُرّاء ) الذين صاروا خوارج فيما بعد. وكان منهم (اُبىّ ) تقول عنه الرواية : ( وكان يقال لأبي ابي الصلاة لكثرة صلاته. ).

4 ـ حين إقترب الأشتر من فسطاط معاوية إستشار عمرو بن العاص فأشار عليه برفع المصاحف على الرماح وتحكيم القرآن. وفهم (على ) أنها خدعة ، ولكن ( القُرّاء ) أرغموا عليا على قبول التحكيم وأرغموه على أن يستدعى الأشتر ، وهو على وشك الإنتصار. ووقع الخلاف بين الأشتر والقُرّاء ، فصاح فيهم الأشتر : ( خُدعتم فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السود! كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله، فلا أرى مرادكم إلا الدنيا، ألا قبحاً يا أشباه النيب الجلالة! ما أنتم برائين بعدها عزاً أبداً فابعدوا كما بعد القوم الظالمون! فسبوه وسبهم وضربوا وجه دابته بسياطهم وضرب وجوه دوابهم بسوطه فصاح به وبهم علي فكفوا. وقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكماً.). هذا وصف الأشتر لهم بالصلاة وعلامة السجود فى جباههم.

5 ـ وانتهى التحكيم بأن نجح معاوية فى تفريق جيش (على ) وإنقاذ نفسه من هزيمة محققة، ورجع بجيشه الى الشام وهم يسلمون عليه بالخلافة ، ورجع (على ) بخيبة كبرى. فصبّ نقمته على معاوية بأن كان يدعو عليه وعلى أصحابه فى الصلاة. تقول الرواية : (.. ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة، ... وكان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية وعمراً وأبا الأعور وحبيباً وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد! فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت سب علياً وابن عباس والحسن والحسين والأشتر.) . وبهذا تم إبتداع اللعن فى الصلاة. بدأه (على ) وإستمر فيه معاوية وخلفاؤه.

6 ـ ثم كانت محنة على بالقُرّاء الذين أرغموه على التحكيم ثم بعد أن ظهرت الخدعة إرتدوا بلوم (على ) ، ودار جدل عقيم بينهم . ومن الروايات نرى إشارات الى الصلاة ، تقول الرواية : ( ..فخرج علي في الناس حتى دخل إليهم، فأتى فسطاط يزيد بن قيس فدخله فصلى فيه ركعتين وأمره على أصبهان والري، ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس فقال: ألم أنهك عن كلامهم؟ ).

7 ـ بعد التحكيم طمع معاوية فى أن يأخذ ( مصر ) التابعة لخصمه (على ). فاتفق مع عمرو ابن العاص أن يفتحها له عمرو مقابل أن تكون مصر ( طُعمة له ) أى أن يستأثر عمرو بخراجها وجزيتها ، ولا يعطى منه شيئا لمعاوية . تقول الرواية : (.. وذلك أن عمراً كان صالح معاوية على قتال علي على أن له مصر طعمةً ما بقي. ) . وراسل معاوية أعوانه فى مصر وهم مسلمة بن مخلد ومعاوية بن حديج السكوني والمناصرين للثأر لعثمان بن عفان  ، وجهز جيشا من ستة آلاف جندى مع عمرو بن العاص . وكان والى مصر من قبل (على ) هو محمد بن ابى بكر المتهم بالمشاركة فى قتل عثمان .  وانتهى الأمر بأن هزم معاوية بن حديج جيش محمد بن أبى بكر ، وأسروه ، وجىء به الى معاوية بن حديج ، قال له معاوية ابن حديج : ( أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار. .. وقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار.فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعاً شديداً وقنتت في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو وأخذت عيال محمد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالهم، ولم تأكل من ذلك الوقت شواء حتى توفيت.) الشاهد هنا أن عائشة تصلى ، أى صلاة شيطانية تدعو فيها على قتلة أخيها.

8 ـ كان (على ) يخرج من فشل ليدخل فى فشل آخر. وإنتهى فشله بأن قتله الخارجى عبد الرحمن بن ملجم. وعاونه فى الاغتيال شبيب بن بجرة . تقول الرواية : ( وأتى ابن ملجم رجلاً من أشجع اسمه شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وماذا؟ قال: قتل علي. قال شبيب: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئاً إداً! كيف تقدر على قتله؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج إلى صلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا فقد شفينا أنفسنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. ..  فلما كان ليلة الجمعة، .. أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج علي نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة. فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف، وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك! .. وهرب شبيب في الغلس...).   مثل عمر والزبير كان قُتل على فى الصلاة..... الصلاة الشيطانية .

الفصل التاسع : صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية فى العصر الأموى:

( 1 من 2 )

مقدمة : لا زلنا نبحث عن صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية ، وندخل فى العصرالأموى ، نعطى منه بعض النماذج :

أولا : إشارات عن الصلاة الشيطانية فى عهد معاوية

1 ـ  إنفرد معاوية بالحكم بعد تنازل الحسن بن على ، وكان مشغولا بالعراق مركز المعارضة ، فجعل واليه على الصلاة فيها زياد بن أبيه ، جمع له البصرة والكوفة . تقول الرواية إن معاوية : (  أرسل إلى زياد، وهو بالكوفة، فأمره بالمسير إلى البصرة، فولاه البصرة وخراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان، فقدم البصرة آخر شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين والفسق ظاهر فاشٍ، فخطبهم خطبته البتراء.. ) ،وفيها أعلن فى مسجدها تشريعا جديدا ، قال فيه : (وإني لأقسم بالله لأخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد،  ..إياكم ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم، وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحداً دعا بها إلا قطعت لسانه.وقد أحدثتم أحداثاً لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوماً غرقناه، ومن حرق على قوم حرقناه، ومن نقب بيتاً نقبت عن قلبه، ومن نبش قبراً دفنته فيه حياً، فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم لساني ويدي، وإياكم لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه... وإن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرىء منكم أن يكون من صرعاي.). إعترض بعض الخوارج وهو ابو بلال بن مرداس على سياسة معاقبة البرىء إنتقاما من الظالم . تقول الرواية : (  فقام إليه أبو بلال مرداس بن أدية، وهو من الخوارج، وقال: أنبأ الله بغير ماقلت، قال الله تعالى: ( وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى وأن ليس للإنسان ما سعى) فأوعدنا الله خيراً مما أوعدتني يا زياد. فقال زياد: إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلاً حتى نخوض إليها الدماء.). أى إعترف زياد بن أبيه بأنه فى تشريعه هذا يخوض فى الباطل خوضا ليثبت سلطان معاوية .

وقام زياد بتطبيق سياسته هذه ، تقول عنه الرواية : ( واستعمل زياد على شرطته عبد الله بن حصن، ... فكان يؤخر العشاء الآخرة ثم يصلي ، فيأمر رجلاً أن يقرأ سورة البقرة أو مثلها يرتل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنساناً يبلغ أقصى البصرة، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج فلا يرى إنساناً إلا قتله. فأخذ ذات ليلة أعرابياً فأتى به زياداً فقال: "هل سمعت النداء؟ " فقال: " لا والله! قدمت بحلوبة لي وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع وأقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير." ،  فقال: " أظنك والله صادقاً ، ولكن في قتلك صلاح الأمة " . ثم أمر به فضربت عنقه.). يهمنا هنا أنه جعل صلاة العشاء موعدا لحظر التجول ، يؤخر صلاة العشاء ، ثم تقتل الشرطة من يسير فى الطريق حتى لو لم يكن يعلم بحظر التجول.

2 ـ وتسبب زياد فى قتل حجر بن عدى كبير الشيعة فى العراق . ويتردد فى هذه الرواية عن قتل حجر بن عدى موضوع الصلاة ، تقول الرواية : ( أن زياداً خطب يوم جمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حجر بين عدي: الصلاة. فمضى في خطبته. فقال له: الصلاة. فمضى في خطبته. فلما خشي حجر بن عدي فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من حصى وقام إلى الصلاة وقام الناس معه. فلما رأى زياد ذلك نزل فصلى بالناس ، وكتب إلى معاوية وكثر عليه، فكتب إليه معاوية ليشده في الحديد ويرسله إليه. فلما أراد أخذه قام قومه ليمنعوه، فقال حجر: لا ولكن سمعاً وطاعة. فشد في الحديد وحمل إلى معاوية. فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: أأمير المؤمنين أنا؟ والله لا أقيلك ولا أستقيلك! أخرجوه فاضربوا عنقه! فقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ركعتين. فقالوا: صل، فصلى ركعتين خفف فيهما. ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي أردت لأطلتهما ..  ) 

3 ـ وقد عيّن زياد إبن أبيه (الربيع بن زياد الحارثي ) واليا على خراسان  وسخط والى خراسان هذا على قتل حجر بن عدى ، وقال : "  لا تزال العرب تقتل صبراً بعده، ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبراً، ولكنها أقرّت فذلّت." وفى خطبة الجمعة قال :  " أيها الناس إني قد مللت الحياة وإني داعٍ بدعوة فأمنوا! ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلاً! " وفى الرواية أنه مات بعدها ، وإستخلف ابنه عبد الله فمات من يومه ، ومات ابن آخر له بعد شهرين . بعدها عيّن زياد واليا جديدا هو خليد بن يربوع الحنفى.

4 ـ واضح أن زياد بن ابيه هو الذى دبر قتل الربيع الحارثى وإبنيه ، وجعلها مؤامرة محكمة حتى لا تثور قبيلته. وإختلف الوضع مع وال آخر لمعاوية هو سمرة الذى أخلص فى طاعة معاوية فعزله معاوية فقال : " لعن الله معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبني أبداً. " . كان سمرة هذا جبارا فى الأرض ، تقول الرواية : ( ..وجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل المسجد فصلى، فأمر سمرة بقتله فقتل.. ) . وبسبب كلمته ضد معاوية مات فجأة .

5 ـ وكانت سياسة معاوية التخلص بالسُّم ممّن يتوجس منهم. فعل هذا مع الأشتر النخعى ومع الحسن بن على ومع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. هذا مع محافظة معاوية على تأديته الصلاة الشيطانية . 

ثانيا : إشارات عن الصلاة الشيطانية فى مذبحة كربلاء

تعرضنا لمذبحة كربلاء بالتفصيل فى كتاب منشور هنا. وأثبتنا إنه كان صراعا على المال والسُّلطة ، وأن الحسين هو الذى يتحمل نتيجة فشله ومقتله وأهله فى هذه المذبحة ، وإنها كانت مغامرة خاسرة صمم عليها برغم تكرار النصيحة له . وهنا نعطى لمحة عن وقوع الفريقين فى الصلاة الشيطانية فى ثنايا الأحداث .

1 ـ أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبى طالب الى الكوفة ليقوم بتجميع أنصاره ، تقول الرواية : (ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيره نحو الكوفة وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين له عجل إليه بذلك. فأقبل مسلم إلى المدينة فصلى في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وودع أهله واستأجر دليلين من قيس ). هنا الصلاة فى مسجد نسبوه الى بشر وليس الى الله جل وعلا.

2 ـ وكان عبيد الله بن زياد ( والى الصلاة ) على العراق خلفا لأبيه زياد بن أبيه. فلما قدم مسلم بن عقيل الى الكوفة واجتمع اليه الشيعة فى ( المسجد ) بعث عبيد الله بن زياد جاسوسا وأعطاه ثلاثة آلاف درهم ليتحبب بها الى مسلم بن عقيل وينضم اليه ، تقول الرواية : ( ودعا ابن زياد مولى له وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له: " اطلب مسلم ابن عقيل وأصحابه والقهم وأعطهم هذا المال وأعلمههم أنك منهم واعلم أخبارهم ." .. وأتى هذا الجاسوس الى المسجد وأخذ يصلى ، ( فسمع الناس يقولون: هذا يبايع للحسين، وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته .. ) قال لأحد الشيعة : ( " يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت، وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد سمعت نفراً يقولون إنك تعلم أمر هذا البيت وإني أتيتك لتقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي إياه.). وبهذه الصلاة فى المسجد زرع ابن زياد جاسوسا مقربا من مسلم بن عقيل.

2 ـ بعدها هدّد ابن زياد رءوس القبائل فى الكوفة بمنع العطاء أو المرتبات ، فبدأت حموع الشيعة تنفض من حول مسلم بن عقيل ، وأصبح تائها يبحث عن ملجأ . وجمع ابن زياد رءوس القبائل وجموع الناس فى المسجد وهدّد من يقوم بإيواء مسلم بن عقيل وأغرى من يقوم بتسليمه بالمكافأة. تقول الرواية : ( .. وأما ابن زياد .. فنزل إلى المسجد قبيل العتمة وأجلس أصحابه حول المنبر وأمر فنودي: ألا برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد. فامتلأ المسجد، فصلى بالناس ثم قام فحمد الله ثم قال: أما بعد فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره، ومن أتانا به فله ديته. وأمرهم بالطاعة ولزومها، وأمر الحصين بن تميم أن يمسك أبواب السكك ثم يفتش الدور، وكان على الشرط، وهو من بني تميم.). هنا المسجد و تجميع الناس للصلاة فيه بغرض سياسى . وانتهى مسلم بن عقيل بالقتل ، وعرف الحسين بمقتله وأن أهل الكوفة أصبحوا خصوما له ، فظل فى طريقه اليهم ، برغم نُصح الناصحين.

3 ــ وأرسل ابن زياد بجيش يقوده الحُرُّ بن يزيد التميمى ليمنع الحسين من التوجه الى الكوفة . ثم أرسل جيشا آخر يقوده عمر بن سعد بن أبى وقاص ، ثم أرسل أيضا شمّر بن ذى الجوشن ليؤكد على قتل الحسين وأهله. وفى مذبحة كربلاء يتردد بين سطورها أن القوم كانوا يصلٌّون وقت الاقتتال ، تقول الروايات :

3 / 1 ( وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي، فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في نحر الظهيرة ... فلم يزل مواقفاً الحسين حتى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين مؤذنه بالأذان، فأذن ..فسكتوا ، وقالوا للمؤذن: أقم، فأقام، وقال الحسين للحر: أتريد أن تصلي أنت بأصحابك؟ فقال: بل صل أنت ونصلي بصلاتك. فصلى بهم الحسين، ثم دخل واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه، ثم صلى بهم الحسين ... فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيؤوا للرحيل ثم إنه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر واقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم.. )

3 / 2 :   عن جيش الأمويين بقيادة عمر بن سعد : ( ..  فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت وقد بلغنا أيضا أنه كان يوم الجمعة وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء خرج فيمن معه من الناس ) (  ثم إن عمر بن سعد نادى : " يا خيل الله اركبي وأبشري "، فركب في الناس ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه ..)

3 / 3 : عن جيش الحسين : ( وعبى الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً،  ...ولما حضر وقت الصلاة قال أبو ثمامة الصائدي للحسين: نفسي لنفسك الفداءأرى هؤلاء قد اقتربوا منك، والله لا تقتل حتى أقتل دونك، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة! فرفع الحسين رأسه وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين ،نعم هذا أول وقتها، ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي. ففعلوا، فقال لهم الحصين: إنها لا تقبل. فقال له حبيب بن مطهر: زعمت لا تقبل الصلاة من آل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتقبل منك يا حمار! فحمل عليه الحصين، وخرج إليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب فسقط عنه الحصين فاستنقذه أصحابه . ثم صلوا الظهر، صلى بهم الحسين صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر، فاشتد قتالهم...  فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون  ..)

4 ـ ووصلت الأنباء الى عبيد الله بن زياد بالنصر ، فعقد مؤتمرا فى  (المسجد ) ، تقول الرواية : (ثم نادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر فخطبهم وقال" الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته." . فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الوالبي،وكان ضريراً قد ذهب إحدى عينيه يوم الجمل مع علي والأخرى بصفين معه أيضاً، وكان لايفارق المسجد يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف، فلما سمع مقالة ابن زياد قال: " يا ابن مرجانة! إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه! يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين..؟ " فقتله، وأمر بصلبه في المسجد، فصلب..) .

المسجد هنا مركز للمكائد السياسية .. بل والصلب أيضا.

وقد قال جل وعلا : (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّـهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ۚ أُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴿١٧﴾  إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّـهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿١٨﴾ التوبة  )

 صلاتهم الشيطانية فى حروبهم الأهلية فى العصر الأموى ( 2 من 2 )

1 ـ خلال حكم يزيد بن معاوية حدثت ثلاث فواجع : مذبحة كربلاء فى شهر حرام هو المحرم عام 61 ، وإقتحام المدينة وإستحلالها قتل رجالها وإغتصاب نسائها فى موقة الحرة فى شهر حرام هو ذو الحجة عام 63 ، وإنتهاك حرمة البيت الحرام فى الهجوم على ابن الزبير عام 64. كل هذا عبادة للإله الأعظم عندهم وهو المال والسلطان. ثم مات يزيد موتة غامضة وهو فى ريعان شبابه وقت حصار الكعبة ، وتولى ابنه معاوية بن يزيد فإعتزل الحكم ، وأعلن إعتزاله فى المسجد ، تقول الرواية : ( ولما كان في آخر إمارته أمر فنودي: " الصلاة جامعة " ، فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإني ضعفت عن أمركم فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم. " ثم دخل منزله وتغيب حتى مات .! ) . كان المسجد مركز الاعلام وقتها ، عند الأمور الهامة يؤذّن بنداء ( الصلاة جامعة ) فيأتى الناس لسماع الخبر . ومن الطبيعى أن يكون هذا فى المسجد الأكبر ، ومنه إكتسبت بعض المساجد وصف ( الجامع ) .

2 ـ  إستفحل نفوذ ابن الزبير وأصبح الخليفة الوحيد ، بينما إختلف وتفرق أتباع بنى أمية . كانت معهم قبائل قيس يتزعمهم الضحاك بن قيس الفهرى والمتولى أمر دمشق ، وقبائل قحطان اليمنية يتزعمهم حسان بن بحدل الكلبة زعيم قبيلة كلب فى الشام وهو خال يزيد بن معاوية ، فلما إعتزل معاوية بن يزيد أعلن الضحاك بن قيس ( زعيم قبائل قيس المضرية فى الشام) خروجه على الأمويين .

تقول الرواية : ( وخرج الضحاك إلى مسجد دمشق فجلس فيه فذكر يزيد بن معاوية فوقع فيه فقام إليه شاب من كلب بعصا معه فضربه بها والناس جلوس في الحلق متقلدي السيوف فقام بعضهم إلى بعض في المسجد فاقتتلوا قيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك وكلب تدعو إلى بني أمية ثم إلى خالد بن يزيد ويتعصبون ليزيد ودخل الضحاك دار الإمارة وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر وكان من الأجناد ناس يهوون هوى بني أمية وناس يهوون هوى ابن الزبير ) يهمنا فى الرواية أن الضحاك   كان معتادا بحكم إمارته على دمشق أن يذهب للمسجد فيها ، فلما بدأ فى تحويل ولائه الى ابن الزبير أعلن سبّ يزيد بن معاوية فى المسجد تمهيدا للخروج من طاعة الأمويين ، وأنه حدث إقتتال فى هذا المسجد وحين عورض إنقطع عن صلاة الفجر فى المسجد . فالمسجد هنا والصلاة فيه هو خلفية الأحداث ، وفى اليوم التالى تخلف الضحاك عن صلاة الفجر فى المسجد دليلا على تدهور الأحوال ووقوع الانقسام . بعض الجنود مع ابن الزبير والبعض الآخر مع بنى أمية ، دون وجود زعيم أموى يلتفون حوله.

2 ـ أصبح موقف الأمويين عسيرا فى الشام ، إذ إختار العرب في مصر الانضمام الى ابن الزبير ، بل إن بعض أنصار الأمويين فى الشام انفضوا عنهم وبايعوا ابن الزبير مثلما فعل النعمان بن البشير فى حمص وزفر بن الحارث الكلابى فى قنسرين وانضموا الى الضحاك وبايعوا ابن الزبير.  هذا الوضع المتردى للأمويين جعل كبيرهم مروان بن الحكم يفكر فى البيعة لابن الزبير ، ولكن أثناه عن ذلك عبيد الله بن زياد والى العراق والحصين بن النمير العائد من حصار الكعبة وقتال ابن الزبير.ووقف الى جانب الأمويين فى محنتهم حسان ابن بحدل الكلبى . وكان ابن الزبير بغبائه قد طرد عائلات الأمويين فى الحجاز فأتاح لهم التجمع فى الشام . وعقدوا مع أنصارهم مؤتمر ( الجابية ) واتفقوا فيه على تولى الخلافة مروان بن الحكم شيخ الأمويين وقتها ، ثم يليه خالد بن يزيد بن معاوية ثم عمرو بن سعيد بن العاص ( الأشدق ) . بهذا توحّد الأمويون ومعهم سيوف قبائل كلب ، وبدأ مروان باستخلاص الشام من أتباع ابن الزبير ، فهزم الضحاك بن قيس الفهرى وقتله فى موقعة مرج راهط ، عام 64 ، وإستخلص الشام . وليحمى ظهره بعدها سار مروان بن الحكم لاسترداد مصر من والى ابن الزبير ، وهو عبد الرحمن بن جحدم القرشى فهزمه وقتله .وتملّك مروان بن الحكم مصر والشام .

3  : نقض مروان بن الحكم إتفاق الجابية ، إذ عزل من ولاية العهد كلا من خالد بن يزيد وعمرو بن سعيد الأشدق، وعهد لابنيه على التوالى عبد الملك ثم عبد العزيز.ورضى خالد ابن يزيد بن معاوية مرغما ، ذلك أن مروان تزوج أم خالد ليذل ابنها خالد ، وسبّه بأمّه أمام الملأ التابع للأمويين ، فإشتكى خالد لأمّه وجعلها مسئولة عن الإهانة التى حدثت له ، فما كان منها إلا دبرت قتل مروان بن الحكم خنقا عام 65 ، وتولى ابنه عبد الملك فلم يعاقب أم خالد إكتفاء بإعتزال إبنها خالد بن يزيد السياسة.

4 : بقى عمرو بن سعيد بن العاص حانقا على عزله من ولاية العهد .  وجاءته الفرصة عام 69 حين خرج الخليفة عبد الملك بن مروان بن العاص بجيش لمحاربة أتباع ابن الزبير ، وإستخلف عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق على دمشق ، فأسرع الأشدق بالاستيلاء على بيت المال ودمشق وتحصّن بها ، فرجع عبد الملك بجيشه وحاصره . وفى النهاية تم الصلح بينهما وأعطاه عبد الملك العهود والمواثيق ألّا يمسه بسوء . وعاد عمرو بن سعيد بن العاص الى طاعة عبد الملك بن مروان بن العاص . ولكن الخليفة عبد الملك غدر بإبن عمه وذبحه بيده. وفى روايات ذبح عبد الملك لابن عمه يتردد ذكر الصلاة والمسجد.

4 / 1 : فى البداية دعاه عبد الملك الى زيارته ، ومنع حراس عمرو بن سعيد من الدخول معه وأغلق الأبواب ، وإختلى به وجرّده عبد الملك من سيفه ثم قيّده ، ثم جذبه بقيوده ، تقول الرواية : ( ثم اجتبذه اجتباذة أصاب فمه السرير فكسر ثنيته ) أى كسر أسنانه الأمامية . وإسترحم عمرو ابن عمه الخليفة : ( فقال عمرو : " أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن يدعوك الى كسر عظم مني أن تركب ما هو أعظم من ذلك " . فقال له عبدالملك : " والله لو أعلم أنك تُبقي علي إن أبقي عليك وتصلح قريش لأطلقتك ، ولكن ما اجتمع رجلان قط في بلدة على مثل مانحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه "). فلما تيقن عمرو أنه مقتول لا محاله شتم الخليفة، قال له:( أغدرا يابن الزرقاء ؟ ) .

4 / 2 : ترك عبد الملك ابن عمه مقيدا وخرج ( يصلى العصر) وأمر أخاه عبد العزيز بن مروان ( والد عمر بن عبد العزيز ) أن يقتل إبن عمهما عمرو بن سعيد . تقول الرواية : ( ..وأذن المؤذن العصر فخرج عبدالملك يصلي بالناس وأمر عبدالعزيز بن مروان أن يقتله فقام إليه عبدالعزيز بالسيف فقال له عمرو : " أذكّرك الله والرحم أن تلي أنت قتلي وليتول ذلك من هو أبعد رحما منك . " فألقى عبدالعزيز السيف وجلس ، وصلى عبدالملك صلاة خفيفة ودخل وغلقت الأبواب ... )

4 / 3 :  رجع عبد الملك من الصلاة فوجد أخاه عبد العزيز لم يقتل ابن العم ، فشتم عبد الملك أخاه عبد العزيز بأُمّه ، تقول الرواية : ( ودخل عبدالملك حين صلى فوجد عمرا حيا فقال لعبد العزيز : " ما منعك من أن تقتله ؟ " قال : " منعني أنه ناشدني الله والرحم فرققت له .! " فقال له عبدالملك : " أخزى الله أمك البوّالة على عقبيها فإنك لم تشبه غيرها ." ) وقام عبد الملك بقتله بنفسه. تقول الرواية : ( ثم إن عبدالملك قال : " يا غلام ائتني بالحربة " ، فأتاه بالحربة فهزها ثم طعنه بها ، فلم تجز ، ثم ثنّى فلم تجز ، ) أى طعنه مرتين بالحربة فلم تفعل شيئا فإكتشف عبد الملك أن عمرا يرتدى درعا تحت ثيابه : ( فضرب بيده إلى عضد عمرو فوجد مس الدرع فضحك ، ثم قال : " ودارع أيضا يا أبا أمية إن كنت لمعدا ، يا غلام ائتني بالصمصامة . " فأتاه بسيفه ،  ثم أمر بعمرو فصُرع وجلس على صدره فذبحه .) ثم ألقى براسه لأتباعه ومعها الأموال. تقول الرواية : ( ..وجاء عبدالرحمن ابن أم الحكم الثقفي فدفع إليه الرأس فألقاه إلى الناس، وقام عبدالعزيز بن مروان فأخذ المال في البدور فجعل يلقيها إلى الناس،  فلما نظر الناس إلى الأموال ورأوا الرأس انتهبوا الأموال وتفرقوا ). هنا الصلاة وسيلة للغدر ، والمال هو المعبود الأكبر للخليفة وللأعوان أيضا.

5 : دخل العراق فى فوضى وقتئذ ، وكان والى (الصلاة ) عبيد الله بن زياد فى موقف حرج ،  وتحت عنوان ( ذكر حال ابن زياد بعد موت يزيد ) تقول الرواية : ( لما مات يزيد وأتى الخبر عبيد الله بن زياد  ..، فأمر فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس،وصعد المنبر فنعى يزيد وثلبه.. وقال: يا أهل البصرة إن مهاجرنا إليكم ودارنا فيكم ومولدي فيكم،...) أراد ابن زياد التحبب الى أهل البصرة فعقد هذا المؤتمر الجامع فى المسجد ، وفيه شتم يزيد بن معاوية .

6 ـ  ثم هرب ابن زياد الى الشام ، ووقعت إضطرابات بين القبائل فى العراق . وفى تفصيلات عديدة يأتى ذكر المسجد ساحة للقتال والحكم والسيطرة بالاضافة للصلاة الشيطانية ، ونقتطف من بين السطور :

6 / 1  : (  وصعد مسعود المنبر وسار مالك بن مسمع نحو دور بني تميم حتى دخل سكة بني العدوية فحرق دورهم  ... وجاء بنو تميم إلى الأحنف فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد تحالفوا وقد ساروا إلى الرحبة فدخلوها. فقال: لستم بأحق بالمسجد منهم. ...)

6 / 2 : (  فسار عبس إلى المسجد، فلما سار عبس جاء عباد فقال: ما صنع الناس؟ فقيل: سار بهم عبس. فقال: لا أسير تحت لواء عبس، وعاد إلى بيته ومعه ستون فارساً. فلما وصل عبس إلى المسجد قاتل الأزد على أبوابه ومسعود على المنبر يحضض الناس.. )

6 / 3 : ( واجتمعت تميم إلى الأحنف فقالوا له: إن الأزد قد دخلوا المسجد. قال: إنما هولهم ولكم. قالوا: قد دخلوا القصر وصعد مسعود المنبر.. )

6 / 4 : (  .. فجاءت عصابة منهم حتى دخلوا المسجد ومسعود على المنبر يبايع من أتاه..)

7 : إنتهز الفرصة مغامر اسمه المختار الثقفى سيطر على معظم العراق ، مرة بزعمه تبعيته لآل البيت ودعوته لمحمد بن على بن أبى طالب ( ابن الحنفية ) أكبر أولاد (على ) والمقيم فى الحجاز تحت سيطرة ابن الزبير ، ومرة بزعمه التبعية لابن الزبير ، ولكن هواه كان أكثر مع الهاشميين . والمختار الثقفى هو الذى تتبع بالقتل كل من شارك فى مذبحة كربلاء بدءا من عبيد الله بن زياد والى العراق للأمويين الى بقية الذين شاركوا فى قتل الحسين وآله ومنهم عمر بن سعد بن أبى وقاص وشمر بن ذى الجوشن . وفى صراع المختار الثقفى مع خصومه فى العراق يظهر دور المساجد .  نقتطف هذه السطور :

7 / 1 ـ عن تجميعه الناس ليبايعوه نرى المختار يستخدم المساجد :

7 / 1 / 1 : (. ثم ركب راحلته نحو الكوفة فوصل إلى نهر الحيرة يوم الجمعة فاغتسل ولبس ثيابه، ثم ركب فمر بمسجد السكون وجبانة كندة لا يمر على مجلس إلا سلم على أهله وقال: أبشروابالنصرة والفتح ..)

  7 / 1 / 2  :  ( ومرّ على حلقة من همدان فقال: قد قدمت عليكم بما تحبون ... ثم أتى المسجد واستشرف له الناس، فقام إلى سارية فصلى عندها حتى أقيمت الصلاة ، وصلى مع الناس ، ثم صلى ما بين الجمعة والعصر ثم انصرف إلى داره، )

7 / 1 / 3 ( واختلف إليه الشيعة، ) أى جاءته الشيعة . وخطب على منبر المسجد (  فحمد الله ثم قال: إن المهدي ابن الوصي بعثني إليكم أميناً ووزيراً ومنتخباً وأميراً وأمرني بقتل الملحدين والطلب بدم أهل بيته والدفع عن الضعفاء، فكونوا أول خلق الله إجابةً.) فبايعوه .

7 / 1 / 4 : وتجمع معه جيش صلى بهم الفجر : (فلحقوا بالمختار، فتوافى إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفاً كانوا بايعوه، فاجتمعوا له قبل الفجر، فأصبح وقد فرغ من تعبيته وصلى بأصحابه بغلس.)

7 / 2 ـ ابن مطيع كان والى ( الصلاة ) لابن الزبير على الكوفة ، اصبح خصم المختار ، وقد استخدم ابن مطيع المسجد أيضا :

7 / 2 / 1 :  إذ أمر أتباعه بالاجتماع بالمسجد الرسمى ، ومن لا يحضر فقد برئت منه الذمة : (  وأرسل ابن مطيع إلى الجبابين فأمر من بها أن يأتوا المسجد، وأمر راشد بن إياس فنادى في الناس: برئت الذمة من رجل لم يأت المسجد الليلة. فاجتمعوا، )

7 / 2 / 2 : وبعث ابن مطيع ( شبث بن ربعي ) في نحو ثلاثة آلاف لحرب المختار، وكان شبث بن ربعى ممن شارك فى جيش الأمويين فى كربلاء .( فسار شبث إلى المختار، فبلغه خبره وقد فرغ من صلاة الصبح .. ) هنا الصلاة أيضا فى وقت الحرب الأهلية . 

7 / 3 :  وانتصر المختار فدخل قصر الامارة والمسجد الرسمى : ( ودخل المختارالقصر فبات فيه، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: " الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر،وجعله فيه إلى آخر الدهر، وعداً مفعولاً وقضاء مقضياً، وقد خاب من افترى.. ") 

7 / 4 : وعلى يد المختار تحول المسجد الى مركز للإفتراء :

7 /4  / 1 : إذ وصل التلاعب الدينى عند المختار أن زعم أن معه كرسيا ينتصر به ، فصدّقه الناس . عن الكرسى الذى زعم المختار أن ينتصر به تقول الرواية ان المختار عقد مؤتمرا صحفيا ( فى المسجد ) : ( ثم دعا: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال المختار: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلاوهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان في بني إسرائيل التابوت، وإن هذا فينا مثل التابوت. فكشفوا عنه، وقامت السبئية فكبروا. ). السبئية هم أول فرقة شيعية ، كانت تؤمن برجعة (على بن أبى طالب ).

 7 / 4 / 2  : وأراد الشاعر سراقة بن مرداس ــ وهو أسير ـ أن ينجو من القتل فزعم للمختار أن الملائكة كانت تقاتل معه ، فأمره المختار أن يعلن ذلك ( فى مؤتمر صحفى ) فى المسجد : ( وقال سراقة بن مرداس للمختار وقال : " أصلح الله الأمير،أحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت الملائكة تقاتل معك على الخيول البلق بين السماء والأرض ". فقال له المختار: " اصعد المنبر فأعلم الناس " . فصعد فأخبرهم بذلك ثم نزل، فخلا به المختار فقال له: إني قد علمت أنك لم تر شيئاً وإنما أردت ما قد عرفت أن لا أقتلك، فاذهب عني حيث شئت لا تفسد علي أصحابي.. ).    

7 / 5 : ونرى الصلاة الشيطانية  ركنا أساسيا  فى هذه الحرب الأهلية. كان ابراهيم بن الأشتر النخعى القائد العسكرى للمختار، تقول عنه الرواية : ( .. ثم سار  ليلته كلها ، ومن الغد فوصل العصر وبات ليلته في المسجد ومعه من أصحابه أهل القوة. ولما اجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع حضرت الصلاة، فكره كل رأس من أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه،فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: " هذا أول الاختلاف، قدموا الرضى فيكم سيد القراء رفاعة بن شداد البجلي." ، ففعلوا، فلم يزل يصلي بهم حتى كانت الوقعة . ).

7 / 6 : بعد هزيمة ابن مطيع اصبح الوالى للصلاة بعده مؤقتا الحارث بن أبى ربيع . ثم أرسل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير واليا على الصلاة فى العراق . وجاء مصعب البصرة فدخل الى مسجدها مباشرة : ( فقدمها مصعب ملثماً  ، ودخل المسجد وصعد المنبر، فقال الناس: أمير أمير! وجاء الحارث بن أبي ربيع،وهو الأمير، فسفر مصعب لثامه فعرفوه، وأمر مصعب الحارث بالصعود إليه فأجلسه تحته بدرجة ، ثم قام مصعب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال.. ). حين رأى الناس مصعب يصعد المنبر عرفوا أنه الأمير الجديد. والوالى الجديد ( مصعب ) يجعل الوالى السابق يجلس تحته بدرجة على المنبر .

7 / 7 : وهزم  مصعب بن الزبير المختار ، وجىء له برأس المختار : ( وأمر مصعب بكف المختار بن أبي عبيدة فقطعت ، وسمرت بمسمارإلى جانب المسجد، فبقيت حتى قدم الحجاج فنظر إليها وسأل عنها عقيل: هذه كف المختار،فأمر بنزعها ). المسجد معرض للرءوس المقطوعة الأيدى المقطوعة. هى مساجد ضرار. ولا ننسى أنه فى السعودية حتى الآن يتم القتل وقطع الرءوس فى ساحة المسجد. والقتل هناك بالشريعة السنية الوهابية المناقضة لشرع الله جل وعلا .

8 ـ : من على المنبر أعلن عبد الملك بن مروان هزيمة التوابين الشيعة : ( ولما سمع عبدالملك بن مروان بقتل سليمان وانهزام أصحابه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: " أما بعد فإن الله قد أهلك من رؤوس أهل العراق ملقح فتنةٍ ورأس ضلالةٍ سليمان بن صرد،"..)   

9 ـ فى النهاية هزم الحجاج عبد الله بن الزبير وقتله عام 73 وإخماد حركته ، وكافأ عبد الملك بن مروان الحجاج فولاه الحجاز ثم ولاه العراق وما بعد العراق شرقا. وحكم الحجاج العراق بالحديد والنار وكان يقتل من يشتبه فيه ، بإعتباره ( والى الصلاة ). تقول الرواية عن عدد ضحاياه من المدنيين الذين كان يشُكُّ فيهم  : ( بلغ ما قتل الحجاج صبرا مائة وعشرين أو مائة وثلاثين ألفا ). وفى نفس الوقت واصل الحجاج الفتوحات فى الشرق. وجاءت فرصة لأهل العراق فى الثورة عليه فيما يُعرف بموقة ( دير الجماجم )، بسبب أن جماجم القتلى أصبحت أهرامات هناك. وموجزها أن الحجاج بعث بجيش للغزو يقوده عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس زعيم قبائل اليمن فى الشرق . وضم هذا الجيش كثيرين من (القُرّاء ) أى الخوارج المتعبدين وغيرهم من الناقمين على الحجاج. وكان الناقمون على الحجاج متعاطفين مع من أسلم من الموالى ، وكان الحجاج طبقا للسياسة الأموية يضطهد الموالى ويأخذ منهم الجزية حتى لو أسلموا . تقول الرواية عنهم : ( فجعلوا يبكون وينادون : يا محمداه يا محمداه  ). لم يعرفوا أن المال هو الإله الأعظم للخلفاء الفاسقين. الناقمون على الحجاج ما زالوا بالقائد عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث حتى إستدار بالجيش ليحارب الحجاج.! ، ودارت موقعة ( دير الجماجم ) التى إنتصر فيها الحجاج ، واسرف فى قتل الأسرى بعد أن أعطاهم عهدا بالأمان . تقول الروايات :  ( قتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفا ... ) ( ..وإنما خدعهم بالأمان ،  ..  فلما اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم ،  ثم قال : " لآمرن بكم اليوم رجلا ليس بينكم وبينه قرابة. "  فأمر بهم عمارة بن تميم اللخمي فقربهم فقتلهم . .).  وعدهم بالأمان  وبنى من جماجمهم أهرامات. وفى ثنايا المعركة نلمح إشارات لصلاتهم الشيطانية . تقول الرواية عن قائد جيش الحجاج : ( .. فانطلق القائد بعد صلاة العصر والتقى عسكر الحجاج وعسكر ابن الأشعث حين فصل القائد بمن معه وذلك مع صلاة العصر فاقتتلوا إلى الليل.. ) .

( الباب الثانى ) ( الخلفاء الفاسقون وصلاتهم الشيطانية ) ج ٢

الفصل العاشر : معالم الصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين 

أولا : إمام الصلاة ( الشيطانية ) هو الحاكم الباغى

1 ـ فى تبرير إستحقاق أبى بكر بالخلافة زعموا أن النبى محمدا فى مرضه الأخير أمر أبا بكر أن يصلى بالناس . روى ابن سعد أن عمر فى فى التشاور على خلافة النبى فى سقيفة بنى ساعدة قال للإنصار : (يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قالوا بلى قال فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر قالوا نعوذ الله أن نتقدم أبا بكر  ). وفى مرض أبى بكر الأخير كان (لا يخرج إلى صلاة وكان يأمر عمر بن الخطاب يصلي بالناس ).

2 ـ وحرص أبو بكر على إمامة الصلاة حتى حين كان يسكن خارج المدينة. تقول الرواية : (  يغدو على رجليه إلى المدينة وربما ركب على فرس له وعليه إزار ورداء ممشق فيوافي المدينة فيصلي الصلوات بالناس فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح فكان إذا حضر صلى بالناس وإذا لم يحضر صلى عمر بن الخطاب وكان يقيم يوم الجمعة في صدر النهار بالسنح يصبغ رأسه ولحيته ثم يروح لقدر الجمعة فيجمع بالناس ). أى كان يحافظ على (تأدية ) صلاته الشيطانية بنفس محافظته على إرسال جيوشه للقتل والبغى والسلب والنهب والاغتصاب.  أى هى ( صلاة شيطانية ) تأمر بالفحشاء والمنكر.

3 ـ ونفس الحال مع عمر وعثمان وعلى فى إمامة الصلاة تأكيدا على أن إمامة الصلاة ( الشيطانية ) هى عمود دينهم الشيطانى القائم على البغى والظلم والعدوان والسلب والنهب والقتل والإغتصاب . 

4 ـ وكانت الصلاة ( الشيطانية ) خلف الحاكم تعنى الاعتراف به حاكما .

4 / 1 : معاوية فى خلافته جعل مروان بن الحكم والى الصلاة ( الشيطانية ) على المدينة عدة مرات فكان هو الذى يصلى بالناس . وطبّق مروان سياسة معاوية فى لعن (على بن أبى طالب ) فى صلاة الجمعة. ومع ذلك كان الحسن والحسي">ثانيا : إمامة الصلاة ( الشيطانية ) للوالى الحاكم فى الولايات

1 ـ كانت العادة أن الذى ينجح فى الغزو تكون مكافأته أن يكون الوالى للصلاة ( الشيطانية ) فى الاقليم الذى فتحه ، ولهذا عيّن عمر بن الخطاب ( سعد بن أبى وقاص ) واليا للصلاة ( الشيطانية )على ما إفتتحه بعد نصره فى موقعة القادسية . وعيّن عمرو بن العاص واليا للصلاة ( الشيطانية ) على مصر بعد أن إفتتحها . والى الصلاة هو الوالى الحاكم ، ويعاونه والى الخراج الذى يجمع الخراج والجزية . وقد يكون هناك قائد للجيش المحلى فى الولاية ، ولكن يظل الأمير الأول أو الوالى الأول هو ( والى الصلاة الشيطانية ) اى الحاكم الفعلى للولاية. وهو كالعادة يمارس الظلم تحت عنوان الصلاة ( الشيطانية )

.2 ـ مثلا : تقول الرواية

2 / 1 :: ( وكان عامل عثمان على الكوفة أبو موسى على الصلاة، وعلى خراج السواد جابر بن فلان المزني..وسماك الأنصاري، وعلى حربها القعقاع بن عمرو، . ) الوالى الأول للخليفة عثمان على الكوفة هو أبو موسى الأشعرى . وهناك والى الخراج أقل شأنا ، ثم قائد الجيش .

2 / 2  ـ وأصبح الحجاج والى ( الصلاة ) فى العراق ، أى حاكم العراق فى خلافة عبد الملك وابنه الوليد . وكان العراق يشمل العراق ومابعده شرقا. وكان للحجاج أن يعين ولاة فى الأقاليم التابعة للعراق . فكان المقدم فيهم والى الصلاة .  تقول الرواية : ( وكان الأمير على العراق والمشرق كله الحجاج ، وعلى الصلاة بالكوفة المغيرة بن عبد الله وعلى البصرة أيوب بن الحكم وعلى خراسان قتيبة بن مسلم‏. ) كل منهم كان واليا للصلاة ( الشيطانية ).!
ثالثا : إمامة الصلاة فى الفتن والحروب الأهلية

1 ـ  محمد بن أبي حذيفة عاش فى مصر واصبح خصما لعثمان بعد أن تبين فساد عثمان، وهو الذى بعث من مصر المحتجين على عثمان وكانوا ممن قتلوه يوم الدار. ، تقول الرواية : ( سرب المصريين إلى عثمان بن عفان ، وإنهم لما ساروا إلى عثمان فحصروه وثب هو بمصر على عبدالله بن سعد بن أبي سرح ) ، وهو والى الصلاة والحكم من طرف عثمان .  تقول الرواية عنه : ( وهو عامل عثمان يومئذ على مصر فطرده منها وصلى بالناس . ) ( صلى بالناس ) أى حكم الناس.

2 ـ حين خرجت عائشة والزبير وطلحة لحرب ( على ) فى الكوفة لحقهم مروان بن الحكم . تقول الرواية: ( وأذن مروان حين فصل من مكة ، ثم جاء حتى وقف عليهما فقال : أيكما أسلم بالإمرة وأؤذن بالصلاة ؟ فقال عبد الله بن الزبير على أبي عبد الله وقال محمد بن طلحة على أبي محمد ، فأرسلت عائشة رضي الله عنها إلى مروان فقالت : " مالك أتريد أن تفرق أمرنا ليُصلّ ابن أختي " ، فكان يصلي بهم عبدالله بن الزبير حتى قدم البصرة . ). أى إن مروان أراد الايقاع بينهما مبكرا ، فسأل من هو الأمير ؟ هل هو الزبير أو طلحة ؟ فالأمير هو الذى سيؤم الناس فى الصلاة ، وفهمت عائشة قصده ، فجعلت عبد الله بن الزبير هو الذى يؤم الصلاة

3 : حين خرج الخريت بن راشد على ( على بن أبى طالب ) أعلنه بأنه لن يصلى خلفه. تقول عنه رواية الطبرى :  (.. فجاء إلى علي في ثلاثين راكبا من أصحابه .. فقال له : والله يا علي لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك . ).

4 ـ البصرة فى خلافها مع على ودخولها مع أهل الجمل جعلوا ( كعب بن سوار ) واليا عليهم ، تقول رواية الطبرى : ( قد كانوا اجتمعوا عليه ورضوا به لصلاتهم )

6 ـ إنعكس الصراع بين (على ) و ( معاوية ) على من يصلى بالناس فى موسم الحج عام 39 ، لأن من يصلى الناس خلفه يكونون معترفين بشرعيته فى الحكم . تقول الرواية : (   يقال إن عليا وجه ابن عباس ليشهد الموسم ويصلي بالناس في سنة تسع وثلاثين وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي ) وحتى لا يتحول الخلاف الى إقتتال فى الحرم تم الاتفاق على أن يصلى بالناس شخص محايد ، هو : شيبة بن عثمان . تقول الرواية : (اصطلحا على شيبة بن عثمان فصلى بالناس سنة تسع وثلاثين )

7 ـ فى الفتنة الكبرى الثانية : ( 61 : 73 )

7 / 1 : بعد استتاب الأمر لمعاوية خطط لتوريث ابنه يزيد الخلافة ، فتولاها يزيد فى شهر رجب عام 60 بقوة السلاح ، فنشبت الفتنة الكبرى الثانية .بدأت بثورة الحسين وقتل الحسين ومعظم اهله فى كربلاء عام 61 هجرية ، مما أدى الى ثورة المدينة فأرسل يزيد حملة عسكرية يقودها مسلم بن عقبة ، استطاعت هزيمة أهل المدينة واستحلالها وقتل معظم اهلها وهتك أعراض نسائها فى موقعة الحرة فى شهر حرام هو ذو الحجة عام 63 .
وكان عبد الله بن الزبير قد استغل مذبحة كربلاء فأعلن نفسه خليفة فى مكة وبايعه أهل مكة والحجاز، ومات مسلم بن عقبة أثناء توجه الجيش الأموى للقضاء على تمرد ابن الزبير فى مكة ، فتولى القيادة الحصين بن نمير ، وحوصرت مكة والكعبة عام 64 ، وأثناء الحصار احترق البيت الحرام يوم السبت 3 ربيع الأول عام 64 ، وجاءت الأنباء بعدها بموت يزيد بن معاوية فى 14 ربيع الأول . وانفض حصار مكة ورجع الجيش الأموى خائبا ، واعتزل الخليفة الجديد معاوية بن يزيد بن معاوية الحكم بعد حوالى شهر من ولايته متبرئا مما فعله أهله الأمويون فقتله أهله بالسم فمات وهو ابن 13 عاما .إستفاد من هذه الفوضى عبد الله بن الزبير، فأعلن نفسه خليفة . وكان الوالى على الصلاة فى مكة هو الحارث بن خالد المخزومى ، منع عبد الله بن الزبير والى الخليفة الأموى على مكة من الصلاة بالناس ، تقول الرواية (.. وكان الحارث بن خالد المخزومي على الصلاة فمنعه ابن الزبير).

 7 / 2 :   بايع أهل الكوفة عبد الله بن الزبير فبعث لهم  ( عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بنمحمد بن طلحة على الخراج . ) . وفى البصرة كان يصلى بهم أى يحكمهم عبد الله بن الحارث (فإنه أقام يصلي بهم حتى قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر أميراً من قبل ابن الزبير.) ( وقيل: بل كتب ابن الزبير إلى عمر بعهده على البصرة، فأتاه الكتاب وهو متوجه إلى العمرة،فكتب عمر إلى أخيه عبيد الله يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر، ) وهناك رواية أخرى : ( .. فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير، فكتب ابن الزبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم أربعين يوماً،)
7 / 3 : فى كل ماسبق كان الجميع يحافظون على تأدية صلاتهم الشيطانية وهم يسفكون دماء بعضهم البعض. 

ثالثا : المدح بالصلاة . نكتفى بعثمان بن عفان مثلا .

1 ـ تميز عثمان على أبى بكر وعمر بالفساد الداخلى. إرتكب الفتوحات مثلهم ولكن إعتبر الأموال ملكية خاصة له يوزعها كيف شاء مخالفا طريقة عمر فى إرضاء الجميع بالعدل فى توزيع الأموال السُّحت عليهم .

2 ـ إقترن فساد عثمان بشهرته بقيام الليل يصلى ويقرأ القرآن ، حتى بالغت الروايات التى ذكرها ابن سعد فى هذا . نكتفى منها بقوله : (أن عثمان كان يحيي الليل فيختم القرآن في ركعة .) (  ..قال  .. فنظرت فإذا عثمان بن عفان فتنحيت فتقدم فقرأ القرآن في ركعة ثم انصرف ) ، (  قالت امرأة عثمان حين قتل عثمان لقد قتلتموه وإنه ليحيي الليل كله بالقرآن في ركعة . ) ( عثمان بن عفان صلى بالناس ثم قام خلف المقام فجمع كتاب الله في ركعة . ) 2 ـ وعن فساده المالى روى ابن سعد ما تركه من ثروة ، قال : ( كان لعثمان بن عفان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم وخمسون ومائة ألف دينار فانتهبت وذهبت وترك ألف بعير بالربذة وترك صدقات كان تصدق بها ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار )

رابعا : الثورة على من لا يحافظ على تأدية الصلاة

لأن صلاتهم الشيطانية كانت عمود دينهم الشيطانى فلم يرضوا بمن لا يحترمها أو يؤديها . ونعطى أمثلة سريعة :

1 ـ عمر بن الخطاب عزل المغيرة بن أبى شعبة والى الصلاة على البصرة بسبب إتهامه بالزنا . تحت عنوان : ( ذكر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبي موسى:في هذه السنة عزل عمر المغيرة بن شعبة عن البصرة واستعمل عليها أبا موسى وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول) وكان السبب أنهم ضبطوه يزنى بإمرأة . ضبطه خصم له هو أبو بكرة وأشهد عليه قوما . تقول الرواية : ( فلما خرج المغيرة إلى الصلاة منعه أبو بكرة وكتب إلى عمر بذلك، فبعث عمر أبا موسى أميراً على البصرة . )

2 ـ الوليد بن عقبة بن أبى معيط عينه عثمان واليا للصلاة ، فكان يسكر ويصلى وهو سكران ، تقول الرواية : ( الوليد سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعاً ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم، وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر علياً بجلده، فأمر علي عبد الله بن جعفر فجلده،  ..فلما علم عثمان من الوليد شرب الخمر عزله وولى سعيد بن العاص بن أمية. )

2 ـ حاول يزيد بن معاوية إسترضاء زعماء الأنصار فأكرمهم ولكنهم رجعوا الى المدينة حيث أعلنوا شتم يزيد وخلع بيعته ، وقالوا : ( إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ويعزف بالطنابير ويضرب عنده القيان ويلعب بالكلاب ويسامر الفتيان وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه )، فاجابهم الناس يقولون عن يزيد ( خلعناه كما نخلع  نعالنا ) . وبايعوا عبدالله بن حنظلة الانصارى أميرا عليهم . وكان المنذر بن الزبير  ممن يحرض على يزيد  ، وكان من قوله : ( إن يزيد والله لقد أجازني بمائة الف درهم وإنه لا يمنعني ما صنع إلي أن أخبركم خبره وأصدقكم عنه ، والله إنه ليشرب الخمر وإنه ليسكر حتى يدع الصلاة . ) .   

3 ـ فى فتنة ابن الزبير وظهور المختار بن عبيدة ( ولما اجتمعأهل اليمن بجبانة السبيع حضرت الصلاة، فكره كل رأس من أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: هذا أول الاختلاف، قدموا الرضى فيكم سيد القراء رفاعة بن شداد البجلي، ففعلوا، فلم يزل يصلي بهم حتى كانت الوقعة.)
4 ـ فى ثورة ابن الأشعث على الحجاج والى العراق كانت حجة الثوار أنه طاغية : (  سفك الدم الحرام واخذالمال الحرام وترك الصلاة )  .

الفصل الحادى عشر : الصلاة الشيطانية للخوارج 

( 1 ): التطرف فى الصلاة وفى القتل

مقدمة : هيا بنا نرتدى الأحذية وندخل بها سراديب مخ الخوارج نحلل ذهنيتهم المريضة :

أولا : التطرف فى العبادة من الصلاة وقراءة القرآن

نعطى أمثلة :
1 ـ  فى ولاية عبيد الله بن زياد ( والى الصلاة فى العراق وما ورائه شرقا ) :

1 /  1 :، يذكر الطبرى لمحة عن أبى بلال مرداس بن أدية زعيم الخوارج يقول : ( ... فكان عابداً مجتهداً عظيم القدر في الخوارج، وشهد صفين مع علي فأنكر التحكيم، وشهد النهروان مع الخوارج، وكانت الخوارج كلها تتولاه، ورأى على ابن عامر قباء أنكره فقال: هذا لباس الفساق! فقال أبو بكرة: لا تقل هذا للسلطان فإن من أبغض السلطان أبغضه الله. وكان لا يدين بالاستعراض ( الإستعراض أى قتل الجميع كما يفعل الخوارج ) ، ويحرم خروج النساء، ويقول: لا نقاتل إلا من قاتلنا ولا نجبي إلا من حمينا.) أى لا يبدأ بالقتال ، ولا يأخذ خراجا إلا ممن يقوم بحمايتهم.

1 / 2 : وإعتقل عبيد الله بن زياد ( أبا بلال مرداس بن أدية ) فى موجة إعتقالات للخوارج ومن أنصارهم وكل المشكوك فى ولائهم . ورأى السجان عبادة مرداس وقيامه الليل فكان يأذن له كل ليلة ليبيت فى منزله ثم يعود صباحا. وأمر ابن زياد بقتل بعض السجناء ممن الخوارج ، وكان مرداس فى بيته فعرف فأسرع بالمجىء الى السجن حتى لا يؤاخذ السجان . وجىء بمرداس للقتل ، فشفع فيه السجان لدى ابن زياد وكان صهره ، فأفرج ابن زياد عن مرداس.  يقول الطبرى : ( ثم إن ابن زياد ألحّ في طلب الخوراج ، فملأ منهم السجن وأخذ الناس بسببهم ، وحبس أبا بلال ،  قبل أن يقتل أخاه عروة، فرأى السجان عبادته فأذن له كل ليلة في إتيان أهله، فكان يأتيهم ليلاً ويعود مع الصبح، وكان صديق مرداس إليه فأعلمه الخبر، وبات السجان بليلة سوء خوفاً أن يعلم مرداس فلا يرجع، فلما كان الوقت الذي كان يعود فيه إذا به قد أتى، فقال له السجان: أما بلغك ما عزم عليك الأمير؟ قال: بلى. قال: ثم جئت؟ قال: نعم، لم يكن جزاؤك مني مع إحسانك إلي أن تعاقب. وأصبح عبيد الله فقتل الخوارج، فلما أحضر مرداس قام السجان، وكان ظئراً لعبيد الله، فشفع فيه وقص عليه قصته، فوهبه له وخلى سبيله.).
1 / 3 : وقتل ابن زياد أخ مرداس ، وهو عروة بن أدية ، وقتل إبنته . يقول الطبرى فى أحداث عام 61 : ( في هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج فقتل منهم جماعةً كثيرة، منهم: عروة بن أدية أخو أبي بلال مرداس بن أدية..) ويذكر الطبرى السبب : ( وكان سبب قتله أن ابن زياد كان قد خرج في رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع إليه الناس وفيهم عروة، فأقبل على ابن زياد يعظه، وكان مما قال له( أتبنون بكل ريعٍ آيةً تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارينالشعراء: 128- 130.) ،  فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يقل ذلك إلا ومعه جماعة، فقام وركب وترك رهانه. فقيل لعروة: ليقتلنك! فاختفى، فطلبه ابن زياد فهرب وأتى الكوفة، فأخذ وقدم به على ابن زياد، فقطع يديه ورجليه وقتله، وقتل ابنته.). هنا رجل يعظ بالقرآن فيكون مصيره تقطيع أطرافه وقتله وقتل إبنته.

1 / 4 : كان مرداس معتدلا بالنسبة لبقية الخوارج ، ويقول بالتقية حتى لا يصطدم بالسلطة الأموية . لكن موقفه تغير عندما قتل عبيد الله بن زياد إمرأة من الخوارج إسمها البثجاء كانت عابدة مجتهدة فى العبادة ولكن تنتقد ابن زياد ، نصحها مرداس بالتقية خوفا عليها فلم تطاوعه ، فقطع ابن زياد أطرافها وعلقها فى السوق لتموت صبرا . ومرّ بها مرداس فتغير موقفه ، وثار خارجا على ابن زياد. يقول الطبرى : ( وكانت البثجاء، امرأة من بني يربوع، تحرض على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته، وكانت من المجتهدات، فذكرها ابن زياد، فقال لها أبو بلال: " إن التقية لا بأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك " . قالت: " أخشى أن يلقى أحدٌ بسبي مكروهاً.". فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها، فمر بها أبو بلال في السوق فعض على لحيته وقال: " أهذه أطيب نفساً بالموت منك يا مرداس؟ ما ميتةٌ أموتها أحب إلي من ميتة البثجاء! " .! . ومر أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ثم أفاق فتلا:( سرابيلهم من قطرانٍ وتغشى وجوههم النارإبراهيم: 50.).

1 / 5 : لهذا ثار الخارجى ( مرداس أبو بلال ) وغادر العراق الى الأهواز ومعه أربعون رجلا فقط . بعث إليهم ابن زياد جيشا بألفى رجل ، فهزمهم الأربعون خارجيا فى موقعة ( آسك ) ،  كانت فضيحة . قال فيها شاعر يمدح الخوارج :

  أألفا مؤمن منكم زعمتم      ويقتلهم بآسك أربعونا

كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا

هي الفئة القليلة قد علمتم على الفئة الكثيرة ينصرونا

1 / 6 : كان لا بد لعبيد الله بن زياد أن يثأر . فأرسل لهم جيشا آخر بثلاثة ألاف ، وإشتد القتال ، تقول الرواية عن أبى بلال : ( ..وحمل عليهم أبو بلالفيمن معه فثبتوا ، واشتد القتال حتى دخل وقت العصر ، فقال أبو بلال : " هذا يوم جمعة ، وهو يوم عظيم وهذا وقت العصر فدعونا حتى نصلي‏.‏ ) وإستجاب له القائد الأموى ابن الأخضر . تقول الرواية ( ..فأجابهم ابن الأخضر وتحاجزوا ، فعجل ابن الأخضر الصلاة ، وقيل قطعها،  والخوارج يصلون ، فشد عليهم هو وأصحابه وهم ما بين قائم وراكع وساجد لم يتغير منهم أحد من حاله فقتلوا من آخرهم وأخذ رأس أبي بلال‏.‏ ). لم يتركوا الصلاة ، كان الجيش الأموى  يقتلهم  وهم فى الصلاة يقولون ( وعجلت اليك ربى لترضى ). ! هنا الوجه المتطرف فى الصلاة لدى الخوارج .

2 ـ عيّن الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك ( خالد القسرى ) والى الصلاة على العراق وشرقها.  أرسل خالد جيشا قاتل الخوارج فى الموصل ، إنهزم الخوارج وقُتل معظمهم .  قال شاعر يرثى قتلى الخوارج :

( فتية تعرف التخشع فيهم ** كلهم أحكم القرآن إماما

 قد برى لحمه التهجد حتى ** عاد جلداً مصفراً وعظاماً )

هذا هو المظهر الخارجى للخوارج بسبب الإفراط فى الصلاة والتهجد وقراءة القرآن .

 ثانيا : الملمح الثانى : التطرف فى القتل للجميع حتى النساء والأطفال

1 ـ حين خرجوا على ( على بن أبى طالب ) وأقاموا فى حروراء عينوا أميرا على الصلاة ، تقول الرواية :(   وأتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفاً، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوا اليشكري ..) .

2 ـ وأول جريمة لهم كانت قتل رجل مسالم وبقر بطن زوجته ، تقول الرواية : ( لما أقبلت الخارجة من البصرة حتى دنت من النهروان رأى عصابةٌ منهم رجلاً يسوق بامرأة على حمار، فدعوه فانتهروه فأفزعوه وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم. قالوا: لا روع عليك.. ) وناقشوه فى التحكيم وفى (على )  ولمّا لم يعجبهم رأيه قتلوه وقتلوا زوجته  : (  فقالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلةً ما قتلناها أحداً.فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته، وهي حبلى متم ... فأضجعوه فذبحوه، فسال دمه في الماء، وأقبلوا إلى المرأة فقالت: أنا امرأة ألا تتقون الله! فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة من طيء، وقتلوا أم سنان الصيداوية ). الخوارج يستبيحون قتل الأجنة فى البطون. !

3 ـ كان شبيب بن بجرة مع ابن ملجم حين قتل علياً، تقول الرواية : ( فلما دخل معاوية الكوفة أتاه شبيب كالمتقرب إليه فقال: " أنا وابن ملجم قتلنا علياً،" ، فوثب معاوية من مجلسه مذعوراً حتى دخل منزله . وبعث إلى أشجع وقال: " لئن رأيت شبيباً أو بلغني أنه ببابي لأهلكنكم، أخرجوه عن بلدكم.!" . وكان شبيب إذا جن عليه الليل خرج فلم يلق أحداً إلا قتله. ). يقتل الناس ليلا قتلا عشوائيا .

4 ـ أثناء خلافته عيّن عبد الله بن الزبير أخاه مصعب واليا للصلاة على العراق وما يتبعه شرقا ، وتعين على مصعب مواجهة الخوارج. فى حوادث عام 68 وتحت عنوان : ( حروب الخوارج بفارس والعراق) يذكر ابن الأثير تفصيلات هذه الحروب نقلا عن الطبرى . ومنها نقتطف أهم ملمح من ذهنية الخوارج ودينهم ، وهو الإسراف فى القتل . تقول الرواية عنهم : ( فشنوا الغارة على أهل المدائن ..ووضعوا السيف فى الناس يقتلون الرجال والنساء والولدان ويشقون أجواف الحبالى .). أى يقتلون الأجنّة فى الاحام.!  وهم فى طريقهم عثروا على رجل اسمه سماك بن يزيد ، معه بنت له ، فأخذوها ليقتلوها وأبيها ، فقالت تستعطفهم : (" يا أهل الاسلام .! إن أبى مصاب فلا تقتلوه ، وأما أنا فجارية ، والله ما أتيت فاحشة قط ، ولا آذيت جارة لى ، ولا تطلعت ولا تشرفت قط " ) (أى لم تتجسس على جيرانها ) . تستمر الرواية : ( فلما أرادوا قتلها سقطت ميتة ) أى ماتت من الرعب ، ولم يرحموا جثتها. تقول الرواية : ( فقطعوها بسيوفهم ).! . اما أبوها المريض فإصطحبوه معهم ثم قتلوه وصلبوه. لو قرأ هتلر هذا لإبيضّت عيناه من الحُزن.!!

5 ـ فى عام 69  ، تقول الرواية : ( وفيها حكم رجل من الخوارج بمنى وسل سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله أيديهمفقتل ذلك الرجل عند الجمرة.) : (حكّم ) أى صاح ( لا حكم إلا لله ) وهى الصيحة التى يستبيحون بها القتل حتى للأبرياء . وهذا الرجل يقتل الناس حتى فى الحرم.

6 ـ إستمر هذا حتى العصر العباسى ، ورصده الملطى المتوفى عام 377 . فى كتابه ( التنبيه والرد ) يقول الملطى عن الخوارج : ( فأما الفرقة الأولى من الخوارج فهم المحكمة الأولى ( اصحاب شعار : لا حكم إلا لله ) ، الذين كانوا يخرجون بسيوفهم فى الأسواق حين يجتمع الناس ، فينادون : لا حكم إلا لله ، ويضعون سيوفهم فيمن يلحقون من الناس ، فلا يزالون يقتلون حتى يقتلوا. وكان الواحد منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع حتى يُقتل .ولم يبق منهم أحد على وجه الأرض بحمد الله .) . ويقول عن بعض طوائفهم : ( الإباضية  : .. خرجوا من سواد الكوفة فقتلوا الناس وسبوا الذرية وقتلوا الأطفال وكفّروا الأمة وأفسدوا فى العباد والبلاد ، فمنهم اليوم بقايا بسواد الكوفة ) . ( السواد يعنى الأرض الزراعية التى تجاور الصحراء فى العراق. ) ـ ويقول عن الحرورية : ( يقولون بتكفير الأمة .. ويسبون ويستحلون الأموال والفروج ..وهم بناحية سجستان وهراة وخراسان ، وهم عالم كثير ..وهم اصحاب خيل وشجاعة .. ) ( الصليدية ..يقتلون ويستحلون الموال على الأحوال كلها ، وهم أشر الخوارج وأقذرهم وأكثرهم فسادا ، ولهم عدد بناحية سجستان ونواحيها .. ). 

الملمح الثالث : الجمع بين التطرف فى العبادة والتطرف فى القتل

1 ـ حين كان خالد القسرى والى العراق للخليفة هشام بن عبد الملك ثار الخارجى  ( وزير السختياني ) بالحيرة في نفر قليل : (  فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها، ولا يلقى أحداً إلا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجه إليه خالد جنداً فقاتلوا عامة أصحابه وأثخن بالجراح، وأتي به خالد، ) أخذ هذا الخارجى يحرق القرى ويقتل من يراه وهو مع ذلك عابد مجتهد فى العبادة.! هو يعظ خالد القسرى المشهور بغلظته وقسوته فيجعل قلب خالد يلين.! أثار إعجاب خالد فإكتفى بحبسه ولم يقتله ، وإتخذه نديما يسمر معه ، وأرسل خصوم خالد الى الخليفة أنه آوى اليه ( حروريا ) أى خارجيا يسامره ، تقول الرواية : (  وأقبل على خالد فوعظه، فأعجب خالداً ما سمع منه فلم يقتله وحبسه عنده، وكان يؤتى به في الليل فيحادثه. فسعي بخالد إلى هشام وقيل: أخذ حرورياً قد قتل وحرق وأباح لأموال فجعله سميراً، فغضب هشام وكتب إليه يأمره بقتله، وكان خالد يقول: إني أنفس به عن الموت، فأخر قتله، فكتب إليه هشام ثانياً يذمه ويأمره بقتله ، فقتله خالد حرقا ونفرا معه . وهو فى الحرق كان يتلو قوله جل وعلا : (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿٨١﴾ التوبة ).

 ( 2 ): بين دين الخوارج ودين قريش

مقدمة :

1 ـ المعروفون بالخوارج أسلموا من قبل فى عهد النبى محمد عليه السلام بالاسلام السلوكى بمعنى السلام وأوقفوا غاراتهم على بعضهم ، وتحرروا من سلطان قريش التى كانت تتخذ من اصنامهم فى البيت الحرام رهينة كى يخضعوا لها ويمتنعوا عن مهاجمة قوافل قريش فى رحلتى الشتاء والصيف. . ثم إستعادت قريش نفوذها بخلافة أبى بكر ( رأس الذين مردوا على النفاق ) فثار الأعراب رفضا لأخذ ابى بكر منهم الصدقات فأصبح إسمهم المرتدين ، وبعد هزيمتهم صاروا جنود الغزو معتنقين دين قريش وخلفائها الفاسقين فتحولت غاراتهم القبلية فى الجزيرة العربية الى حرب عالمية تنتحل إسم الاسلام زورا وبهتانا. عاملهم (عمر ) بالعدل فى توزيع الغنائم ، ثم ثاروا على ( عثمان ) بسبب فساده وقتلوه فأصبح إسمهم الثوار، ثم إنضموا الى (على ) وأصبحوا من شيعته ، ثم خرجوا عليه وكفروا بقريش كلها ، وحاربوه وقتلوه وإلتصق بهم اسم الخوارج. كل هذا فى جيل واحد.

2 ـ كان الخوارج من القوى الفعّالة فى الفتنة الكبرى ، لم يؤثروا فى حسم إلصراع على السلطة بين أجنحة قريش المتصارعة ( أمويون ـ هاشميون ـ زبيريون ) ، ولكنهم ـ فى الأغلب ـ حاربوا الجميع ، من مقتل الحسين الى مقتل ابن الزبير ، ثم إستمروا فى حرب الأمويين ، واستمروا فى العصر العباسى الأول . 

3 ـ  حملوا لقب ( الخوارج ) بمعنى الخارجين على الحكم القُرشى والدين القرشى الذى أرساه عمليا الخلفاء الفاسقون بغزوهم وإحتلالهم وبغيهم وعدوانهم. إستمر الخوارج يحملون هذا اللقب وهذا الدين مع إستمرار حكم قريش فى عصر الأمويين والعباسيين. إذ لم يتغير الأمر بالنسبة لهم ، الخلفاء جميعا قرشيون ، لا فارق بين الأربعة الأوائل أو الأمويين أو العباسيين ، ولا فارق ايضا بينهم فى التسلط والاستبداد والإستثار بالسلطة وإعتبار القبائل الأخرى مجرد أعوان يقاتلون فى سبيل مجد قرسش وتوسعها . بإستمرار الإستبداد القرشى فى العصر الأموى ثم العباسى إنضم كثير من الناقمين والطموحين للخوارج وإعتنقوا دينهم ، وإنتشر دينهم ما بين أواسط آسيا الى شمال أفريقيا ، بل إن بعض من خدم الأمويين ( خرج ) على الأمويين معتنقا دين (الخوارج ) عندما صارت له قوة ، مثل  إبن الأشعث الذى كان قائدا لجيش أموى فوقع تحت سيطرة الخوارج فإستخدم جيشه فى حرب الأمويين ، وتصارع مع الحجاج بن يوسف . 

4 ـ رفض الخوارج ( أن تحكم قريش ) وكما إنتحل الخلفاء الفاسقون إسم الاسلام فى غزوهم وإحتلالهم وبغيهم وعدوانهم فإن الخوارج إنتحلوا ( لا حكم إلا لله ) أو حاكمية الله جل وعلا عنوانا لدينهم الجديد حقدا على إنفراد قريش بالحكم ، وجعلوا ( لا حكم إلا لله ) شهادة دينهم وصيحتهم فى جهادهم فى الخروج على الحاكم وفى قتلهم العشوائى للناس.

5 ـ تميز الخوارج بتطرفهم فى العبادة ( الصلاة وقراءة القرآن ) وتطرفهم فى القتل وإستحلال الدماء. ولنا أن نتخيل ــ وهم بوحشيتهم تلك ــ كيف كانوا يتفانون فى قتل جنود البلاد الذين كانوا يدافعون عن أوطانهم . زاد تفانيهم فى القتل والقتال حين تحولوا الى خوارج ، وزادها تطرفهم فى العبادة وإعتقادهم إمتلاك الحق ، أى كانوا مخلصين فى سفك الدماء بنفس إخلاصهم فى تأدية صلاتهم الشيطانية التى تأمرهم بالفحشاء والمنكر.

6 ــ بدينهم المتطرف هذا إختلفوا عن دين الخلفاء الفاسقين ، سواء فى العبادة أو فى إستحلال الدماء . تطرفوا ــ وبكل خشوع شيطانى ــ فى العبادة وقيام الليل ، وتطرفوا ــ وبكل شجاعة ــ فى إستحلال الدماء لكل ( المسلمين ) حتى الأطفال والنساء والذرية وحتى كانوا يبقرون بطون الحوامل ليقتلوا الأجنّة. وكأى دين أرضى إنقسم الخوارج طوائف وشيعا تسمّت بأسماء قوادها أو ببعض سماتها ، وكلها تتفق فى أنه ( لا حكم لله ) إعلانا للثورة على السلطان وقتل الناس جميعا ، ثم يختلفون فى بعض الفرعيات

لم يقع الخلفاء الفاسقون فى التطرف فى العبادة أو التطرف فى القتل. كان همُّهم الأكبر وإلاههم الأكبر هو المال. إذا حصلوا عليه بالجزية وبالصلح بدون حرب فلا داعى للحرب. وإذا حاربوا قتلوا الجنود وإسترقوا ذريتهم وتركوا الباقين يعملون عندهم سواء كانوا فلاحين أو عاملين فى جمع المال . أما الخوارج فقد دفعهم حقدهم على قريش أن قتلوا كل من يقع فى أيديهم ، ولم يكن إهتمامهم بالمال بقدر إهتمامهم بسفك الدماء .

7 ـ ولقد قضى ( على بن أبى طالب ) على معظم الخوارج ، ولكن إستمر الخوارج بعده ، بل قتلوه . ولم يفلح أيضا الخلفاء اللاحقون  فى القضاء على الخوارج . إنتشر دين الخوارج لسببين :

7 / 1 : الأصل فى ثورة الخوارج هو إستئثار الخليفة القرشى بالحكم ، وقد إستمر هذا بعد قتل ( على ) ومعززا بالفساد وقوة السلاح ، وبلا أمل فى الاصلاح .

7 / 2 : جاذبية الفكرة وعدم مواجهتها من داخل الاسلام لأن الاسلام أصلا ضد خلفاء قريش كما هو ضد دين الخوارج. بالتالى كانوا يقضون على الأشخاص مع بقاء الإستبداد والفساد دون إصلاح ، ومع عدم مواجهة الفكرة نفسها ، لذا إستمرت الفكرة وأنجبت آلافا مؤلفة فيما بعد قتلوا آلافا مؤلفة من الأبرياء الذين لا ذنب لهم .

7 / 3 : وهذا يؤكد  ــ لمن يهمه الأمر ــ أن مواجهة داعش وغيرها من بنات الوهابية ليس بالعسكر ، ولكن بعلاج المرض الذى أنتج داعش ، وأنتج من قبله الخوارج . وهو الاستبداد والفساد وتحكم الملأ والنخبة بالحديد والنار، لذا تشتعل ثورات الناقمين تحت أى شعار ، وأصعبها الشعار الدينى كما فعل الخوارج والدواعش .  وسيظل الفشل نصيب كل من يتصدى لحرب ما يسمى بالارهاب بقوة الجيش واسلحة الأمن ، مع الابقاء على الفساد والظلم الذى تنبت فيه وتترعرع الحركات الارهابية من الخوارج الى حركة الزنج الى القرامطة الى الوهابية وبناتها . وسيظل الشرق الأتعس يعايش حركات الارهاب طالما يرتع فيه الاستبداد مصاحبا الفساد ، وطالما يرفض الاصلاح والعدل. 

وعن الخوارج نعطى بعض التفصيلات :

أولا : دينهم ( لا حكم إلا لله )

1 ـ تولد هذا الدين فجأة بإعتراض ( القُرّاء ) أو الأعراب المتشددين فى العبادة والمتفانين فى الحرب مع على ضد معاوية فى معركة (صفين ) . تقول الروايات :

1 / 1 : ( وخرج الأشعث بالكتاب ( أى كتاب التحكيم ) يقرؤه على الناس حتى مر على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال فقرأه عليهم، فقال عروة: تحكّمون في أمر الله الرجال؟ لا حكم إلا لله! ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابة الأشعث ضربةً خفيفة واندفعت الدابة.. )   .

1 / 2 : ( لما أراد (علي  ) أن يبعث أبا موسى للحكومة  ( التحكيم ) أتاه رجلان من الخوارج: زرعة ابن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فقالا له: لا حكم إلا لله! فقال علي: لا حكم إلا لله. وقال حرقوص بن زهير: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني ).

2 ـ ولاحقوا (على بن أبى طالب ) بهذا الشعار الذى صار دينا للخوارج . واصبح تعبيرا وقتها أن يقال ( حكّم ) أى صرخ بشعار ( لا حكم إلا لله ) ، واصبح لقب الخوارج : ( المُحكّمة ) . تقول الرواية عن (على ) وهو يخطب ( فى المسجد ):

2 / 1  ( وخطب (علي ) ذات يوم، فحكّمت المُحكّمة في جوانب المسجد، فقال ( علي ) : " الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل" ! . )

2 / 2 : (  ثم خطب (علي ) يوماً آخر فقام رجل فقال: " لا حكم إلا لله! " ، ثم توالى عدة رجال يحكّمون. فقال علي: " الله أكبر، كلمة حق أريد بها باطل "! )

3 ـ والخارجى عبد الرحمن بن ملجم هتف بهذا الشعار وهو يضرب عليا بالسيف ، تقول الرواية :  ( فلما كان ليلة الجمعة، وهي الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه على قتل علي ومعاوية وعمرو، أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج علي نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة. فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف، وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك! )

4 ـ وتواتر هذا التعبير فى تاريخ الخوارج بعد مقتل (على ) ، فيأتى التعبير عن ثورة فلان من الخوارج بأنه ( حكّم ) . ومثلا فى عام 64 تقول الرواية : ( ذكر خروج سهم والخطيم:وفيها خرج الخطيم، وهو يزيد بن مالك الباهلي، وسهم بن غالب الهجيمي، فحكّما؛ فأما سهم فإنه خرج إلى الأهواز فحكّم بها، ثم رجع فاختفى وطلب الأمان فلم يؤمنه زياد وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه.)
ثانيا : وصف دينهم بالمروق ( أى مرقوا من دين قريش )

  1 ـ بدأ هذا فى روايتين عن (على بن ابى طالب ) :

1 / 1 : (.. قد روى جماعة أن علياً كان يحدث أصحابه قبل ظهور الخوارج أن قوماً يخرجون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد، سمعوا ذلك منه مراراً، فلما خرج أهل النهروان سار بهم إليهم ( علي ) وكان منه معهم ما كان، فلما فرغ أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما نجده، حتى قال بعضهم: ما هو فيهم، وهو يقول: " والله إنه لفيهم، والله ما كذبت ولا كذبت! " ثم إنه جاءه رجل فبشره فقال: يا أمير المؤمنين قد وجدناه.) (  وقيل: بل خرج (علي ) في طلبه قبل أن يبشره الرجل ، ومعه سليم بن ثمامة الحنفي والريان بن صبرة ، فوجده في حفرة على شاطىء النهر في خمسين قتيلاًن ، فلما استخرجه نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة وحلمة عليها شعرات سود فإذا مُدّت امتدت حتى تحاذي يده الطولى ثم تترك فتعود إلى منكبيه. فلما رآه قال: " الله أكبر ما كذبت ولا كذبت، لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قص الله على لسان نبيه، صلى الله عليه وسلم، لمن قاتلهم مستبصراً في قتالهم عارفاً للحق الذي نحن عليه.. ) . غنى عن الذكر أن النبى محمدا عليه السلام لم يكن يعلم غيب المستقبل وإذا قاله (على ) ونسبه للنبى عليه السلام فقد إفترى برهانا وإثما عظيما يضاف الى سجل أعماله فى القتل فى سبيل السُّلطة والمال.

1 / 2 : ( وقال (على ) : " إذا حدثتكم فيما بينى وبينكم فإن الحرب خدعة ، وإذا حدثتكم عن رسول الله ، فوالله لأن أخرّ من السماء أحبُّ إلى من الكذب عليه ، وإنى سمعته يقول : يخرج قوم فى آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فأينما لقيتهم فاقتلهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة ) . يذكر ما سيحدث ( آخر الزمان ) مع أن وقت ظهور الخوارج لم يكن آخر الزمان. هذا إفتراء ، . ولكن يهمنا هنا أن تشريع الدين القرشى يأتى بقتلهم وقتالهم والمثوبة على ذلك ، والمعنى أن الدين القُرشى يواجه دين الخوارج بالاتهام بالمروق ( عن دين الخلفاء الفاسقين ) .

2 ـ ومع إستمرار الخروج فى العصرين الأموى والعباسى راجت صيغ أخرى من أحاديث تتهم الخوارج بالمروق عن الدين القرشى. فقد صاغوا حديثا منسوبا للنبى محمد عن الشاعر الأموى المشهور ( الفرزدق ) يرويه عن أبى سعيد الخدرى يزعم : ( قلت لأبى سعيد الخدرى : قبلنا قوم يصلون صلاة لا يصليها احد ويقرءون قراءة لا يقرؤها أحد " ، وكان متكئا فاستوى جالسا ، وقال : " سمعت رسول الله يقول : " إن قبل المشرق قوما يقرءون قراءة لا تُجاوز حلوقهم ) . لم يذكروا ظهور الخوارج غربا فى شمال أفريقيا .

3( ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻫﺮﻳﺮﺓ ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ ﷲ ﻳﺨﺮﺝ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻗﻮﻡ ﻳﻘﺮﺅﻭﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻓﺎﺗﺤﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﺧﺎﺗﻤﺘﻪ  ﻻ ﻳﺠﺎﻭﺯ ﺣﻨﺎﺟﺮﻫﻢ ﻳﻤﺮﻗﻮﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻛﻤﺎ ﻳﻤﺮﻕ ﺍﻟﺴﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﻣﻴﺔ ) ( يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم ، يقرآون القرآن ولا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية تنظر فى القدح فلا ترى شيئا وتنظر فى الريش فلا ترى شيئا .. ) يهمنا هنا تكرار وصف الخوارج بالتطرف فى العبادة من صلاة وصوم وقراءة للقرآن .

 ( 3 ): لماذا إختار الخوارج الحاكمية دينا ؟

1 ـ رأينا أنه التعصب القبلى ( نسبة للقبيلة ) . وفى الطريق بحث قادم بعون الرحمن جل وعلا عن أثر العصبية القبلية فى الدولة الأموية. ولكن نكتفى هنا بلمحة تخص موضوعنا عن أثر التعصب القبلى فى إختيار الخوارج الحاكمية دينا رفضا لدين قريش .

2 ـ ينقسم العرب الى قسمين كبيرين : عرب اليمن القحطانيون ، والعرب المستعربة من نسل إسماعيل بن ابراهيم ، والمعرون من أقدم أجدادهم هو نزار بن معد بن عدنان .  وقد أنجب نزار ثلاثة أولاد هم ( مُضر ) و ( ربيعة ) و ( إياد ) . من مضر تناسلت قبائل كثيرة منها كنانة ومنه فرع قريش . قبائل ربيعة هى أكثرية عرب الشرق وفى نجد بينما تركز معظم قبائل ( مُضر ) فى الحجاز والغرب.

أما عرب اليمن ( قحطان ) فتوزعوا ، ومنهم قبيلة كلب فى جنوب الشام . وتوثقت علاقة قريش بقبيلة كلب التى كانت تسيطر على الطرق التجارية وتحمى رحلتى الشتاء والصيف الى الشام ، وكان الأمويون هم قادة القوافل لذا تأسست علاقتهم بكلب وأصهر معاوية الى زعيم قبية كلب وتزوج ابنته ميسون بنت بحدل فأنجب منها إبنه يزيد.

ولم تكن العلاقة جيدة بين قريش المُضرية وقبائل ربيعة ، وقبيلتا بكر وتغلب من نسل ربيعة بن نزار . ومن بكر بن وائل كان معظم الخوارج .

3 ـ دخل العرب فى الاسلام السلوكى وتناسوا العصبية القبلية وإستبدلوها بالأخوة فى الاسلام الذى يكون فيه الأكرم عند الله جل وعلا هو الأتقى ، وسيكون هذا معروفا يوم القيامة طبقا لقوله جل وعلا : (  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ الحجرات ). أى جعلنا رب العزة شعوبا وقبائل مختلفة فى اللسان والألوان لكى نتعارف سلميا لا لنتقاتل حربيا. الشورى الاسلامية عرضنا لها هنا فى بحث منشور ، وبها تخلص العرب من سيطرة الملأ ، سواء كان من قريش أو من المدينة وهذا بتحجيم سيطرة المنافقين الأكثر ثراءا ونفوذا، ثم هناك الحرية المطلقة فى الدين طالما إلتزم الفرد بالسلام وعدم الإكراه فى الدين وعدم إستغلال الدين فى إكراه الناس على تقديم الصدقات . بالمساواة وبالشورى والسلام والحرية الدينية إستراح العرب من حروبهم مؤقتا بأن دخلوا فى الاسلام السلوكى أفواجا . تغيّر هذا بما فعله رائد الخلفاء الفاسقين ( ابو بكر )، إذ عادت العصبية القبلية قوية وظهرت فى حركة الردة ،  وكانت أعتى حركات الردة هى التى تزعمها مسيلمة الكذاب ، وحظى على تأييد قبائل ربيعة مع علمهم بأنه كذاب ، لكن إشتهر قولهم (كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر. ) . النبى محمد عليه السلام ينتمى الى قبائل ( مضر ) ، وقد مات وتولى بعده قرشى مضرى يريد أن يعلو عليهم ، لذا فالمتنبىء الكذاب أفضل عندهم من النبى المضرى القرشى الصادق الذى مات.

4 ـ وأشرنا الى دخول القبائل العربية أفواجا تحت قيادة قريش فى الفتوحات الإجرامية ، وكان منهم قادة المرتدين سابقا. بعد توقف الفتوحات فى عهد عثمان بدأ التذمر من فساد عثمان وإستئثاره بالأموال ، وإنفجر الخلاف بقضية ( السواد ) وهو الأرض الزراعية المتاخمة للصحراء النجدية ، والتى كانت قبائل ربيعة تعتبرها ملكا خاصا لها. إعتبرت قريش هذا السواد ملكية لها ، وأسموه ( بستان قريش ) ، بهذا تحولت نقمة الأعراب الى ثورة على عثمان إنتهت بقتله ، وتعيين (على ) خليفة.

ليزايدوا على (على ) تفانى أولئك الأعراب فى القتال وتفانوا فى العبادة ، وأيضا زايدوا عليه فى الحكم ، يفرضون رأيهم عليه ويعصونه ، لذا كان (على ) يناديهم ( يا أهل العراق ، يا اهل الشقاق والنفاق ) . أرغموه على الرضى بالتحكيم ، ثم أرادوا إرغامه على رفض التحكيم بحجة أن لا حكم إلا لله ، ثم خرجوا عليه بهذا الدين الجديد الذى يعنى كراهية حكم قريش. وأساس هذا هو عصبيتهم القبلية ضد قريش .

5 ـ على أن العصبية القبلية كان لها تأثير خطير آخر بجانب إنتاج الخوارج ودينهم (  لا حكم إلا لله ) . ونستشهد بعام 46 ، وهو أخطر الأعوام ، والذى حدث فيه موت يزيد بن معاوية وتولى معاوية ثم إعتزاله وموته ، وإنضمام الضحاك بن قيس زعيم القبائل القيسية المضرية لابن الزبير ،ومن ثم إستفحال دعوة عبد الله بن الزبير ، وإجتماع الأمويين فى مؤتمر الجابية وإختيارهم مروان بن الحكم خليفة ، ووقوف القبائل اليمنية ( خصوصا قبائل كلب ) الى جانب الأمويين ، وحدثت موقعة مرج راهط ، والتى كانت صراعا قبليا ( من القبيلة ) بين قبائل قيس المُضرية العدنانية وقبائل كلب اليمنية القحطانية . وإنهزمت قيس وقُتل زعيمها الضحاك ، وتأجّجت العداوة بين قيس المضرية العدنانية وكلب اليمنية القحطانية .  والجد الأعلى لقيس هو ( مُضر ) : هو  ( قيس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ) ، ومن قبائل قيس : هوازن وغطفان وسليم وفهم وباهلة ومازن وغنى .

ومن قادة ( مُضر ) وقتها كان عبد الله بن خازم السلمى أحد قادة الفتوحات البغى فى فارس ، وكان والى فارس فى عهد معاوية . وتولى فارس فى عام 64 ،  السبب أن ابن زياد عيّن على خراسان ( المهلب بن أبى صفرة )، وهو من الأزد ، والأزد من قبائل اليمن القحطانية ، وفى مناطق أخرى من خراسان (مروالروذ والفارياب والطالقان والجوزجان  ) كان هناك وال آخر من ( ربيعة ) ينتمى لقبيلة بكر بن وائل هو (سليمان بن مرثد) ، وبالتالى لا وجود لوال من ( مّضر ) . إتخذها عبد الله بن خازم فرصة إذ قال لوالى العراق : ( أما وجدت في المصر من تستعمله حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل واليمن ؟ اكتب لي عهدًا على خراسان‏.‏ ) تقول الرواية : ( فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم‏.‏ ). وجرت حروب بين القبائل فى خراسان ، بين قبائل اليمن وقبائل ( مُضر ) ، وبين قبائل مضر وقبائل ( ربيعة ) . وقال عبد الله بن خازم مقالته المشهورة عن حقد قبائل ربيعة على بنى عمومتهم ( مُضر ) :  ( إن ربيعة لم تزل غضابًا على ربها منذ بعث نبيه من مضر‏. ).! .

6 ـ  وفى مقالته تلك يفضح نفسية الخوارج لأن معظم الخوارج من قبائل ربيعة ، وأشهر قادة الخوارج من قبائل ربيعة خصوصا قبائل بكر بن وائل . ومنهم ( نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن وهب الراسبي، وحرقوص بن زهير، وشبيب بن يزيد. ).  وهم جميعا يشتركون فى الحقد على قريش المُضرية.

7 ـ إنتشرت قبائل ربيعة فى العراق وخراسان ، ومنهم خوارج كانت لهم وقائع حربية ضد الدولة الأموية ، وتزايد هذا فى أواخر العهد الأموى فى خلافة مروان بن محمد ، الذى واجه الخوارج وغيرهم ، بل ثار عليه بعض أهله ومنهم ( سليمان بن هشام بن عبد الملك ) الذى إجتمع له أكثر من سبعين ألفا ، ولكن هزمه الخليفة مروان وقتل منهم أكثر من ثلاثين ألفا ، وأمر بقتل الأسرى إلا من كان مملوكا ، فزعم كثيرون أنهم عبيد للنجاة بحياتهم ـ فأمر مروان ببيعهم عبيدا . وهرب سليمان من المعركة ، وحاول حرب مروان مرة أخرى فإنهزم أيضا ، وواصل الفرار .

وقتها سيطر الضحاك الخارجى على الكوفة ، وتحارب مع الوالى الأموى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، والذى كان فى حرب أيضا مع ابن عمه الخليفة مروان بن محمد ، ورأى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز أن يوقف الحرب مع الضحاك الخارجى وأن يتحالف معه ضد ابن عمه الخليفة مروان بن محمد. ولكن التحالف مع الضحاك الخارجى يستلزم الخضوع له وأن يدخل فى طاعته. وقتها جاء سليمان بن هشام بن عبد الملك هاربا منهزما من مروان بن محمد ، ولحق بابن عمه عبدالله بن عمر بن عبد العزيز ، وذهبا الى الضحاك الخارجى وبايعاه بالخلافة. تقول الرواية : ( حتى صار إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بالعراق فخرج معه إلى الضحاك فبايعه وحرض على مروان؛ فقال بعض شعرائهم:
ألم تر الله أظهر دينه ** وصلّت قريش خلف بكر بن وائل ).

الشاهد هنا أن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن هشام بن عبد الملك بايعا زعيم الخوارج فى العراق بالخلافة نكاية فى الخليفة ابن عمهم ( مروان بن محمد ) وحرّضاه على قتال مروان. لذا قال الشاعر ( ألم تر الله أظهر دينه ** وصلت قريش خلف بكر بن وائل ) . هذا الشاعر يعبر عن ثقافة الخوارج . أى ( قريش ) يمثلها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن هشام بن عبد الملك ( تصلى ) أى تخضع ل ( بكر بن وائل ) ، أى الخوارج لأن معظم الخوارج من قبائل بكر بن وائل بن ربيعة . وقبائل ربيعة كما قال عبد الله بن خازم السلمى : ( إن ربيعة لم تزل غضابًا على ربها منذ بعث نبيه من مضر‏. ).! .

من المشترك بين الخوارج والأمويين

1 ـ تعصب الأمويون للعرب وإحتقروا الموالى ، والخوارج مع رأيهم ( الديمقراطى ) فى الحكم فلم يبثوا دعوتهم بين الموالى فى العراق وفارس وخراسان . وهذا ما تنبهت له دعوة بنى العباس إذ إعتمدت على الخراسانيين ، وإنتشر التشيع فى فارس والعراق ، وكان أعمدته من الموالى.

2 ـ وإشترك الأمويون والخوارج فى موضوع السبى . مارسوا السبى فى حروبهم المحلية ، الخوارج كانوا يستبقون بعض النساء ( المسلمات ) للسبى ، والأمويون كانوا يسبون نساء الخوارج . وجدير بالذكر أن السبى جرى فى حروب الردة قبلها ، أى رجعت قريش والمرتدون الى ما إعتادوه فى حروبهم الجاهلية من سبى النساء ، ثم إرتكبوا نفس الفعل على نطاق عالمى وأوسع فى فتوحاتهم الباغية فى آسيا وأفريقيا .

2 / 1 : فى عهد عبد الملك بن مروان أرسل أخاه عبد العزيز بن مروان لقتال الخوارج الأزارقة ، فهزم الأزارقة ، وسبى زوجة زعيمهم ، تقول الرواية إن عبد الملك بن مروان : (   بعث أخاه عبد العزيز على قتال الأزارقة فهزم ، وأخذت زوجته بنت المنذر بن الجارود فأقيمت فيمن يزيد ، فبلغت مائة ألف . وكانت جميلة فغار رجل من قومها ، كان من رؤوس الخوارج ، فقال‏:‏ " تنحوا ما أرى هذه المشركة إلا قد فتنتكم . " فضرب عنقها‏. ) أى عرضها الأمويون للبيع ، ولأنها جميلة فقد تزايدوا فى ثمنها الى مائة ألف . وكان بين الحاضرين رجل من قومها كان من قبل من الخوارج ثم إنشق عليهم وإنضم للأمويين ، ولما رآهم يتزايدون فى سعرها شعر بالغيرة والعصبية فقتلها، وسماها ( مشركة ) . كان من قبل يصف الأمويين بالكفر والشرك ، فلما تركهم وإنضم للأمويين وصف الخوارج بالكفر والشرك ..

2 / 2 : وفى حروب الحجاج مع الجيش المنشق عنه تحت قيادة ابن الأشعث أسر الحجاج بعض النسوة اللاتى كُنّ فى الجيش المعادى ، فأغار ( بسطام من مصقلة بن هبيرة الشيباني، ) ( قائد الخوارج من قبيلة ربيعة ) على جيش الحجاج ، وإستنقذ ثلاثين إمرأة كن سبايا . وأطلقهن .   

3 ـ و كلاهما إستخدم الدين فى حربه ضد الآخر.

3 / 1 : زعم الخوارج أن الحكم ( السياسى ) لله جل وعلا وليس لقريش ، فقد ردّت عليهم قريش بحديث صنعوه يقول ( الأئمة من قريش ) .

3 / 2  ـ وبينما كان الخوارج يؤمنون أن قتلهم ( المسلمين ) جهاد ، فإن عبيد الله بن زياد وهو فى محنته عام 64  برّر كل جرائمه ومنها قتل الحسين ، ولكن قال عن قتاله وقتله للخوارج: (وأما قولك ليتني لم أكن قتلت من قتلت فما عملت بعد كلمة الإخلاصعملًا هو أقرب إلى الله عندي من قتل من قتلت من الخوارج ).!

3 / 3 : وتبادل الخوارج والأمويون إتهام بعضهم بأنه عدو الله .

3 / 3 / 1 : كان المهلب بن أبى صفرة يحارب الخوارج الأزارقة باسم عبد الله بن الزبير فلما هلك ابن الزبير إنضم المهلب الى عبد الملك وظل يحارب الخوارج ولكن بإسم عبد الملك بعد أن كان من قبل يتبرأ من عبد الملك. تقول الرواية : ( اقتتلت الأزارقة والمهلب بسولاف ثمانية أشهر أشد القتال ، فأتاهم قتل مصعب بن الزبير فبلغ ذلك إلى الأزارقة قبل المهلب فنادت الخوارج لعسكر المهلب‏:‏ ما قولكم في مصعب فقالوا‏:‏ إمام هدى قالوا‏:‏ فما قولكم في عبد الملك قالوا‏:‏ نحن براء منه قالوا‏:‏ فإن مصعب قد قتل وستجعلون غدًا عبد الملك إمامكم‏. فلما كان من الغد بلغ المهلب الخبر فبايع لعبد الملك فقالت الخوارج‏:‏ يا أعداء الله أنتم أمس تتبرأون منه وهو اليوم إمامكم‏.‏)

3 / 3 / 2 : فى موقعة دير الجماجم بين الحجاج الوالى الأموى والجيش الخارج عليه نادى الجيش الأموى الخوارج : (  يا أعداء الله قد هلكتم وقد قتل طاغيتكم! ).

4 : ومع كل هذه الحروب ضد الخارج فقد حافظ الفريقان على تأدية الصلاة . وقد تعرضنا للخوارج فى صلاتهم ، ونكتفى بروايتين عن قادة الأمويين :

4 / 1 : تحت عنوان ( ذكر غزوة الغور:عام 47  ) تقول الرواية : ( في هذه السنة سار الحكم بن عمرو إلى جبال الغور فغزا من بها، وكانوا ارتدوا، فأخذهم بالسيف عنوةً ، وفتحها وأصاب منها مغانم كثيرة وسبايا، ...) وتقول الرواية عن الحكم :  (.. فشرب وتوضأ وصلى ركعتين، وكان أول المسلمين فعل ذلك ثم رجع.) صلى ركعتين ثم قاتل باغيا وسبى التنساء ونهب وسلب . وهو يحسب أنه يحسن صنعا. ولماذا ؟ لأن أهل الغور ( إرتدوا ) أى ثاروا على الاحتلال العربى والظلم العربى.!
4 / 2 : عبد الله بن خازم الفاتح فى خراسان لحساب الأمويين قيل فيه أنه كانت له:( عمامة سوداء يلبسها في صلاة الجمعة والأعياد والحروب، فإذا أنتصر تعمم بها تبركا بها.

الفصل الثانى عشر : الصلاة الشيطانية بين الحجاج بن يوسف وشبيب الخارجى

 (1 ) عن الحجاج

مقدمة:

1 ـ الحجاج بن يوسف الثقفى ( 40 : 95 ) أشهر والى أموى ، فى بدايته كان معلما للقرآن ، ثم عمل شرطيا لدى عبد الملك بن مروان ، ولفت الانتباه بهمته وحزمه فأصبح رئيس الشرطة ، ثم كان الذى قضى على ابن الزبير ، وصار واليا على العراق وما يتبعه ، فأنقذ الدولة الأموية فى هذا الجزء الذى تأتى منه الفتن . أما شبيب الخارجى فهو : (شبيب بن يَزيد بن نعيم بن قيس الشيباني ( 26 : 77  ) أشهر قادة الخوارج وأشجعهم.  وقد تحارب الحجاج وشبيب ، وتشاركا فى أداء الصلاة ، وكان للمسجد منزلة فى هذا الصراع الحربى. 2 ـ وتشارك الأمويون والخوارج الحرص على الصلاة حتى فى الإقتتال بينهما. وفى عام  43 وفى الصراع بين معاوية والخوارج كان قتل (المستورد بن علفة ) الخارحى ، ونقتطف بعض ما جاء فى هذا تحت عنوان :  ( ذكر مقتل المستورد الخارجي:( ..فجعلت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا عنهم، فإذا عاد الخوراج رجع أبو الرواغ في آثارهم، فلم يزالوا كذلك إلى وقت الظهر، فنزل الطائفتان يصلون ثم أقاموا إلى العصر، .. فتقدم حتى وقف مقابل الخوارج ولحقهم معقل، فلما دنا منهم غربت الشمس فصلى بأصحابه وصلى أبو الرواغ بأصحابه وصلى الخوارج أيضاً.. ) . فيما نكتب لا تعنينا  التفصيلات ، بل ما جاء بين سطورها إشارة الى الصلاة أو المسجد . 

3 ـ وننتاول طائفة من أخبار الحجاج تجمع بين صلاته وإسرافه فى الدماء :

أولا : الحجاج بين الاسراف فى القتل والصلاة

1 ـ  عن تولية الحجاج واليا ( للصلاة ) على العراق عام 75 ، تقول الرواية عن دخوله الكوفة : (  فبدأ الحجاج بالمسجد ، فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال: علي بالناس ) أى بدأ بالمسجد ليلقى منه بيانه الأول للناس ، فالمسجد لم يعد بيت الله جل وعلا يعمره من يخشى الله جل وعلا ، بل هو بيت الشيطان ومسجد ضرار . وإجتمع الناس فظل ساكتا ملثم الوجه ، فإستخف به بعضهم وكانوا قد تعودوا الاستهزاء بالولاة . تقول الرواية عن الحجاج : ( .. وهو ساكت قد أطال السكوت، فتناول محمد بن عمير حصباء وأراد أن يحصبه بها وقال: " قاتله الله ما أغباه وأذمة! ..." ) وخطب الحجاج خطبة خطيرة على مثال خطبة زياد ابن أبيه من قبل ، فإرتعب ذلك الرجل إبن عمير ، تقول الرواية : ( فلما تكلم الحجاج جعلت الحصباء تنتثر من يده وهو لا يعقل به، )

2 ـ وعن خطبة الحجاج تقول الرواية : ( قال: ثم كشف الحجاج عن وجهه وقال:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ** متى أضع العمامة تعرفوني

.. إنّى لأرى رؤوساً قد أينعت وقد حان قطافها، إني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى قد شمرت عن ساقها تشميراً .. إني والله يا أهل العراق ما أغمز كتغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذكاء، وجريت إلى الغاية القصوى. ثم قرأ(وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنةً بأتيها رزقها رغداً من كل مكانٍ فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)  النحل:  )112 )). وواصل التهديد ، ومنه قوله لهم : (والله لتستقيمن على الحق أو لأضربنكم بالسيف ضرباً يدع النساء أيامى، والولدان يتامى، ) وعن تثاقلهم عن الانضمام لعسكر المهلب بن أبى صفرة المتجه لحرب الخوارج هددهم قائلا : (  وقد بلغني رفضكم المهلب .. وإني أقسم بالله لا أجد أحداً من عسكره بعد ثلاثة إلا ضربت عنقه وأنهبت داره!  ). بعدها أمر ( العرفاء ) بجمع الناس لحرب المهلب وإخباره عمّن يتخلف .

3 ـ حاولوا تهديده بالتكبير ( الله أكبر ) فخطبهم مهددا . تقول الرواية : ( فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيراً في السوق ، فخرج حتى جلس على المنبر فقال: " يا أهل العراق وأهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق! إني سمعت تكبيراً ليس بالتكبير الذي يراد به وجه الله ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الأيامى ألا يربع رجل منكم على ظلعة، ويحسن حقن دمه، ويعرف موضع قدمه! فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالاً لما قبلها وأدباً لما بعدها.) . هنا يصف تكبيرهم أنه ليس لوجه الله ، كما لو كان التكبير الذى يستعمله الأمويون لوجه الله جل وعلا. هو إستخدام سياسى للتكبير ، وكل فريق يزعم إحتكار رب العزة ( جل وعلا ) لنفسه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

4 ـ وأمر بقتل شيخ طاعن فى السّن هو( عمير بن ضابىء التيمى ) ونهب داره ،عقابا على انه كان ممن إشترك فى قتل عثمان. وأمر مناديا ينادى : ( " ألا إن عمير بن ضابئ أتى بعد ثلاثة وكان سمع النداء فأمرنا بقتله، ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يأت الليلة من جند المهلب." ) هنا يجعل الذمة ( ذمة الله ) هو أيضا إحتكار لرب العزة ، كما لو أن رب العزة جل وعلا أعطاه تفويضا بالقتل. تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا. 

5 ـ بعدها ذهب الى البصرة ، تقول الرواية ( خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة وتوعد من رآه منهم بعد ثلاثة ولم يلحق بالمهلب، فأتاه شريك بن عمرو اليشكري، وكان به فتق، وكان أعور يضع على عينه قطعةً.. فقال: أصلح الله الأمير، إن بي فتقاً وقد رآه بشر بن مروان فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت المال ، فأمر به فضربت عنقه، فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلا لحق به.  ) أى كان لديه عُذر للتخلف عن القتال ، وعرض ألا يأخذ عطاءه أو مرتبه مقابل الإعفاء من القتال ، ولكن قتله الحجاج. وبهذا الارهاب تكامل جيش المهلب.

6 ـ كان الحجاج أول من عاقب بقتل من يتخلف عن الاشتراك فى ( الجهاد الأموى ) فى الغزو الخارجى او الحروب ضد الخوارج . إذ كان العرب يتقاضون عطاءا مقابل تجنيدهم فى الحرب ، وبعضهم كان يتخلف فيلحقه العقاب.  كان العقاب فى عهد عمر وعثمان وعلى التشهير ، ثم أضاف مصعب بن الزبير عقوبة حلق الرءوس واللحى ، ثم أضاف بشر بن مروان بن الحكم والى الصلاة فى العراق عقوبة التسمير . وجاء الحجاج فجعل عقوبة القتل. قال الشعبى أشهر رواة العصر الأموى : ( كان الرجل إذا أخل بوجهه الذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلي نزعت عمامته ويُقام للناس ويُشهر أمره، فلما ولي مصعب قال: ما هذا بشيء، وأضاف إليه حلق الرؤوس واللحى، فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمر في يديه مسماران في حائط، فربما مات وربما خرق المسمار كفه فسلم،  ..فلما كان الحجاج قال: هذا لعب، أضرب عنق من يخل مكانه من الثغر.).

 7ـ بدأ الحجاج مدينة واسط بين الكوفة والبصرة ،فى عام توليه العراق ( عام  75 )، وجعلها عاصمة له . وحرص فى تخطيطها على أن يتوسطها المسجد ، تقول الرواية ( .. فابتدأ في البناء من سنة خمس وسبعين فبنى القصر والمسجد والسورين وحفر الخندق في ثلاث سنين وفرغ في هذه السنة ) اى عام 78 . وتقول الرواية : ( ثم نقل إليها من وجوه أهل الكوفة وأمرهم أن يصلوا عن يمين المقصورة ، ونقل من وجوه أهل البصرة وأمرهم أن يصلوا عن يسار المقصورة ، وأمر من كان معه من أهل الشام أن يصلوا بحياله مما يلي المقصورة. ) . إبتدع معاوية بناء ( المقصورة ) فى المسجد بعد أن تعرض لمحاولة إغتيال من الخوارج، وصار عادة أن يبنى والى الصلاة مقصورة فى مسجده للحماية إذ صار المسجد موقعا حربيا . وهذا ما فعله الحجاج فى مسجد واسط. بنى المقصورة ثم حدّد مكانا لصلاة أتباعه من الكوفة وآخر لصلاة للبصريين وثالثا لصلاة أتباعه من الشام. ولم ينس أن يبنى فى واسط سجنا يقتل فيه الناس الأبرياء صبرا.

  8 ـ إشتهر الحجاج بالفصاحة ، وكان يحلو له أن يطيل فى خطبة الجمعة والتى جعلها الأمويون دعاية سياسية ، وأثار تطويله فى خطبة الجمعة إعتراض عبد الله بن عمر من قبل فإحتج ودفع ابن عمر ثمن إحتجاجه بأن قتله الحجاج غيلة. ومارس الحجاج تطويل خطبة الجمعة فإعترض عليه الحسن البصرى أشهر الزٌّهاد فى البصرة ، تقول الرواية عن الحسن ( البصرى ) : ( أقام الحسن حتى صلى الجمعة خلف الحجاج فرقي الحجاج المنبر فأطال الخطبة حتى دخل في وقت العصر فقال الحسن‏:‏ أما من رجل يقول‏:‏ الصلاة جامعة فقال رجل من تلامذة الحسن‏:‏ يا أبا سعيد أتأمرنا أن نتكلم والإمام يخطب فقال‏:‏ إنما أمرنا أن ننصت لهم إذا أخذوا في أمر ديننا فإذا أخذوا في أمر دنياهم أخذنا في أمر ديننا قوموا الصلاة جامعة ثم التفت إلى جلسائه فقال‏:‏ بعث إليكم أخيفش أعيمش ملعون معذب قوموا الصلاة جامعة فقام الحسن وقام الناس لقيام الحسن فقطع الحجاج الخطبة ونزل فصلى بهم وطلب الحجاج الحسن فلم يقدر عليه‏. ).

9 ـ ولأن الحجاج كان يعلّم الصبية القرآن فقد إشتهر أيضا بحُسن قراءته للقرآن . ( ..وقال ابن عوف: كنت إذا سمعت الحجاج يقرأ عرفت أنه طالما درس القرآن. ) .ولم يغير هذا شيئا فى إسرافه فى الدماء . قال أحدهم : ( سمعت الحجاج يقول: .. والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا حلت لي دماؤكم؟، ) أى إستحل القتل لأى مخالفة لأمره.

10 ـ بعد إنتصاره على الخارجين عليه فى معركة دير الجماجم أسرف الحجاج فى قتل الأسرى . فإشترط عليهم أن يبايعوه ولا بد لمن يبايعه أن يشهد على نفسه بالكفر. أى إنه كفر حين (خرج ) على دين الأمويين. تقول الرواية : ( ..وأخذ الحجاج يبايع الناس، وكان لا يبايع أحداً إلا قال له: اشهد أنك كفرت، فإن قال: نعم، بايعه، وإلا قتله، فأتاه رجل من خثعم كان معتزلاً للناس جميعاً فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله، فقال له: أنت متربص، أتشهد أنك كافر؟ قال: بئس الرجل! أنا أعبد الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر! قال: إذاً أقتلك. قال: وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمري إلا ظمء حمار. فقتله .. وأتي بآخر من بعده، فقال له الحجاج: أرى رجلاً ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر. فقال له الرجال: أتخادعني عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون. فضحك منه وخلي سبيله.)

11 ـ وكان يسجن الناس بمجرد الشُّبهة . تقول الرواية فى تاريخ المنتظم لابن الجوزى (وُجد في سجن الحجاج ثلاثة وثلاثون ألفا ما يجب على أحد منهم قطع ولا قتل ولا صلب . ) أى أبرياء لا يستحقون العقاب . وكان سجنهم يعنى تركهم حتى الموت ، أو بتعبير عصرهم ( الموت صبرا ) ، تقول الرواية : ( أُحصي من قتله الحجاج صبراً فكانوا مائة ألف وعشرين ألفاً. ) وقيل فى وصف سجن الحجاج فى عاصمته ( مدينة واسط  ) : ( كان سجن الحجاج بواسط إنما هو حائط محوط ليس فيه مآل ولا ظل ولا بيت ، فإذا آوى المسجونون إلى الجدران يستظلون بها رمتهم الحرس بالحجارة . وكان يطعمهم خبز الشعير مخلوطًا به الملح والرماد ، فكان لا يلبث الرجل فيه إلا يسيرًا حتى يسود فيصير كأنه زنجي . فحبس فيه مرة غلام فجاءته أمه تتعرف خبره ، فصيح به لها ، فلما رأته أنكرته ، قالت‏:‏ " ليس هذا ابني كان ابني أشقر أحمر وهذا زنجي .! "  فقال لها‏:‏ " أنا والله يا أماه ابنك ، أنا فلان وأختي فلانة وأبي فلان . " فلما عرفته شهقت فماتت‏.)
12 ـ وبهذا نشر الحجاج الارهاب فى العراق. ونأخذ مثلا على ذلك مما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى في ترجمة فقيه الكوفة في عهد الحجاج وهو " إبراهيم ألنخعي  " الذي عاش حياته في رعب من الحجاج حتى مات دون الخسمين بعد وفاة الحجاج ببضعة اشهر سنة 96 هجرية ، لقد أرسل الحجاج شرطيا للقبض على إبراهيم النخعى ، وكان عنده في البيت رفيقه إبراهيم التيمي فجاء الشرطي للبيت يقول : " أريد إبراهيم "، فأسرع إبراهيم التيمي يقول : "أنا إبراهيم ".  وسار مع الشرطي للحجاج وهو يعلم أن المطلوب هو  إبراهيم النخعى ، ولكن لم يرد أن يدل عليه، وجيء به للحجاج  فأمر بحبسه بدون تهمة ، يقول ابن سعد  "  ولم يكن لهم ظل من الشمس ولا كن من البرد ، وكان كل اثنين في السلسلة فتغير إبراهيم فجاءته أمه في الحبس فلم  تعرفه حتى كلمها ، فمات في السجن " .                                                          

وأثرت تلك الحادثة على سلوك الفقيه الشاب إبراهيم ألنخعي فسيطر عليه الرعب من الحجاج ما بقي الحجاج حيا . وظل حينا من الدهر مستخفيا في بيت صديقه أبي معشر تطارده وساوسه ومخاوفه من إرهاب الحجاج .   وكان في لقاءاته السرية مع أصحابه يستحل لعن الحجاج مستدلا بقوله تعالي " ألا لعنة الله علي الظالمين " ويتشجع أحيانا فيسب الحجاج . وإذا كان يجلس مع غرباء فإنه يأخذ جانب الحذر والتوجس مخافة أن يكون بينهم أعوان للحجاج ، وهو يتذكر وصية قالها له أحد أصدقائه : ( تذهب إلي المسجد الأعظم فيجلس إليكم العريف والشرطي ؟ ) ،ويكون إبراهيم ألنخعي أكثر حصافة فيقول لهم : ( نجلس في المسجد فيجلس إلينا العريف والشرطي أحب من أن نعتزل فيرمينا الناس برأي بهوي ..). أي كان  يخاف من الانزواء ، ويخاف أيضا من إظهار آرائه ، لذلك كان يظهر امام الناس انتقاده للمرجئة ويقول لبعض الشيعة علي مسمع الجالسين : ( أما إن عليا لو سمع كلامك لأوجع ظهرك ، وإذا كنتم تجالسوننا بهذا فلا تجالسوننا .). ولم يتخلص إبراهيم النخعي من شبح الحجاج إلا عندما بشره صديقه حماد بموت الحجاج يقول حماد: ( بشرت  إبراهيم بموت الحجاج فسجد ، وما كنت أري أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت إبراهيم يبكى من الفرح .). ومات إبراهيم النخعي بعد موت الحجاج ببضعة أشهر ، وقد اضطر أصحابه إلي دفنه ليلا وهم خائفون. لأن الارهاب الأموى كان سياسة دولة يقوم به ( والى الصلاة )  .

13 ـ وعدا هؤلاء قتل الحجاج آلافا مؤلفة بمجرد الظّن . تقول الرواية : ( وقال الحجاج ليزيد بن أبي مسلم‏:‏ كم قد قتلنا في الظنة قال‏:‏ ثمانين ألفًا‏. )

14 ـ ويقول ابن الجوزى فى المنتظم ، ( وهو عراقى ) : ( وبقي الحجاج في إمرته على العراق تمام عشرين سنة وكان مقدمًا على القتل والظلم ). (   .. ولما حضرته الوفاة استخلف على الصلاة ابنه عبد الله بن الحجاج، واستخلف على حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبي كبشة، وعلى خراجهما يزيد بن أبي مسلم، فأقرهما الوليد بعد موته ولم يغير أحداً من عمال الحجاج.)

 15 ـ هذا عن الحجاج ، فماذا عن غريمه ( شبيب ) ؟ وماذا عن حروبهما ؟

(2  )  بين الحجاج وشبيب الخارجى  : لمحة عن  ( شبيب بن يزيد بن نعيم الشيبانى ) وزوجته غزالة

1 ـ قيل إن أباه ( يزيد بن نعيم أبا شبيب كان ممن دخل في جيش سلمان بن ربيعة إذ بعث به الوليد بن عقبة على أمر عثمان بن عفان إياه بذلك مددًا لأهل الشام إلى أرض الروم ، فلما قفل المسلمون أقيم السبي للبيع ، فرأى يزيد بن نعيم جارية حمراء لا شهلاء ولا زرقاء طويلة جميلة تأخذها العين فابتاعها ، وذلك سنة خمس وعشرين أول السنة . فلما أدخلها الكوفة قال‏:‏ " أسلمي " فأبت ، فضربها ، فلم تزدد إلا عصيانًا ، فأمر بها فأصلحت له ثم أدخلت عليه فلما تغشاها حملت ، فولدت له شبيبًا في ذي الحجة يوم النحر ، وكان يوم السبت ، وأسلمت قبل أن تلده ). أى إشترك يزيد بن نعيم فى حملة فى غزو الروم فى خلافة عثمان، ورجعوا بالسبى من النساء ، وعرضوا نساء السبى للبيع فى المزاد على العادة. فرأى يزيد فتاة أعجبته فإشتراها ، وحملت بشبيب.

وعاش شبيب مع قومه ربيعة الناقمين على قريش ، وسرعان ما أصبح أشهر قواد الخوارج فى العصر الأموى. تزعّم شبيب فرقة الحرورية من الخوارج ، وهزم عشرين جيشا للحجاج وخمسة من قواده فى مدة سنتين فقط .

2 ـ زوجته غزالة مولودة فى الموصل . وشاركت زوجها شبيب فى حروبه ضد الأمويين. كانت غزالة قد نذرت لله جل وعلا أن تصلى فى مسجد الكوفة ، فصاحبت زوجها حين دخل الكوفة غازيا للمرة الثانية ، وكان مع غزالة مائتان من نساء الخوارج مسلحات ، ووصلوا الى المسجد الجامع فقتلوا الحراس ومن يصلى فى المسجد ، وخطبت غزالة على المنبر، هذا بينما هرب منها الحجاج متحصنا فى قصره .

3 ـ سجل هذا الشعراء، ومنهم عمران بن حطان ( ت 84 ) وهو من الخوارج الشراة ،من شيبان بن بكر بن وائل. كان الحجاج يطارد هذا الشاعر الخارجى ، فقال الشاعر يعيّره :  أسد علىّ وفى الحروب نعامة      ربداء  تجفل من صفير الصافر

هلا برزت الى غزالة فى الوغى      بل كان قلبك فى جناحى طائر

صدعت غزالة قلبه بفوارس              تركت منابذه كأمس الدابر  

وصار قوله ( أسد علىّ وفى الحروب نعامة ) مثلا . 

ونعطى بعض التفصيل ، وفيها لا نهتم بتحركات القتال فى المعارك بين الحجاج وشبيب. نختار فقط السطور التى جاءت فيها إشارة للصلاة والمسجد وما يتصل بجعل الصراع بينهما دينيا ؛ دين الأمويين ودين الخوارج .

أولا : الصلاة والمسجد فى صراع الحجاج وشبيب :

1 ـ ( دخل شبيب الكوفة : ..... وذلك أنه لما قتل صالح كان قتله يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقين من جمادى الآخرة ، فقال شبيب لأصحابه‏:‏ بايعوني أو بايعوا من شئتم فبايعوه ، فخرج فقتل من قدر عليه . وبعث الحجاج جندًا في طلبه فهزمهم فبعث إليهم سورة بن الأبجر فذهب شبيب إلى المدائن فأصاب منها وقتل من ظهر له ، ثم خرج فأتى النهروان ، فتوضأ هو وأصحابه وصلوا ، وأتوا مصارع إخوانهم الذين قتلهم علي بن أبي طالب فاستغفروا لإخوانهم وتبرأوا من علي وأصحابه ، وبكوا فأطالوا البكاء ثم خرجوا فقطعوا جسر النهروان ونزلوا في جانبه الشرقي ثم التقوا فهزموا سورة.. ) . شبيب قتل ( من قدر عليه ) وقتل من ( ظهر له ) ثم ذهب يحُجُّ وأصحابه الى النهروان حيث كانت معركة النهروان التى قتل فيها (على ) معظم الخارجين عليه ، فتوضأ هو واصحابه وصلُّوا ، وبكوا علي أسلافهم قتلى النهروان واستغفروا لهم. .

 2 : ( ...ثم جاء شبيب حتى دخل الكوفة ومعه زوجته غزالة، وكانت نذرت أن تصلي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران، واتخذ في عسكره اخصاصاً، فجمع الحجاج ليلاً بعد أن لقي من شبيب الناس ما لقوا فاستشارهم في أمر شبيب، فأطرقوا، ) (.. أن غزالة امرأة شبيب نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران فدخل بها شبيب الكوفة فوفت بنذرها‏.  ). أى هو تمام التحدى للحلاج ، أن تصلى فى جامع الحجاج والأمويين فى الكوفة ( وهو رمز دينى لحكمه )، وأن تقرأ فيهما سورتى البقرة وآل عمران . أى كانت تحفظ  أطول سورتين فى القرآن .!

3 : ( .. ذكر قدوم شبيب الكوفة وانهزامه عنها:..  وجاء شبيب فعسكر بناحية الكوفة وأقام ثلاثاً، فلم يكن في اليوم الأول غير قتل الحارث ، فلما كان اليوم الثاني أخرج الحجاج مواليه فأخذوا بأفواه السكك، وجاء شبيب فنزل السبخة وابتنى بها مسجداً .. ). وفى رواية أخرى :  ( ..ثم أقبل إلى الكوفة وبعث الحجاج إليه جيشًا فهزمهم وجاء شبيب حتى ابتنى مسجدًا في أقصى السبخة  ) فى خضم معاركه شبيب يبنى مسجدأ .

4 : ( .. وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه، فوثبوا في وجهه، وما زالوا يطاعنونه ويضاربونه قدما ويدفعونه وأصحابه حتى أجازوهم مكانهم، وأمر شبيب أصحابه بالنزول، فنزل نصفهم، وجاء الحجاج حتى انتهى إلى مسجد شبيب ثم قال: " يا أهل الشام هذا أول الفتح "، وصعد المسجد ومعه جماعة معهم النبل ليرموهم إن دنوا منه، فاقتتلوا عامة النهار أشد قتال رآه الناس...) الحجاج إستولى على ( مسجد شبيب ) وإعتبر هذا أول الفتح لأن المسجد مركزا حربيا ، وإعتلى المسجد ومعه فريق من الرُّماة ليرموا جيش شبيب إن إقتربوا من المسجد الذى إبتناه شبيب. المسجد هنا مركز حربى. . 

5 : ( .. فخرج الناس يلعنون عنبسة بن سعيد لأنه هو الذي كلم الحجاج فيه حتى جعله من صحابته، وصلى الحجاج من الغد الصبح واجتمع الناس ...) . الحجاج يصلى الصبح ويجتمع اليه الناس فى المسجد.! الصلاة الشيطانية يؤدونها ــ كالعادة ـ فى معاركهم . لأنها أحد طقوس دينهم الشيطانى .

6 ـ عندما إقترب شبيب من جيش الحجاج فى الأنبار لم ينس أن يصلى المغرب. تقول الرواية : ( فخرج في أثره حتى نزل الأنبار، وكان الحجاج قد نادى عند انهزامهم: من جاءنا منكم فهو آمن. فتفرق عن شبيب ناس كثير من أصحابه. فلما نزل حبيب الأنبار أتاهم شبيب، فلما دنا منهم نزل فصلى المغرب ..).

7 ـ وفى رواية أخرى عن شبيب : ( فلما بلغ عتاب سوق حكمة أتاه شبيب، وكان أصحابه بالمدائن ألف رجل، فحثهم على القتال، وسار بهم، فتخلف عنه بعضهم، ثم صلى الظهر بساباط وصلى العصر وسار حتى أشرف على عتاب وعسكره، فلما رآهم نزل فصلى المغرب،  ..)

8 : التوقيت التوقيت بوقت الصلوات

8 / 1 :  ( ..  وخرج الحجاج نحو الكوفة فبادره شبيب إليها ، فنزل الحجاج الكوفة صلاة العصر ونزل شبيب السبخة صلاة المغرب. ) التوقيت هنا بمواقيت الصلاة : الحجاج يصل وقت صلاة العصر فى الكوفة ، وشبيب يصل وقت صلاة المغرب فى موضع آخر.

8 / 2 : ( .. ومضى هو في مائتين إلى الميمنة بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمر.. )

ثانيا : التكبير وإستعمال لفظ الجلالة

1 ـ  (ثم إن خالد بن عتاب قال للحجاج: ائذن لي في قتالهم فإني موتور، فأذن له، فخرج ومعه جماعة من أهل الكوفة وقصد عسكرهم من ورائهم فقتل مصاداً أخا شبيب وقتل إمرأته غزالة وحرق في عسكره. وأتى الخبر الحجاج وشبيباً، فكبر الحجاج وأصحابه، وأما شبيب فركب هو وأصحابه، وقال الحجاج لأهل الشام: احملوا عليهم فإنهم قد أتاهم ما أرعبهم. فشدوا عليهم فهزموهم، وتخلف شبيب في حامية الناس. فبعث الحجاج إلى خيله: أن دعوه، فتركوه ورجعوا، ودخل الحجاج إلى الكوفة فصعد المنبر ثم قال: والله ما قوتل شبيب قبلها، ولى والله هارباً وترك امرأته يكسر في استها القصب.). خالد بن عتاب قتل أخ شبيب وقتل غزالة فى هذه المعركة . وعندما عرف الحجاج صاح وأصحابه : ( الله أكبر ). ثم دخل الحجاج الكوفة وصعد منبر المسجد فيها وقال كلمة بذيئة فى حق غزالة (..وترك امرأته يكسر في استها القصب.! ) . نسى الحجاج أنه هرب منها متحصنا بقصره.!

2 ـ وعندما جاء الخبر بغرق شبيب فى نهر دجيل صاح سفيان قائد جيش الحجاج بالتكبير هو وجنوده : ( وكان أهل الشام يريدون الانصراف، فاتاهم صاحب الجسر فقال لسفيان: إن رجلاً منهم وقع في الماء، فنادوا بينهم: غرق أمير المؤمنين! ثم إنهم انصرفوا راجعين وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد، فكبّر سفيان وكبّر أصحابه، )

3 ـ  ( ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن الحكمي فبعثه في ثلاثة آلاف فارس من أهل الشام في أثر شبيب، وقال له: "احذر بياته وحيث لقيته فانزل له، فإن الله تعالى قد فل حده وقصم نابه"...). الحجاج ينسب إنتصاره على شبيب الى رب العزة جل وعلا بقوله : ( فإن الله تعالى قد فل حده وقصم نابه ) .

4 ـ  (   .. وحمل شبيب على خالد بن عتاب ومن معه وهو على ميسرة الحجاج فبلغ بهم الرحبة، وحمل على مطر بن ناجية وهو على ميمنة الحجاج فكشفه، فنزل عند ذلك الحجاج ونزل أصحابه وجلس على عباءة ومعه عنبسة بن سعيد، فإنهم على ذلك إذ تناول مصقلة بن مهلهل الضبي لجام شبيب وقال: ما تقول في صالح. فقال له مصقلة: برئ الله منك، وفارقه إلا أربعين فارساً. فقال الحجاج: قد اختلفوا،) . مصقلة الضبى من أتباع شبيب ، وإختلف معه فقال لشبيب : ( برىء الله منك ) . أى طالما تبرأ من شبيب فقد تبرأ الله من شبيب.!

5 ــ ( فاقتتلوا قتالًا شديدًا ، ثم حمل شبيب بجميع أصحابه ، ونادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه فما زالوا يطعنون ويضربون ، فنادى شبيب‏:‏ " يا أولياء الله فى الأرض " ، ثم نزل وأمر أصحابه فنزل بعضهم  .. ) . شبيب يجعل أصحابه ( اولياء الله ).

‏6 ـ (.. وبلغ شبيب أن عبد الرحمن بالأنبار ، فأقبل بأصحابه فبيتهم فما قدر عليهم بشيء لأنهم قد احترزوا ، وجرت مقتلة وسقطت أيد وفقئت أعين ، فقتل من أصحاب شبيب نحو من ثلاثين ، ومن الآخرين نحو من مائة . فملّ الفريقان بعضهم بعضًا من طول القتال ، ثم انصرف عنهم شبيب وهو يقول لأصحابه‏:‏ " ما أشد هذا الذي بنا لو كنا إنما نطلب الدنيا ، وما أيسر هذا في جانب ثواب الله عز وجل."! ) شبيب يرى أن قتله الناس وقتاله الناس من أجل ثواب الله جل وعلا. 

7 ـ  (  وقام إليه زهرة بن حوية، وهو شيخ كبير لا يستتم قائماً حتى يؤخذ بيده، فقال له: أصلح الله الأمير أنك إنما تبعث إليهم الناس منقطعين، فاستنفر الناس إليهم كافة وابعث إليهم رجلاً شجاعاً مجرباً ممن يرى الفرار هضماً وعاراً، والصبر مجداً وكرماً. فقال الحجاج: فأنت ذلك الرجل فاخرج. فقال زهرة: أصلح الله الأمير، إنما يصلح الرجل يحمل الدرع والرمح ويهز السيف ويثبت على متن الفرس، وأنا لا أطيق من هذا شيئاً، وقد ضعف بصري وضعفت، ولكن أخرجني مع الأمير في الناس فأكون معه وأشير عليه برأيي. فقال الحجاج: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله في أول أمرك وآخره، فقد نصحت. .. ). رجل نصح الحجاج فقال له الحجاج : " جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله. ".!!

8 ـ عن شبيب ووصوله الى قصر الحجاج ( ثم دخل الكوفة وجاء حتى ضرب باب القصر بعموده ثم خرج من الكوفة ، فنادى الحجاج وهو فوق القصر‏:‏ يا خيل الله اركبي‏. ). الحجاج يجعل خيوله ( خيل الله ).!! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. .

ثالثا : دين شبيب ضد دين الحجاج :

يتشاركان فى الصلاة الشيطانية ، وفى القتال ، وفى التكبير ، وكلاهما يزعم أن الله جل وعلا فى جانبه. يتشاركان فى عبادة الشيطان الذى أضلّهم وجعلهم يحسبون أنهم مهتدين ، وهما دينان مختلفان متصارعان ، ولكن تأديتهما الصلاة شكلا تجعل كلا منهم يعتقد أنه على الحق. ونعطى أمثلة :

1 ـ ( شبيب ) كان لقبه ( امير المؤمنين ) وكان يطلب من الناس أن يبايعوه ، وإلا قتلهم . وعندما قتل القائد الأموى عتّاب منع قتل الأسرى حتى يبايعوه خليفة ، فبايعوه خوف القتل ثم هربوا منه ليلا.تقول الرواية : (...وتمكن شبيب من العسكر وحوى ما فيه فقال‏:‏ " ارفعوا عنهم السيف"  ثم دعا إلى البيعة ، فبايعه الناس من ساعتهم ، وهربوا تحت الليل. )   

2 ـ وصيغة البيعة له هى شهادة: ( لاحكم إلا الله ) . تقول الرواية : (.. فرجع إليه ثمانية نفر فقاتلوه حتى بلغوا به الرحبة، وأتي شبيب بخوط بن عمير السدوسي فقال: يا خوط لا حكم إلا الله. فقال: إن خوطاً من أصحابكم ولكنه كان يخاف، فأطلقه؛ وأتي بعمير بن القعقاع فقال: يا عمير لا حكم إلا الله. فقال: في سبيل الله شبابي، فردد عليه شبيب: لا حكم إلا الله، فلم يفقه ما يريد، فقتله.). شبيب يعرض دينه على عمير ( لا حكم إلا لله ) ينتظر منه أن يردد نفس الشهادة بعده . لم يفعل فقتله.! 

3 ـ وكان الخوارج يقاتلون أهلهم الذين هم على دين الأمويين ، يعتبرونهم كفارا. وبعض أتباع شبيب من قبيلة (تيم ) وقد رأوا منه تهاونا فى قتال عشيرته الشيبانيين مع انهم يقتلون ويقتلون عشائرهم من بنى (تيم ) ، فهجموا على عشيرة شبيب يقتلونهم بدون إذن شبيب  ، فقال شبيب لقائدهم : ( ما حملك على قتلهم بغير أمري؟ فال: له: قتلت كفار قومي فقتلت كفار قومك، ومن ديننا قتل من كان على غير رأينا، وما أصبت من رهطي أكثر مما أصبت من رهطك، وما يحل لك يا أمير المؤمنين أن تجد على قتل الكافرين. قال: لا أجد ). ( تجد ) من الوجد ، وهو التعاطف . يتهمه بالتعاطف حزنا على قتل قومه ، وشبيب ينفى هذا.
4 ـ شبيب يحزن أن بعض قومه من ربيعة فى جيش الحجاج وهو يراهم كفارا ،ويعلن شعار دينه : ( .. ومضى هو في مائتين إلى الميمنة بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمر، فناداهم: لمن هذه الرايات؟ فقالوا: رايات لربيعة. قال: طالما نصرت الحق وطالما نصرت الباطل، والله لأجاهدنكم محتبساً، أنا شبيب، لا حكم إلا الله، للحكم، اثبتوا إن شئتم! ثم حمل عليهم ففضهم، ) وحزن على قائدهم القتيل : ( ..  ثم وقف عليه وقال: ويحك لو ثبت على إسلامك الأول سعدت!  )

5 ـ وقبيل قتل ( عتّاب ) القائد للجيش الأموى قال له صاحبه زهرة بن حوية : (أحسنت يا عتاب، فعلت فعلاً لا يفعله مثلك. أبشر، فإني أرجو أن يكون الله، جل ثناؤه، قد أهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا ..) يعتبر مقتله شهادة عند الله  جل وعلا.

6 ـ وبعد مقتل زهير بن حوية وقف عليه شبيب حزينا : ( .. فانتهى إليه شبيب فرآه صريعاً فعرفه فقال: هذا زهرة بن حوية، أما والله لئن كنت قتلت على ضلالة لرب يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك وعظم فيه غناؤك! ولرب خيل للمشركين هزمتها وقرية من قراهم جم أهلها قد افتتحتها! ثم كان في علم الله أنك تقتل ناصراً للظالمين. وتوجع له. فقال له رجل من أصحابه: إنك لتتوجع لرجل كافر. فقال إنك لست أعرف بضلالتهم مني، ولكني أعرف من قديم أمرهم ما لا تعرف، ما لو ثبتوا عليه لكانوا إخواننا ). شبيب يتحسر على صديقه زهير أنه مات كافرا بدين الخوارج ، مات على دين الأمويين مناصرا للظالمين.

7 ـ بلغ الأمويين الذروة فى الظلم ، وظلمهم جعل كثيرين يعتنقون دين الخوارج. بل جعل مطرف بن المغيرة بن شعبة ينضم للخوارج. أبوه المغيرة بن شعبة من أبرز قواد معاوية ، وهو من ثقيف المُضرية ، والى ثقيف ينتمى الحجاج بن يوسف (الثقفى )، لذا إهتم الحجاج بأبناء المغيرة فجعل عروة بن المغيرة واليا على الكوفة وجعل مطرف بن المغيرة واليا على المدائن ، وولى حمزة بن المغيرة على همدان. ومع هذا إنضم مطرف بن المغيرة الى شبيب خارجا على الحجاج. وكان هذا عام 75. تقول الرواية : (في هذه السنة خرج مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج وخلع عبد الملك بن مروان ولحق بالجبل فقتل‏...). الذى يعنينا هنا أنه كان خروجا على ( دين الأمويين ) أى كان إقتناعا بدين الخوارج. نفهم هذا حين إقترب شبيب من المدائن التى يحكمها مطرف ، وقبيل الحرب بعث مطرف الى شبيب يطلب منه وفدا من عنده يدارسهم القرآن ، تقول الرواية : ( .. وبعث إلى شبيب‏:‏ " ابعث رجالًا من صلحاء أصحابك أدارسهم القرآن فأنظر ما تدعون إليه.." ...    وبعثوا إليه رجالًا..) وترددوا اليه فإقتنع ( .. وما زالوا يترددون إليه حتى وقع في نفسه خلع عبد الملك والحجاج... فخرج وجمع رؤوس أصحابه وقال لهم‏:‏ " إني أشهدكم أني قد خلعت عبد الملك والحجاج فمن أحب فليصحبني ومن أبى فليذهب حيث شاء فإني لا أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجور‏." .).وبعث الحجاج بجيش هزمه وقتله.

وكان إحراجا للحجاج أن يخرج عليه أحد قواده وهو أيضا من أعيان قومه ثقيف وأبن للمغيرة بن أبى شعبه الذى مات على دين معاوية . لذا كان الحجاج يقول : ( إن مطرفاً ليس بولد للمغيرة بن شعبة إنما هو ولد مصقلة بن سبرة الشيباني، وكان مصقلة والمغيرة يدعيانه.. ) يقول صاحب الرواية معلقا : ( قال الحجاج ذلك لأن كثيراً من ربيعة كانوا من الخوارج ولم يكن منهم أحد من قيس عيلان . ). أى نسب مطرفا الى رجل من شيبان قوم شبيب وليس الى المغيرة بن أبى شعبة .

والواقع أن الصحابى ( الجليل ) المغيرة بن أبى شعبة كان زانيا محترفا مدمنا على الزنا مع كثرة نسائه وجواريه . وقد عزله عمر بن الخطاب بسبب إتهامه بالزنا. والحجاج يعتمد على الثقافة العربية المتوارثة . إذ كان متعارفا عليه أن العاهرة حين تلد طفلا تنسبه الى من تشاء من عشاقها. وهذا ما حدث مع الصحابى ( الجليل ) عمرو بن العاص ، إذ كانت أمه من البغايا العاهرات إسمها ( النابغة ) وحين ولدت (عمرا ) تنازعه كثيرون فإختارت أن تنسبه الى العاص من بينهم. وحافظ المغيرة وعمرو بن العاص ومعاوية وغيرهم على الصلاة الشيطانية.

 الفصل الثالث عشر : ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر ( الأموية )

أولا : لمحة عن ولاة الصلاة فى العصر الأموى

من الروايات التاريخية نعرف أن الوالى الأهم فى الولايات هو ( والى الصلاة ) وقد يكون هو أيضا والى الخراج الذى يجمع المال ، وقد يكون هو القائد للجيش. بما يؤكد أهمية الصلاة ( الشيطانية ) فى دين قريش ، فالصلاة هى وسيلتهم للحصول على المال إلاههم الأعظم  . ونعطى أمثلة مما قاله المقريزى فى ( الخطط ) عن ولاة مصر ، يقول :

1 ـ ( قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري‏:‏ ولاه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بلغه مصاب ابن أبي حذيفة وجمع له الخراج والصلاة ، فدخل مصر مستهل ربيع الأول سنة سبع وثلاثين ). جمع له الخراج والصلاة.

.2 ـ ( .. ثم وليها‏:‏ محمد بن أبي بكر الصديق من قبل علي رضي الله عنه وجمع له صلاتها وخراجها فدخلها للنصف من رمضان سنة سبع وثلاثين ) جمع له الخراج والصلاة.

3 ـ ( ثم وليها‏:‏ عمرو بن العاص‏:‏ ولايته الثانية من قبل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فاستقبل بولايته شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ، وجعل إليه الصلاة والخراج جميعًا وجعلت مصر له طعمة بعد عطاء جندها والنفقة في مصلحتها ) : (وجعل إليه الصلاة والخراج جميعًا  ). ويقول المقريزى عن نهاية عمرو بن العاص : ( وتوفي ليلة الفطر فغسله عبد الله بن عمرو ، وأخرجه إلى المصلى ، وصلى عليه ، فلم يبق أحد شهد العيد إلا صلى عليه،  ثم صلى بالناس صلاة العيد.  وكان أبوه استخلفه . وخلّف عمرو ابن العاص سبعين بهارًا دنانير والبهار‏:‏ جلد ثور ومبلغه أردبان بالمصري ، فلما حضرته الوفاة أخرجه وقال‏:‏ " من يأخذه بما فيه " ، فأبى ولده أخذه، وقالا‏:‏ " حتى ترد إلى كل ذي حق حقه. " ...فبلغ معاوية فقال‏:‏ نحن نأخذه بما فيه‏.). هنا يتردد الصلاة على عمرو صلاة الجنازة ، مع ذكر ما سرقه عمرو من المصريين .

4 ـ ( ثم وليها‏:‏ عتبة بن أبي سفيان من قبل أخيه معاوية بن أبي سفيان على صلاتها فقدم في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين ) يقول : ( على صلاتها ).

5 ـ ( ثم وليها‏:‏ عقبة بن عامر بن عبس الجهني من قبل معاوية وجعل له صلاتها وخراجها ) : يقول :  (وجعل له صلاتها وخراجها ).

6 ـ ( وكان صرفه ( أى عزله ) فولى مسلمة بن مخلد بن صامت بن نيار الأنصاري من قبل معاوية وجمع له الصلاة والخراج والغزو ). يقول : ( وجمع له الصلاة والخراج والغزو ).

7 ـ ( .. وجعل مروان صلاة مصر عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص أبو الأصبغ ولي من قبل أبيه لهلال رجب سنة خمس وستين على الصلاة والخراج ) ، أى إن مروان بن الحكم ولى إبنه عبد العزيز ( صلاة مصر ) أى جعله الوالى الأساس ، وجمع له ( الصلاة والخراج ). وهو الذى أنشأ حى ( حلوان ) وبنى فيه مسجدا ، فهو ( والى الصلاة ). 

8 ـ ( ولي‏:‏ عبد الله بن عبد الملك بن مروان من قبل أبيه على صلاتها وخراجها فدخل يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ست وثمانين وهو ابن تسع وعشرين سنة )، ولّى عبد الملك ابنه عبد الله ( الصلاة ) فى مصر وخراجها أيضا.

9 ـ ( فولي‏:‏ قرة بن شريك بن مرثد بن الحرث العبسي للوليد بن عبد الملك على صلاة مصر وخراجها فقدمها يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول سنة تسعين ).يقول:(على صلاة مصر وخراجها).

10 ـ ( ثم ولي‏:‏ عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهمي‏:‏ من قبل الوليد بن عبد الملك على صلاتها وتوفي الوليد واستخلف سليمان بن عبد الملك فأقر ابن رفاعة) . يقول : (على صلاتها ).

11 ـ (   .. ثم ولي‏:‏ أيوب بن شرحبيل بن أكسوم بن أبرهة بن الصباح من قبل عمر بن عبد العزيز على صلاتها في ربيع الأول سنة تسع وتسعين . ) . يقول :( على صلاتها).

12 ـ ( وتوفي عمر بن عبد العزيز واستخلف يزيد بن عبد الملك فأقر أيوب على الصلاة ‏.). يقول : ( على الصلاة )  ـ

13 ـ ( وولي‏:‏ محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم من قبل أخيه هشام بن عبد الملك على الصلاة فدخل مصر لإحدى عشرة خلت من شوال سنة خمس ومائة ) . يقول : ( على الصلاة).

14 ـ ( فولي‏:‏ الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم من قبل هشام بن عبد الملك على صلاتها ، فدخل لثلاث خلون من ذي الحجة سنة خمس ومائة ) . يقول : ( على صلاتها ).

15 ـ ( ولي‏:‏ عبد الملك بن رفاعة ثانيًا على الصلاة ، فقدم من الشام عليلًا لثنتي عشرة بقيت من المحرم سنة تسع ومائة . )  . يقول : ( على الصلاة ) .

16 ـ ( ثم ولي أخوه‏:‏ الوليد بن رفاعة باستخلاف أخيه فأقره هشام بن عبد الملك على الصلاة ). يقول : ( على الصلاة)

17 ـ ( فولي‏:‏ عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي أبو الوليد من قبل هشام بن عبد الملك على صلاتها ) . يقول : ( على صلاتها ).

18 ـ ( ولي حفص بن الوليد الحضرمي ثانيًا باستخلاف حنظلة له على صلاتها ، فأقره هشام بن عبد الملك إلى ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شعبان سنة أربع وعشرين فجمع له الصلاة والخراج جميعًا واستسقى بالناس وخطب ودعا ثم صلى بهم ، ومات هشام بن عبد الملك واستخلف من بعده‏:‏ الوليد بن يزيد فأقر حفصًا على الصلاة والخراج ثم صرف عن الخراج بعيسى بن أبي عطاء لسبع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائة وانفرد بالصلاة ) . يقول : (على صلاتها ) ،(  فجمع له الصلاة والخراج جميعا ) (وخطب ودعا ثم صلى بهم ) (فأقر حفصًا على الصلاة والخراج  )( وانفرد بالصلاة ).

19 ـ ( ثم قدم حسان لثنتي عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة على الصلاة ، وعيسى بن أبي عطاء على الخراج . ) . يقول : (  على الصلاة  ).

20 ـ ( ثم ولي‏:‏ المغيرة بن عبيد الله بن المغيرة الفزاري على الصلاة من قبل مروان فقدم لست بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين ) . يقول : (  على الصلاة  )

21 ـ ( وولى‏:‏ عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير من قبل مروان على الصلاة والخراج وكان واليًا على الخراج قبل أن يولي الصلاة  في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة) . يقول : (على الصلاة والخراج وكان واليًا على الخراج قبل أن يولي الصلاة ) .

ثانيا : لمحة عن تطرف الأمويين فى إستنزاف المصريين وفى قتلهم

1 ـ الخليفة الفاسق عثمان بن عفان ( الأموى ) كان فاسدا جشعا ، لم يعجبه المقدار الذى كان يجبيه عمرو بن العاص من المصريين ، فعزله وولى مكانه أخاه من الرضاعة عبد الله بن أبى السرح ، وكان ابن أبى السرح من المرتدين سابقا. يقول المقريزى فى ( الخطط ) : ( وتوفي عمر ..في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وبويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان .. فوفد عليه عمرو وسأله عزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن صعيد مصر ، وكان عمر ولاه الصعيد ، فامتنع من ذلك عثمان ، وعقد لعبد الله بن سعد على مصر كلها فكانت ولاية عمرو على مصر‏:‏ صلاتها وخراجها منذ افتتحها إلى أن صرف عنها أربع ) ( ثم جمع لعبد الله بن سعد أمير مصر صلاتها وخراجها ومكث أميرًا مدة ولاية عثمان ). ويذكر الواقدى أن ابن أبى السرح الذى كان واليا على الصعيد قد إشتكى الى عثمان يتهم عمرو بن العاص بأنه ( كسر الخراج ) أى لم يقم بالواجب فى تحميل المصريين أكبر قدر من السلب والنهب ( الخراج ) فما كان من عثمان إلا أن عزل عمرو بن العاص عن الخراج ، تقول الرواية : ( كتب عبد الله بن سعد الى عثمان إن عمرا كسر الخراج .. فعزل عمرا ، وأضاف الخراج إلى ابن أبي سرح .. ) ( وكان عمرو بن العاص على مصر لعثمان ، فعزله عن الخراج وأقره على الصلاة والجند . واستعمل عبد الله بن أبي سرح على الخراج ... ) . وأسرف ابن سعد فى تحصيل الجباية من الخراج والجزية بالظلم والعسف ، وإفتخر عثمان بهذا فى لوم لعمرو بن العاص.  

2 ـ  خلال حكم بنى مروان بن الحكم تطرف ولاة ( الصلاة ) فى العسف بالمصريين ، وظهر هذا التطرف بإقتران السلب والنهب بالقتل والتعذيب وقطع الأطراف والإذلال ، وأرهاب المصريين بتعذيب وإذلال رهبانهم وبطركهم وقياداتهم الدينية ، وهم الذين ساعدوا العرب من قبل فى فتح بلادهم وهزيمة الروم. وننقل فقرات مما ذكره المقريزى وهو يؤرخ لبطاركة مصر بعد الفتح العربى . وهى ناحية مجهولة فى تاريخ المصريين فى العصر الأموى ، والمقريزى ــ اشهر مؤرخ لمصر فى العصور الوسطى كان متعصبا ضد النصارى ، ولكنه نقل بعض ما سجله المؤرخون السابقون من سطور الأهوال التى لاقاها المصريون من ولاة ( الصلاة الشيطانية ) فى مصر الأموية .

ثالثا : نماذج من جرائم ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر الأموية :

 1 ـ  يقول المقريزى فى الخطط عن البطرك الاسكندروس الذى استمر فى منصبه حوالى ربع قرن:( ومات سنة ست ومائة . ومرّت به شدائد صودر فيها مرّتين، أخذ منهفيهما ستة آلاف دينار، وفي أيامه أمّر عبد العزيز بن مروان فأمر بإحصاء الرهبان فأحصوا، وأخذت منهم الجزية عن كلّ راهب دينار.) هنا مصادرة للبطرك ( البابا )، وفرض للجزية على الرهبان .

2 وتعصب المقريزى يظهر فى قوله عن(المصريين):( النصارى،القبط ،الأقباط ) إذ لم يكونوا قد دخلوا فى الاسلام بعد، يقول :( ولما ولي مصر عبد الله بن عبد الملك بن مروان اشتدّ على النصارى.. واقتدى به قرّة بن شريك أيضًا في ولايته على مصر، وأنزل بالنصارى شدائد لم يبتلوا قبلها بمثلها.). هنا عبارة رهيبة لم يقم المقريزى بشرحها وتفصيلها ، ولنا أن نتخيلها فى ضوء الاضطهاد الذى عاناه المصريون فى عهد كراكلا ودقلديانوس ، أى باعتراف المقريزى تفسه فإنّ عبد الله إبن الخليفة عبد الملك بن مروان حين ولى مصر أنزل بأهلها شدائد لم يبتلوا بها من قبل حتى فى عهد فرعون موسى.!!.

3 ـ ثم يورد المقريزى بعض التفصيلات ، فيقول ( وكان عبد اللّه بن الحبحاب متولي الخراج قد زاد على القبط قيراطًا في كلّ دينار فانتقض عليه عامّة الحوف الشرقيّ من القبط فحاربهم المسلمون وقتلوا منهْم عدّة وافرة في سنة سبع ومائة.).أى إن والى الخراج هو الذى زاد الخراج أى الضرائب ـ وهو غير الجزية ـ  فثار المصريون فيما يعرف الآن بمحافظة الشرقية أو  الحوف الشرقى ، فأخمد الأمويون ثروتهم وقتلوا منهم (عدّة وافرة ) عام 107 هجرية .

4 ـ ( واشتدّ أيضًا أسامة بن زيد التنوخيّ ..على النصارى ( أى المصريين )، وأوقع بهم ، وأخذ أموالهم ، ووسم أيدي الرهبان بحلقة حديد فيها اسم الراهب واسم ديره وتاريخه، فكل من وجده بغير وسم قطع يده. وكتب إلى الأعمال بأن من وجد من النصارى وليس معه منشور أن يؤخذ منه عشرة دنانير . ثم كبس الديارات( أى الأديرة ) وقبض على عدّة من الرهبان بغير وسم فضرب أعناق بعضهم وضرب باقيهم حتى ماتوا تحت الضرب . ثم هدمت الكنائس وكسرت الصلبان ومحيت التماثيل وكسرت الأصنام بأجمعها، وكانت كثيرة ، في سنة أربع ومائة ، والخليفة يومئذٍ يزيد بن عبد الملك). ولأنّ مهمة متولّى الخراج هى سلب أموال المصريين بما يملأ خزائن الأمويين ويشبع نهمهم  للمال السّحت فقد أعطى والى الصلاة الشيطانية متولى خراج  مصر سلطة مطلقة عسكرية وقضائية وسياسية ؛ فهو الذى يقدّر الضرائب ، وهو الذى يقوم بجمعها ، وهو الذى يعاقب ــ بما شاء من عقوبة ـ المصرى الذى يعجز عن دفع المطلوب منه ، أى له مطلق الحرية فى توقيع أقصى العقوبة بلا رادع ، ومعه الجيش العربى يقتل به الفلاحين المصرين العاجزين عن دفع الضرائب . وواضح أن هذا الموظف السادى( أسامة بن زيد التنوخيّ متولي الخراج ) قد أستغلّ سلطته فى معاقبة الرهبان المساكين وإذلالهم بوسمهم بأن يفرض علي كل منهم وضع حلقة حديدية فى يده مدوّن فيها إسمه ومحل إقامته ، ويقطع يد من يضبط منهم بدون هذه الحلقة. ثم كان يغير على الأديرة يمارس ساديته ، فيعتقل من يشاء من الرهبان ، ومن يجده منهم لا يضع فى يده تلك الحلقة الحديدية يضرب عنقه أو يقتله تحت العذاب . ثم يهدم الكنائس ويكسر الصلبان والتماثيل ، ويحظر تنقل المصريين فى بلادهم ، فمن يسافر منهم بغير تصريح يدفع غرامة قدرها عشرة دنانير .

5 ـ ورسم الخليفة هشام بن عبد الملك بإزالة بعض الظلم ، ولكن لم ينفّذها الوالى حنظلة بن صفوان الذى بالغ فى الضرائب وقام بإحصاء المصريين وبهائمهم إحتقارا لهم ، بل ووسم المصريين كما فعل الوالى السابق بالرهبان ، وعوقب من لا يحمل الوسم فى يده بقطع يده . يقول المقريزى :( فلما قام هشام بن عبد الملك في الخلافة كتب إلى مصر بأن يجري النصارى على عوايدهم وما بأيديهم من العهد، فقدم حنظلة بن صفوان أميرًا على مصر في ولايته الثانية فتشدّد على النصارى وزاد في الخراج وأحصى الناس والبهائم وجعل على كلّ نصرانيّ وسمًا صورة أسد ، وتتبعهم فمن وجده بغير وسم قطع يده.). ،

6 ـ وبسبب هذا الظلم المتطرف نشبت ثورات الفلاحين المصريين فى الدلتا والصعيد، وهم المشهورون بالمسالمة ــ  فتم إخمادها بكل قسوة . يقول المقريزى : ( انتقض القبط ( أى ثار المصريون ) بالصعيد وحاربوا العمال ( أى جباة الضرائب )  في سنة إحدى وعشرين فحوربوا وقُتل كثير منهم) ، ( ثم خرج بجنس ( قائد مصرى  ) بسمنود وحارب وقُتل في الحرب وقُتل معه قبط كثير في سنة اثنتين وثلاثين ، ومات.).

7 ـ وبلغ الظلم مداه بالتنكيل بالبطرك القائد الدينى للمصريين وإذلاله وإهانته بين مواطنيه ، فقد إعتقله الوالى الأموى وفرض عليه غرامة لا يستطيع دفعها ، فإضطره الى أن يسير فى أنحاء مصر ومعه أساقفته يتسوّل منهم دفع الغرامة ، فما إستطاعوا سدادها كلها ، بسبب ما هم فيه من فقر، فعاد البطرك يائسا بائسا الى ذلك الوالى وأعطاه ما جمعه ، فأفرج عنه لأن الغرض كان إذلال البطرك ، وقد حدث ، يقول المقريزى :( وقبض عبد الملك بن موسى بن نصير أمير مصر على البطرك ميخائيل ، فاعتقله وألزمه بمال ، فسار بأساقفته في أعمال مصر يسأل أهلها ، فوجدهم في شدائد ، فعاد إلى الفسطاط ودفع إلى عبد الملك ما حصل له ، فأفرج عنه)

8 ـ وسقطت الدولة الأموية بهزيمة الخليفة مروان بن محمد فى موقعة الزاب أمام الجيش العباسى . وفرّ الخليفة الأموى المهزوم بجيشه الى مصر ، وانتهز المصريون الفرصة فثاروا أملا فى التخلّص من الظلم الأموى ، ولكن الخليفة الأموى المهزوم استخدم جيشه فى التنكيل بالمصريين كما لو كان قد أراد أن يعوّض هزيمته بالانتقام منهم . يقول المقريزى :( ثم خالفت القبط ( أى ثار المصريون) برشيد فبعث إليهم مروان بن محمد لما قدم مصر وهزمهم ) ويقول عما فعله مروان بن محمد وتنكيله بالمصريين وبالبابا أى البطرك المصرى: ( فنزل به بلاء كبير من مروان وبطش به وبالنصارى ) . ويقول عن فظائع ارتكبها مروان بن محمد بالقرى والمدن المصرية : ( وأحرق مصر وغلاتها ) ويقول عما فعله بالأديرة والراهبات من أسر وإغتصاب :( وأسر عدّة من النساء المترهبات ببعض الديارات ، وراود واحدة منهنّ عن نفسها ، فاحتالت عليه ودفعته عنها ـ بأن رغّبته في دهن معها إذا ادّهن به الإنسان لا يعمل فيه السلاح، وأوثقته بأن مكنته من التجربة في نفسها فتمت حيلتها عليه، وأخرجت زيتًا ادهنت به ثم مدّت عنقها فضربها بسيفه فأطار رأسها ، فعلم أنها اختارت الموت على الزنا )، أى أن هذه الراهبة المصرية الشريفة العفيفة أقنعت ذلك الخليفة الأموى الفاسق الفاجر مروان بن محمد الذى يريد إغتصابها بأنّ معها دهنا يقى الرقبة من الذبح فلا يستطيع السيف أن يقطعها،ودهنت رقبتها وطلبت من أن يجرب ضرب رقبتها بالسيف ليتأكد من قولها، فضرب رقبتها بالسيف فقطعها. فعلم أنها إختارت الانتحار والقتل لتحفظ شرفها ..!! لم يعلّق المقريزى محتجّا ..هل من تعليق   على هذا ..  يرحمكم الله جلّ وعلا ؟!!

9 ـ ويقول المقريزى : (وما زال البطرك والنصارى في الحديد مع مروان إلى أن قُتل ببوصير فأفرج عنهم‏.‏) أى ظل مروان يحتفظ بالبطرك وزعماء المصريين أسرى معه الى أن وصل جيش العباسيين وقاتل مروان وهزمه وقتله . وأفرج العباسيون عن البطرك وصحبه .

أخيرا : بهذا نعرف الوظيفة الحقيقية لوالى الصلاة ( الشيطانية ).!!

الفصل الرابع عشر : عمرو بن العاص والى الصلاة ( الشيطانية ) فى مصر

أولا : عمرو بن العاص ومصر

1 ـ فتح "عمرو " مصر وتولاها أربع سنوات في خلافة " عمر " ثم أربع سنوات في خلافة " عثمان"  وبعد أن عزله "عثمان"  أعاد " عمرو " فتح مصر لحساب " معاوية أثناء  الصراع بين " علي " ومعاوية ، وظل " عمرو " واليا علي مصر سنتين إلي أن مات سنة 42 هـ .

2 ـ وحين بدأ الخلاف بين " علي " و"معاوية " كان " عمرو " معتزلا وقد استشار ولديه " عبدالله " و" محمد" ماذا يفعل في تلك الفتنة ، فأشار عليه ابنه " عبدالله بن عمرو " أن يعتزل الفتنة وأشار عليه ابنه " محمد" أن يشارك فيها،  فقال " عمرو " لابنه " عبدالله": (  رأيك أسلم لي في ديني )، وقال لابنه " محمد" : ( رأيك أحسن لي في دنياي، إلا أنه أشر لي في آخرتي،).  ثم اختار الانغماس في الفتنة والانضمام إلي "معاوية " وعقد معه عهدا أن تكون له ولاية مصر طعمة له أي ضيعة خاصة به يأكل خيرها لنفسه مقابل أن ينتزعها من ولاة "علي" ويحمي ظهر " معاوية " في صراعه مع " علي".

3 ـ وفي ذلك الوقت كان معاوية قد استطاع أن يقتل والي مصر ابن أبي حذيفة بالمكر والحيلة ، وقتل الأشتر النخعى بالسُّم وهو فى طريقه واليا على مصر لصالح (على ) . وبعث " علي "   واليا آخر علي مصر ، هو " قيس بن سعد بن عبادة " المشهور بحنكته وسياسته . ورأي معاوية وعمرو أن ولايته علي مصر ستحبط أمالهما في ضم  مصر فأشاع معاوية بأن " قيس " من أنصاره سرا ، وأبلغ جواسيس " علي" ذلك إليه فعزل " قيس " وولي مكانه " محمد بن أبي بكر الصديق " وكان شابا متهورا واستطاع " عمرو " أن يهزمه ، وقتلوه ثم جعلوا جثته في جيفة حمار ميت  واحرقوه فيها .وذلك في 14 صفر سنة 38 هـ ، وبدأت بذلك ولاية " عمرو " علي مصر ليكون له وحده ايرادها وخيرها .

ثانيا : ماذ حدث من عمرو بن العاص والى الصلاة ( الشيطانية ) على مصر

بعد فتح مصر عيّن عمر بن الخطاب عمرو بن العاص والى الصلاة ( الشيطانية ) فى مصر . فما الذى فعله والى الصلاة الشيطانية فى مصر :

1 ـ بناء المسجد :

1 / 1 : بناء المسجد كانت مهمة والى الصلاة فى أى بلد إحتله العرب. ينقل المقريزى فى ( الخطط ) ( لما افتتح عمر البلدان كتب إلى أبي موسى وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجدًا للجماعة ويتخذ للقبائل مساجد ، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة‏. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك ، وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك . وكتب إلى أمراء أجناد الشام أن لا يتبددوا إلى القرى وأن ينزلوا المدائن ، وأن يتخذوا في كل مدينة مسجدًا واحدًا، ولا تتخذ القبائل مساجد فكان الناس متمسكين بأمر عمر وعهده‏. ).

1 / 2 : المسجد هو التبرير الدينى لإحتلالهم وظلمهم وفق دين قريش وخلفائها الفاسقين. وفى الدين القُرشى الأرضى جعلوا تلك المساجد التى بنوها فى ( الأمصار ) المفتوحة مقدسة ، وذكر المقريزى بعض الأحاديث فى هذا ، قال : ( خرّج الحافظ أبو القاسم بن عساكر من حديث معاوية بن قرة قال‏:‏ " قال عمرو بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ من صلى صلاة مكتوبة في مسجد مصر من الأمصار كانت له كحجة متقبلة فإن صلى تطوعًا كانت له كعمرة مبرورة‏.‏" ) ، وعن كعب‏:‏ ( من صلى في مسجد مصر من الأمصار صلاة فريضة عدلت حجة متقبلة ومن صلى صلاة تطوع عدلت عمرة متقبلة فإن أصيب في وجهه ذلك حرم لحمه ودمه على النار أن تطعمه وذنبه على من قتله‏.‏)

1 / 3  : والمسجد الذى بناه عمرو فى مصر فى ( الفسطاط ) أطلقوا عليه ألقابا دينية ، مثل ( الجامع العتيق ) و ( تاج الجوامع ) ، و ( جامع عمرو بن العاص ). أسموه جامع عمرو بن العاص لأنه أول مسجد أقيم فى مصر بإسم أول والى الصلاة فيها.

2 ـ رفض تحرير نساء السبى المصريات  

2 / 1 : بعد فتح مصر على يد عمرو بن العاص إنساح جيش الغزاة فى الريف المصرى المُسالم ينهب ويسبى النساء ويغتصبهن فى كل قرية ، ويبعثون بأربعة أخماس الغنائم ومن السلب والنهب والسبى الى عمر بن الخطاب فى المدينة ، ومنها يتوزع السلب والنهب فى الجزيرة العربية على الأعراب هناك . وتكاثر هذا السبى من الفتيات المصريات حتى ملأ مكة والمدينة واليمن . هذا ما يذكره الطبرى راويا عن جندى كان ممّن حضر فتح مصر .يقول الطبرى:(  ... وحدثني القاسم بن قزمان رجل من أهل مصر ، عن زياد بن جزء الزبيدي ، أنه حدثه أنه كان في جند عمرو بن العاص حين افتتح مصر والإسكندرية قال : افتتحنا الإسكندرية في خلافة عمر بن الخطاب في سنة إحدى وعشرين أو سنة اثنتين وعشرين .قال : لما افتتحنا باب اليون تدنينا قرى الريف فيما بيننا وبين الإسكندرية ، قرية فقرية ، حتى انتهينا إلى بلهيب قرية من قرى الريف يقال لها قرية الريش.وقد بلغت سبايانا المدينة ومكة واليمن ).!!.

2 / 2 : وفيما بعد جاء رجلان من المصريين يطلبان إسترجاع السبى فرفض عمرو بن العاص ، طبقا لما رواه الطبرى . تقول الرواية : ( وجاء أبو مريم وأبو مريام إلى عمرو وطلبا منه السبايا التي أصيبت بعد المعركة، فطردهما، فقالا: كل شيء أصبتموه منذ فارقناكم إلى أن رجعنا إليكم ففي ذمة. فقال عمرو لهما: أتغيرون علينا وتكونون في ذمة؟ قالا: نعم. فقسم عمرو ابن العاص السبي على الناس وتفرق في بلدان العرب. ). لنتذكر أن المصريين لم يذهبوا الى الحجاز يحاربون عمر بن الخطاب.

3 ـ فرض الجزية والخراج على المصريين

3 / 1 :يقول المقريزى : ( لما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية بقي من الأسارى بها ممن بلغ الخراج وأحصي يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان . ) كان هذا عدد سكان الاسكندرية فقط . تستمر الرواية : ( فاختلف الناس على عمرو في قسمهم فكان أكثر المسلمين يريد قسمها ) أى يريدون تقسيم أهل الاسكندرية سبايا وأرقاء وفق المعمول به فى دين البغى لديهم . تقول الرواية : ( فقال عمرو‏:‏ لا أقدر على قسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين . فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها وأن المسلمين طلبوا قسمها ، فكتب إليه عمر رضي الله عنه‏:‏ لا تقسمها وذرهم يكون خراجهم فيئًا للمسلمين وقوة لهم على جهاد عدوهم ، فأقرها عمرو وأحصى أهلها وفرض عليهم الخراج . ) ـ أى أمر الخليفة عمر بإستغلالهم يعملون ويدفعون الخراج. لنتذكر أن المصريين لم يذهبوا الى الحجاز يحاربون عمر بن الخطاب.

3 / 2 : هذا بالاضافة التى الجزية على الرءوس التى فرضها عمرو على أهل مصر طبقا للصلح الذى عقده مع المقوقس الحاكم الذى كان على مصر . فألزم المصريين بدفع دينارين سنويا . وبلغت الجزية 12 مليون دينار، فأصبح الوالى بعده عبد الله بن أبى سرح يجمعها 14 مليون دينار فى خلافة عثمان وبتوجيهاته .  لنتذكر أن المصريين لم يذهبوا الى الحجاز يحاربون عمر بن الخطاب.

4 ـ  : عمرو بن العاص يسلب كنوز المصريين بالقتل والارهاب

 4 / 1  ـ وشرهت نفس عمرو لكنوز الآثار المصرية وذهبها المدفون وما يتم الكشف عنه ،  فيذكر أبوعبيدة في كتابه " الأموال " والمقريزي في كتابه " الخطط " أن "عمرا "  أعلن لأهل مصر: أن من كتمنى كنزاً عنده فقدرت عليه قتلته!!. ونشر عمرو عيونه تتحسّس وتتجسّس عن من لديه كنوز فرعونية .

 4 / 2 : ونشر عمرو جواسيسه فى العمران المصرى من الاسكندرية الى الصعيد ، ويذكر المقريزى أن عمرو بن العاص جاءته إخبارية بأن مصريا  من الصعيد اسمه بطرس لديه كنز فرعونى، فحبسه عمرو واستجوبه فأصر الرجل على الإنكار، وجعل عليه الجواسيس فى السجن يحصون عليه أنفاسه فعلموا أنه يسأل عن راهب  بالطور ، فاستدعي " عمرو" ذلك المصري السجين ونزع خاتمه من يده ، وأرسل بالخاتم إلي الراهب برسالة مزيفة من بطرس تسأله عن الكنز، فصدًق الراهب الرسالة وبعث بمكان  الكنز، فعثر عليه عمرو وكان مقداره " 52 أردبا من الذهب أخذه " عمرو " وضرب "عمرو" رقبة " بطرس " وعلق رأسه على باب المسجد ( مسجد عمرو بن العاص والى الصلاة ) ، ليرهب المصريين ، فارتعبوا ،ومن كان منهم عنده كنز أسرع بتسليمه إلى عمرو. لنتذكر أن المصريين لم يذهبوا الى الحجاز يحاربون عمر بن الخطاب.

4 / 2 ـ  ويذكر المقريزى أن عمراً اعتقل مصريا آخر اتهمه بممالاة الروم واستجوبه ، وكانت التهمة ملفقة وبهدف إبتزاز الرجل المسكين ، بدليل أن عمرو بن العاص أطلق سراح الرجل بعد أن حصل منه على أكثر من خمسين أردباً من الذهب..!!.نكرّر ( 50 إردبا من الذهب .!!)..وهذا من رجل واحد فقط .. لنتذكر أن المصريين لم يذهبوا الى الحجاز يحاربون عمر بن الخطاب.

أخيرا : ثروة عمرو ( والى الصلاة الشيطانية ) من نهب أموال المصريين

1 ـ في ولايته الأخيرة علي مصر تضاعفت ثروة " عمرو " حتي أثارت حسد معاوية وخشي أن تستخدم تلك الثروة في تحقيق طموحه السياسي. وانتهي الأمر بينهما بالصلح علي أن تتحدد ولاية مصر " لعمرو" سبع سنين فقط  ضيعة خاصة، ثم تعود إلي الخلافة الأموية. إلا أن " عمرو " مالبث أن مات وقد ترك الأموال السائلة " 140" أردبا من الدنانير !!

2 ـ وحين حضرته الوفاة عرض علي ابنيه عبدالله ومحمد تلك الأموال المكدسة وقال: من يأخذها؟ فأبي ولداه وقالا : حتي ترد إلي كل ذي حق حقه أي أنهما اعتبراه مالا حراما . وبلغ معاوية الخبر فقال : ( نحن نأخذها ) . ومات عمرو واستولى الخليفة معاويةعلى كل تلك الأموال التى خلفها عمرو فى ميراثه وقال: نحن نأخذه بما فيه .. أى بما فيه من ظلم وسحت..!! 

3 ـ ومع ذلك فإن عمرو بن العاص كان أكثرهم ولاة الصلاة رفقاً بالمصريين بالمقارنة بمن جاء بعده .

الفصل الخامس عشر : صلاة الخلفاء الفاسقين العباسيين  : صلاة أبى العباس السفاح 

مقدمة

1 ـ الخلفاء العباسيون كانوا أكثر جُرأة من سابقيهم فى سفك الدماء الأساس ، لأنهم فى دعوتهم قبل تأسيس دولتهم منحوا دعوتهم شعار ( الرضا من آل محمد ) ونشروا دعايتهم بأنهم الأئمة المنتظرون الذين يقيمون العدل بدلا من جور الأمويين ، ودعموا هذا بالأحاديث التى إفتروها .

2 ـ وقبل تأسيس دولتهم كان قائدهم أبو مسلم الخراسانى يقتل بما يقال عنه التفويض الالهى. يستحل دم شخص برىء بمجرد أن يفترى حديثا . تقول الرواية : ( وكان أبو مسلم قد قتل في دولته ستمائة ألف صبراً.) أى حبسهم فى سجون وتركهم حتى الموت. وتقول عنه الرواية : ( وكان أبو مسلم قد سمع الحديث من عكرمة، وأبي الزبير المكي، وثابت الناتي، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، والسدير؛ وروى عنه إبراهيم ابن ميمون الصائغ، وعبد الله بن المبارك، وغيرهما.) أى تلقفه أساطين الدعوة العباسية السرية فأعدوه أيدلوجيا بأحاديثهم المفتراة ، وبها كان سهلا عليه أن يسفك الدماء. تقول الرواية : ( خطب يوماً فقام إليه رجل فقال: ما هذا السواد الذي أرى عليك؟ فقال: حدثني أبو البير عن جبابر بن عبد الله أن النبي، صلى الله عليه وسلم، دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء، وهذه وثياب الدولة، يا غلام اضرب عنقه.). سأله رجل سؤالا بريئا عن شعار السواد الذى إتخذه العباسيون فرد عليه بحديث ثم أمر بضرب عنقه.

3 ـ ومن الأساطير التى نشروها أن النبى محمدا قد بشّر العباس بأن ولده سيكونون الخلفاء ، ومع أنه عليه السلام لم يكن يعلم الغيب وليس له أن يتكلم فيه فقد حظيت هذه الأكاذيب الغيبية بالتصديق ، ورواها المؤرخون معتقدين صدقها ، منها قولهم : ( وكان بدء ذلك وأوله أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أعلم العباس بن عبد المطلب أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك ويتحدثون به بينهم.) وشاعت أحاديث تؤكد أن مُلك بنى العباس سيستمر الى قيام الساعة وحتى يسلمونه الى المسيح عندما ينزل بزعمهم ، وأحاديث أخرى تبشر بأسماء الخلفاء الباسيين وتشيد بهم ، وقد ذكر السيوطى هذه الأحاديث عن العباسيين بعد سقوط دولتهم ببضعة قرون فى كتابه ( تاريخ الخلفاء ) مما يدل على أن الأحاديث المصنوعة أقوى تاثيرا.

4 ـ وبهذا بدأ الكهنوت العباسى أى المستبد الفرعونى الذى يملك الدين والسياسة ، وهذا ما لم يجرؤ الأمويون على زعمه ، وربما لأنهم كانوا علمانيين مثل أسلافهم الذين عملوا بالتجارة خلافا للهاشميين الذين قاموا على سقاية الحاج ورعاية البيت الحرام.

5 ـ وعليه لم تعد الصلاة وحدها من شعائر عبادة الإله الأعظم ( وهو المال ) بل أضاف لها العباسيون الخطاب الدينى الصريح وتلقيب الخليفة بلقب ينسبه الى الله جل وعلا . وهذه الألقاب بدأت بأول خليفة ، وقد أعطى نفسه لقبا مُرعبا ( السفاح ) الذى يقتل بالتفويض الالهى ، ثم تلاه أخوه فلقّب نفسه بالمنصور ، ثم تلقب إبنه بالمهدى ، وبعده ( الهادى ) والرشيد ، ثم أصبح اللقب للخليفة أكثر جُرأة فتلقب اللاحقون بالمعتصم بالله الى المستعصم بالله ..

6 ـ وخلال هذا الدجل الدينى حاز العباسيون على كنوز الدنيا وسفكوا دماء الملايين . منهم حوالى مليون قتيل فى تأسيس دولتهم . ونعطى بعض التفصيلات فى خلافة السفاح .

أولا : الصلاة والخطبة :

1 ـ تقول الرواية عن الخليفة العباسى الأول ( أبو العباس السفاح :  عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ): ( ولما ولي الخلافة خرج يوم الجمعة فصلى بالناس ثم قال في خطبته‏:‏ " الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه وكرمه وشرفه وعظمة واختاره لنا وأيده وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذأبين عنه والناصرين له وخصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنبتنا من شجرته واشتقنا من نبعته وأنزل بذلك كتابًا فقال فيه‏:‏ قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى ‏"‏ فلما قبض الله رسوله قام بذلك الأمر أصحابه وأمرهم شورى بينهم فعدلوا وخرجوا خماصًا ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها وتداولوها فاستأثروا بها وظلموا أهلها فأملى الله لهم حينًا فلما أسفوه أنتقم الله منهم بأيدينا ورد علينا حقنا وأنا السفاح المبيح الثائر المبير‏.‏ ). السفاح هنا يصلى ويخطب بالناس ويجعل نفسه السفاح المبير مستبيح الدماء باسم الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا.) . أى له تفويض الاهى بالقتل والتسلط على الناس ونهب أموالى على هامش القتل .

2 ـ وفى نفس الخطبة قال : ( إنا والله ما خرجنا لنكثر لجينًا ولا عقيانًا ولا نحفر نهرًا وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم لحقنا ولقد كانت أموركم ترمضنا لكم ذمة الله عز وجل وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله ونعمل بكتاب الله ونسير فيكم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم‏.‏) هنا يكذب بملء فمه . وعد بالعدل وأخلف الوعد ، وزعم أن الخلافة ستظل فيهم الى نهاية العالم ، وكذب .

3 ـ  كان هذا هو ( خطاب العرش ) تقول الرواية : ( ثم نزل أبو العباس وداود أمامه حتى دخل القصر فأجلس أبا جعفر وأخذ البيعة على الناس في المسجد ) . وفى رواية أخرى : (ثم نزل أبو العباس وداود بن علي أمامه حتى دخل القصر وأجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتى صلى بهم العصر ثم المغرب وجنهم الليل فدخل.) هنا الصلاة والخطبة ..والمسجد .! كان هذا فى شهر ربيع الأول عام 132 .

4 ـ وإذا كان الخلفاء الفاسقون الأوائل ( أبو بكر وعمر وعثمان ) أفهموا الأعراب أن غزوهم وقتلهم وسلبهم ونهبهم الأمم الأخرى هو جهاد إسلامى فإن الخلفاء الفاسقين العباسيين سفكوا دماء الأمويين بإتهامهم بالكفر . كان الأمويون فى نهاية عصرهم مثقلين بالاتهامات بالظلم فأرسوا اساسا لبنى العباس تمكنوا به من إستحلال دمائهم وأموالهم ، وصار قتالهم  الأمويين جهادا دينيا . فى معركة ( الزاب ) التى إنهزم فيها مروان بن محمد كان القائد العباسى عبد الله بن على ( عم الخليفة السفاح ) يقاتل وهى يقول : ( يار رب حتى متى نقتل فيك؟ .! ) ، وتثاقل العرب من جنود مروان بن محمد عن القتال ، فإذا دعا قبيلة طلبت أن يدعو غيرها ، فأمر رئيس الشرطة بالتقدم فرفض ، فتوعده مروان فتحداه قائلا ( وددت أن تفعل ذلك ) فاضطر الى أن يعطى جنوده الأموال ، نقول الرواية : ( فأمر بالأموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم. فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك، فقيل له: إن الناس قد مالوا على هذا المال ولا نأمنهم أن يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبد الله: أن سر في أصحابك إلى قوم عسكرك فاقتل من أخذ من المال وامنعهم.) . إنهزم مروان وإستولى عبد الله بن على العباسى على معسكره ، وحاز ما فيه من أموال ( والمال هو غاية المُراد ) تقول الرواية : ( ..وكتب يومئذ عبد الله بن علي إلى السفاح بالفتح، وحوى عسكر مروان بما فيه فوجد سلاحاً كثيراً وأموالاً .. ) ( فلما أتى الكتاب السفاح صلى ركعتين وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة دينار، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين.) هنا صلاة شكر على النصر وعلى المال ، ومكافأة للمقاتلين المرتزقة برفع أجورهم . تقول الرواية ( وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة ..)

5 ـ هرب مروان فطارده العباسيون حتى مصر . وقاد مطاردته فى صعيد مصر صالح بن على العباسى ، وأرسل فرقة يقودها الحسن بن قحطبة . تقول الرواية ( .. ومضى صالح ومن معه في طلبه إلى الصعيد  ...  وساروا حتى أدركوه بقريه من قرى الصعيد تسمى بوصير في أخر الليل ، وقد نزل الكنيسة ومعه حرمه وولده وثقله  ..) ودارت معركة إنتهت بقتل مروان ، تقول الرواية : (.. وأثخنته الجراح وحمل عليه رجل فقتله واحتزّ رأسه رجل من أهل البصرة كان يبيع الرمان ) وأمر الحسن بن قحطبة‏ القائد وقتها بإحضار بنت مروان الكبرى ، فوضع رأس أبيها فى حجرها ، تقول الرواية : ( .. فأجلسها ووضع الرأس في حجرها فصرخت واضطربت فقيل له‏:‏ ماحملك على هذا فقال‏:‏ " كفعلهم بزيد بن علي حين قتلوه فإنهم جعلوا رأسه في حجر زينب بنت علي. )

( وبعث برأس مروان إلى صالح بن علي فنصب على باب مسجد دمشق ، وبعث به إلى السفاح ). بعث القائد ابن قحطبة برأس مروان الى قائده الأعلى ( صالح بن على ) فبعث بها صالح الى الخليفة السفاح فى الكوفة ، وفى الطريق علقوها فى مسجد دمشق ( المسجد الأموى ) إعلانا بنهاية الحكم الأموى . ولم ينسوا إرسال الغنائم من الأموال والسلاح والسبى : ( ورجع صالح إلى الشام وخلف أبا عون بمصر وسلم إليه السلاح والأموال والرقيق.). وتقول الرواية عن وصول رأس مروان الى السفاح : : ( ولما وصل الرأس إلى السفاح كان بالكوفة، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه فقال: الحمد الله الذي أظهرني عليك وأظفرني بك ولم يبق ثأري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين! ). أى هو قتال دينى ، يبتغى وجه الشيطان.

ثانيا : الإقٌتتال بالدين يعنى المبالغة فى القتل أو القتل إستئصالا :

1 : إستأصل العباسيون من قدروا على قتله من الأمويين . وكانوا يعطونهم الأمان ثم ينكثون بالعهد. ومن الحوادث المشهورة أن عبد الله بن على الذى تولى الشام إستأمن اليه من كان فى دمشق من الأمويين ، فدعا  تسعين رجلا منهم الى طعام وقتلهم ، تحت عنوان : ( ذكر من قتل من بني أمية:) تقول الرواية :  ( ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلاً على الطعام.. ) إستنكر هذا الرجل إستضافة أولئك الأمويين فقال شعرا أثار عبد الله بن على فأمر عبد الله بن على بضربهم بأعمدة الحديد حتى ماتوا : ( فأمر بها عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جيمعاً. )

2 ـ .وقيل عن عبد الله بن على : (  وتتبع بني امية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، ولم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة أيضاً جماعةً من بني أمية عليهم الثياب الموشية المرتفعة وأمر بهم فجروا بأرجلهم فألقوا على الطريق فأكلتهم الكلاب..! ) كان هذا عام 132

3 ـ فى عام 133 ( قتل داود بن علي من ظفر به من بني أمية بمكة والمدينة، ولما أراد قتلهم قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: يا أخي إذا قتلت هؤلاء فمن تباهي بملكه؟ أما يكفيك أن يروك غادياً ورائحاً فيما يذلهم ويسؤهم؟ فلم يقبل منه وقتلهم.)
4 ـ أكثر من هذا أن عبد الله بن على هذا إنتقم من الخلفاء الأمويين الموتى فى قبورهم ، تقول الرواية : ( .. وأمر عبد الله ابن علي بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاماً كأنه الرماد، ونبش قبر عبد الملك فإنه وجد صحيحاً لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط وصلبه وحرقه وذراه في الريح ).

5 ـ ووصل الإسراف فى القتل الى الحروب الخارجية :

5 / 1 : فى عام  133 : حارب أبو مسلم ملك فرغانة المتحالف مع ملك الصين " ( فالتقوا على نهر طراز فظفر بهم المسلمون وقتلوا منهم زهاء خمسين ألفاً وأسروا نحو عشرين ألفاً وهرب الباقون إلى الصين.)

5 / 2 : فى العام التالى : ( ذكر غزوة كش:وفي هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كش فقتل الاخريد ملكها، وهو سامع مطيع، وقتل أصحابه وأخذ منهم من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة ما لم ير مثلها، ومن السروج ومتاع الصين كله من الديباج والطرف شيئاً كثيراً فحمله إلى أبي مسلم وهو بسمرقند، وقتل عدة من دهاقينهم،  ). هذا ملك سامع مطيع ، ولكن جريمته الكبرى أن لديه نفائس يطمع فيها أبو مسلم. والمال هو معبودهم الأكبر .    

ثالثا : الإقٌتتال بالدين يعنى نكث العهود والمواثيق

1 ـ قتل السفاح إثنين من الذين قاموا بالدعوة وساعدوا فى إرساء مُلك العباسيين ، وهما أبو سلمة الخلال وسليمان بن كثير ، بل وقتلوا الولاة الذين عينهم أبو سلمة الخلال فى فارس.

2 : وفى عام  133 : قتل سليمان بن على العباسى ( عم السفاح ) زعيم بنى المهلب فى الموصل. أعطاه أمانا ثم قتله. تقول الرواية : ( وفيها قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بالموصل، قتله سليمان الذي يقال له الأسود بأمان كتبه له.)
3 ـ أما الفاجعة الكبرى فهى ما فعله أخ الخليفة السفاح وإسمه ( يحيى ) بأهل الموصل . تقول الرواية : ( وفي هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل عوض محمد بن صول.وكان سبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة محمد بن صول، وقالوا: يلي علينا مولى الخثعم، وأخرجوه عنهم. فكتب إلى السفاح بذلك واستعمل عليهم أخاه يحيى بن محمد وسيره إليها في اثني عشر ألف رجل، فنزل قصر الإمارة بجانب مسجد الجامع، ولم يظهر لأهل الموصل شيئاً ينكرونه ولم يعترض فيما يفعلونه، ثم دعاهم فقتل منهم أثني عشر رجلاً، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فأعطاهم الأمان، وأمر فنودي: من دخل الجامع فهو آمن؛ فأتاه الناس يهرعون إليه، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجمع، فقتلوا الناس قتلاً ذريعاً أسرفوا فيه، فقيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفاً ممن له خاتم وممن ليس له خاتم خلقاً كثيراً.فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فسأل عن ذلك الصوت فأخبر به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان. ففعلوا ذلك، وقتل منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا النساء قهراً. فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل في اليوم الثالث ركب اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك، فقالت: له: ألست من بني هشام؟ ألست ابن عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنج؟ فأمسك عن جوابها وسير معها من يبلغها مأمنها، وقد عمل كلامها فيه. فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء، فاجتمعوا، فأمر بهم فقُتلوا عن آخرهم.). يضيق الصدر عن تحليل هذا. ففيه التطرف فى القتل ونكث العهد وأن يكون المسجد مركز هذه الفواجع .. هتلر لو قرأ هذا سينفطر قلبه حُزنا.

رابعا : الإقٌتتال بالدين يعنى قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس .
 فى عام 133  : نقم ( شريك بن شيخ المهري  ) ببخارى على أبي مسلم معترضا على الإسراف فى القتل . تقول الرواية : ( ونقم عليه وقال: " ما على هذا اتبعنا آل محمد، أن نسفك الدماء وأن يعمل بغير الحق! " وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفاً، فوجه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله، وقتله زياد.  ).

أخيرا : مات السفاح عام 136 ، وتولى بعده أخوه أبوجعفر المنصور الذى قام بتوطيد الدولة العباسية بالحديد والنار وبالدجل الدينى والكهنوت الدينى. وكان مشهورا بجمع المال أو بعبادة المال حتى كان لقبه ( أبو الدوانيق ) . والدانق هو مثل المليم أو السنت .

الفصل السادس عشر : ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية 

 أولا : نماذج من وصفهم بولاة الصلاة من خلال ما ذكره المقريزى فى ( الخطط ) :

مقدمة : اسلوب المقريزى أن يقول عن الوالى العباسى فى مصر :( فوُلّى ) ( وُلّى ) أى أصدر الخليفة قرار بتعيينه واليا . وحين يقول ( صُرف ) يعنى عزل الوالى. ويذكر إسم الخليفة وتاريخ التعيين وتاريخ عزله او صرفه عن الحكم. ولن نذكر كل التفصيلات ، إكتفاءا بوصف الوالى بأنه على الصلاة والخراج .  ونعطى أمثلة ، قال :

1 ـ (‏ أبو عون‏:‏ عبد الملك بن يزيد ... ولي صلاة مصر وخراجها.. في مستهل شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة.. ).

2 ـ (  فولي‏:‏ صالح بن علي الثانية على الصلاة والخراج فدخل لخمس خلون من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ومائة .. ثم خرج صالح إلى فلسطين..سنة سبع وثلاثين فلقي أبا عون بالفرما فأمره على مصر صلاتها وخراجها ..فولي‏:‏ أبو عون ولايته الثانية من قبل صالح بن علي .. فاستخلف عكرمة على الصلاة وعطاء على الخراج ..).

3 ـ (   فوليها‏:‏ موسى بن كعب ..من قبل أبي جعفر المنصور .. سنة إحدى وأربعين ومائة على صلاتها وخراجها .. ) .

4 ـ ( فولي‏:‏ محمد بن الأشعث بن عقبة الخزاعي من قبل أبي جعفر على الصلاة والخراج ، وقدم لخمس خلون من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين ومائة .. ).

5 ـ ( وولي‏:‏ حميد ين قحطبة .. من قبل أبي جعفر على الصلاة والخراج .. سنة ثلاث واربعين ومائة.). 

6 ـ ( فولي‏:‏ يزيد بن حاتم .. من قبل أبي جعفر على الصلاة ..) .

7 ـــ ( وولي‏:‏ عبد الله بن عبد الرحمن .. من قبل أبي جعفر على الصلاة ..).

8 ـ ( فولي‏:‏ محمد بن عبد الرحمن  باستخلاف أخيه فأقره أبو جعفر على الصلاة .. ) .

9 ـ ( فولي‏:‏ موسى بن علي ..باستخلاف محمد بن خديج فأقره أبو جعفر على الصلاة.. ) .

10 ـ ( وولي‏:‏ عيسى بن لقمان بن محمد الجمحي‏:‏ من قبل المهدي على الصلاة والخراج ..).

11 ـ (  ثم ولي‏:‏ واضح مولى أبي جعفر من قبل المهدي على الصلاة والخراج ..).

12 ـ (  فولي‏:‏ منصور بن يزيد .. على الصلاة فقدم لإحدى عشرة خلت من رمضان سنة اثنتين وستين ومائة وصرف للنصف من ذي الحجة فكان مقامه شهرين وثلاثة أيام‏...).

13 ـ ( ثم ولي‏:‏ يحيى بن داود أبو صالح من أهل خراسان من قبل المهدي على الصلاة والخراج.. ) .

14 ـ ( وقدم‏:‏ سالم بن سوادة التميمي من قبل المهدي على الصلاة.. ).

15 ـ ( ثم ولي‏:‏ إبراهيم بن صالح  ..من قبل المهدي على الصلاة والخراج ..)

16 ـ ( ثم ولي‏:‏ موسى بن مصعب بن الربيع من أهل الموصل على الصلاة والخراج من قبل المهدي..) 

17 ـ ( ثم ولي‏:‏ علي بن سليمان .. من قبل الهادي على الصلاة والخراج .. فدخل في سنة تسع وستين ومائة ، ومات الهادي للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة وبويع هارون بن محمد الرشيد فأقر علي بن سليمان.. ) .

18 ـ ( ثم ولي‏:‏ موسى بن عيسى .. من قبل الرشيد على الصلاة ..)

19 ـ ( ثم ولي‏:‏ مسلمة بن يحيى ..من قبل الرشيد على الصلاة ثم صرف في شعبان سنة ثلاث وسبعين فوليها أحد عشر شهرًا‏.).

20 ـ ( ثم ولي‏:‏ محمد بن زهير الأزدي على الصلاة والخراج. ).

21 ـ (  ‏فولي‏:‏ داود بن يزيد... فولى داود الصلاة ..).

22 ـ ( ثم ولي‏:‏ موسى بن عيسى ..على الصلاة والخراج من قبل الرشيد ...   فولي سنة واحدة‏.).

23 ـ  ( ثم ولي‏:‏ عبد الله بن المسيب ..من قبل الرشيد على الصلاة .. سنة ست وسبعين ومائة. ) .

24 ـ ( فولي‏:‏ إسحاق بن سليمان .. من قبل الرشيد على الصلاة والخراج  ‏.).

25 ـ ( فولي‏:‏ هرثمة بن أعين من قبل الرشيد على الصلاة والخراج.. ).

26 ـ ( ثم ولي‏:‏ عبد الملك بن صالح .. من قبل الرشيد على الصلاة والخراج ..) ‏.

27 ـ ( فولي‏:‏ عبيد الله بن المهدي  .. من قبل الرشيد على الصلاة والخراج في يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من المحرم سنة تسع وسبعين ومائة ...فأعاد الرشيد موسى بن عيسى وولاه مرة ثالثة على الصلاة ..  وصرف في جمادى الآخرة سنة ثمانين ومائة‏.‏ فولى الرشيد عبيد الله بن المهدي ثانيًا على الصلاة  .. وصرف لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة‏. ).

28 ـ ( فولي‏:‏ إسماعيل بن صالح  ..على الصلاة .. ) .

29  ـ (.. فولي‏:‏ إسماعيل بن عيسى ..من قبل الرشيد على الصلاة فقدم لأربع عشرة بقيت من جمادى الآخرة وصرف في رمضان‏. ).

30 ـ ( فولي‏:‏ الليث بن الفضل ..على الصلاة والخراج ..).

 31 :( فولي‏:‏ أحمد بن إسماعيل ..من قبل الرشيد على الصلاة والخراج.. فولى سنتين وشهرًا ونصفًا‏. ).

31 : ( ثم ولي‏:‏ عبيد الله بن محمد .. على الصلاة  ..).

32 ـ ( وولي‏:‏ الحسين بن جميل من قبل الرشيد على الصلاة وقدم لعشر خلون من رمضان ثم جمع له الخراج مع الصلاة في رجب سنة إحدى وتسعين .. وصرف ابن جميل لثنتي عشرة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين ومائة‏.).

33 ـ ( فولي‏:‏ مالك بن دلهم بن عمير الكلبي على الصلاة والخراج وقدم لسبع بقين من ربيع الآخر...   وصرف مالك لأربع خلت من صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة‏. ).

34 : ( فولي‏:‏ الحسن بن التختاح بن التختكان على الصلاة والخراج.. ) .  

35 ـ ( فولي‏:‏ حاتم بن هرثمة بن أعين من قبل الأمين على الصلاة والخراج ..) .

36 ـ ( فولي‏:‏ جابر بن الأشعث ..من قبل الأمين على الصلاة والخراج ..) .

37 ـ ( فولي‏:‏ عباد بن محمد .. من قبل المأمون على الصلاة والخراج ..  وصرف عباد في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة فكانت ولايته سنة وسبعة أشهر‏.).

38 ـ ( فولي‏:‏ المطلب بن عبد الله بن مالك .. من قبل المأمون على الصلاة والخراج .. وصرف في شوال بعد سبعة أشهر‏. ).

39 ـ  ( فولي العباس بن موسى . من قبل المأمون على الصلاة والخراج ... ).

40 ـ  ( ثم ولي سليمان بن غالب .. على الصلاة والخراج سنة إحدى ومائتين .. ثم صرف بعد خمسة أشهر‏.).

41 ـ ( وأعيد السري بن الحكم ثانيًا من قبل المأمون على الصلاة والخراج .. ).

42 ـ ( فولي ابنه محمد بن السري أبو نصر أول جمادى الآخرة على الصلاة والخراج  ..).

43 ـ ( ثم ولي عبيد الله بن السري بن الحكم .. على الصلاة والخراج .. ).

44 ـ ( فولي عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب من قبل المأمون على الصلاة والخراج فدخل يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة ومائتين ..).

45 ـ  ( ثم ولي عيسى بن يزيد الجلودي باستخلاف ابن طاهر على صلاتها إلى سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث عشرة فصرف ابن طاهر وولي الأمير أبو إسحاق بن هارون الرشيد مصر فأقر عيسى على الصلاة فقط وجعل على الخراج‏:‏ صالح بن شيرازاد ..) .

46 ـ ( فولي عمير بن الوليد ..باستخلاف أبي إسحاق بن الرشيد على الصلاة .. فكانت مدة إمرته ستين يومًا‏.).

47 ـ ( فولي عيسى الجلودي ثانيًا لأبي إسحاق على الصلاة .. ) .

48 ــ  (  وولي على مصر عبدويه بن جبلة من الأبناء على الصلاة ..).

49 ـ ( وصرف وولي عيسى بن منصور بن موسى بن عيسى الرافعي ..فولي من قبل أبي إسحاق أول سنة ست عشرة على الصلاة .. ).

 50 ــ ( فولي موسى بن أبي العباس ثابت .. على الصلاة .. وصرف في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائتين فكانت ولايته أربع سنين وسبعة أشهر‏. ).

51 ـ ( فولى مالك بن كيدر .. على الصلاة وقد لسبع بقين من ربيع الآخر وصرف لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ست وعشرين فولى سنتين وأحد عشر يومًا ..) .

52 ـ ( فولي علي بن يحيى ..على صلاتها .. فكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر‏. ).

53 ـ ( ثم ولي عيسى بن منصور الثانية .. على صلاتها فدخل لسبع خلون من المحرم سنة تسع وعشرين ومائتين..).

54 ـ ( فولي هرثمة بن نضر الجبلي .. على الصلاة وقدم لست خلون من رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ..).

55 ـ ( فولي حاتم بن هرثمة .. على الصلاة وصرف لست خلون من رمضان‏.).

56 ـ ( فولي علي بن يحيى بن الأرمني الثانية .. على الصلاة.. ) .

 57 ـ ( فولي إسحاق بن يحيى ..من قبل المنتصر .. على الصلاة والخراج..).

58 ـ ( ..  فولي خوط عبد الواحد بن يحيى .. من قبل المنتصر على الصلاة والخراج فقدم لتسع بقين من ذي القعدة سنة ست وثلاثين ومائتين وصرف عن الخراج لتسع خلون من صفر سنة سبع وثلاثين وأقر على الصلاة ثم صرف سلخ صفر سنة ثمان وثلاثين بخليفته عنبسة على الصلاة والشركة في الخراج مستهل ربيع الأول‏. ).

59 ـ ( فولي عنبسة بن إسحاق .. من قبل المنتصر على الصلاة وشريكًا لأحمد بن خالد الضريقسي صاحب الخراج فقدم لخمس خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين  ... وأضيف له الخراج مع الصلاة ثم صرف عن الخراج أول جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وأفرد بالصلاة  ... وعنبسة هذا آخر من ولي مصر من العرب وآخر أمير صلى بالناس في المسجد الجامع ..).

60 ـ ( فولي يزيد بن عبد الله بن دينار أبو خالد من الموالي ولاه‏:‏ المنتصر على الصلاة فقدم لعشر بقين من رجب سنة اثنتين وأربعين  ..).

61 ـ (  فولي مزاحم بن خاقان . لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائتين على الصلاة من قبل المعتز ..‏. ).

62 ـ  ( فاستخلف ابنه أحمد بن مزاحم فولي باستخلاف أبيه على الصلاة إلى أن مات لسبع خلون من ربيع الآخر فكانت ولايته شهرين ويومًا فاستخلف أرجوز بن أولع طرخان التركي على الصلاة فولي خمسة أشهر ونصفًا وخرج أول ذي القعدة بعد أن صرف بأحمد بن طولون في شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين وإليه كان أمر البلد جميعه.. ).

63 ـ (  وولي منهم خمسة أمراء أولهم‏:‏ أحمد بن طولون ولي مصر من قبل المعتز على صلاتها فدخل يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين .. ).

 64 ـ (  .. فورد كتاب المعتضد بولاية خمارويه على مصر هو وولده ثلاثين سنة من الفرات إلى برقة وجعل له الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال على أن يحمل في كل عام مائتي ألف دينار عما مضى وثلثمائة ألف للمستقبل ..).

65 ـ (  ‏ثم ورد كتاب المكتفي بولاية‏:‏ عيسى بن محمد النوشري ..فولي على الصلاة ..) ( .. وأقبل عيسى النوشري ومعه الحسين المادراني ومن كان معهما لخمس خلون منه فعاد النوشري إلى ما كان عليه من صلاتها والمادراني إلى ما كان عليه من الخراج ..)  (  وبويع جعفر المقتدر فأقر النوشري على الصلاة ..).

66 ـ ( ‏ثم ولي تكين الخزري أبو منصور من قبل المقتدر على الصلاة ..).

67 ـ (  ثم ولي‏:‏ ذكا الرومي ..من قبل المقتدر على الصلاة .. لثنتي عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلثمائة ..).

68 ـ ( ثم ولي‏:‏ هلال بن بدر من قبل المقتدر على الصلاة ..)   .

  69 ـ ( فولي‏:‏ أحمد بن كيغلغ من قبل المقتدر على الصلاة ..) .

 70 ـ  ( فولي‏:‏ تكين المرة الثالثة من قبل المقتدر على الصلاة . ) .

 71 ـ  ( ثم ولي‏:‏ محمد بن طغج بن جف الفرغاني أبو بكر من قبل القاهر بالله على الصلاة ... وولي‏:‏ محمد بن طغج الثانية من قبل الراضي على الصلاة والخراج ..) .

ثانيا : ملاحظات :

1 ـ يتكرر قول المقريزى عن الوالى الأساس أنه الوالى على ( الصلاة ) (الشيطانية ) . وفى المقال التالى سنرى ما فعله مجرمو ولاة الصلاة الشيطانية بأهل مصر.

2 ـ لأهمية الخراج كان تعيين واليا للخراج ، وأحيانا يكون والى الصلاة الشيطانية هو والى الخراج.

3 ـ لأن المال هو معبودهم الأعظم فقد كان الحرص على ألا يبقى الوالى فترة طويلة حتى لا يتكاثر ماله من النهب ، ولذا كان يتكرر العزل والتولية ، ولهذا ايضا إشتد العسف بالمصريين بسبب الخراج بالذات ، وسنعرض لذلك فى المقال التالى.

4 ـ فى بداية العصر العباسى كان أكثر ولاة الصلاة ( الشيطانية ) من الأسرة العباسية ، ومن ذرية القادة العرب الموالين للعباسيين ، وبعد سيطرة القادة الأتراك على الخلافة العباسية أصبح ولاة الصلاة منهم.

5 ـ  وكان يحدث أن يتولى والى الصلاة مصر سواء كان عربيا أو تركيا فيظل فى بغداد ليحمى نفوذه ويرسل نائبا عنه يحكم مصر بإسمه.

6 ـ توقفنا عند الإخشيد ، وهو الذى أقام ولاية مستقلة فى إطار الخلافة العباسية كما فعل من قبله أحمد بن طولون. وكلاهما من ولاة الصلاة. ثم إحتل الفاطميون مصر .

الفصل السابع عشر : من إجرام ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية 

 ( 1 )

هو موضوع مؤلم وطويل ، نكتفى منه بموجز مما كتبه المقريزى ، وقد كان متعصبا ، وننتظر أن يتجاهل الكثير من الوقائع . ولكنه المصدر التاريخى الهام المعتمد لنا. ونعطى هنا بعض لمحات من التاريخ المجهول للمصريين :

أولا : المقريزى فى تأريخه لولاة الصلاة يلمح الى بعض مظالمهم :

فى المقال السابق ركزنا عن ولاة مصر العباسية بوصفهم بولاة الصلاة. وكان المقريزة يذكر بعض المشهور من ظلمهم . ونعطى أمثلة . قال : 

1 ـ ( فولي‏:‏ موسى بن علي بن رباح باستخلاف محمد بن خديج ، فأقره أبو جعفر على الصلاة . وخرج القبط بهبيب في سنة ست وخمسين ، فبعث إليهم وهزمهم . وكان يروح إلى المسجد ماشيًا وصاحب شرطته بين يديه يحمل الحربة وإذا أقام صاحب الشرطة الحدود يقول له‏:‏ ارحم أهل البلاد فيقول‏:‏ أيها الأمير ما يصلح الناس إلا ما يفعل بهم ..!!). هذا فى خلافة المنصور العباسى. ثار الأقباط بسبب العسف وكثرة الضرائب . فهزمهم ( والى الصلاة ). وكان يرفض صاحب الشرطة برحمة الناس ، لأنه يرى أن هذا هو الأصلح للناس ، وهم له مستحقون . الناس هنا هم المظلومون ، وإلّا ما أشفق عليهم صاحب الشرطة . والحدود التى يذكرها المقريزى لا علاقة بتشريعات الاسلام ، ولكنها تشريع العباسيين ووالى الصلاة الذى كان مُطلق اليد فى قتل من يشاء وعقاب من يشاء دون رقيب أو مؤاخذة .

2 ـ ( ثم ولي‏:‏ يحيى بن داود أبو صالح من أهل خراسان من قبل المهدي على الصلاة والخراج فقدم في ذي الحجة وكان أبوه تركيًا وهو من أشد الناس وأعظمهم هيبة وأقدمهم على الدم وأكثرهم عقوبة ... .. وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكره قال‏:‏ هو رجل يخافني ولا يخاف الله فولي إلى المحرم سنة أربع وستين‏.). الخليفة المنصور كان من جبابرة الخلفاء أجمعين . و كان من أتباعه ( يحيى بن داود ) وقد وصفه المنصور بأنه لا يخشى الله ولكن يخشى المنصور ، ولذلك قام الخليفة المهدى ابن الخليفة المنصور بتعيينه واليا على الصلاة والخراج فى مصر. لذا كان بمصر كما قال المقريزى : (وهو من أشد الناس وأعظمهم هيبة وأقدمهم على الدم وأكثرهم عقوبة ). ولا نعرف عدد ولا أسماء ضحاياه .. هذا الوالى للصلاة الشيطانية .

3 ـ ( ثم ولي‏:‏ موسى بن مصعب بن الربيع من أهل الموصل على الصلاة والخراج من قبل المهدي ، فقدم لسبع خلون من ذي الحجة المذكور ، فرد إبراهيم وأخذ منه وممن عمل له ثلثمائة ألف دينار ، ثم سيره إلى بغداد ، وشدد موسى في استخراج الخراج ، وزاد على كل فدان ضعف ما يقبل به ، وارتشى في الأحكام ، وجعل خرجًا على أهل الأسواق وعلى الدواب .... وكان ظالمًا غاشمًا ..). هنا يصادر شخصا ، ويتشدد فى سلب المصريين بزعم الخراج ، الى درجة مضاعفة الضريبة على الزراعة وفرض ضرائب على الاسواق والبهائم ، مع أخذه الرشوة .

4 ـ ( فولي‏:‏ إسحاق بن سليمان .. من قبل الرشيد على الصلاة والخراج ، مستهل رجب ، فكشف أمر الخراج ، وزاد على المزارعين زيادة أجحفت بهم فخرج عليه أهل الحوف فحاربهم فقتل كثير من أصحابه، فكتب إلى الرشيد بذلك فعقد لهرثمة بن أعين في جيش عظيم وبعث به فنزل الحوف فتلقاه أهله بالطاعة وأذعنوا فقبل منهم واستخرج الخراج كله ، فكان صرف إسحاق في رجب سنة ثمان وسبعين ومائة‏.). اسحاق هذا زاد فى الخراج فأشعل ثورة الأعراب ضده.

5 ـ ( فولي‏:‏ الليث بن الفضل البيوردي من أهل بيورد على الصلاة والخراج وقدم لخمس خلون من شوال ثم خرج إلى الرشيد لسبع بقين من رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة بالمال والهدايا ، واستخلف أخاه الفضل بن علي ، ثم عاد في آخر السنة وخرج ثانيًا بالمال لتسع بقين من رمضان سنة خمس وثمانين واستخلف هاشم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وقدم لأربع عشرة خلت من المحرم سنة ست وثمانين ، فكان كلما غلق خراج سنة وفرغ من حسابها خرج بالمال إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ومعه الحساب ، ثم خرج عليه أهل الحوف وساروا إلى الفسطاط فخرج إليهم في أربعة آلاف ليومين بقيا من شعبان سنة ست وثمانين ومائة واستخلف عبد الرحمن بن موسى بن علي بن رباح على الجند والخراج فواقع أهل الحوف وانهزم عنه الجند فبقي في نحو المائتين فحمل بهم وهزم القوم من أرض الجب إلى غيفة وبعث إلى الفسطاط بثمانين رأسًا وقدم فرجع أهل الحوف ومنعوا الخراج فخرج ليث إلى الرشيد وسأله أن يبعث معه بالجيوش فإنه لا يقدر على استخراج الخراج من أهل الأحواف إلا بجيش ، فرفع محفوظ بن سليمان أنه يضمن خراج مصر عن آخره بغير سوط ولا عصا ، فولاه الرشيد الخراج وصرف ليثًا عن الصلاة والخراج ، وبعث أحمد بن إسحاق على الصلاة مع محفوظ . وكانت ولاية ليث أربع سنين وسبعة أشهر‏. ) هذا الوالى على الصلاة ( الليث ) عرف كيف يرضى الرشيد ، فالإله الأعظم لديهم هو المال، لذا حرص على توصيله للرشيد عاما بعام ، ولكن ثار عليه الأعراب فى شرق الدلتا ( الحوف ) ، وكان واضحا أن التطرف فى جمع الأموال يؤدى الى ثورة الأعراب ، وإقترح محفوظ أنه يضمن دفع الخراج وبدون ثورة ، فكان عزل الليث.

6 ـ ( وولي‏:‏ الحسين بن جميل من قبل الرشيد على الصلاة وقدم لعشر خلون من رمضان ، ثم جمع له الخراج مع الصلاة في رجب سنة إحدى وتسعين ، وخرج أهل الحوف وامتنعوا من أداء الخراج  ...  وسار جيش الرشيد إلى بلبيس في شوال سنة إحدى وتسعين ومائة فأذعن أهل الحوف بالخراج. وصرف ابن جميل لثنتي عشرة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين ومائة‏.). كالعادة أدى التطرف فى جمع الخراج الى ثورة الأعراب .

7 ـ ـ ( فولي‏:‏ مالك بن دلهم بن عمير الكلبي على الصلاة والخراج وقدم لسبع بقين من ربيع الآخر ، وفرغ يحيى بن معاذ أمير جيش الرشيد من أمر الحوف ، وقدم الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة فكتب إلى أهل الأحواف أن اقدموا حتى أوصي بك مالك بن دلهم فدخل الرؤساء من اليمانية والقيسية فأخذت عليهم الأبواب وقيدوا وسار بهم للنصف من رجب وصرف مالك لأربع خلت من صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة‏.). كالعادة أدى التطرف فى جمع الخراج الى ثورة الأعراب .

8 ـ ( فولي العباس بن موسى . من قبل المأمون على الصلاة والخراج ... وتحامل على الرعية وعسفها وتهدد الجميع فثاروا ). كالعادة أدى التطرف فى جمع الخراج الى ثورة الأعراب .

9 ـ ( وأعيد السري بن الحكم ثانيًا من قبل المأمون على الصلاة والخراج فذمت ولايته )

10 ـ ( ثم ولي عيسى بن يزيد الجلودي باستخلاف ابن طاهر على صلاتها إلى سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث عشرة فصرف ابن طاهر وولي الأمير أبو إسحاق بن هارون الرشيد مصر فأقر عيسى على الصلاة فقط وجعل على الخراج‏:‏ صالح بن شيرازاد ، فظلم الناس وزاد عليهم في خراجهم فانتفض أهل أسفل الأرض وعسكروا ، فبعث عيسى بابنه محمد في جيش فحاربوه فانهزم وقتل أصحابه في صفر سنة أربع عشرة‏.). كالعادة أدى التطرف فى جمع الخراج الى ثورة الأعراب .

11 ـ ( فولي عيسى الجلودي ثانيًا لأبي إسحاق على الصلاة فحارب أهل الحوف بمنية مطر ثم انهزم في رجب فأقبل أبو إسحاق إلى مصر في أربعة آلاف من أتراكه فقاتل أهل الحوف في شعبان ودخل إلى مدينة الفسطاط لثمان بقين منه وقتل أكابر الحوف ). كالعادة أدى التطرف فى جمع الخراج الى ثورة الأعراب .

12 ـ ( .. وولي على مصر عبدويه بن جبلة من الأبناء على الصلاة فخرج ناس بالحوف في شعبان فبعث إليهم وحاربهم حتى ظفر بهم ، ثم قدم الإفشين حيدر بن كاوس الصفدي إلى مصر لثلاث خلون من ذي الحجة ومعه علي بن عبد العزيز الجروي لأخذ ماله فلم يدفع إليه شيئًا فقتله ، وصرف وولي عيسى بن منصور بن موسى بن عيسى الرافعي فولي من قبل أبي إسحاق أول سنة ست عشرة على الصلاة ، فانتقضت أسفل الأرض عربها وقبطها في جمادى الأولى ، وأخرجوا العمال لسوء سيرتهم وخلعوا الطاعة ، فقدم الإفشين من برقة للنصف من جمادى الآخرة ثم خرج هو وعيسى في شوال فأوقعا بالقوم وأسرا منهم وقتلا . ومضى الإفشين ورجع عيسى فسار الإفشين إلى الحوف وقتل جماعتهم . وكانت حروب إلى أن قدم أمير المؤمنين عبد الله المأمون لعشر خلون من المحرم سنة سبع عشرة ومائتين ، فسخط على عيسى وحل لواءه فأخذه بلباس البياض ، ونسب الحدث إليه وإلى عماله وسير الجيوش وأوقع بأهل الفساد وسبى القبط وقتل مقاتلتهم ثم رحل لثمان عشرة خلت من صفر بعد تسعة وأربعين يومًا‏.). هنا إشارة الى سبب مجىء الخليفة المأمون بنفسه الى مصر يحارب أهلها من الأعراب والأقباط معا ، وهذا بعد تكرار الثورات الى درجة خلع الطاعة ، وتحالف الأعراب مع الأقباط ضد ظلم ولاة الصلاة الشيطانية العباسية. وسنتعرض لهذا بالتفصيل لاحقا.

13 ـ (  فولي مزاحم بن خاقان . لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائتين على الصلاة من قبل المعتز وخرج إلى الحوف فأوقع بأهله وعاد ثم خرج إلى الجيزة فسار إلى تروجة فأوقع بأهلها وأسر عدة من أهل البلاد وقتل كثيرًا وسار إلى الفيوم فطاش سيفه وكثر إيقاعه بسكان النواحي وعاد‏. ). هنا تكرار الثورات الحروب بسبب الظلم فى فرض الضرائب.

14 ـ (  وولي منهم خمسة أمراء أولهم‏:‏ أحمد بن طولون ولي مصر من قبل المعتز على صلاتها فدخل يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين ..  وورد كتاب المعتمد يستحثه في حمل الأموال فكتب إليه لست أطيق ذلك والخراج بيد غيري فأنفذ المعتمد نفيسًا الخادم بتقليد أحمد بن طولون الخراج وبولايته على الثغور الشامية فأقر أبا أيوب أحمد بن محمد بن شجاع على الخراج خليفة له عليه..). تخلص أحمد بن طولون والى الصلاة من والى الخراج ( إبن المدبر ) منتهزا فرصة جشع الخليفة المعتز وطلبه المزيد من المال، فجعله المعتز والى الخراج أيضا. وبهذا تهيأ ابن طولون لأن يستقل بمصر ، ونشبت حروب بينه وبين الدولة العباسية .

 15 ـ  وتولى بعده ابنه خمارويه فاتفق خمارويه مع الخليفة المعتضد على أن يدفع للمعتضد ما طلب من المال مقابل ...يقول المقريزى : (  وقدم من الشام لست خلون من ربيع الأول سنة ثمانين فورد كتاب المعتضد بولاية خمارويه على مصر هو وولده ثلاثين سنة من الفرات إلى برقة وجعل له الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال على أن يحمل في كل عام مائتي ألف دينار عما مضى وثلثمائة ألف للمستقبل ..). المال هو إلاههم الأعظم .

16 ـ وتولى المقتدر بن المعتضد . ( ثم ولي‏:‏ هلال بن بدر من قبل المقتدر على الصلاة فدخل لست خلون من ربيع الآخر وخرج مونس لثمان عشرة خلت منه ومعه ابن حمل فشغب الجند على هلال وخرجوا إلى منية الأصبغ ومعهم محمد بن طاهر صاحب الشرط فكثر النهب والقتل والفساد بمصر إلى أن صرف عنها في ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلثمائة وخرج في نفر من أصحابه‏.). هنا يذكر المقريزى إضطراب الأحوال وشغب الجنود وكثرة السلب والنهب والقتل والفساد بمصر.

 17 ـ  ـ ( فولي‏:‏ أحمد بن كيغلغ من قبل المقتدر على الصلاة وقدم ابنه أبو العباس خليفة له أول جمادى الأولى ، ثم قدم ومعه محمد بن الحسين بن عبد الوهاب المادراني على الخراج في رجب فأحضرا الجند ووضعا العطاء وأسقطا كثيرًا من الرجالة وكان ذلك بمنية الأصبغ فثار الرجالة به ففر إلى فاقوس وأدخل المادراني إلى المدينة لثمان خلون من شوال وأقام ابن كيغلغ بفاقوس إلى أن صرف بقدوم رسول تكين في ثالث ذي القعدة‏. ). إستمرار للإضطراب وما يعنيه من فساد.

  18 ـ ـ ( فولي‏:‏ تكين المرة الثالثة من قبل المقتدر على الصلاة وخلفه ابن منجور إلى أن قدم يوم عاشوراء سنة اثنتي عشرة وثلثمائة فأسقط كثيرًا من الرجالة وكانوا أهل الشر والنهب ونادى ببراءة الذمة ممن أقام منهم بالفسطاط وصلى الجمعة في دار الإمارة بالعسكر وترك حضور الجمعة في مسجد العسكر والمسجد الجامع العتيق في سنة سبع عشرة ولم يصل قبله أحد من الأمراء في دار الإمارة الجمعة .. ) . يقول المقريزى عن أتباع ولاة الصلاة انهم أهل الشّر والنهب. والناس على دين ملوكهم.

ثانيا : بالمناسبة : لمحة عن هذا الخليفة المقتدر

1 ـ تولى الخلافة طفلا عام 295 هجرية. وهو مولود عام 282 ، وهذا بنفوذ أمه جارية اسمها ( شغب ) وهى الجارية التى سيطرت على الخلافة العباسية. وقد عرضنا لها فى مقال بحثى منشور فى باب دراسات تاريخية.

2 ـ عن الخليقة المقتدر يقول ابن الجوزى فى تاريخه ( المنتظم ) : (ولما أراد الجلوس للبيعة صلى أربع ركعات وما زال يرفع صوته بالدعاء والاستخارة ، فبويع ولقب المقتدر بالله وهو ابن ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وعشرين يومًا ولم يكن ولي الخلافة قبله أحد أصغر منه ‏. ) لاحظ صلاته الشيطانية.

3 ـ وعن أمواله وممتلكاته الخاصة يقول ابن الجوزى : ( .. وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار وفي بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ومن غير ذلك ما يتمم عشرين ألف ألف دينار ومن الفرش والآلة والجوهر ما يزيد قيمته على الكل .. ).

4 ـ وإنفرد هذا الخليفة الصبى بصفة فريدة هى الاستهتار بالمال الذى يجمعه ولاة الصلاة الشيطانية بالقتل والعسف . إذ بعثر الكنوز التى آلت للخلفاء العباسيين ممّن سبقهم . الأمويون آلت اليهم جواهر الأكاسرة وغيرهم ، ثم ورثها العباسيون ، وظل الخلفاء العباسيون يزيدون رصيدهم من الجواهر بإعتبارها ( عُدة الخلافة ) ، يشترون الجواهر من المال السُّحت الذى يجمعه ولاة الصلاة الشيطانية . تولى المقتدر فصار يوزع الجواهر على أتباعه مما أثار رءوس ( الدولة العميقة ) العباسية. يقول ابن الجوزى : ( كان جواهر الأكاسر وغيرهم من الملوك قد صارت إلى بني أمية ،  ثم صارت إلى السفاح ثم إلى المنصور واشترى المهدي الفص المعروف بالجبل بثلثمائة ألف دينار ، واشترى الرشيد جوهره بألف ألف دينار ، ولم يزل الخلفاء يحفظون ذلك إلى أن آلت الخلافة إلى المقتدر ، وهناك ما لم ير مثله ، وفيه الدرة اليتيمة زنتها ثلاثة مثاقيل ، فبسط فيه المقتدر يده ، ووهب بعضه لصافي الحرمي ، ووجه منه إلى وزيره العباس فرده ، وقال‏:‏ " هذا الجوهر عدة الخلافة ولا يصلح أن يفرق . " وكانت زيدان القهرمانة متمكنة من الجوهر فأخذت سبحة لم ير مثلها ، وكان يضرب بها المثل فيقال‏:‏ سبحة زيدان ، فلما وزر علي بن عيسى قال للمقتدر‏:‏ " ما فعلت سبحة جوهر قيمتها ثلاثون ألف دينار أخذت من ابن الجصاص ؟ " فقال‏:‏ " في الخزانة " . فقال‏:‏ " تُطلب" .  فطُلبت ، فلم توجد ، فأخرجه من كمه وقال‏:‏ " إذا كانت خزانة الجوهر لا تحفظ فما الذي يحفظ ؟ " وقال‏:‏ " عُرضت علي فاشتريتها. "  فاشتد ذلك على المقتدر ، ثم امتدت يد الخزانة في أيام القاهر والراضي إلى خزائن الجوهر فلم يبق منه شيء ‏.‏).

أخيرا : الأكاسرة والقياصرة والخلفاء الفاسقون وأعوانهم من ولاة الصلاة جمعوا الأموال وإكتنزوها ثم ماتوا وتركوها. وسيأتون يوم القيامة يحملون أوزارهم على ظهورهم ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وكل المستبدين .

من إجرام ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية ( 2 )

أولاً:

من بداية الخلافة العباسية إلى سنة 235 هجرية فى خلافة المتوكل على الله العباسى:

فى هذه الفترة واصل الأقباط ثوراتهم على ظلم الولاة العباسيين، وكان الاضطهاد فى أغلبه رسمياً من السلطة الحاكمة التى تريد اعتصار الضرائب بالقسوة، والعنف فلا يجد الأقباط المسالمون طريقة إلا الثورة التى تنتهى بالهزيمة والمذابح.. ونعطى أمثلة سريعة:

1 ـــ  فى سنة 150 هجرية ثار الأقباط فى سخا وطردوا ولاة الضرائب فأرسل لهم العباسيون جيشاً يقوده يزيد بن حاتم، وهاجم الأقباط الجيش ليلاً وقتلوا بعض أفراده وهزموا بعض فصائله، إلا أن الإمدادات العباسية تلاحقت وحاصرت الأقباط وهزمتهم، وامتد الانتقام إلى حرق الكنائس. واضطر الأقباط إلى دفع غرامة قدرها خمسون ألف دينار للوالى العباسى سليمان بن على كى يكف عن حرق الكنائس إلا أنه أبى..يقول المقريزى : (,, فاشتد البلاء على النصارى واحتاجوا إلى أكل الجيف وهُدمت الكنائس المحدثة بمصر فهدمت كنيسة مريم المجاورة لأبي شنودة بمصر وهدمت كنائس محارس قسطنطين فبذل النصارى لسليمان بن علي أمير مصر في تركها خمسين ألف دينار فأبى . )

2 ــ وتولى بعده الوالى موسى بن عيسى العباسى فاستمع إلى نصيحة الأئمة المستنيرين من الفقهاء المشهورين بمصر مثل الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة، وقد أفتوا له بأن بناء الكنائس من عمارة البلد، فأذن الوالى بإعادة بناء الكنائس،..يقول المقريزى : ( فلما ولي بعده موسى بن عيسى أذن لهم في بنائها فبنيت كلها بمشورة الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة قاضي مصر واحتجا بأنّ بناءها من عمارة البلاد.)

3 ــ ولكن ظلت المظالم على حالها. فى سنة 156 هجرية عاد الأقباط للثورة فى بلهيت، فأرسل لهم الوالى موسى بن على جيشاً فهزمهم. يقول المقريزى : (خرج القبط ببلهيت سنة ست وخمسين فبعث إليهم موسى بن عليّ أمير مصر وهزمهم . )

4 ـ وفى الفتنة بين الأمين والمأمون يقول المقريزى : ( .. كانت الفتنة بين الأمين والمأمون فانتُهبت النصارى بالإسكندرية ، وأحرقت لهم مواضع عديدة ، وأحرقت ديارات وادي هبيب ونهبت فلم يبق بها من رهبانها إلاّ نفر قليل‏.‏ )

5 ـ وجاء المأمون لزيارة مصر وأنّب ولاة الصلاة واعتبرهم سبب المظالم والثورات، ومع ذلك كان المأمون أكثر ظلما إذ حارب الثوار من العرب والمصريين الأقباط ، وأنزل عقوبة القتل والسبى بحق الأقباط الثائرين ونسائهم وذريتهم، يقول المقريزى : (  وفي أيامه انتقض القبط في سنة ست عشرة ومائتين فأوقع بهم الإفشين حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون فحكم فيهم بقتل الرجال وبيع النساء والذرية فبيعوا وسبى أكثره ). وسنتعرض لهذا فى المقال القادم. لكن يهمنا هنا موضوع الصلاة والتكبير ، إذ صدر أمر الخليفة المأمون لجنوده فى هذا العام 216 بالتكبير فى الصلاة ثلاث تكبيرات ، يذكر ابن الأثير : (  وفيها كتب المأمون إلى أسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوأ،  فبدأ بذلك منتصف رمضان، فقاموا قياما ، وكبروا ثلاثأ،  ثم فعلوا ذلك في كل صلاة مكتوبة.) . هى صلاتهم الشيطانية .!
6 ــ  وكانت ثورة 216 هجرية هى آخر ثورات الأقباط الحربية، وبعدها اتبعوا طريق المقاومة السرية، ونحن ننقل معاناة الأقباط عن المقريزى وهو الذى لا يخفى تعصبه ضد النصارى، يقول فى التعليق على ثورة 216 هجرية وآثارها : ( ومن حينئذ ذلت القبط فى جميع أرض مصر ولم يقدر أحد منهم على الخروج على السلطان، وغلبهم المسلمون على عامة القرى، فرجعوا من المحاربة إلى المكيدة واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين..)

ثانياً: فى عصر الخليفة المتوكل

1 ـ شهد عصر الخليفة المتوكل ظاهرة جديدة هى انتصار الفكر الحنبلى المتشدد وهزيمة الفكر المعتزلى العقلانى، وقد استمال الحنابلة ورواة الأحاديث الخليفة المتوكل إليهم، فجعل ( السُّنّة ) الدين الرسمى ، وارسل دعاتها الى الآفاق ، وبتأثيرهم دخلت الدولة العباسية فى اضطهاد مخالفيها فى المذهب والدين، فحوكم شيوخ التصوف وطورد الشيعة وهدم ضريح الحسين فى كربلاء، وصدرت قرارات لاضطهاد اليهود والنصارى، وانتشرت الروايات والفتاوى التى تضع الإطار التشريعى لتلك الممارسات، ومنها الحديث المشهور "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده..." ذلك الحديث الزائف الذى أثبتنا كذبه فى مقالة بجريدة الأحرار من حوالى ربع قرن ، والذى يعتبر الدستور العملى للتطرف حتى الآن..

2 ـ ترتب على هذا أن :

2 / 1 : اصبح إضطهاد الأقباط والمخالفين فى الدين والمذهب دينا أرضيا وفريضة تدعو اليها الأحاديث والفتاوى .

2 / 2 :  انتقل الاضطهاد للأقباط من دائرة الحكم والسياسة إلى الشارع والعوام، وساعدت الروايات والفتاوى وجهود الفقهاء والقصاصين وأهل الحديث فى شحن الأفراد العاديين بالكراهية ضد مخالفيهم فى المذهب سواء كانوا صوفية أو شيعة أو كانوا مخالفين لهم فى الدين أى من اليهود أو من النصارى.. وبالتالى تحول الاضطهاد الرسمى العنصرى للأقباط إلى اضطهاد دينى يشارك فيه المصرى المسلم ضد أخيه المصرى القبطى..

3 ـ وبمرور الزمن تعاظم تأثير تلك الروايات والفتاوى وأصبحت ركائز دينية تفرق بين أبناء الشعب الواحد وتباعد بينهم وبين الدين الحق الذى نزل على خاتم الأنبياء عليهم السلام. والمؤسف أن المسلم اليوم - إذا أراد أن يتدين - يجد أمامه كتابات اولئك الأئمة فيما يعرف الآن بكتب الفقه والسنن وقد احتوت على تلك الروايات والفتاوى فيأخذها عنهم كأنها الدين الحق ويصدق نسبتها الكاذبة للنبى محمد ، مع انها – أى تلك الأحاديث – قد كتبوها ونسبوها للنبى بعد موته بأكثر من قرنين من الزمان عبر اسناد شفهى مضحك. الا أن المسلم اليوم يصدق هذه الأحاديث المفتراة ويعتقد أن النبى محمدا عليه السلام قد قالها فعلا ، وعلى أساسها يعتقد أن كراهية المخالفين فى المذهب والاعتقاد من معالم الدين حتى لو كانوا من المسالمين الصابرين. والدليل على ذلك ما نراه فى عصرنا الراهن من اضطهاد للأقباط مع علو لنفوذ التيار الحنبلى السلفى والذى استعادته الدولة السعودية عبر مذهبها الوهابى وأصبح من علاماته التطرف والتعصب والانغلاق واضطهاد المخالفين والحكم بتكفيرهم وما يترتب على التكفير من سفك للدماء واستحلال للأموال..

أعاد ذلك لعصرنا الراهن ما ساد فى عصر الخليفة المتوكل العباسى من سطوة الفقهاء المتزمتين الذين سموا أنفسهم بأهل السنة واستمرت سطوتهم فى عصر من جاء بعده من الخلفاء حتى أصبحت سياسة متبعة . ثم اعاد التطرف الوهابى والنفوذ السعودى هذا التراث حيا فى عصرنا.وليس غريباً بعدها أن نعرف أن أئمة الحديث المشهورين عاشوا تلك الفترة من ابن حنبل إلى البخارى ومسلم والحاكم وغيرهم ،وقد أصبحوا الآن فى عصرنا آلهة منزهة عن الخطأ ومن يناقشهم - معتبرا اياهم بشرا يخطئون ويصيبون – يكون مصيره الاتهام بالكفر وإنكار السنة.!!

4 ــ ونعود إلى الروايات التاريخية فى سردها للتطور الجديد فى اضطهاد الأقباط فى هذه الفترة.

4 / 1 : فى سنة 235 هجرية أصدر الخليفة المتوكل مرسوماً يهدف إلى تحقير (أهل الذمة) فى كل الامبراطورية العباسية، وذلك بإلزامهم بارتداء زى معين ومظهر معين، مع هدم الكنائس الجديدة وتحصيل الضرائب والعشور من منازلهم وأن يجعل على أبواب بيوتهم صوراً للشياطين، ونهى المرسوم عن توظيفهم وتعليمهم عند المسلمين، وتسوية قبورهم بالأرض وألا يحملوا الصليب فى أعيادهم وألا يشعلوا المصابيح فى احتفالاتهم وألا يركبوا الخيول.. وقد طبق الولاة ذلك على أقباط مصر وأصبحت سنة متبعة.

4 / 2 : يذكرها ابن الأثير فى أحداث عام 235 . يقول ابن الأثير فى تاريخه ( الكامل ) : ( وفي هذه السنة أمر المتوكل أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية، وشد الزنانير، وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين في مخر السروج، وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثوب، كل واحدة منهما قدر أربع أصابع، ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزاراً عسليأن ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم ( كنائسهم ) المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان، ولا يعلمهم مسلم، وأن يظهروا في شعانينهم صليبأن وأن يستعملوه في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب في ذلك إلى الآفاق.)

4 / 3 : وذكرها ابن الجوزى فى أحداث عام 239 ، يقول : (  ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين ،

فمن الحوادث فيها‏:‏ أخذ المتوكل أهل الذمة بلبس رقعتين عسليتين على الأقبية والدراريع وكان ذلك في المحرم ، وأن تصنع النساء مقانعهن عسليات ، ثم أمر في صفر بأن يقتصروا في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين ‏. )

4 / 4 : ويذكرها المقريزى فى ( الخطط ) فى عام 235 . يقول : ( ..وفي أيامه أمر المتوكل على الله في سنة خمس وثلاثين ومائتين أهل الذمّة بلبس الطيالسة العسلية وشد الزنانير وركوب السروج بالركب الخشب وعمل كرتين في مؤخر السرج وعمل رقعتين على لباس رجالهم تخالفان لون الثوب قدر كلّ واحدة منهما أربع أصابع ولون كلّ واحدة منهما غير لون الأخرى ومن خرج من نسائهم تلبس إزارًا عسليًا ومنعهم من لباس المناطق وأمر بهدم بيعهم المحدثة وبأخذ العشر من منازلهم وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان ولا يعلمهم مسلم ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليبًا وأن لا يشعلوا في الطريق نارًا وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض . وكتب بذلك إلى الآفاق .  ثم أمر في سنة تسع وثلاثين أهل الذمّة بلبس دراعتين عسليتين على الذراريع والأقبية وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين‏.‏ ).

5 ـ ومفهوم تلك القرارات أن يشارك الناس فى إلزام الأقباط بها، ومن هنا بدأ انغماس العوام فى اضطهاد الأقباط.. وتعلموا أن ذلك يعنى إظهار الإخلاص للإسلام، وانتقل ذلك الفهم الخاطىء لبعض الولاة المتدينين مثل أحمد بن طولون الذى استقل بمصر ذاتياً فى إطار الخلافة العباسية، وكان معروفاً بتدينه وجرأته على سفك الدماء لصالح سلطانه، ولم يكن الأقباط يشكلون خطراً على نفوذه، بل كان يستعين بهم فى دواوينه وأعماله ومع ذلك فقد قام بعمليات اضطهاد ضد الأقباط كأفراد ومنشآت دينية.. ولم تكن له فيها دوافع سياسية، مما يرجح أن دوافعه كانت دينية نتيجة تأثره بالفكر السلفى السنى السائد، وقد كان معروفاً بإخلاصه لذلك الفكر. والمقريزى يذكر أن أحمد بن طولون ألزم البطرك ميخائيل بدفع غرامة قدرها عشرون ألف دينار واضطره لبيع أوقاف الكنيسة، وفرض ابن طولون ضرائب جديدة على الأقباط..

6 ـ وحدث سنة 300 هجرية إحراق كنيسة القيامة فى الإسكندرية..

7 ـ وبعد انتهاء الدولة الطولونية اشتد الوالى ابن الجراح على الأقباط وألزم الرهبان بدفع الجزية فاستغاثوا بالخليفة العباسى المقتدر فأمر برفع الجزية عنهم اكتفاء بما دفعه عامة الأقباط.

8 ـ وأقام محمد بن طغج دولته الأخشيدية بمصر فأرسل فرقة من جيشه إلى مدينة تنيس على ساحل المتوسط فى سيناء فصادر ما فى الكنيسة الملكية بها.

9 ـ أصبح إضطهاد الأقباط شريعة دينية بما إقترفه الخليفة المتوكل ( على الله ) ، وبما إفتراه الحنابلة من أحاديث ، وخصوصا حديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) ، وقد إعتبروا بيوت العبادة لمخالفيهم فى الدين والمذهب منكرا يجب إزالته.

من إجرام ولاة الصلاة الشيطانية فى مصر العباسية ( 3 )

أولا : سكن الأعراب فى مصر

1 ـ عمل الأمويون علي نقل بعض القبائل القيسية إلي مصر في شرق الدلتا أو ما كان يعرف بالحوف الشرقي وهو المنطقة بين الأرض الزراعية في الدلتا وشبه جزيرة سيناء وتحتلها الآن محافظات الشرقية والدقهلية والقليوبية والسويس والإسماعيلية وبورسعيد . وقبل خلافة هشام بن عبد الملك لم يكن من قبائل  قيس بمصر إلا بعض البيوت من قبيلتي فهم وعدوان ، ثم وفد ابن الحبحاب علي الخليفة هشام بن عبد الملك وسأله أن ينقل إلي مصر بعض قبائل أخري من قيس ، وكان ذلك في ولاية الوليد بن رفاعة علي مصر ، فأذن هشام في أن  يهاجر إلي مصر ثلاثة آلاف من قبائل قيس وأن يحول ديوانهم إلي مصر بشرط ألا ينزلوا الفسطاط عاصمة الحكم وقتها . ونزلت قيس بالمنطقة ، جاءوا من البادية العربية إلي بلبيس وما حولها ، وكان منهم مائة بيت من بني نضر ومائة بيت من بني سليم ، واستوطنوا المنطقة الزراعية القريبة من صحراء بلبيس وباشروا زراعتها ، وقاموا بتحصيل الصدقات والزكاة لصالح الدولة الأموية ، وكانوا يحملونها علي الإبل إلي الدلتا إلي ما يعرف بميناء السويس الآن ، وكان الرجل منهم يتكسب في نقل المحاصيل هذه أكثر من عشرة دنانير في الشهر .

2 ــ   ثم سمحت لهم السلطات بشراء الخيول والاتجار فيها فأثروا من تربية الخيول بسبب جودة المرعي واتساع الصحراء لنشاطها ، وكان أحدهم يشتري المُهر فلا يلبث المُهر عنده شهرا حتى يصلح  للركوب . وازداد ثراؤهم ووصلت الأخبار إلي أقاربهم من قيس في الجزيرة العربية فنزح إليهم خمسمائة بيت ، وبعدها بعام واحد جاء خمسمائة بيت آخر فصار في بلبيس وحدها ألف وخمسمائة بيت من قبائل قيس .

3 ــ وفي خلافة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية كان واليه علي مصر الحوثرة بن سهيل الباهلي ، وقد مالت إليه قبائل قيس فتوافد علي مصر في عهده عناصر كثيرة ، حتى أصبح عددهم حينئذ أكثر من ثلاثة آلاف بيت . وحينئذ أصبح تركز القيسيين في شرق الدلتا ظاهرة تاريخية وسياسية لأنهم أثاروا القلاقل للدولة العباسية .

ثانيا : جاءت الدولة العباسية بسياسة جديدة ، وهى :

1 ـ احتلال الفرس موقع الصدارة ، ولم يرض العرب في بغداد وغيرها عن ذلك ، وحدث نوع من التوتر بين أعراب قيس الذين استوطنوا الحوف الشرقي وبين ولاة الصلاة العباسية في مصر ، تلك السلطات التي تركت الفسطاط وأقامت عاصمة جديدة هي العسكر .

2 ـ  وفرضت زيادة جديدة في الضرائب سنة 178 وهي زيادة أجحفت بالمزارعين الأقباط المصريين والأعراب معا ، مما ادى الى ثورة الأعراب . مثلا :

2 / 1 : كان الوالى على الصلاة فى مصر هو إسحاق بن سليمان بن علي العباسي ، وقد فرض زيادة فى الخراج ، فثار أعراب قيس علي تلك الزيادة وجمعوا فرسانهم وأقاموا لهم عسكرا منع تحصيل الضرائب ، فبعث إليهم الوالي العباسي جيشا لم يستطع إخماد ثورتهم ، فأرسل إلي هارون الرشيد يطلب المدد فأرسل  له بجيش هائل يقوده هرثمة بن أعين ، ونزل ذلك الجيش الحوف الشرقي فأخاف القيسيين وأذعنوا ودفعوا الخراج كله .

 2 / 2  ـ ثم أرسل الوالي العباسي رجالا يقيسون الأرض الزراعية ، ولم يعجب عملهم عرب قيس في الحوف الشرقي واتهموهم بعدم الأمانة في القياس ، واشتكوا إلي الوالي وهو الليث ابن الفضل البيودي فلم يهتم بهم . فجمعوا فرسانهم وساروا إلي الفسطاط والعسكر حيث يقيم الوالي ، فخرج إليهم الوالي في شعبان سنة 186 في أربعة آلاف جندي ، فالتقي معهم في معركة طاحنة في رمضان ومع أن جنوده انهزموا وتركوه في 12 رمضان إلا أنه  ثبت مع نحو المائتين من جنوده حتى هزم القيسيين وطاردوهم إلي غيتة ، وهي قرية بجوار بلبيس . وبعد هذا الانتصار بعث الوالي إلي بغداد بثمانين من رؤوس أكابر القيسيين ، ورجع إلي عاصمته .

2 / 3 : إلا أن تلك الهزيمة المنكرة لم تخضع القيسيين بل أثارت فيهم نزعة الثأر والانتقام فعادوا إلي منع الخراج ، وخشي الوالي أن يخسر أمامهم الجولة التالية ، فسافر بنفسه إلي بغداد في محرم سنة 187 ، وطلب من هارون الرشيد أن يزوده بجيش قوي لأنه لا يستطيع تحصيل الخراج من الحوف الشرقي إلا بقوة الجيش . وكان حاضرا محفوظ بن سليم ذلك المجلس ، فضمن للرشيد خراج مصر عن آخره بلا سوط ولا عصا ، فولاه الخراج وعزل الوالي ليث بن الفضل ..

2 / 4  ــ  مع الزيادة المطردة فى الضرائب إنضم الى قبائل قيس قبائل عربية أخرى تعيش فى مصر ، وإستمر الصراع حتى عصر المأمون ، حين تحالف الأقباط المصريون مع الأعراب ضد ظلم ولاة الصلاة العباسيين .  وأعلن الجميع الثورة العامة وخلعوا طاعة العباسيين في الدلتا كلها وفي صعيد مصر وطردوا الموظفين العباسيين.

 3 ـ وفى الدولة العباسية كان الخليفة يريح نفسه بأن يعين والى الصلاة على أن يورّد للخليفة مبلغا معينا كل عام ، ويترك له أن يحصّل أضعاف هذا المبلغ من المصريين كيف شاء . وفى احداث عام 205  تقول الرواية ( ومات نائب مصر السري بن الحكم بها، ونائب السند داود بن يزيد، فولى مكانه بشر بن داود على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم ) أى تم تعيين الوالى على ( الهند / السند ) مقابل دفع مبلغ مليون درهم سنويا ، وليس مهما كيف يجمعها أو المقدار الذى يجمعه .

4 ـ يضاف الى هذا ذلك التبذير الهائل فى هذا المال الذى يجمعونه بالسُّحت وبالقهر . وتجلى هذا فى عصر المأمون بالذات . ونعطى بعض أمثلة :

4 / 1 :وزعوا الأموال والضياع والجواهر فى زفاف المامون / بوران بنت الحسن بن سهل . ومدح الشعراء والمؤرخون المأمون ووصفوه بالكرم الزائد ، دون أن يتساءلوا عن مصدر هذه الأموال وكيف جىء بها اليه . ودائما يكون المستفيدون بهذا السخاء الشعراء والمنافقون والقواد .

4 / 2  ومدحوا عبد الله بن طاهر قائد المأمون وواليه على مصر بالسخاء . ونعطى أمثلة :

4 / 2 / 1 : فى أحداث عام  206‏ ، يقول أحد الرواة (  لما افتتح عبد الله بن طاهر مُضْر ونحن معه سوَّغه المأمون خراجها سنة ) أى منحه خراج مصر عاما بأكمله . تقول الرواية : ( فصعد المنبر فلم ينزل حتى أجاز بها كلها. ) أى فرق أيراد مصر كله على أصحابه وهو على المنبر.

4 / 2 / 2 :  وفى الحرب عام  210 بين عبد الله بن طاهر و عبيد الله بن السرى المتغلب على مصر إنهزم عبيد الله بن السرى وتحصن بالفسطاط ، تقول الرواية ( ودخل الفسطاط منهزمًا فأغلق على نفسه وأصحابه الباب ، فحاصره ابن طاهر ، فبعث إليه ليلًا ألف وصيف وألف وصيفة مع كل وصيف ألف دينار في كيس حرير .. ) . الوصيف والوصيفة ( رقيق من الذكور والاناث ) ومعهم مليون دينار ..!!

4 / 2 / 3  : (  موت طلحة بن طاهر بخراسان فولَى المأمون أخاه أبا إسحاق الشام ومصر وولى ابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم ، وأمر لهما ولعبد الله بن طاهر لكل منهم بخمسمائة ألف دينار . ) أى نصف مليون دينار لكل منهم .!

أدى هذا الى الثورة الكبرى على المأمون والتى إشترك فيها المصريون والأعراب معا.

ثالثا : الثورة المصرية على المأمون

1  ــ استمرت المعارك فيها سجالا منذ بداية الثورة في جمادي الأولي عام 216 إلي 10 محرم عام 217 حتى جاء الخليفة العباسي المأمون بنفسه وأخمد الثورة  . 

2 ـ وتُطلق المراجع القبطية على هؤلاء الثوار المصريين لقب ( البشموريين ) وتقول انهم كانوا يسكنون شمال الدلتا فى المنطقة الرملية الساحلية بين فرعي دمياط ورشيد ، ويعملون في إنتاج ورق البردي الذي كان العالم كله في ذلك الوقت يستخدمه لتسجيل علومه ومعارفه وفى مختلف أنشطه حياته اليومية..

ثاروا ضد الظلم أيام عيسى بن منصور الوالى  العباسى من زياده ظلم جباة الخراج (الضرائب) ومضاعفة الجزية ،وقد قاموا بطرد عمال الدولة ورفضوا دفع  الجزية. ارسل المأمون قائده الافشين بحربهم ، وفشل الافشين بسبب مناعة منطقتهم التى تحيط بها قنوات المياه ، وجهل جنود الافشين بالطرق والمسالك ، فكان البشموريون يتبعون حرب العصابات يختطفون جنود العدو ويقتلونهم على حين غفلة .

وبهزيمة الافشين جاء المأمون بنفسه ، وصحب معه إلى مصر البطرك ديونوسيوس بطرك إنطاكية واستعان به وببطرك الأقباط الأنبا يوساب، لإخماد ثورة البشموريين، وساعدوه بفرقة من خبراء الطرق والمسالك حتى تمكن من الانتصار على البشموريين .

وأحرق جيش المأمون بيوت البشموريين ، ولما رأى المأمون كثرة القتلى أمر جنوده بأن يتوقفوا عن قتلهم، ثم أرسلهم في طلب رؤسائهم وأمرهم أن يغادروا بلادهم . وسافروا على سفن إلى أنطاكية حيث أرسلوا إلى بغداد ، وكان يبلغ عددهم ثلاثة آلاف، مات معظمهم في الطريق.  أما الذين أسروا في أثناء القتال فقد سيقوا كعبيد  ، وبلغ عدد هؤلاء خمسمائة، فأرسلوا إلى دمشق وبيعوا هناك .

الخاتمة :

هذا ما فعله المأمون مع الثوار الأحرار ، وهو الذى أمر جنوده بزيادة التكبير فى الصلاة ، والذى كان يتفاخر بمدى حلمه وصفحه وتسامحه.

ألا لعنة الله جل وعلا عليهم أجمعين.!! 

الفصل الثامن عشر : الصلاة الشيطانية للخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله

الصلاة الشيطانية للخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله  ( 1 )

مقدمة

1 ـ إستولى جوهر الصقلى على مصر بسهولة واسس مدينة القاهرة والجامع الأزهر عام 358  هجرية 972 ميلادية  ، وإستمرت الدولة الفاطمية حتى أسقطها صلاح الدين الأيوبى بسهولة أيضا عام  567 هجرية / 1171 ميلادية .

2 ـ فيما يخص موضوعنا عن الصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين الفاطميين نكتفى بالتركيز على ( الحاكم بأمر الله ). لا نراه مجنونا كما يتهمه المؤرخون ، ولكن نراه خليفة فاطميا صريحا لا يؤمن بالتقية الشيعية ، بل يمارس ما يراه حقا له ، كخليفة شيعى له أن يقتل من يشاء وأن يصدر من التشريعات ما يهوى حتى لو إستغرب الناس ، ثم هو الذى كشف المستور ، وهو تأليه الامام الشيعى فأعلن الألوهية . فى كل هذا أظهر خفايا دينه الشيعى وهتك أستاره . ساعدته ظروفه على هذا ، إذ تشرّب الحاكم هذا من بيئته الفاطمية ، وتولى الحكم صغيرا ، وتحت رعاية أخته الكبرى ست الملك . ثم تمرد عليها وإنطلق يتصرف  بلا تقية يطبق شريعته بهواه يقتل ويصدر التشريعات المضحكة ، وأحسّت أخته ست الملك بالخطر فقتلته غيلة.

3 ـ ونبدأ ببعض التفصيلات :

أولا :

الحاكم بأمر اللهوأخته ست الملك

1 ـ حكم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله مصر والشام وأجزاء من العراق مع الحجاز وشمال أفريقيا في المدة ما بين (386ـ 411) هـ الموافق (996 ـ 1020م) . كان الحاكم في الحادية عشرة من عمره حين تولى الخلافة في يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من رمضان سنة 386هـ . وقع الحاكم تحت سيطرة ابن عمار ، ولم تتحمل ست الملك ذلك الوضع فتآمرت مع أخيها الصغير ( الحاكم ) على عزل ابن عمار . وكانت ست الملك تشارك أخاها سعادته ظناً منها أن خادمهم برجوان سيكون أفضل من ابن عمار .وأهدت ست الملك أخاها الخليفة ثلاثين فرساً مرصعة بالذهب والبللور وعشرين بغلة وخمسين خادماً ومائة تخت ثياب وتاجاً مرصعاً وأدوات ثمينة وتحفة فنية عبارة عن بستان من فضة مليء بالأشجار ، وذلك ابتهاجاً بالنصر .ولكن أفراح الحاكم وأخته لم تطل ، إذ ما لبث أن استبد برجوان الخادم بالأمر بعد أن كون لنفسه حرساً خاصاً وعقد صلحاً مع خصومه السابقين ومنهم ابن عمار في مقابل اعترافهم بسلطانه، وبعد أن تمكن له الأمر أصبح برجوان الخادم السابق يستخفّ بالخليفة ويسيء معاملته وينهب الأموال حتى بلغت ثروته أكثر من مائتي مليون دينار وخمسين أردباً من الدراهم والفضة واثني عشر صندوقاً من الجواهر بالإضافة إلى الممتلكات العينية . وفي غمرة فساده وطغيانه نسي برجوان أن الخليفة الصبي أصبح شاباً وأن أخته ست الملك معه تخطط له ، وفي النهاية نجح التخطيط فاستدعى الخليفة خادمه برجوان وقتله. ولا تزال إحدى حارات القاهرة تحمل اسم برجوان.

2 ـ بعد التخلص من برجوان إنفرد الحاكم بالأمر ، وبالتالى بدأت الجفوة بينه وبين أخته. ولسنا فى مجال التفصيل ، فقد كتبنا فى هذا فى مقالا بعنوان ( لغز الحاكم بأمر الله وست الملك ) فى ( دراسات تاريخية ). إنتهى الصراع بأن خططت ست الملك لإغتيال أخيها وبعد قتله عينت إبنه الظاهر خليفة.  وتمت البيعة للخليفة الظاهر الفاطمي إبن الخليفة الحاكم في يوم الأضحى سنة 411هــ ، وكان عمره وقتها ست عشرة سنة وثلاثة أشهر ، وعمته ( ست الملك ) هي التي ألبسته تاج الخلافة المرصع بالجواهر وجعلت على رأسه مظلة مرصعة وأركبته فرساً رائعاً بمركب ذهب مرصع بالجواهر ، وأخرجت بين يديه الوزير وكبار الدولة ، فلما تقدم الموكب هتف الوزير في الناس : يا عبيد الدولة مولاتنا ست الملك تقول لكم هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه ، فارتمى ابن دوَّاس بين يديه يقبل الأرض وتتابع بعده القواد والزعماء يعطونه العهد والميثاق ، وهمس أحد الغلمان قائلاً : لا أبايع حتى أعرف خبر مولاي الحاكم ، فأخذوه لوقته وغرقوه في النيل ، فارتعب الجميع ، وتم الأمر لست الملك والخليفة الصغير الذي ليس له من الأمر شيء..

ثانيا : أخذ الحالكم عن أسلافه الصلاة الشيطانية

1 ـ ونعنى بها كما سبق ـ تادية الصلاة وسيلة للظلم وسفك الدماء والسلب والنهب والفساد والاستبداد. وأهم مظهر لهذا هو المسجد ، وتأدية الصلاة . وقد كان المسجد والخطبة فيه تعنى الاعتراف بالخليفة . لذا قيل عن الحاكم (خُطب له على منابر مصر والشام وإفريقية‏.‏). أنشأ جوهر الصقلى القاهرة والجامع الأزهر ليكون القاعدة الدينية للخلافة الفاطمية. وجاء الحاكم فزاد أو زايد على جده بإنشاء ( جامع الحاكم ) و ( جامع راشدة ) .

2 ـ كان المؤرخون يذكرون خطبة الخليفة الفاطمى كأحد أنشطته السياسية الرسمية ،ونتعرف على رسوم وطقوس الصلاة والخطبة للخليفة الفاطمى فى صلاة الجمعة والعيدين مما كتبه المقريزى فى تاريخه :( إتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء ) :

2 / 1 : عن الخليفة المعز لدين الله الفاطمى ثالث الخلفاء الفاطميين وأول الخلفاء الفاطميين فى مصر قال المقريزى : ( وفي يوم عيد الفطر ركب المعز وصلى بالناس على رسمه وخطب‏.‏) (على رسمه :أى طبقا للنظم الرسمية للدولة ) .وتكرر هذا : ( وصلى المعز صلاة العيد وخطب على الرسم الذي تقدم ذكره وانصرف إلى القصر فأطعم على الناس‏.‏)

2 / 2 وعن ابنه الخليفة العزيز بالله قال :  ( عام 378  وفي يوم الجمعة عشرة شهر رمضان ركب العزيز إلى جامع القاهرة بالمظلة فخطب وصلى‏.) أى كان يسير بمظلة  ( شمسية ) فوقه ، ضمن شعائر الصلاة والخطبة . وجامع القاهرة هو الجامع الأزهر .

3 ـ وذكر المؤرخ ابن زولاق أنه صلى الجمعة خلف الخليفة المعز لدين الله الفاطمى ، قال : (‏ أنا سبحت خلفه في كل ركعة وفي كل سجدة نيفاً وثلاثين تسبيحة ، وكان القاضي النعمان بن محمد يبلغ عنه التكبير . وقرأ في الثانية بأم الكتاب وسورة والضحى ، ثم كبر أيضاً بعد القراءة ، وهي صلاة جده علي بن أبي طالب ، وأطال أيضاً في الثانية الركوع والسجود . وأنا سبحت خلفه نيفا وثلاثين تسبيحة في كل ركعة وفي كل سجدة ، وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في كل،  فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر وسلم على الناس يمينا وشمالا ، ثم نشر البندين اللذين كانا على المنبر فخطب وراءهما ، وكان في أعلى درجة من المنبر وسادة ديباج مثقل فجلس عليها بين الخطبتين ، واستفتح الخطبة ببسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ وكان معه على المنبر جوهر وعمار بن جعفر وشفيع صاحب المظلة ثم قال‏:‏ الله أكبر الله أكبر استفتح بذلك وخطب وأبلغ وأبكى الناس وكانت خطبته بخضوع وخشوع‏.‏ فلما فرغ من خطبته انصرف في عساكره وخلفه أولاده الأربعة بالجواشن والخوذ على الخيل بأحسن زي وساروا بين يديه بالفيلين‏.‏) . هنا طقوس فى الخطبة وهو على المنبر ، وهناك القائم بالمظلة أو الشمسية ، واسمه شفيع . وموكب فى دخوله الجامع الأزهر وموكب فى رجوعه القصر ( قصر الذهب ) . ومع أن الحاكم تولى الخلافة صبيا فقد كان يحرص على الصلاة والخطبة بنفسه ، كما سيأتى .

ثالثا :

جذور زعمه الألوهية فى تاريخ اسلافه .

1 ـ المعز الفاطمي هو الذي مدحه الشاعر ابن هانيء الاندلسي بقصيدة أولها

ما شئت لا ما شاءت الأقدار                فاحكم فأنت الواحد القــهار

ويقول فيه :

وإذا تمثل راكبا في موكب                  عاينت تحت ركابه جبريلا

هذا ما ذكره السيوطى فى تأريخه للقاهرة فى الجزء الأول من كتابه ( حُسن المحاضرة )

وهو ما قاله دُعاة تأليه الحاكم . تقول الرواية  : (  وكان دعاته إذا ركب يقولون‏:‏ السلام عليك يا واحد يا أحد ، " ويغلونفيه الغلُو المفرط‏.‏ )

2 ـ  وكان على رأس الدعاة لتأليه الحاكم بأمر الله حمزة والدرزي وخوتكين. وقد ثار الكثيرون على دعوة تأليه الحاكم فقتلوا خوتكين وبعض أتباعه, فهرب الدرزي وحمزة إلى بلاد الشام حيث نشرا هذه العقائد بين قبائل كلب وأوجدا فرقة الدروز في سورية ولبنان وشمال فلسطين  .

2 / 1 :  تقول الروايات عن الحاكم : (  وكان له سعي في إظهار كلمته فبعث دعاته إلى خراسان ، وأقامفيها مذهب الشيعة واستجاب له عالم . وكان أبو عبد الله أنوشتكين النجري الدرزي أول رجل تكلم بدعوته ، وأمر برفع ما جاء به الشرع ، وسير مذهبه إلى بلاد الشام والساحل ، ولهم مذهب في كتمان السر لا يطلعون عليه من ليس منهم‏.‏  وكان الدرزي يبيح البنات والأمهات والأخوات‏.‏  فقام الناس عليه بمصر وقتلوه ، فقتل الحاكم به سبعين رجلا‏.‏  وأنفذ الدرزي إلى الحجر الأسود برجل ضربه وكسره ، وادعى الربوبية‏.‏ وقدم رجل يقال له يحيى اللباد ويعرف بالزوزني الأخرم فساعده على ذلك ونشط جماعة على الخروج عن الشريعة‏.‏ وركب  يوما ..  في خمسين رجلا من أصحابه إلى مصر ، ودخل الجامع بدابته ، وأصحابه كذلك ، فسلم إلى القاضي رقعة فيها‏:‏ باسم الحاكم الرحمن الرحيم ، فأنكر القاضي ذلك ، وثار الناس بهم وقتلوهم وشاع هذا في الناس فلعنوه‏.‏ )

2 / 2 : وتقول رواية أخرى عن الحاكم : ( خرج يوما وعليه قباء أطلس وفي وسطه سيف فخلع القباءوقال‏:‏ هذا الظاهر قد خلعته ثم جرد السيف وقال‏:‏ هذا الباطن قد سللته‏.‏ ). فى دين التشيع يوجد ظاهر و باطن. الظاهر هو التمسك الظاهرى بالاسلام أو على حد قولهم ( ظاهر الشرع )، اما الباطن فهو تأليه الأئمة والعقائد الشيعية. والحاكم فى هذه الرواية ينكر الظاهر ويعلن الباطن المستور.

2 / 3 : وتقول رواية أخرى عنه : ( ..فأمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفا إعظاما لذكره .. فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين .. ثم زاد ظلم الحاكم وعن له أن يدعي الربوبية فصار قوم من الجمال إذا رأوه يقولون: يا واحد يا أحد يا محي يا مميت).

أى إن الحاكم لا يأتى بجديد .

ما قاله ابن هانيء الاندلسي فى جده المعز لدين الله :

ما شئت لا ما شاءت الأقدار                فاحكم فأنت الواحد القــهار

قاله الحاكم عن نفسه وأمر الناس بقوله.

الفارق هو فى ( الظاهر المنافق ) والباطن المستور. والحاكم أعلن ما كان يستره أسلافه من الخلفاء الفاطميين الفاسقين. 

3 ـ  حتى رد الفعل المستنكر من المصريين كان واحدا ، وبما هو معروف عنهم من سخرية ظريفة يواجهون بها ما لا يحبون.

3 / 1 : فى مواجهة زعم المعز الفاطمى ثم إبنه العزيز علم الغيب صعد العزيز المنبر ليخطب كالعادة فوجد فيها ( بطاقة ) أى ورقة مكتوبا فيها :  

بالظلم و  الجور قد  رضينا  وليس بالكفر والحماقة

أن كنت قد أعطيت علم غيب         فقل لنا كاتب البطاقة 

3 / 2 : وكانت السخرية بالحكم أدهى وأمر وعلى رءوس الأشهاد فى موضوع علم الغيب بالذات ، وقد أتعبوه  بسخريتهم وتندرهم به في أوراق كانت تكتب له في صورة قصص أى شكاوى  ، يقول السيوطى : ( حتى عملوا صورة امرأة من ورق بخفها وإزارها في يدها قصة (أي عريضة شكوى ) فيها من الشتم شيء كثير ، فلما رآها ظنها امرأة فذهب من ناحيتها ، وأخذ القصة من يدها ، فلما رأي ما فيها غضب وأمر بقتلها ، فلما تحققها من ورق أزداد غضبا إلى غضبه ، وأمر العبيد من السودان أن يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال والحريم ، ففعلوا وقاتلهم أهل مصر قتالا عظيما ثلاثة أيام  ).!.

رابعا :

الحاكم أفرط فى سفك الدماء تعبيرا عن حق الإمام الشيعى فى قتل من يشاء

1 ـ  تحبّب جده المعز وابوه العزيز الى المصريين والأقباط ليستعينوا بهم ضد العرب والسنيين فى مصر من أتباع العباسيين . لذا دخل المصريون أفواجا فى الدين الشيعى ، فرأى الحاكم أن الوقت قد حان ليطبق التشريع الشيعى علنا وصراحة ، فأفرط فى سفك الدماء ، فلم يسلم منه القادة أو غيرهم . ونرى أن إفراطه فى سفك الدماء لا ينفصل عن لقبه ( الحاكم بأمر الله ) ولا عن دينه الشيعى الذى يؤله الأئمة ، وان لهم حق قتل من يشاءون بلا تبرير وبلا سبب .

2 ـ قالوا عن الحاكم : ( وكانالحاكم شديد السطوة عظيم الهيبة جريئا على سفك الدماء‏.‏.. ) ( وكان مهاباً عند أهل مملكته... ) (ووقف رجل للحاكم فصاح عليه فمات لوقته‏.‏ )

3 ـ إفراطه فى عموم القتل للجميع جاءت به الروايات ، ومنها : ( وعمّ بالقتل بين وزير وكاتب وقاض وطبيب وشاعر ونحوي ومغن ومختاروصاحب ستر وحمامي وطباخ وابن عم وصاحب حرب وصاحب خبر ويهودي ونصراني ، وقطع حتى أيدي الجواري في قصره‏.‏ وكان في مدته القتل والغيلة حتى على الوزراء وأعيان الدولة يخرج عليهم من يقتلهم ويجرحهم‏.‏ وخطفت العمائم جهاراً بالنهار وكان لعبيد الشراء في مدته مصائب وخطوب في الناس‏.‏ وكان المقتول ربما جُرّ في الأسواق  .!‏.‏ )

4 ـ وكان يمارس القتل بنفسه وبلا سبب، تطبيقا لحقّه الشرعى فى دينه الشيعى .

4 / 1 :  تقول الرواية عنه : ( وقتل الحاكم ركابيا له بحربة في يده على باب جامع عمرو بن العاص وشقبطنه بيده‏.‏)

4 / 2 : وتأتى رواية أخرى بالتفصيل : ( وفي يوم استدعى الحاكم أحد الركابية السودان المصطنعة ليحضر إلىحانوت ابن الأزرق الشواء ، فوقفه بين اثنين ، ورماه برمح ثم أضجعه ، واستدعى سكينا فذبحه بيده ، ثم استدعى شاطورا ففرق بين رأسه وجسده ، ثم استدعى ماء فغسل يده بأشنان ثم ركب‏.‏ وحمل المقتول إلى الشرطة فأقام ليلة ثم دفن بالصحراء‏.‏ ثم بعث المؤتمن بعد ثلاثة أيام فنبشه وغسله وأنفذ إليه أكفانا كفن بها ثم أمر قاضي القضاة بالصلاة عليه وأمر ألا يتخلف أحد فحضر الشهود وأهل السوق وصلى عليه قاضي القضاة ودفن بالقرافة وواراه قاضي القضاة وجعل التراب تحت خده وأمر ببناء قبره وتبيضه في وقته ففعل ذلك‏.‏ ) أى قتله بيده ومثّل بجثته ثم أقام له حفل تكريم بعدها..هتلر لو قرأ هذا كان سيغنى لأم كلثوم ( يا ظالمنى .! )

5 ـ وارتبط سفكه للدماء بكرمه وجوده ، تقول الروايات :

5 / 1 : ( وكان جوادا بالمال سفاكا للدماء قتل عددا كثيرا من أماثل دولتهوغيرهم صبرا وكانت سيرته من أعجب السير‏.‏..)

5 / 2 :( كان الحاكم أجود الخلفاء بماله وبه تفشت حاله فيماسفكه من الدماء التي لا يحصيها إلا الله‏.‏) .  5 / 3 : ( وفي السنة التي قتل فيها الحاكم أشاع أنه يريد أن ينزل في أول رمضان إلى الجامع ومعه الطعام فمن أبى الأكل قتله‏.‏ )

6 ـ والدين الشيعى أعطى للإمام الشيعى حق التشريع . وقد طبق هذا الخليفة الحاكم فى أوامره ونواهيه الغريبة فى التحريم ، مثل تحريم الملوخية وسمك القراميط ، وسنعرض لها لاحقا ، ولكن منها ما كان مضحكا الى درجة البكاء.  منها أن كان يمارس ( الحسبة ) بنفسه راكبا حمار يطوف به الأسواق ليتحرى عن الموازين والمكاييل والغش والأسعار . ولم تخطر هذه العقوبة العلنية التى شرعها الحاكم على بال هتلر نفسه. روى السيوطى : (.. وكان يعمل الحسبة بنفسه يدور في الأسواق على حمار له ، وكان لا يركب إلا حمارا ، فمن وجده قد غش في معيشته أمر عبدا أسود معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمي .. ) من حق الشيعة أن يحمدوا الله جل وعلا أنهم لم يعيشوا عصر الحاكم بأمر الله . 

7 ـ والمصريون المشهورون بالصبر والسخرية إتسع لهم الوقت للسخرية من الحاكم. يروى السيوطى :

 7 / 1 :( وتتبع من يبيع العنب واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع أحد بيعه فاتفقأن شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب ، فصدفه الحاكم عند قائلة النهار على جسر ضيق فقال له‏:‏ من أين أقبلت ؟  قال " من أرض الله الضيقة‏.‏" فقال‏:‏ " يا شيخ أرض الله ضيقة؟ "  فقال‏:‏ "  لو لم تكن ضيقة ما جمعتني وإياك على هذا الجسر‏.‏" . فضحك منه وتركه‏.‏  )

7 / 2 : ( وكان أمر ألا يُكشف مُغطّى ، فسكر رجل ونام في قارعة الطريق وغطى نفسهبمنديل ، فصار الناس يمرون به ولا يقدر أحد أن يكشف عنه‏.‏ فمر به الحاكم وهو كذلك فوقف عليه وقال له‏:‏ " ما أنت ؟ " فقال‏:‏ " أنا مغطى وقد أمر أمير المؤمنين ألا يكشف مغطى‏.‏ " ، فضحك وطرح عنده مالا وقال‏:‏ استعن بهذا على ستر أمرك‏.‏ ).

الصلاة الشيطانية للخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله ( 2 )

مقدمة :

1 ـ لم يكن الخليفة الفاطمى ( الحاكم بأمر الله ) مجنونا ، بل كان صريحا واضحا معبرا عن دين التشيع ونظرته فى ( حاكمية الإمام ) أو الخليفة الذى يكون معصوما متمتعا بالتأليه وصاحب الشرع الالهى  فى دينهم الأرضى . هذا هو ( الباطن ) المستور الذى كان يغلفه أساطين التشيع بالتقية أو ( الظاهر ) تظاهرا بالاسلام وشريعته. هتك الخليفة الحاكم هذا الستر الباطنى وأوضحه بأعمال خارجة عن المألوف .

2 ـ  ولم ينتبه أحد الى مدلول لقبه وهو ( الحاكم بأمر الله ) . كانت ألقاب أسلافه من الخلفاء كالآتى : ( عبيد الله المهدى ، القائم بأمر الله ، المنصور بنصر الله ، المعز لدين الله ، العزيز بالله ) ثم ألقاب من جاء بعده ( الظاهر لإعزاز دين الله ، المستنصر بالله ، المستعلى بالله ، الحافظ لدين الله ، الآمر بأحكام الله ، الظافر بأمر الله ، الفائز بنصر الله ،العاضد لدين الله ). كلهم إحتكر اسم رب العزة جل وعلا لنفسه شأن الدولة الدينية ( وهو ما حدث فى خلفاء العصر العباسى الثانى ). ولكن تميز ( الحاكم بأمر الله ) فى أن لقبه يعنى أنه يحكم بأمر الله ، أى مايقوم به من أحكام إنما هى أوامر الله ، وما يقترفه من كبائر ليست سوى شرع الله. لذا تصرف حسب هواه ـ وتقلب وتناقض مؤمنا أن ما يقوم به هو تجسيد لكونه ( الحاكم بأمر الله ). وتأكيدا لهذا لم يكتف بالأزهر مسجدا ، فأقام مسجدا حمل إسمه ( مسجد الحاكم بأمر الله ) وكان يخطب ويؤم فيه الصلاة وفق المراسيم الدينية للخلافة الفاطمية .

3 ـ فى المقال السابق نقلنا عن السيوطى ( 849 : 911 ) فى كتابه ( حُسن المحاضرة فى تاريخ مصر والقاهرة )، وقد نقل السيوطى أخبار الدولة الفاطمية عن مؤرخى العصر الفاطمى بالاضافة الى ما ذكره المقريزى فى ( خطط المقريزى ) . السيوطى كان متعصبا للعباسيين وصديقا للخليفة العباسى فى القاهرة ، وقد أرّخ لهم محتفلا بهم فى كتابه ( تاريخ الخلفاء).

4 ــ كان المقريزى ( 764 : 845 ) متعاطفا مع الفاطميين متأثرا بشيخه ابن خلدون. قام المقريزى بتجميع تاريخ الفاطميين فى الخطط المقريزىة وفى كتابه ( إتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء ). والعنوان يوضح إحتفاءه بالفاطميين . وقد نقل المقريزى  عن المسبحى وابن زولاق . وبسبب تعصبه فقد تجاهل الكثير مما يُشين الخلفاء الفاطميين ، وخصوصا خلال ربع قرن هى فترة خلافة الحاكم بأمر الله:( 386 : 411 هجرية: 996 : 1020 ميلادية ). وكرر بعض هذا فى (الخطط )

5 ـ ننقل منهما بعض ما أورده المقريزى مما يعبر عن حُكم الخليفة الحاكم بأمر الله وصلاته الشيطانية .

أولا : عام 386 :

وهو العام الذى تولى فيه الخلافة صبيا فى الحادية عشر من عمره . 

1 ـ قال عنه المقريزى  : ( أبو علي منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله أبي تميم معد . ولد بالقصر من القاهرة المعزية ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلاثمائة في الساعة التاسعة والطالع من برج السرطان سبع وعشرون درجة . وسُلّم عليه بالخلافة في مدينة بلبيس بعد الظهر من يوم الثلاثاء عشري شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة .  ودخل القصر قبل صلاة المغرب. ) لاحظ دقة التوقيت ، وإتخاذ مواقيت الصلاة دليلا زمنيا.

2 ـ عن  طقوس دفن والده العزيز بالله قال : (وسار إلى قصره في يوم الأربعاء بسائر أهل الدولة ، والعزيز في قبة علىناقة بين يديه ، وعلى الحاكم دراعة مصمتة وعمامة فيها الجوهر، وبيده رمح وقد تقلد السيف فوصل إلى القصر ولم يفقد من جميع ما كان مع العساكر شيء. ودخله قبل صلاة المغرب .) الطفل الذى سيتم تنصيبه خليفة يرتدى عمامة فيها الجوهر يحضر جنازة والده ، ثم يدخل القصر ( قبل صلاة المغرب). هنا التوقيت بموعد الصلاة.

3 ـ تنصيبه خليفة قال : (ثم بكر( أى ذهب باكرا )  سائر أهل الدولة إلى القصر يوم الخميس ، وقد نصب للحاكم سريرمن ذهب عليه مرتبة مذهبة في الإيوان الكبير‏.‏ وخرج من قصره راكباً وعليه معممة الجوهر ، فوقف الناس بصحن الإيوان،  وقبلوا الأرض ومشوا بين يديه حتى جلس على السرير ، فوقف من مهمته الوقوف وجلس من له عادة الجلوس‏.‏ فسلم عليه الجماعة بالإمامة واللقب الذي اختير له وهو الحاكم بأمر الله‏.‏ وكان سنه يومئذ إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وستة أيام‏.‏) . عمامة مزينة بالجوهر وسرير من الذهب ومرتبة من الذهب ، وسجودهم أمامه يقبلون الأرض .. هل هذا من الاسلام ؟ ثم هو طفل فى الحادية عشر من عمره ، وقد أصبح إلاها عندهم وحاكما بأمر الله .!!. سبحانك هذا بهتان عظيم.!  

3 ـ  للمسجد دور حتى لو كان مسجدا صغيرا ، أو ( مصلاة ). بعضهم إعترض على تولية الحاكم ، وهم من شيوخ قبيلة كُتامة ( الأمازيغية ) وهم عسكر الفاطميين. وأعلنوا عن موقفهم بالتجمع فى ( المصلّى ). قال المقريزى : ( وكان جماعة من شيوخ كتامة تخلفوا عن الحضور وتجمعوا نحو المصلى‏.‏) وتمت ترضيتهم بالمال ، وهو إلاههم الأعظم . يقول : (وفي ثاني ذي القعدة تجمع الكتاميون عند المصلى فأنفذ إليهم واستحضرهم وتقرر أمرهم على النفقة فيهم فأنفق عليهم‏.‏ ).

4 ـ وتم تعيين أبن عمار فى وظيفة الوساطة بين الخليفة المؤلّه و( الرعية ). ويأتى هنا دور الجامع ، إذ تمّ فيه الاعلان عن تعيين ابن عمار. يقول : (  وقرىء سجل قرأه القاضي بالجامع ، يتضمنولاية ابن عمار الوساطة ، وتلقيبه بأمين الدولة وأمر الناس كلهم أن يترجلوا لابن عمار فترجلوا بأسرهم له‏.‏ ).

ثانيا : عام (  387  )

1 ـ ( في المحرم ورد سابق الحاج فأخبر بتمام الحج والدعاء للحاكم فيالحرمين‏.‏ ). كان الحجاز تابعا للفاطميين. وهذا ملمح آخر من إستغلال الدين عند الفاطميين.

2 ـ ( وفيه ضربت رقبة عيسى بن نسطورس‏.‏).

ثالثا : عام 389 ‏

1 ـ (  وقتل الأستاذ برجوان لأربع بقين من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وله في النظر سنتان وثمانية أشهر غير يوم واحد )

2 ( ومنع الناس كافة من مخاطبة أحد أو مكاتبة بسيدنا ومولانا إلا أمير المؤمنين وحده وأبيح دم من خالف ذلك )، أى لوقال أحدهم لشخص ما : سيدنا ومولانا فهو حلال الدم. لأنه الخليفة الصغير هو وحده سيدهم ومولاهم.

3 : ( وفي شوال قتل ابن عمار‏. ) . أى فى هذا العام تخلص الحاكم من برجوان وابن عمار . وهذا بتدبير أخته ست الملك.

رابعا : عام ( 391‏ )

1 ــ الحاكم يقتل كبار الموظفين :

1 / 1 ـ (  سنة إحدى وتسعين وثلثمائة: في المحرم : قتل الحاكم ابن أبي نجدة ، وكان بقالا ، فترقت أحواله حتى ولى الحسبة ، ودخل فيما لا يليق به وأساء في معاملة الناس ، فاعتقل ، ثم قطعت يده ولسانه ، وشهر على جمل ، وضربت عنقه‏.‏ ) . هذا بقال أثرى وبالرشوة صار المحتسب ، وصار له نفوذ متخيلا أنه لا بأس بهذا فى دولة هذا الخليفة الصبى. فعوقب بالاعتقال ثم بقطع يده ولسانه والتشهير على جمل ثم بالاعدام بقطع الرأس ، ليكون عظة لمن تسوّل له نفسه من أرباب الوظائف أن يعلو صوته.

1 / 2  ـ ( ثم وفيها قتل الحاكم مؤدبه أبا القاسم سعيد بن سعيد الفارقي يومالسبت لثمان بقين من جمادى الأولى ، وهو يسايره بأن أشار إلى الأتراك بعينيه بعد أن بيت معهم قتله ، فأخذته السيوف ، وكان قد داخل الحاكم في أمور الدولة وقرأ عليه الرقاع واستأذنه في الأمور كهيئة الوزراء‏.‏ ). هذا الطفل كان له معلم يعلمه ، وظل هذا المعلم يعلمه بعد أن صار خليفة ، ولكن أصبح المعلم يتدخل قيما لا يعنيه ، فكان قتله وهو يصاحب تلميذه الخليفة. هذا الخليفة لم يعش فى عصر أمير الشعراء (أحمد شوقى ) القائل : قُم للمعلم وفّه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا ).!

1 / 3  ـ قتل الحاكم من ( فهد بن ابراهيم ) أحد الرؤساء :  ( وفي ثامن جمادى الآخرة ضربت رقبة فهد بن إبراهيم ، وله منذ نظر في الرئاسةخمس سنين وتسعة أشهر واثنا عشر يوما‏.‏). وجاء أبو غالب بثروة أخيه القتيل الى قصر الخليفة ، وهى نصف مليون دينار ، فرفض الحاكم أخذها وأمر بتوزيعها على ورثة القتيل . ثم جاءت وشاية الى الخليفة أن أبا غالب تكلم كلمة فى حق الخليفة فأمر الخليفة بقتله وإحراقه دون أن يتثبت فى الأمر. يقول المقريزى : ( فحمل أخوه أبو غالب إلى سقيفة القصر من مال أخيه فهد جرايات فيها خمسمائة ألف دينار‏.‏ فلما خرج الحاكم سأل عنها فعرف خبرها فأعرض عنا وبقيت هناك مدة ثم أمر بها فردت إلى أولاد فهد وقال إنا لم نقتله على مال فحملت إليهم ثم رفع أصحاب الأخبار عن أبي غالب كلمة تكلم بها فقتل وأحرق بالنار‏.‏ )

1 / 4  ـ ( وفي خامس عشر من شهر رجب ضرب عنق أبي طاهر محمود بن النحويالناظر في أعمال الشام لكثرة تجبره وعسفه بالناس‏.‏ )

2 ـ فى هذه السنة بدأ تناقض الحاكم بين الخروج والانعزال فى القصر و، وبداية حظره التجول .

2 /  1 : الخليفة الطفل أراد اللهو فصار يتنزه ليلا فى شوارع القاهرة ، وأمر الناس بإشعال المصابيح ، فوجدها الناس فرصة للّهو واللعب ، وصارت فرصة للإنحلال الخلقى فمنع الخليفة الصغير خروج النساء فى الليل ومنع الرجال من الجلوس فى الحوانيت. قال المقريزى : ( وفي سنة إحدى وتسعين : واصل الحاكم الركوب في الليل كل ليلة ، فكان يشق الشوارع والأزقة وبالغ الناس في الوقود والزينة وانفقوا الأموال الكثيرة في المآكل والمشارب والغناء واللهو ، وكثر تفرجهم على ذلك حتى خرجوا فيه عن الحد ، فمنع النساء من الخروج في الليل ، ثم منع الرجال من الجلوس في الحوانيت‏. ) ( سنة إحدى وتسعين وثلثمائة: في المحرم واصل الحاكم الركوب في الليل في كل ليلة وكان يركب إلىموضع موضع وإلى شارع شارع وإلى زقاق زقاق‏.‏ وأمر الناس بالوقيد فتزايدوا فيه بالشوارع والأزقة وزينت الأسواق والقياسر بأنواع الزينة وباعوا واشتروا وأوقدوا الشموع الكبيرة طول الليل وأنفقوا الأموال الكثيرة في المآكل والمشارب والغناء واللهو‏.‏ ومنع الرجال المشاة بين يدي الحاكم أن يقرب أحد من الناس الحاكم فزجرهم وقال لا تمنعوا أحداً فأحدق الناس به وأكثروا من الدعاء له‏.‏ وزينت الصناعة وخرج سائر الناس بالليل للتفرج وغلب النساء الرجال على الخروج في الليل وتزايد الزحام في الشوارع والطرقات وتجاهروا بكثير من المسكرات وأفرط الأمر من ليلة التاسع عشر إلى ليلة الرابع والعشرين فلما خرج الناس عن الحد أمر الحاكم ألا تخرج امرأة من العشاء فإن ظهرت نكل بها‏.‏ ومنع الناس من الجلوس في الحوانيت‏.‏ )

2 /  2 ( وفي ربيع الأول قرئ سجل برفع المنكرات وإبطالها ، وبمنع ذلك ، فختم علىعدة مواضع فيها المسكرات لتراق‏.‏ )

2 / 3 . وفى شهر رجب : (.. وقطع الحاكم الركوب في الليل‏.‏ )..أى فرض على نفسه حظر التجول .

3 ـ  هذا العام شهد بداية قتل الحاكم لعوام الناس .  ( وقبض على رجل شامي قال‏:‏ لا أعرف علي بن أبي طالب وأقول إن النبيصلى الله عليه وسلم مرسل غير أني لا أعرف علي بن أبي طالب‏.‏ فحبس وروجع ، فأصر على أنه لا يعرف عليا ، فرفق به القائد حسين فلم يعترف بمعرفة علي رضي الله عنه ، فخرج الأمر بقتله فضرب عنقه وصلب‏ . )  .

3 ــ وفى هذا العام بدأ الحاكم إضطهاده للأقباط

3 / 1 : إعتقال الموظفين الأقباط ومصادرة أموالهم : (وقبضت أموال من قبض عليه من النصارى الكتاب‏.‏)

3 / 2 : بهدم كنيسة وإقامة جامع مكانها بإسم ( جامع راشدة ) وأقيمت فيه صلاة الجمعة. قال المقريزى : ( وابتدئ في عمارة جامع راشدة ، وكان مكانه كنيسة فبنى جامعاً ، وأقيمتفيه الجمعة ).. (وأمر بإتمام بناء الجامع الذي ابتدأ بعمارته العزيز على يد وزيره يعقوب بن كلس . وفيه كانت صلاة الجمعة فى أول شعبان : ( وفي غرة شعبان جمع في الجامع الجديد بظاهر باب الفتوح‏.‏  ).

الصلاة الشيطانية للخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله ( 3 )

نتابع ما سجله المقريزى عن الخليفة الحاكم الفاطمى فى كتابيه ( الخطط ) و ( إتعاظ الحنفاء ) من عام 393 : 396

أولا : ( سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائه: )

حدث فيها :

عن الصلاة الشيطانية والمسجد الشيطانى

1 ـ   كان هو الإمام فى الصلاة الشيطانية :

1 / 1 ـ فى شهر رمضان : ( وصلى الحاكم بالناس في رمضان صلاة الجمعة مرتين وخطب‏.‏)

1 / 2  ـ  فى عيد الفطر : ( وركب الحاكم لصلاة العيد بالمصلى فصلى وخطب وحضر السماط بالقصر علىرسمه في ذلك‏.‏ )

1 / 3  ـ  فى عيد الأضحى ( عيد النحر ): ( وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر ونحر في الملعب‏.‏)

2 ـ كان هو صاحب التشريع فى الصلاة الشيطانية

( وقبض على ثلاثة عشر رجلا ضربوا وشهروا على الجمال وحبسوا ثلاثة أيامبسبب أنهم صلوا صلاة الضحى . ) .  أى أصدر قرارا بتحريم صلاة الضحى ، وعاقبهم بسبب ذلك بالضرب والتشهير .!

3 ـ عمارة المساجد الشيطانية 

3 / 1 : بناء جامع راشدة  ( وابتدأ في عمارة جامع راشدة في سنة ثلاث وتسعين . )

3 / 2  (  ووقع الشروع في إتمام الجامع خارج باب الفتوح )

3 / 3 : هدم جامع سُنّى : ( وأمر بهدم جامع عمرو بن العاص بالإسكندرية‏.‏)

4 ـ المسجد مركز إعلان القرارات الرسمية :

 ( وفي شعبان خرج الكتاميون إلى باب الفتوح فترجلوا وكشفوارؤوسهم واستغاثوا بعفو أمير المؤمنين فأوصل إلى الحاكم جماعة منهم فوعدهم وكتب لهم سجل قرئ بالقصر والجوامع بالرضا عنهم وإعادتهم إلى رسومهم في التكرمة‏.‏ )

5 ـ المسجد الشيطانى مركز التعذيب وأيضا التكريم :

عوقب القاضى الحسين بن النعمان بالعزل وبالضرب فى الجامع . وفى الجامع أيضا جرى تكريمه . والتناقض فى التشريع أهم ملامح شخصية الحاكم. يقول المقريزى : ( وفي سادس عشره صرف الحسين بن النعمان عن القضاء‏.‏ وكان قد ضُرب في الجامع ، فندب الحاكم جماعة من شيوخ الأضياف يركبونمعه إلى كل مجلس فيه جماعة من الخاصة ، وأمر أصحاب سيوف الحلي بالمشي بين يديه في كل يوم‏.‏ فكان إذا حضر إلى الجامع العتيق وقام يصلي وقف جماعة الأضياف صفا خلفه يسترونه ولا يصلي أحد منهم حتى يفرغ من صلاته ويعود إلى مجلسه فإذا جلس في مجلسه كانوا قياما عن يمينه وشماله‏.‏ )

2 ـ عن القتل :

2 / 1 : القتل والحرق : الحاكم يتصرف كأنه إله يحرق من يغضب عليهم بالنار.!

2 / 1 / 1 : ( .. وفيها قتل أبو علي الحسن بن عسلوج في المحرم ، وأحرق‏.‏)

2 / 1 / 2  : ( وقتل علي بن عمر بن العداس في شعبان ، وأحرق‏.‏)

2 / 2 : القتل فقط :

( وقتل الأستاذ أبو الفضل زيدان صاحب المظلة لعشر بقين من ذي الحجةضرب عنقه‏.‏ )

( وفيها قتل سهل بن يوسف أخو يعقوب بن يوسف بن كلس الوزير بسبب قوةطمعه وكثرة شرهه . وعندما قدم للقتل سأل أن يدفع الساعة ثلثمائة ألف دينار عيناً يفدى بها نفسه فلم يجب‏.‏ )

( وقتل أيضا القائد أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار من أجل أنهكان إذا دخل من باب البحر تكون رجله على عنق دابته ويكون الحاكم في المنظرة التي على بابه فتصير رجله إلى وجه الحاكم . وكان ابن البازيار قد اعتراه وجع النقرس . فعد ذلك الحاكم عليه دينا قتله به في شوال لسوء التوفيق‏.‏ )

2 / 3 : القتل لكثيرين :

(  وقتل علي بن عمر العداس والأستاذ زيدان الصقلي ، وعدة كثيرة من الناس )

2 / 4 : القتل والحرق لكثيرين :

( وفيها استأذن عبد الأعلى بن الأمير هاشم بن المنصور أن يخرج إلى بعضضياعه فأذن له الحاكم فخرج بجماعة من ندمائه فبعث الحاكم عينا يأتيه بخبرهم ، فصاروا إلى متنزههم  ، فأكلوا وشربوا وجرى من حديثهم أن قال أحد أولاد المغازلي المنجم لابن هاشم‏:‏ " لا بد لك من الخلافة فأنت إمام العصر‏." ‏. فلما عادوا ودخل ابن هاشم على الحاكم وجلس أخرج الحاكم من تحت فراشه سيفا مجردا وضربه به فحُمل من داره ، وكتب يعتذر عن ذنبه إن كان قيل عنه ، ويحلف ويذكر أن ضربته سالمة ، ويسأل الإذن في طبيب يعالجه فأجيب إلى ذلك‏.‏ فلما أفاق استأذن في الدخول إلى الحمام فأذن له ، فبعث الحاكم إلى الحمام من ذبحه فيه وأتاه برأسه‏.‏ وبعث إلى من حضر المجلس فقتلوا وأحرقوا بالنار ، وفيهم أولاد المغازلي وابن خريطة وأولاد أبي الفضل بن الفرات وفتيان من كتامة‏.‏ وتتابع القتل في الناس من الجند والرعية بضروب مختلفة‏.‏)

3 ـ إضطهاد النصارى

3 / 1 ـ ( وهدمت كنيستان بجانب جامع راشدة‏.‏)

3 / 2 ـ ( أمر الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمى باعتقال البطرك زخريس لمدة ثلاثة شهور. )

تناقض

1 ـ ( وفي رجب قرئ سجلان أحدهما فيه إنكار الحاكم على من يخاطبه فيالمكاتبة بمولى الخلق أجمعين. ) يتصرف الحاكم كأنه إله لا يُسأل عما يفعل ، وفيما بعد أعلن الالوهية ، وهنا يمنع من يقول له ( مولى الخلق أجمعين ).

2 ـ ( وقطع الحاكم الركوب في الليل ). إعتاد التنزه ، ثم إمتنع عن ذلك ، واصبح خبرا مذكورا فى تاريخه.

ثانيا : عام  395 ‏

عن الصلاة 

 1 ـ كان هو الإمام فى الصلاة الشيطانية :

1 / 1 : فى صلاة العيد : ( وركب الحاكم يوم عيد الفطر وعليه ثوب مصمت أصفر وعلى رأسه منديلمنكر وهو محنك بذؤابة والجوهر بين عينيه‏.‏ وقيد بين يديه ستة أفراس بسروج مرصعة بالجوهر وست فيلة وخمس زرافات،  فصلى بالناس صلاة العيد وخطبهم ، فلعن في خطبته ظالمه حقه والمرجفين به وأصعد معه قائد القواد وقاضي القضاة عز الدين‏.‏ ). إصطحب فى موكبه للصلاة بعض الحيوانات . هذا تشريع مضحك يعكس طقوسا جديدة فى صلاته العيد .

1 / 2 : طقوسه فى صلاة عيد الأضحى ( النحر ) :( ونزل الحاكم يوم النحرإلى المصلى فصلى بالناس وخطب ونحر بها ثلاث بدن وعاد إلى القصر فحضر السماط ثم نحر في الملعب إحدى وعشرين بدنة وواصل النحر أياماً‏.‏ )

1 / 3 : ـ كان هو صاحب التشريع فى الصلاة الشيطانية : تشريع بتحديد صلاتى الظهر والعصر :

( وقرئ سجل آخر بأن يؤذن لصلاة الظهر في أول الساعة السابعة ، ويؤذنلصلاة العصر في أول الساعة التاسعة‏.‏ )

2 ـ المساجد

2 / 1  : ( وفيه فرش جامع راشدة‏.‏)

2 / 2 : المسجد مركز إعلان القرارات الرسمية :

2 / 2 / 1  ـ الإعلان عن المواعيد الجديدة لصلاتى الظهر والعصر كانت فى المسجد : ( وقرئ سجل آخر بأن يؤذن لصلاة الظهر في أول الساعة السابعة ، ويؤذنلصلاة العصر في أول الساعة التاسعة‏.‏ )

2 / 2 / 2 : الاعلان فى المسجد بشتم ولعن الخلفاء السنيين : ( وكتب على أبواب المساجد وعلى الجوامع بمصر وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر سب السلف ولعنهم . )  ( وكتب في صفر على سائر المساجد وعلى الجامع العتيق من ظاهره وباطنهفي جميع جوانبه وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر والصحراء بسب السلف ولعنهم . )

 2 / 2 / 3ـ  الاعلان فى المسجد بإضطهاد أهل الكتاب: ( في سابع محرم قرئ سجل في الجوامع يأمر اليهود والنصارى بشد الزنارولبس الغيار وشعارهم بالسواد شعار الغاصبين العباسيين‏ )

2 / 2 / 4 ـ السجود للإله المولود الصغير : ( ولى العهد ) : 

 ( وكان سابع المولود فأخرج على يد خادم إلى قائد القواد فتسلمه حتىأعد المزين شعره وذبح عنه الشريف أبو الحسن النرسي العقيقة بيده وحمل عثمان الحاجب الدم والعقيقة فأمر له بألف دينار وفرس ملجم وعدة ثياب من أجل حمل الدم والعقيقة ودفع إلى المزين مائتا دينار وفرس‏.‏ وسمى المولود بالحارث وكنى بأبي الأشبال‏.‏ وخرج قائد القواد إلى سائر الأتراك والديلم والعرفاء وقال‏:‏ مولانا يقرأ عليكم السلام ويقول قد سميت مولاكم الأمير الحارث وكنيته أبا الأشبال‏.‏ فقبل الجميع الأرض وأكثروا الدعاء وانصرفوا‏.‏ وزينت البلد أربعة أيام‏.‏ )

3 ـ القتل 

3 / 1 : القتل والحرق : الحاكم يتصرف كأنه إله يحرق من يغضب عليهم بالنار.!

الحسين بن النعمان (  وهو أول قاض أحرق بعد قتله فإن الحاكم أحرقه بعد ما قتله في سادسمحرم الآتي ذكره‏.‏ ) ( وقتل قاضي القضاة حسين بن النعمان وأحرق بالنار )  ( وفيها قتل القاضي حسين بن النعمان ضربت رقبته ثم أحرق بالنار‏.‏ )

3 / 2 : قتل كثيرين :

3 / 2 / 1 : ( وقتل عدة أناس يزيد عددهم على مائة نفس ضربت أعناقهم وصلبوا وقتلعبد الأعلى بن هاشم من القرابة لأنه كان يتحدث بأنه يلي الخلافة وأنه كان يجمع قوما ويعدهم بولاية الأعمال‏.‏ )( وقتل عددًا كثير من الناس ضربت أعناقهم . )

4 ـ نشر الارهاب بين الجميع ، وطلب الأمان من الحاكم

4 / 1 : ( واشتد خوف الناس بأسرهم ، وقويت الشناعات وزاد الإضطراب ، فاجتمع كثير من الكتاب وغيرهم تحت القصر ، وضجوا يسألون العفو ، فكتب عدة أمانات لجميع الطوائف ، من أهل الدعوة وغيرهم من الباعة والرعية )

4 / 2 : قتل الحمّارين ( المكارية أو الركابية ) :

بعد إفتتاح مكتبة دار الحكمة توافد اليها يستأجرون الحمير التى يقودها الحمارون أو الركابية. فتزايد العدد فقتل الحاكم بعض الحمارين فسألوا الأمان : ( وفتحت دار الحكمة بالقاهرة وحمل إليها الكتب ، ودخل إليها الناس ، فاشتد الطلب على الركابية المستخدمين في الركاب وقتل منهم كثير عفي عنهم وكتب لهم أمان ) ( وفي جمادى الآخرة فتحت دار الحكمة بالقاهرة وجلس الفقهاء فيها وحملتالكتب إليها ودخلها الناس للنسخ من كتبها وللقراءة‏.‏..وانتصب فيها الفقراء والقراء والنحاة وغيرهم من أرباب العلوم وفرشت وأقيم فيها خدام لخدمتها وأجريت الأرزاق على من بها من فقيه وغيره وجعل فيها ما يحتاج إليه من الحبر والأوراق والأقلام‏.‏ .. وفيه اشتد الطلب على الركابية المستخدمين في الركاب بعد أن قتل منهم في يومين أكثر من خمسين نفسا ، فتغيبوا وامتنع أحد من الناس أن يمشي بين يديه غلام أو شاكري ، فكانت القواد ومن جرى رسمه أن يكونوا بين يديه يسيرون وحدهم وإذا نزل أحدهم للسلام أمسك خادمه الدابة ، ثم عفى عنهم وكتب لهم أمان‏.‏ )( وفيه منع كل أحد ممن يركب أن يدخل من باب القاهرة راكبا ، ومنع المكاريون أن يدخلوا بحميرهم ، ومنع الناس من الجلوس على باب الزهومة من التجار وغيرهم ، ومنع كل أحد أن يمشي ملاصق القصر من باب الزهومة إلى باب الزمرد‏. )( ثم أذن للمكاريين في الدخول وكتب لهم أمان‏.‏ )

4 / 3 : الحاكم يتصرف كأنه إله يحرق من يغضب عليهم بالنار.!

إزداد رعب الناس من أن يحرقهم الحاكم عندما جهّز مكانا للحرق ، فساروا فى مظاهرة الى قصر الحاكم وهم يقبلون الأرض يطلبون الأمان ، ووقفوا أمام القصر يتضرعون ويبكون :

 ( وفيه أمر الحاكم بشونة تحت الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفاء ،  فتخوفالناس كافة من يتعلق بخدمة الدولة من الأولياء والقواد والكتاب وسائر الرعية من العوام‏.‏ وقويت الشفاعات وكثر الاضطراب ، فاجتمع سائر الكتاب والمتصرفين من المسلمين والنصارى، وخرجوا بأجمعهم في خامسة إلى الرياحين بالقاهرة ، وما زالوا يقبلون الأرض حتى وصلوا إلى القصر ، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرعون ويضجون ، ويسألون العفو عنهم ، ومعهم رقعة قد كتبت عن الجميع‏.‏ ثم دخلوا باب القصر وهم يسألون أن يعفى عنهم ولا يسأل فيهم قول ساع يسعى فيهم‏.‏ وسلموا رقعتهم لقائد القواد فأوصلها إلى الحاكم ، فعفا عنهم وأمرهم على لسان قائد القواد بالانصراف والبكور لقراءة سجل بالعفو عنهم فانصرفوا بعد العصر‏.‏ وقرئ من الغد سجل كتب نسخة للمسلمين ونسخة للنصارى ونسخة لليهود<">4 / 4 / 3 : صيغة الأمان : ( ..وهي بعد البسملة‏:‏ هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي عليالإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين لأهل مشهد عبد الله إنكم من الآمنين بأمان الله الملك الحق المبين وأمان سيدنا محمد خاتم النبيين وأبينا علي خير الوصيين وذرية النبوة المهديين آبائنا صلى الله على الرسول ووصيه وعليهم أجمعين‏.‏ وأمان أمير المؤمنين على النفس والأهل والدم والمال‏.‏ لا خوف عليكم ولا تهديد بسوء إليكم إلا في حد يقام بواجبه وحق يوجد لمستوجبه‏.‏ فليوثق بذلك وليعول بأمان الله‏.‏ وكتب في جمادى الآخرة سنة خمسين وتسعين وثلثمائة‏.‏ )

5 : التسلية بقتل الأطفال بأمرهم بالقفز من سطح القصر :

( وفيه رسم الحاكم لجماعة من الأحداث أن يتقافزوا من موضع عال فيالقصر ورسم لكل منهم بصلة فحضر جماعة وتقافزوا فمات منهم نحو ثلاثين إنسانا من أجل سقوطهم خارجاً عن الماء على صخر هناك ووضع لمن قفز ماله‏.‏ )

6 ، قتل الكلاب :( وفيه أمر بقتل الكلاب فقتل منها ما لا يحصى حتى لم يبق منها بالأزقةوالشوارع شيء وطرحت بالصحراء وبشاطىء النيل وأمر بكنس الأزقة والشوارع وأبواب الدور في كل مكان ففعل ذلك‏.‏ ) ( وأمر بقتل الكلاب فقتل منها ما لاينحصر حتى فقدت . )

7 ـ سب السلف من الخلفاء السنيين

7 / 1 : ( وكتب على أبواب المساجد وعلى الجوامع بمصر وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر سب السلف ولعنهم وأكره الناس على نقش ذلك وكتابته بالأصباغ في سائر الموضع .. ) ( وكتب في صفر على سائر المساجد وعلى الجامع العتيق من ظاهره وباطنهفي جميع جوانبه وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر والصحراء بسب السلف ولعنهم ونقش ذلك ولون بالأصباغ والذهب وعمل كذلك على أبواب القياسر وأبواب الدور وأكره على عمل ذلك‏.‏ ولما دخل الحاج نالهم من العامة سب وبطش فإنهم طلبوا منهم سب السلف ولعنهم فامتنعوا‏.‏ )

7 / 2 :( وفيه فحش كثير وقدح في حق الشيخين رضي الله عنهما‏.‏)

8 : إضطهاد النصارى

8 / 1 :( في سابع محرم قرئ سجل في الجوامع يأمر اليهود والنصارى بشد الزنارولبس الغيار وشعارهم بالسواد شعار الغاصبين العباسيين‏.‏ )

8 / 2 : ( وفي سنة خمس وتسعين أمر النصارى واليهود بشد الزنار ولبس الغيار. ).

  9 ـ تشريعات بأوامر ونواهى مضحكة وعقوبة من يخالف :

9 / 1 : فى الطعام والشراب :

9 / 1 / 1 : ( ومنع الناس من أكل الملوخية والجرجير والتوكلية والدلينس وذبح الأبقار السليمة من العاهة إلا في أيام الأضحية.  ومنع من بيع الفقاع وعمله البتة ( الفقاع هو شراب الشعير المتخمر ) ، وأن لايدخل أحد الحمام إلا بمئزر ، ..ولا يباع شيء من السمك بغير قشر ، ولا يصطاده أحد من الصيادين . وتتبع اناس في ذلك كله ، وشدد فيه ، وضرب جماعة بسبب مخالفتهم ما أمروا به ونهوا عنه مما ذكر ) ( وقرئ سجل في الأطعمة بالمنع من أكل الملوخية التى كانت محببة لمعاويةبن أبي سفيان والبقلة المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة رضي الله عنها والمتوكلية المنسوبة إلى المتوكل‏.‏) ( وفيه المنع من عجن الخبز بالرجل والمنع من أكل الدلنيس ، والمنع من ذبح البقر التي لا عاقبة لها إلا في أيام الأضاحي وما سواها من الأيام لا يذبح منها ) .

الصلاة الشيطانية للخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله ( 4 )

من عام  397 : 399

سنة 397

عن الصلاة الشيطانية والمسجد الشيطانى

الصلاة :

1 ـ المعتاد فى رمضان وفى إمامته الناس فى صلاة الجمعة  : (  وجرى الأمر في الفطر على السماط ليالي رمضان وفي صلاة الحاكم بالناس يوم الجمعة على ما تقدم‏.‏ ) ، وفى إمامته لصلاة الجنازة : ( وتوفى الأمير منجوتكين لأربع خلون من ذي الحجة فصلى عليه الحاكم‏.‏  )

المسجد مركز إعلان القرارات الرسمية :

2 ـ كان فيه الإعلان بالحرية الدينية ( لا يشمل الأقباط واليهود ) وهو ضمن تناقضات الحاكم : (  وقريء سجل فيه يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون ، ولايعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون ، وصلاة الخميس للذي جاءهم فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون يخمس في التكبير على الجنائز المخمسون ولايمنع من التربيع عليها المربعون يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون ولا يؤذي من بها لايؤذنون ، لايسب أحد من السلف ولا يحتسب على الواصف فيهم بما وصف والحالف منهم بما حلف لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاده . ). أى الحرية فى حساب وقت الافطار فى رمضان ووقت الإمساك ، ودون تدخل أصحاب رؤية الهلال. وحرية صلاة الخمبس والتراويح والتكبير خمسا أو أربعة فى صلاة الجنازة ، والأذان الشيعى بحى على خير العمل لا إلزام فيه ، ولا سب للسلف ، ولا عقوبة على من يمدحهم ، وحرية الاجتهاد.. كلام رائع .. ولكن ..تم إحراق صلبان الكنائس على باب المسجد ، مع مصادرة أوقافها أو ( احباسها ). وكان الاعلان عن هذا فى المسجد. : ( وقبض جميع ما محبس على الكنائس وجعل في الديوان وأحرق عدة صلبان على باب الجامع بمصر وكتب إلى سائر الأعمال بذلك‏.‏ )

اضطهاد النصارى واليهود

( وقبض جميع ما حُبس على الكنائس ، وجعل في الديوان وأحرق عدة صلبان على باب الجامع بمصر وكتب إلى سائر الأعمال بذلك‏.‏ ) ( وهدمت كنائس كانت بطريق المقس وهدمت كنيسة كانت بحارة الروم من القاهرة ونهب ما فيها . ) ( وكتب بهدم كنيسة قماسة .) ( واشتد بالأمر على النصارى واليهود في إلزامهم لبس الغيار. )

القتل والقطع لكثيرين

( وقتل كثير من الخدم ومن الكتاب ومن الصقالية بعدما قطعت أيدي بعضهم من الكتاب بالشطور على الخشبة من وسط الذراع ) ( وقتل القائد فضل بن صالح في ذي القعدة ) ( وجدد ديوان المفرد برسم من يقبض ماله من المقتولين وغيرهم )

الرعب وإعطاء الأمان

( وكتب عدة أمانات لعدة طوائف من شدة خوفهم ) .‏

الاستمرار فى التشريعات المضحكة وعقوبة من يخالف :

( وقبض على جماعة من أصحاب الفقاع (شرابٌ يُتَّخَذ من الشعير ، يُخمَّر حتّى تعلوه فُقاعاته ) والسماكين وكبست الحمامات وضربجماعة لمخالفتهم ما نهو عنه وشهروا‏.‏ ) ( وشهر جماعة وجد عندهم فقاع وملوخية ودلينس وضربوا ) ( وفي تاسع المحرم وهو نصف توت نقص ماء النيل ولم يوف ستة عشر فمنع الناس من التظاهر بالغناء ومن ركوب البحر للتفرج ، ومنع من بيع المسكرات ومنع الناس كافة من الخروج قبل الفجر وبعد العشاء إلى الطرقات ، واشتد الأمر على الكافة لشدة ما داخلهم من الخوف مع شدة الغلاء وتزايد الأمراض في الناس والموت‏.‏) ( وقطعت قراءة مجالس الحكمة بالقصر ، ووقع التشديد في المنع من المسكرات )

تناقض

1 ـ ( وفي تاسع ربيع الآخر أمر الحاكم بمحو ما هو مكتوب على المساجدوالأبواب وغيرها من سب السلف فمحي بأسره وطاف متولي الشرطة حتى أزال سائر ما كان منه‏.‏ وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا يعنى واشتغال كل أحد بمعيشته عن الخوض في أعمال أمير المؤمنين وأوامره‏.‏) هذا مع قتل على أهون سبب.

وفي سنة سبع وتسعين أمر بمحسوب السلف فحمي سائر ما كتب من ذلك  

2 ـ فى الضرائب : ( .. وأعيدت المكوس التي رفعت ) وعكس ذلك : ( وكتب إبطال أخذ الخمس والنجاوي والفطرة ).

عام  398 :

الصلاة الشيطانية

( وقد صلى الحاكم بالناس صلاة الجمعة في جامع راشدة ،  وصلى صلاة عيدالفطر وخطب على ما جرت عادته به . وأصعد معه المنبر وقت الخطبة قائد القواد صالح بن علي ومالك بن سعيد القاضي والشريف النرسي وجماعة‏.‏ ) . لأن المسجد مركز للحكم فالحاكم يصطحب معه على المنبر جماعة من  كبار أتباعه. 

 ويستمر إحراق الصلبان أمام الجامع : ( وأحرق صلبان كثيرة على باب الجامع . )

إضطهاد النصارى

1 ـ المنع من إحتفالاتهم الدينية :( فلما كان ليلة عيد الشعانين منع النصارى من تزيين كنائسهم على ما هيعادتهم ، وقبض على جماعة منهم في رجب ، وأمر باحضار ما هو معلق على الكنائس وإثباته في دواوين السلطان وكتب إلى سائر الأعمال بذلك‏.‏ وأحرق صلبان كثيرة على باب الجامع )

 2 ـ منعهم من زيارة كنيسة القمامة فى القدس ، والأمر بهدمها ونهب ما فيها، وقد أراد تعميم هذا على كل الكنائس فخاف العاقبة . تقول الرواية : ( وفيها خرج النصارى من مصر إلى القدس لحضور الفصح بقمامة على عادتهمفي كل سنة بتجمل عظيم كما يخرج المسلمون إلى الحج فسأل الحاكم ختكين الضيف العضدي أحد قواده عن ذلك لمعرفته بأمر قمامة فقال هذه بيعة تعظمها النصارى ويحج إليها من جميع البلاد وتأتيها الملوك وتحمل إليها الأموال العظيمة والثياب والستور والفرش والقناديل والصلبان المصوغة من الذهب والفضة والأواني من ذلك وبها من ذلك شيء عظيم‏.‏ فإذا كان يوم الفصح واجتمع النصارى بقمامة ونصبت الصلبان وعلقت القناديل في المذبح تحيلوا في إيصال النار إليه بدهن البيلسان مع دهن الزئبق فيحدث له ضياء ساطع يظن من يراه أنها نار نزلت من السماء‏.‏ فأنكر الحاكم ذلك وتقدم إلى بشر بن سورين كاتب الإنشاء فكتب إلى أحمد بن يعقوب الداعي أن يقصد القدس ويهدم قمامة وينهبها الناس حتى يعفى أثرها ففعل ذلك‏.‏ ثم أمر بهدم ما في أعمال مملكته من البيع والكنائس فخوف أن تهدم النصارى ما في بلادها من مساجد المسلمين فأمسك عن ذلك‏.‏ )

عام 399

الصلاة الشيطانية

( ولم يركب الحاكم لصلاة عيد الفطر وصلى القاضي مالك بن سعيد بالناسفي المصلى وخطب‏.‏ ) ( وصلى القاضي بالناس صلاة عيد الفطر على الرسم‏.‏ ) : " على الرسم أو على رسمه أى حسب القانون السائد.

( وحمل سماط عيد النحر يوم التاسع من ذي الحجة على عادته غير أنه أبطلمنه الملاهي والخيال واللعب الذي كان يعمل في كل سنة‏.‏ ) ( وصلى القاضي بالناس صلاة عيد النحر وخطب‏.‏ ). هذا فى الجامع . أما الحاكم ، تقول الرواية :  ( وصلى الحاكم بالناس في المصلى صلاة عيد النحر وخطب ونحر وحضر السماط على رسمه‏.‏  )

تكرار الاعلان بالحرية الدينية فى رمضان :

( وفي رمضان قرئ سجل فيه يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون ولا يعارضأهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ويفطرون وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولاهم عنها يدفعون ويخمس في التكبير على الجنائز المخمسون ولا يمنع من التربيع عليها المربعون يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون ولا يؤذى من بها لا يؤذنون لا يسب أحد من السلف ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يصف والحالف منهم بما حلف لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاد‏.‏ ).‏

(وقرئ سجل في الجامع العتيق ( جامع الفسطاط ) بإقبال الناس على شأنهم وتركهم الخوضفيما لا يعنيهم وسجل آخر برد التثويب في الأذان والإذن للناس في صلاة الضحى وصلاة القنوت‏.‏ ثم جمع في سائر الجوامع وقرئ عليهم سجل بأن يتركوا الأذان بحي على خير العمل ويزاد في أذان الفجر‏:‏ الصلاة خير من النوم وأن يكون ذلك من مؤذني القصر عند قولهم‏:‏ السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله فامتثل الناس وعمل‏.‏ ) ( وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا عيني والاشتغال بالصلوات في أوقاتها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وألا يخوض أحد في أحوال السلطان وأوامره وأسرار الملك‏.‏ )

ثم تناقض هنا : ( ومنع كل أحد من الناس أن يخرج من منزله قبل صلاة الصبح وبعد صلاةالعشاء واشتد الأمر في هذا واعتقل جماعة خالفوا ما أمر به‏.‏)

( وقرئ آخر في سائر الجوامع بتسكين قلوب الناس )

اضطهاد النصارى

( ولا يمشي اليهود والنصارى إلابالغيار وضربوا على ترك ذلك‏.‏ )

( ودرست كنائس كانت بطريق المكس وكنيسة بحارة الروم من القاهرة ونهبما فيها‏.‏ )

( وهدم دير القصير ونهب‏.‏)

( واشتد الأمر على اليهود والنصارى في إلزامهم لبس الغيار‏.‏)

القتل لكثيرين :

( وقتل في هذه الليلة كثير من الخدم والصقالبة والكتاب بعد أن قطعتأيديهم بالساطور على خشبة من وسط الذراع‏.‏ ) (  وقتل في هذه السنة عدة كثيرة من الخدام والفراشين والكتاب وغيرهم‏.‏)( وقتل أصحاب الأخبار عن آخرهم لكثرة أذيتهم الناس بالكذب عليهم وأخذهم الأموال من الناس‏.‏ )

 قتل القادة

( وفيها مات أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المنجملثلاث خلون من جمادى الأولى وقتل القائد فضل بن صالح ضربت رقبته لتسع بقين من ذي القعدة‏.‏ ) ( قتل أبو أسامة جنادة أسامة بن محمد اللغوي لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة ومعه الحسن بن سليمان الأنطاكي النحوي واستتر عبد الغني بن سعيد وكان ذلك بسبب اجتماعهم بدار العلم وجلوسهم فيها‏.‏ ) ( وفيها قتل أبو علي بن ثمال الخفاجي متولي الرحبة من قبل الحاكم وملكها بعده صالح بن مرداس الكلابي متملك حلب‏.‏ )

 ومع إعلان الحرية الدينية نقرأ هذا الخبر : ( وقتل رجاء بن أبي الحسين من أجل أنه صلى صلاة التراويح في شهررمضان‏.‏ )

نشر الارهاب بين الجميع ، وطلب الأمان من الحاكم

( وقرئ آخر في سائر الجوامع بتسكين قلوب الناس وتطمينهم لكثرة مااشتهر عندهم وداخلهم من الخوف بما يجري من أوامر الحضرة في البلد‏.‏ ) ( وفي حادي عشر جمادى الآخرة قبض على عبد العزيز بن النعمان وطلب حسين بن جوهر ففر هو وابناه وجماعة‏.‏وكثر الصياح في دار عبد العزيز وغلقت حوانيت القاهرة وأسواقها‏.‏ فأفرج عن عبد العزيز ونودي في القاهرة بألا يغلق أحد‏.‏ وتخوف الناس من الحاكم فكتب عدة أمانات لأناس شتى‏.‏ )

( وفيه قرىء عدة أمانات بالقصر للكتاميين من جند إفريقية والأتراكوالقضاة والشهود وسائر الأولياء والأمناء والرعية والكتاب والأطباء والخدام السود والخدام الصقالبة لكل طائفة أمان‏.‏ ) ( وقرئت عدة أمانات بالقصر‏.‏)

الاستمرار فى التشريعات المضحكة وعقوبة من يخالف :

فى هذا العام 399 تكرر ما حدث عام 397 :

1 ـ  ( وفي تاسعه ( المحرم )وهو نصف توت أشيع وفاء النيل وخلع على ابن أبي الردادفابتدأ في النقص قبل أن يوفى ستة عشر ذراعا من تاسع عشر توت فأمر الناس كافةً بألا يتظاهر أحد منهم على شاطىء النيل بشيء من الغناء ولا يسمع في دار ولا يشرب في المراكب‏.‏ وكبست عدة دور وقبض على جماعة‏.‏  ونودي ألا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر . وكسبت الحمامات وأخذ منها جماعة وشهروا من أجل أنهم وجدوا بغير مئزر‏.‏ ). وتكرر أيضا هذا التشريع فى الصلاة : ( ومنع كل أحد من الناس أن يخرج من منزله قبل صلاة الصبح وبعد صلاة العشاء واشتد الأمر في هذا واعتقل جماعة خالفوا ما أمر به‏.‏ )

2 ـ الجديد هنا تشريع بشأن سوق الرقيق : ( ومنع أن يدخل أحد إلى سوق الرقيق إلا أن يكون بائعا أو مشتريا وأفردالجواري من الغلمان وجعل لكل منهم يوم‏.‏ ) وتشريعات أخرى : ( ومنع من نصب الشراعات التي كانت النساء تنصبها في المقابر أيام الزيارة‏.‏ )

3 ـ ( وأشيع بين الناس بأن النبيذ يمنع من بيعه فازدحموا على شرائه وبيعمنه شيء كثير فعز حتى بيع كل عشر جرار بدينار ولم يوجد لكثرة طلابه‏.‏ وشهر جماعة وجد عندهم فقاع وملوخية وترمس ودلينس بعد ضربهم‏.‏ وقرئ سجل مندد فيه بشرب النبيذ وجميع أنواع المسكر‏.‏ وقرئ سجل في ربيع الأول بالمنع من حمل النبيذ والموز وحذر من التظاهر بشيء منه أو من الفقاع والدلينس والسمك الذي لا قشر له والترمس المعفن‏.‏)

تكرار تناقض

( وفي ذي القعدة أعيدت المكوس التي كانت رفعت‏.‏) ( وقرئ سجل بإبطال ما كان يؤخذ على أيدي القضاة من الخمس والفطرة والنجوى‏.‏ ) ( وفي يوم عيد الغدير منع الناس من عمله‏.‏ ) ( وقرئ سجل بقطع مجالس الحكمة التي كانت تقرأ على الأولياء في يومي الخميس والجمعة‏.‏ ).

الصلاة الشيطانية للخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله ( 5 )

( 401 : 403 )

عام 401

الصلاة والمسجد

صلاة العيد : ( .. وركب الحاكم لصلاة العيد على رسمه‏.‏)

المسجد مركزا لاعلان القرارات

1 ـ ( وقرئ سجل في سائر الجوامع فيه النهي عن معارضة الإمام فيما يفعله،  وترك الخوض فيما لا يعنى . وأن يؤذن بحي على خير العمل ، ويترك من أذان الصبح قول‏:‏ الصلاة خير من النوم . والمنع من صلاة الضحى وصلاة التراويح وإعادة الدعوة والمجلس على الرسم‏.‏ ) . هنا تشريع بالمنع من صلاة الضحى وصلاة الترويح وتعديل فى الأذان . وإعادة مجلس الدعوة الفاطمية بعد إلغائه . وهو ملمح من تناقض الحاكم وتخبطاته ، وهى كثيرة.

2 ـ ( وفي شعبان وقع قاضي القضاة مالك إلى سائر الشهود بخروج الأمر العاليالمعظم أن يكون الصوم يوم الجمعة والعيد يوم الأحد‏.‏ وأن يكون الخروج للحج في سابع شوال‏.‏ ) تشريع ببدء شهر الصوم ونهايته وموعد الخروج للحج.

3 ـ ( وخلع على قاضي القضاة مالك وقلد النظر في المظالم مع القضاء وقرئسجله بالجامع‏.‏ ) إعلان تعيين قاضى القضاة بالمسجد .

إستمرار المراسيم بإضطهاد النصارى

( وشدد على النصارى في لبس الغيار بالعمائم الشديدة السواد دون ماعداها من الألوان‏.‏ ) . وفى رواية : ( ومنع النصارى من الغطاس فلم يتظاهروا على شاطىء البحر بما جرت عادتهم به‏.‏ )

القتل

1 ـ قتل الوزير وهو يمارس عمله : ( وأقام ابن القشوري على رسمه ينظر عشرة أيام إلى ثالث عشره فبينا هويوقع إذ قبض عليه وضربت رقبته ، من أجل أنه بلغ الحاكم عنه أنه يبالغ في تعظيم حسين بن جوهر وأكثر من السؤال في حوائجه‏.‏ ) . وفى رواية :  (ثم صُرف ابن القشوريّ بعد عشرة أيام من استقراره وضربت عنقه وقُرّر بدله زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النصراني ولقبَ بالشافي ) 

2 ـ ( وقُتل الحسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان في ثاني عشر جمادى الاّخرة سنة إحدى وأربعمائة وأحيط بأموالهما ). والتفاصيل فى رواية أخرى :  ( وفي ثاني عشر جمادى الآخرة ركب حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمانعلى رسمهما إلى القصر فلما خرج المتسلم قيل لحسين وعبد العزيز وأبي علي أخي الفضل أطيعوا لأمر تريده الحضرة منكم‏.‏ فجلس الثلاثة وانصرف الناس فقبض على ثلاثتهم وقتلوا في وقت واحد وأحيط بأموالهم وضياعهم ودورهم فوجد لحسين بن جوهر في جملة ما وجد سبعة آلاف مبطنة حريرا من سائر أنواع الديباج والعتابي وغيره وتسع متارد صيني مملؤة حب كافور قنصوري وزن الحبة الواحدة ثلاثة مثاقيل‏.‏ وأخذت الأمانات والسجلات التي كتبت لهم‏.‏ ). كان معهم ( الأمان ) ولم يغن عنهما شىء ، فتم قتلهما بعد إستدعائهما .

3 ـ ( واعتقل ابن عبدون وأمر بعمل حسابه ثم ضربت عنقه وقبض ماله‏.‏) وفى رواية : ( وقُتل ابن عبدون وأخذ ماله )

أوامر ونواهى تشريعية غريبة

منع التنزه ( ومنع من الركوب في المراكب بالخليج وسدت أبواب القاهرة التي مما يليالخليج وأبواب الدور والطاقات المطلة عليه والخوخ‏.‏

 ( واشتد الأمر في منع المسكرات وتتبع مواضعها‏.‏)

( ومنع الغناء واللهو وأمر الاتباع مغنية وألا يجتمع الناس في الصحراءومنع النساء من الحمام‏.‏ )

( وقبض على جماعة بسبب بيع النبيذ واعتقلوا وكبست مواضع ذلك‏.‏)

منع الملوخية وسمك القراميط :

(  وضُرب جماعة وشُهروا من أجل بيعهم الملوخية والسمك الذي لا قشر له وبسبب بيع النبيذ )

عام  402

الصلاة :

( وصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة العيد‏.‏)

( ولم يركب الحاكم لصلاة عيد النحر فصلى بالناس مالك بن سعيد وخطب‏.‏)

المسجد مركزا لاعلان القرارات:

( وقرئ سجل بمنع الناس من السفر إلى مكة في البر والبحر ومن حمل الأمتعةوالأقوات إليها فرد قوم خرجوا إلى الحج من الطريق‏.‏ )

( واستهل شعبان يوم الاثنين فأمر أن يجعل أوله يوم الثلاثاء وأخذ جميعما عند التجار من السلاح بثمنه للخزانة‏.‏ )

الاحتفالات الدينية :

( وحضر القاضي مالك إلى جامع القاهرة في ليلة النصف من رجب‏.‏)

‏( وفي رجب قطع الرسم الجاري من الخبز والحلوى الذي كان يقام فيالثلاثة أشهر لمن يبيت بجامع القاهرة في ليالي الجمع والأنصاف‏.‏ )

( في ليلة النصف من شعبان كثر إيقاد القناديل في المساجد وتنافسالناس في ذلك )

أوامر ونواهى تشريعية غريبة

1 ـ ( وفي جمادى الآخرة منع بيع قليل الزبيب وكثيره وكوتب بالمنع من حملهوألقى في النيل منه شيء كثير‏.‏ ) ( وأحرق زبيب كثير كان في محارق التجار‏.‏ )

2 ـ وروايات فى التفصيل :

( في المحرم قلدت الشرطتان لمحمد بن نزال وأمر بتتبع المنكرات والمنعمنها وألا يباع زبيب أكثر من خمسة أرطال ولا تباع الجرار‏.‏ ) ( وفي سنة اثنتين وأربعمائة منع من بيع الزبيب وكوتب بالمنع من حمله وألقي في بحر النيل منه شيء كثير وأحرق شيء كثير ومنع النساء من زيارة القبور فلم يُر في الأعياد بالمقابر امرأة واحدة ومُنع من الإجتماع على شاطىء النيل للتفرّج ومُنع من بيع العنب إلا أربعة أرطال فما دونها ومنع من عصره وطُرح كثير منه وديس في الطرقات وغرّق كثير منه في النيل ومُنع من حمله وقطعت كروم الجيزة كلها وسيّر إلى الجهات بذلك‏. ) ( ومنع من بيع العنب وألا يتجاوز في بيعة أربعة أرطال ومنع من اعتصاره فبيع كل ثمانية أرطال بدرهم وطرح كثير منه في الطرقات وأمر بدوسه ومنع من بيعه ألبتة وغرق ما حمل منه في النيل‏.‏ وبعث شاهدين إلى الجيزة فأخذ جميع ما على الكروم من الأعناب وطرحت تحت أرجل البقر لدوسه وبعث بذلك إلى عدة جهات‏.‏ ) ( وتتبع من يبيع العنب واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع أحد بيعه فاتفق أن شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب فصدفه الحاكم عند قائلة النهار على جسر ضيق فقال له‏:‏ من أين أقبلت قال من أرض الله الضيقة‏.‏ فقال‏:‏ يا شيخ أرض الله ضيقة فقال‏:‏ لو لم تكن ضيقة ما جمعتني وإياك على هذا الجسر‏.‏ فضحك منه وتركه‏.‏ )

3 ـ ( وفيهتشدده في المسكرات والمنع من بيع الفقاع والملوخية والسمك الذي لا قشر له والمنع من الملاهي ومن اجتماع الناس في المآتم واتباع الجنائز والمنع من بيع العسل إلا أن يكون ثلاثة أرطال فما دونها‏.‏) ( وجمع الصيادون وحلفوا أنهم لا يصطادون سمكا بغير قشر ومن فعل ذلك ضربت رقبته وتوالى إحراق الزبيب عدة أيام بحضرة الشهود وتولى مؤنة الإنفاق على حمله وإحراقه متولى ديوان النفقات فأحرق منه ألفان وثمانمائة وأربعون قطعة بلغت مؤنة الإنفاق . ) ( وتشدد الأمر في الإنكار على بيع الفقاع والملوخية والسمك الذي لا قشر له‏.‏ ) ( وجمع الشطرنج من أماكن متعددة وأحرق‏.‏ )

4 ـ ( ومنع الناس من الاجتماع في المآتم ومن اتباع الجنائز‏.‏) ( ومنع النساء من الخروج بعد العشاء الآخرة‏.‏ ) ( ولم يخرج من النساء إلى الصحراء فلم تر امرأة على قبر‏.‏ ) ( ومنع من الاجتماع على شاطىء النيل ومن ركوب النساء المراكب مع الرجال وخروجهن إلى مواضع الحرج مع الرجال‏.‏)

إضطهاد النصارى

ومنع النصارى من الاجتماع في عيد الصليب وأن يظهروا في المضي إلىالكنائس‏.‏

 عام 403

الصلاة

( وصلى بالجامع العتيق ( أى جامع الفسطاط ) بمصر جمعة . وهو أول من صلى فيه من الخلفاءالفاطميين‏.‏

ومنع النساء من الجلوس في الطرقات للنظر إليه‏.‏)

( وفي رمضان صلى الحاكم بالناس مرة ، وفي جامعه براشدة ومرة بجامعه خارجباب الفتوح . )

( وركب في يوم الفطر إلى المصلى بغير شيء مما كان يظهر في هذا اليوممن الزينة والجنائب ونحوها فكان   في عشرة أفراس جياد بين يديه بسروج ولجم محلاةً بالفضة البيضاء الخفيفة ومظلة بيضاء بغير ذهب وعليه بياض بغير طرز ولا ذهب ولا جوهر في عمامته ولم يفرش المنبر‏.‏ ) ( وركب الحاكم يوم عيد الفطر إلى المصلي بغير زينة ولا جنائب ولا أبهة سوى عشرة أفراس تقاد بسروج ولجم محلاة بفضة بيضاء خفيفة وبنود ساذجة ومظلة بيضاء بغير ذهب عليه بياض بغير طرز ولا ذهب ولا جوهر في عمامته . ولم يفرش المنبر . ) ( وصلى صلاة عيد النحر كما صلى صلاة عيد الفطر من غير أبهة ونحر عنه عبد الرحينبن الياس بن أحمد بن المهديّ ) .

المسجد مركزا لاعلان القرارات:

قرارات هامة تتناقض مع الدين الشيعى :

1 ـ ( وفي رجب قرئ سجل بمنع الناس من تقبيل الأرض للحاكم وبمنعهم من تقبيل ركابه ويده عند السلام عليه في المواكب والانتهاء عن التخلق بأخلاق أهل الشرك من الانحناء إلى الأرض فإنه صنيع الروم وأمروا أن يكون للسلام عليه‏:‏ السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته‏.‏ ونهوا عن الصلاة عليه في المكاتبة والمخاطبة وأن تكون مكاتبتهم في رقاعهم ومراسلاتهم بإنهاء الحال ويقتصر في الدعاء على سلام الله وتحياته وتوالى بركاته على أمير المؤمنين ويدعى له بما سبق من الدعاء لا غير‏.‏ فلما كان يوم الجمعة لم يقل الخطيب سوى‏:‏ اللهم صل على محمد المصطفى وسلم على أمير المؤمنين علي المرتضى اللهم وسلم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين اللهم اجعل أفضل سلامك على سرك وخليفتك‏.‏ ) (وأمر الحاكم أن لا يُقَبَّل أحد له الأرض ولا يُقَبِّل ركابه ولا يده عند السلام عليه في المواكب فإنّ الانحناء إلى الأرض لمخلوق من صنيع الروم وأن لا يزاد على قولهم السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ولا يُصلى أحد عليه في مكاتبة ولا مخاطبة ويقتصر في مكاتبته على سلام الله وتحياته‏. ونوامي بركاته على أمير المؤمنين ويدعي له بما يتفق من الدعاء لا غير فلم يقل الخطباء يوم الجمع سوى اللهمّ صلّ على محمد المصطفى وسلم على أمير المؤمنين علي المرتضى اللهمّ وسلم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين اللهم اجعل أفضل سلامك على عبدك وخليفتك ومُنع من ضرب الطبول والأبواق حول القصر فصاروا يطوفون بغير طبل ولا بوق .  ). ( ومنع من ضرب الطبول والأبواق التي كانت تضرب حول القصر في الليل فصاروا يطوفون بغير طبل ولا بوق‏.‏)

2 ـ ( وأنزل من القصر سبع صناديق فيها ألف ومائتان وتسعون مصحفا إلىالجامع العتيق ليقرأ فيها الناس‏.‏)

3 ( وأحصيت المساجد التي لا غلة لها فكانت ثمانمائة مسجد ونيف فأطلق لهافي كل شهر تسعة آلاف ومائتا درهم وعشرون درهما لكل مسجد اثنا عشر درهما‏.‏ ) ( وأنزل إلى جامع ابن طولون ثمانمائة مصحف وأربعة عشر مصحفا‏.‏وأبطلت مكوس الحسبة وأذن للناس بالتأهب للحج في البر والبحر‏.‏ )

4 ـ ومنع الناس من عمل حزن عاشوراء‏.‏

5 ـ  ( ومُنع الناس من سَب السلف وضرب في ذلك وشهر . ) وتفصيل فى هذه الرواية : ( ومنع الناس من سب السلف وضرب في ذلك رجل وشهر ونودي عليه‏:‏ هذاجزاء من سب أبا بكر وعمر وتبرأ الناس‏.‏ فشق هذا على كثير من الناس وتجمعوا يستغيثون وهم يستغيثون في الطرقات‏.‏ فقرئ سجل بالقصر فيه الترحم على السلف من الصحابة والنهي عن الخوض في مثل ذلك‏.‏ ورأى في طريقه وقد ركب لوحاً فيه سب على السلف فأنكره ووقف حتى قلع‏.‏ وتتبع الألواح التي فيها شيء من ذلك فقلعت كلها ومحى ما كان على الحيطان منها حتى لم يبق لها أثر‏.‏ وشدد في الإنكار على من خالف ذلك ووعد عليه بالعقوبة‏.‏  )

 أوامر ونواهى تشريعية غريبة

( في محرم ختم على مخازن العسل وجميع ما عند التجار والباعة منه ورفعتمكوس الساحل‏.‏ وغرق في أربعة أيام خمسة آلاف وواحد وخمسون زيراً من أزيال العسل‏.‏ ) ( وقبض على جماعة بسبب اللعب بالشطرنج وضربوا وحبسوا‏.‏ ) ( وفي جمادى الآخرة اشتد الإنكار بسبب الفقاع والزبيب والسمك‏.‏ ) ( وتشدد في منع ذبح الأبقار السالمة من العيب ومنع النساء من الغناء والنشيد‏.‏ ) ( وضرب جماعة بسبب اللعب بالشطرنج )

القتل

الحاكم يشعر بالندم لأن أحد القادة مات دون أن يقتله الحاكم : ( وهلك زرعة بن عيسى بن نسطورس من علته في ثاني عشره فكانت مدة نظرهفي الوساطة سنتين وشهرا فتأسف الحاكم على فقده من غير قتل وقال ما أسفت على شيء قط أسفي على خلاص ابن نسطورس من سيفي وكنت أود ضرب عنقه لأنه أفسد دولتي وخانني ونافق علي وكتب إلى حسان بن الجراح في المداجاة علي وأنه يبعث من يهرب به إليه‏.‏) وتناقض هذا مع ما فعله مع أخوة هذا الرجل : (  وخلع على إخوته الثلاثة وأقروا على ما بأيديهم من الدواوين‏.‏ )

( وقبض على جماعة فاعتقلوا وأمر بضرب أعناقهم ثم أطلقوا‏.‏)

الرعب والأمان

( وكثر ابتياع الناس للسيوف والسكاكين والسلاح وحمله من لم يحمله قطمن العوام والصناع وكثر الكلام فيه فقرئ سجل على منابر الجوامع بتطمين الناس وإعراضهم عن سماع أقوال المرجفين‏.‏ )

إضطهاد النصارى

( وأمر النصارى إلا الحبابرة بلبس العمائم السود والطيالسة السود وأنيعلق النصارى في أعناقهم صلبان الخشب ويكون ركب سروجهم من خشب ولا يركب أحد منهم خيلا وأنهم يركبون البغال والحمير وألا يركبوا السروج واللجم محلاةً وأن تكون سروجهم ولجمهم بسيور سود وأنهم يشدون الزنانير على أوساطهم ولا يستعملون مسلما ولا يشترون عبدا ولا أمة . وأذن للناس في البحث عنهم وتتبع آثارهم في ذلك فأسلم عدة من النصارى الكتاب وغيرهم‏.‏ وشدد الأمر عليهم ومنع المكاريون من تركيبهم وأخذوا بتسوية السروج والخفاف ومنعوا من ركوب النيل مع نواتية مسلمين‏.‏ ) ( وفيه أمر النصارى بعمل ركب السروج من خشب الجميز‏.‏ وألزم النصارى أن يكون الصليب الذي في أعناقهم طوله ذراع في مثله وكثرت إهاناتهم وضيق عليهم وأمروا أن تكون زنة الصليب خمسة أرطال وأن يكون فوق الثياب مكشوفا ففعلوا ذلك‏.‏ ولما اشتدت عليهم الأمور تظاهر كثير منهم بالإسلام فوقع الأمر بهدم الكنائس وأقطعت بجميع مبانيها وبمالها من رباع وأراض لجماعة وعملت مساجد وأذن في بعضها وبيعت أوانيها‏.‏ ووجد في المعلقة بمصر وفي كنيسة بو شنوده مال جزيل من مصاغ وثياب وغيره‏.‏ ) ( وتتابع هدم الكنائس وكتب إلى الأعمال بهدمها فهدمت‏.‏

وأقطعت الكنائس والديارات بنواحي بمصر لكل من التمسها‏.‏)( وفي ثاني ربيع الأوّل منها هلك عيسى بن نسطورس فأمر النصارى بلبس السواد وتعلق صلبان الخشب في أعناقهم وأن يكون الصليب ذراعًا في مثله وزنته خمسة أرطال وأن يكون مكشوفًا بحيث يراه الناس ومُنعوا من ركوب الخيل وأن يكون ركوبهم البغال والحمير بسروج الخشب والسيور السود بغير حلية وأن يَسدّوا الزنانير ولا يستخدموا مسلماَ ولا يشتروا عبدًا ولا أمة وتتبعت آثارهم في ذلك فأسلم منهم عدّة. )( وهُدمت الكنائس وأخذ جميع ما فيها ومالها من الرباع وكتب بذلك إلى الأعمال فهدمت بها . )

تناقض فى إحسانه للناس :

1 ـ إختلط بالناس يأخذ منهم الشكاوى ( القصص ) ، تقول الرواية : ( وأخذ القصص بيده ووقف لأهلها وسمع كلامهم وخالطه العوام وحالوا بينهوبين موكبه‏.‏ )

 2 ـ ( وكثرت إنعامات الحاكم فتوقف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان في إمضائها فكتب إليه الحاكم بخطه بعد البسملة الحمد للّه كما هو أهله‏:‏ أصبحتُ لا أرجو ولا أتقي إلاّ إلهي و له الفضل جدي نبي وإمامي أبي ودينيَ الإخلاصُ والعدل المال مال الله عز وجل والخلق عباد اللّه ونحن أمناؤه في الأرض أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها والسلام )

3 ـ ( واستماحه قوم فوصلهم بصلات كثيرة ، وأهدى إليه قوم مصاحف فقبلهاوأجازهم عليها‏.‏ ووقف عليه اثنان من تربة عمرو بن العاص وشكوا أن حبسهما قبض عليه للديوان من أيام العزيز فخلع عليهما ووصلهما بألف دينار‏.‏ وكثرت في هذا الشهر إنعاماته فتوقف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان في ذلك فكتب إليه الحاكم بخطه بعد البسملة‏:‏ الحمد لله كما هو أهله‏.‏ أصبحت لا أرجو ولا أتقي سوى إلهي وله الفضل جدّي نبيّي وإمامي أبي وديني الإخلاص والعدل المال مال الله عز وجل والخلق عباد الله ونحن أمناؤه في الأرض‏.‏ أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها والسلام‏.‏ وكان يركب كل ليلة بعد المغرب‏.‏ ووقف إليه خراساني يذكر أنه أخذ منه متاع برسم الخزانة ولم يدفع إليه ثمنه فدفع إليه جميع ما كان له وهو نحو خمسة آلاف دينار فشق به البلد وكثر الدعاء للحاكم‏.‏  ونزع السعر وكثر الازدحام على الخبز ففرق الحاكم مالاً على الفقراء‏.‏) .

الصلاة الشيطانية للخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله ( 6 )

من عام 404 الى مقتله عام 411

إزداد التناقض فى تشريعات الخليفة الفاطمى الحاكم ، وإزداد خروجه على ثوابت الدين الشيعى ، ومنه أن جعل ابن عمه ولى العهد وإزداد كرمه مع الناس وعطاياه مع تمسكه بإضطهاد أهل الكتاب وإستمرار التشريعات فى تحريم الفقاع والقراميط وخروج النساء ، وأضاف تشريعات جديدة ، هذا مع إدمانه الخروج راكبا حمارا وبهيئة لا تليق . لذا تخلصت منه اخته ست الملك بالقتل حرصا على الدولة الفاطمية ودينها الشيعى . ونعطى مختارات مما جاء فى تاريخه فى سنواته الأخيرة.

عام 404

الصلاة

( وفي رمضان صلى بالناس في الجوامع الأربعة‏:‏ جامع القاهرة والجامعخارج باب الفتوح وجامع عمرو وجامع راشدة . وتصدق بأموال كثيرة . وركب لصلاة الجمعة بجامع القاهرة فازدحم الناس عليه بعد ركوبه من الجامع إلى القصر فوقف لهم وأخذ رقاعهم وحادثهم وضاحكهم فلم يرجع إلى القصر من كثرة وقوفه ومحادثته العوام إلى غروب الشمس ووقع صلات كثيرة‏.‏ ). هنا هو يصلى الجمعة فى مسجد عمرو بن العاص .

( ‏وفي يوم النحر ركب عبد الرحيم بالعساكر إلى المصلى فصلى بالناس وخطب ونحر بالمصلى وبالملعب ولم يعمل سماط بالقصر‏.‏ ) ولى العهد ابن عم الخليفة يصلى بالناس فى المصلى .

( وركب لصلاة العيد بغير زي الخلافة ومظلته بيضاء وعبد الرحيم يسايرهوهو حامل الرمح الذي من عادة الخليفة حمله وأصعده معه المنبر ودعا له‏.‏ ) الخليفة يصلى العيد بغير الزى الرسمى ومعه على المنبر ولى العهد .

المسجد

( وأقيم عبد الرحيم بن الياس وليّ العهد . وأمر أن يُقال في السلام عليه السلام على ابن عمّ أمير المؤمنين ووليّ عهد المسلمين وصار يجلس بمكان في القصر)

فى المسجد كان التنصيب الرسمى لولى العهد : ( ودعا فوق المنابر بنفسهلعبد الرحيم بن إلياس فقال‏:‏ اللهم استجب منى في ابن عمي وولي عهدي والخليفة من بعدي عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي بالله أمير المؤمنين كما استجبت من موسى في أخيه هرون‏.‏ ) التفاصيل فى هذه الرواية : ( وفيه جمع سائر الناس على اختلافهم بالقصر وقرئ عليهم سجل بأن أبا القاسم عبد الرحيم بن إلياس بن أبي علي بن المهدي بالله أبي محمد عبيد الله قد جعله الحاكم بأمر الله ولي عهد المسلمين في حياته والخليفة بعد وفاته وأمر الناس بالسلام عليه وأن يقولوا له في سلامهم عليه‏:‏ السلام على ابن عم أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين وتعين له محل يجلس فيه من القصر‏.‏ ثم قرئ السجل على منابر البلد وبالإسكندرية وبعث بذلك سجلاً إلى إفريقية فقرئ بجامع القيروان وغيره وأثبت اسمه مع اسم الحاكم في البنود والسكة والطراز‏.‏

فعظم ذلك على نصير الدولة أبي مناد باديس وقال‏:‏ لولا أن الإمام لايعترض عليه في تدبير لكاتبته ألا يصرف هذا الأمر وخلع على عبد الغني بن سعيد ودفع له ألف وخمسمائة دينار وخمس عشرة قطعة ثياب وحمل على بغلة ولرفيقه مثل ذاك‏.‏ )

( ونزل الذين عادتهم النزول في يوم عاشوراء إلى القاهرة من المنشدينوغيرهم أفراداً غير مجتمعين ولا متكلمين فما اجتمع اثنان في موضع‏.‏ ) أى منع الاحتفال بعاشوراء

إضطهاد أهل الكتاب

( في محرم أمر ألا يدخل يهودي ولا نصراني الحمام إلا ويكون مع اليهوديجرس ومع النصارى صليب‏.‏)

(  وفي سنة أربع وأربعمائة ألزم اليهود أن يكون في أعناقهم جرس إذا دخلوا الحمام وأن يكون في أعناق النصارى صلبان . ) ( وأمر اليهود والنصارى بالخروج من مصر إلى بلاد الروم وغيرها ).

تشريعات غريبة ومتناقضة 

نوردها على الترتيب ونترك للقارى التعجب من التناقض بينها :

( ونهى عن الكلام في النجوم فتغيب عدة من المنجمين وبقي منهم جماعةوطردوا وحذر الناس أن يخفوا أحداً منهم فأظهر جماعة منهم التوبة فعفى عنهم وحلفوا ألا ينظروا في النجوم‏.‏ )

( وأمر بغلق سائر الدواوين وجميع الأماكن التي تباع فيها الغلالوالفواكه وغيرها ثلاثة أيام من آخر حزن عاشوراء فلما كان يوم عاشوراء أغلقت سائر حوانيت مصر والقاهرة بأسرها إلا حوانيت الخبازين‏.‏ )

( وأكثر الحاكم في هذا الشهر من الصدقاتوإعطاء الأموال الكثيرة جدا‏.‏ )

( وأعتق سائر مماليكه وجواريه‏.‏)

( وبلغ الحاكم أن أبا القاسم علي بن أحمد الزيدي النقيب عليه عشرونألف دينار فوقع له بها مما عليه من الخراج وبعث له بثلاثة آلاف دينار أخرى‏.‏)

( وكثر ركوب الحاكم وهو بدراعة صوف وبيضاء وعمامة فوطة وفي رجله حذاءعربي بقبالين فأقبل الناس إليه بالرقاع ما بين متظلم أو مستمنح فأجزل في الصلات والعطايا ما بين دور ودراهم وثياب فلم يرد أحد خائبا‏.‏ )

( ورد ما كان في الديوان من الضياع والأملاك المأخوذة لأربابها وأقطعكثيرا من الناس عدة آدر‏.‏

وفي ربيع الأول بسط الحاكم يده بالعطاء‏.‏)

( وقتل الكلاب فقتلت بأجمعها)

( وأبطل مكس الرطب ومكس دار الصابون ومبلغه ستة عشر ألف دينار وأطلق أموالا جزيلةللصدقة‏.‏ )

( ونزل ليلة النصف من شعبان إلى القرافة ومشى فيها وتصدق بشيء كثيروأبطل عدة جهات من جهات المكس‏.‏ )

( ومنع النساء أن يخرجن إلى الطرقات في ليل أو نهار سواء أكانت المرأةشابةً أم عجوزاً فاحتبسن في بيوتهن ولم تر امرأة في طريق . وأغلقت حماماتهن . وامتنع الأساكفة من عمل خفاف النساء وتعطلت حوانيتهم‏.‏ )

( وفي سادس عشره وقع في الناس خوف وفزع من شناعة القول وكثرة إشاعتهبأن السيف قد وقع في الناس فتهارب الناس وغلقت الحوانيت فلم يكن سوى القلب‏.‏ )

( وضرب قوم خالفوا النهي عن بيع الملوخية والسمك الذي لا قشر لهوشهروا‏.‏ )

( وضرب كثير من النساء من أجل خروجهن من البيوت وحبسن‏.‏)

( وقرئ سجل بالمنع من تفتيش المسافرين في البحر والبر والنهي عنالتعرض‏.‏ )

 ( ومنع من عادته الطواف في الأعياد بالأسواق لأخذ الهبات من الرجالةوالبواقين‏.‏)

( ولم يعمل في القصر سماط ولا رؤيت امرأة ولا أبيع شيء مما عادته يباعفي الأعياد من اللعب والتماثيل‏.‏ )

( واشتد الأمر في منع النساء من الخروج وحبس عدة عجائز وخدم وجدن فيالطرقات‏.‏ )

( وقرئ سجل بأن كل من كانت له مظلمة فليرفعها إلى ولي العهد فجلس عبدالرحيم ورفعت إليه الرقاع فوقع عليها‏.‏ )

( وواصل الحاكم الركوب في العشايا‏.‏)

( واصطنع خادما وكاتبا أسود كناه بأبي الرضا سعد وأعطاه من الجواهروالأموال ما يجل وصفها وأقطعه إقطاعات كثيرة فقصده الناس لحوائجهم ولزموا بابه لمهماتهم فتكلم لهم مع الحاكم فلم يرد سؤاله في شيء‏.‏ وكان مما يسأل فيه إقطاعات للناس تتجاوز خمسين ألف دينار‏.‏ )

أفظع تناقض :

وقع ضحية تناقض الحاكم فى هذا العام إثنان هما ( الجرجائى ) . أمر الحاكم بقطع يديه هذا العام 404 . وكان الجرجائى كاتبا للقائد (غين ) . وكان الحاكم قد قطع يد القائد ( غين ) عام 401 ، ثم بعد قطع يدى الجرجرائى باسبوعين أمر الحاكم بقطع اليد الأخرى للقائد ( غين ) قطع يده الأخرى فصار القائد (غين ) مقطوع اليدين . ثم أنعم عليه الحاكم وأمر بمداوته ، ثم أمر بقطع لسانه . ثم جعله يسير فى موكب عظيم للقصر..!! تقول الروايات : ( وفي ثامن عشر ربيع الآخر أمر الحاكم بقطع يدي أبي القاسم أحمد بنعلي الجرجرائي فقطعتا جميعاً وهو يومئذ كاتب قائد القواد غين‏.‏ ) ( وفي ثالث جمادى الأولى قطعت يد غين بعد قطع يد كاتبه الجرجرائي بخمسة عشر يوماً وكانت يده الأخرى قد قطعت قبل ذلك بثلاث سنين وشهر فصار مقطوع اليدين‏.‏ ثم إن الحاكم بعث إليه بآلاف من الذهب وعدة أسفاط من الثياب وأمر بمداواته‏.‏  فلما كان في ثالث عشره أمر بقطع لسان غين فقطع‏.‏  وفى رجب  ركب قائد القواد غين إلى القصر في موكب عظيم فخلع عليه‏.‏) ( وفي ربيع الآخر أمر بقطع يدي أبي القاسم الجرجانيّ وكان يكتب للقائد غين ثم قطع يد غين فصار مقطوع اليدين وبعث إليه الحاكم بعد قطع يديه بألف من الذهب والثياب ثم بعد ذلك أمر بقطع لسانه فقُطع‏.‏)..

عام 405

قتل

( وفي سنة خمس وأربعمائة قتل مالك بن سعيد الفارقي في ربيع الآخر وكانت مدّة نظره في قضاء القضاة ست سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام وبلغ إقطاعه في السنة خمسة عشر ألف دينار .) ( وفي جمادى الآخرة منها قُتِل الحسين بن طاهر الوزان فكانت مدّة نظره في الوساطة سنتين وشهرين وعشرين يومًا فأمر أصحاب الدواوين بلزوم دواوينهم ) ( وقتل ابني أبي السيد فكانت مدّة نظرهما اثنتين وستين يومًا وقلد الوساطة فضل بن جعفر بن الفرات ثم قتله في اليوم الخامس من ولايته. )

عام 407

الصلاة والمسجد

( وفي يوم الجمعة رابع رمضان ركب ولي العهد فصلى بالجامع الأنورالجديد بباب الفتوح في موكب الخلافة ثم صلى جمعة أخرى بجامع القاهرة ثم جمعتين بالجامع الجديد‏.‏)

( وركب ولي العهد يوم الفطر في موكب الخلافة وصلى بالناس في المصلىوخطب‏.‏ )

( ومنع مؤذنو القصر وجامع القاهرة من قولهم بعد الأذان‏:‏ السلام علىأمير المؤمنين وأن يقولوا بعد الأذان‏:‏ السلام من الله‏.‏ )

( واستمر على مواصلة الركوب إلى ليلة النحر قرب العشاء وشق البلدوالطرادون يفرقون الناس عنه‏.‏

وصلى ولي العهد صلاة عيد النحر ولم يضح بشيء ونهى الناس عن ذبحالبقر‏.‏ )

تناقضات

( في المحرم تزايد وقوع النار وكثر الحرق فيالأماكن فأمر الناس باتخاذ القناديل على الحوانيت وعلى أريافها وطرحت السقائف والرواشن )

( وأمر بقتل الكلاب فقتل منها كثير‏.‏)

( وعظم الحريق ووقعت في أمره شناعات من القول فقرئ سجل في الجوامعبزجر السفهاء والكف عن أحوال تفعل وأن يدخل الناس إلى دورهم من بعد صلاة العشاء‏.‏ فأغلقت الدور والحوانيت والدروب من بعد صلاة المغرب وكثر الكلام وعظم الترحم في الليل‏.‏ )

( وفيه ركب الحاكم مرتين فرفعت إليه الرقاع فأمر برافعيها فحبسوا‏.‏)

( وحبس عدة قياسر وأملاك مع سبع ضياع بإطفيح وطوخ على القراءوالمؤذنين بالجوامع وعلى ملء المصانع والمارستان وثمن الأكفان‏.‏ )

( وفي ربيع الأول واصل الركوب وأخذ الرقاع ووقف مع الناس طويلا . ثمامتنع من أخذ الرقاع وأمر أن ترفع إلى عبد الرحيم وإلى القاضي مالك وإلى أمين الأمناء فتناولوا الرقاع‏.‏ )

( وفي جمادى الأولى رد الحاكم على بني عمرو بن العاص حبس جدهم عمرو بنالعاص ) . هذا خروج على ثوابت الدين الشيعى الذى يلعن عمرو بن العاص .

( وتزايد ركوب الحاكم حتى كان يركب في اليوم الواحد عدة مرات وعظمتهباته وعطياته‏.‏ )

( ثم أمر بابتياع الحمير وصار يركبها من تحت السرداب إلى باب البستانإلى المقس ويغلق الأبواب التي يتوصل منها إلى المقس وقت ركوبه ومنع الناس من الخروج إلى هذه المواضع‏.‏ )

( وفي جمادى الآخرة  ....وركب الحاكم بصوف أبيض وعمامة مفوطة بمظلة مثلهاوولي العهد يسايره وعليه ثوب مثقل ومعهم الجواهر‏.‏ )

( واعتل الحاكم أياما فركب على حمار بشاشية مكشوفة وأكثر من الحركة فيالعشيات إلى المقس والتعدية إلى الجيزة وهو على الحمار‏.‏ ) ( وأكثر من الركوب في النيل‏.‏ ) ( وواصل الركوب في كل غداة وهو على الحمار‏.‏ ) ( وأكثر الحاكم فيه من الركوب فركب في يوم واحد ست مرات تارة على فرس وأخرى على حمار ومرة في محفة تحمل على الأعناق ومرة في عشارى في النيل بشاشية لا عمامة عليها‏.‏ ‏)

( وفيه كثرت صلات الحاكم ومواهبه وإقطاعاته للناس حتى خرج في ذلك عنالحد‏.‏

وخرج الحاكم عن المعهود في العطاء والإقطاعات حتى أقطع النواتيةالذين يجدفون به في العشاري وأقطع المشاعلية وكثيرا من الوجوه والأقارب وبني قرة فكان مما أقطع الإسكندرية والبحيرة ونواحيها‏.‏ )

 ( وقرئ سجل بأن يكون ما يرفعه الناس من حوائجهم في ثلاثة أيام يومالسبت للكتاميين والمغاربة ويوم الاثنين للمشارقة ويوم الخميس لسائر الناس كافة وأن يتجنبوا لقاء أمير المؤمنين ليلاً ونهاراً بالرقاع فما يتعلق بالمظالم فإلى ولي العهد وما يتعلق بالدعاوى فإلى قاضي القضاة وما استصعب من ذلك ينتهي إلى أمير المؤمنين‏.‏ )

( وتشدد الأمر في منع النساء من الخروج في الطرقات ومن التطلع فيالطيقان بأسرهن شبابهن وعجائزهن‏.‏ )

قتل

( وأكثر من فلما كان يوم السبت سادس عشري ربيع الآخر ركب في الليل علىرسمه إلى الجب وتلاحق به الناس وفيهم قاضي القضاة مالك بن سعيد فلما أقبل على الحاكم أعرض عنه فتأخر وإذا بصقلبي يقال له غادى يتولى الستر والحجية أخذه وسار به إلى القصور وألقاه مطروحا بالأرض فمر به الحاكم وأمر بمواراته فدفن هناك بثيابه وخفيه‏.‏ وكانت مدة نظره في الأحكام عشرين سنة منها ست سنين وتسعة أشهر قاضي القضاة وباقيها خلافة لبني النعمان‏.‏ )

 ( وبلغ الحاكم أن ثلاثة من الركابية أخذوا هبة منالرسول فأمر بقتلهم فقتلوا من أجل ذلك‏.‏ )

( وفي جمادى الآخرة ركب الحاكم ومعه أمين الأمناء الحسين بن طاهرالوزان على رسمه فلما انتهى إلى حارة كتامة خارج باب القاهرة أمر فضربت رقبة ابن الوزان ودفن مكانه‏.‏ فكانت مدة نظره في الوساطة سنتين وشهرين وعشرين يوما وكان توقيعه عن الحاكم‏:‏ الحمد لله وعليه توكلي‏.‏ وتقدم الأمر لسائر أرباب الدواوين بلزوم دواوينهم‏.‏

( وفي نصفه قتل ابنا أبي السيد حسين وعبد الرحيم ضربت أعناقهما بالقصرفكانت مدة نظرهما اثنين وتسعين يوما‏.‏ )

( وفي سابع عشره تقلد أبو العباس فضل بن جعفر بن الفرات الوساطة ولميخلع عليه فجلس ووقع ثم قتل في اليوم الخامس من جلوسه‏.‏ )

سنة 408

شهد هذا العام الدعوة الدرزية لتأليه الحاكم

( قدم مصر داع عجمي اسمه محمد بن اسماعيل الدرزي واتصل بالحاكم فأنعمعليه‏.‏ ودعا الناس إلى القول بإلهية الحاكم فأنكر الناس عليه ذلك ووثب به أحد الأتراك ومحمد في موكب الحاكم فقتله وثارت الفتنة فنهبت داره وغلقت أبواب القاهرة‏.‏ واستمرت الفتنة ثلاثة أيام قتل فيها جماعة من الدرزية وقبض على التركي قاتل الدرزي وحبس ثم قتل‏.‏ ثم ظهر داع آخر اسمه حمزة بن أحمد وتلقب بالهادي وأقام بمسجد تبر خارج القاهرة ودعا إلى مقالة الدرزي وبث دعاته في أعمال مصر والشام وترخص في أعمال الشريعة وأباح الأمهات والبنات ونحوهن وأسقط جميع التكاليف في الصلاة والصوم ونحو ذلك‏.‏ فاستجاب له خلق كثير فظهر من حينئذ مذهب الدرزية ببلاد صيدا وبيروت وساحل الشام . ) ولا تزال الديانة الدرزية حتى الان فى لبنان و فلسطين ( واسرائيل ).

سنة   409

العجب العُجاب

(  وأكثر الحاكم من الركوب فركب في يوم ستة مرّات مرّة على فرس ومرّة على حمار ومرّة في محفة تحمل على الأعناق ومرّة في عشاري في النيل بغير عمامة )

التخلص من ولى العهد : ( وولى عبد الرحيم بن الياس دمشق فسار إليها في جمادى الاَخرة سنة تسع وأربعمائة فأقام فيها شهرين ثم هجم عليه قوم فقتلوا جماعة ممن عنده وأخذوه في صندوق وحملوه إلى مصر ثم أعيد إلى دمشق فأقام بها إلى ليلة عيد الفطر وأخرج منها‏. ) وهذه الرواية تعطى تفصيلا : ( وفيها عزل الحاكم سديد الدولة عن دمشق ووليها عبد الرحيم بن إلياسوسار إليها لعشرين من جمادى الآخرة فبينما هو قصره إذ هجم عليه قوم ملثمون فقتلوا جماعةً من غلمانه ثم أخذوه ووضعوه في صندوق وحملوه إلى مصر‏.‏ فلم يكن بها أكثر من شهرين ثم أعيد إلى دمشق فأقام بها ليلة العيد‏.‏ وورد من مصر رجل يقال له أبو الداود المغربي ومعه جماعة وأخرجوا عبد الرحيم وضربوا وجهه وأصبح الناس يوم العيد وليس لهم من يصلي بهم‏.‏ وعجب الناس من هذه الأمور‏.‏ )

ثم التخلص من الزير ابن فلاح : (  في آخر شوال ركب الوزير علي بن جعفر بن فلاح إلى البرك التي قبلالخليج خارج القاهرة فثار عليه فارسان فأخذه أحدهما فألقاه وفرا فلم يعرف خبرهما وحمل إلى داره فمات من الأخذ‏.‏ )

 بعدها كان التخلص من الخليفة الحاكم نفسه عام 411 .

الفصل التاسع عشر : الصلاة الشيطانية فى الدولة المملوكية 

 مقدمة :

1 ـ كان مستغربا أن يحكم المماليك ( وهم رقيق سابقا) مصر ويمتد ملكهم الى حدود العراق وجنوب آسيا الصغرى مع الحجاز . المعارضة الكبرى بدأت من مصر ضد عز الدين أيبك أول سلطان مملوكى. لم يرض المصريون أن يحكمهم مماليك الأيوبيين . يقول المؤرخ المملوكى جمال الدين أبو المحاسن ( إبن تغرى بردى ) فى تاريخه ( النجوم الزاهرة ) : ( أن أهل مصر لم يرضوا بسلطان مسه الرق , وظلوا إلى أن مات السلطان أيبك وهم يسمعونه ما يكره حتى في وجهه إذا ركب في الطرقات ) ولذا اشتد هذا السلطان فى فرض هيبته على المصريين .  يقول المقريزى في حوادث سنة 648هـ التى شهدت قيام الدولة المملوكية البحرية : ( وفيها كثر ضرر المماليك البحرية بمصر، ومالوا على الناس ، وقتلوا ونهبوا الأموال وسبوا الحريم ، وبالغوا في الفساد حتى لو حكم الفرنج ما فعلوا فعلهم)، أى لو حكم الصليبيون مصر فإنهم- فى رأي المقريزى- لن يظلموا المصريين بالقدر الذى فعله بهم المماليك المسلمون.ويقول المقريزى في ترجمة للسلطان أيبك أول سلطان مملوكى (وكان ملكاً حازماً شجاعاً سفاكاً للدماء، قتل خلقاً كثيراً، وشنق عالماً من الناس بغير ذنب ليوقع في القلوب مهابته، وأحدث مظالم ومصادرات عمل بها من بعده) .أى أن السلطان أيبك استن سنة سيئة عمل بها خلفاؤه المماليك هى القسوة المتناهية فى قهر المصريين حتى لا يثوروا .

 2 ـ تصدى المماليك للمغول وهزموهم فى معركة عين جالوت 658 ، وتصدووا للصليبيين حتى إستأصلوا شافتهم باستيلاء الاشرف خليل بن قلاوون على عكا ثم صور وبيروت وانطرطوس وعثيلت وارواد ، وأنهي المماليك بذلك الحروب الصليبية التي بدأت قبلهم بنحو قرن ونصف القرن وخلصت لهم سيطرتهم على الشام .

 3 ـ وقع على كاهل السلطان الظاهر بيبرس عبء توطيد الدولة المملوكية ، وهو الذى أرهق الصليبيين بغاراته وارهق أيضا المغول حكام العراق. ولكنه فيما يخص موضوعنا أسّس الشرعية الدينية للدولة المملوكية بنقل الخلافة العباسية الى القاهرة ليكون الخليفة العباسى هو الذى يعقد شرعية السلطان المملوكى حين يتولى السلطة ، وبتأسيس المذاهب الأربعة وقضاتها السنيين ، وبناء المساجد . ونتوقف ببعض التفصيل :

أولا : إقامة الخلافة العباسية فى القاهرة بعد إحتلال المغول بغداد والعراق:

1 ـ لم ينس المماليك أن آخر خليفة عباسى فى بغداد إعترض على تولية شجرة الدر السلطنة بعد موت السلطان الصالح أيوب وهزيمة الحملة الفرنسية التى قادها لويس التاسع. لم يشفع عند الخليفة العباسى أسر لويس التاسع وإبادة جيشه بقيادة شجرة الدر والمماليك الذين إختاروها سلطانة فبعث يتندر إن كانت مصر قد خلت من الرجال. وتحاشيا لإغضابه والرأي العام معه فقد تم حل المشكلة بأن تتزوج من أيبك الداودار ، وتقاسما السلطة وصارت شجرة الدار تحكم ولكن من وراء ستار.

2 ـ دعا الظاهر بيبرس أحد أقارب الخليفة العباسي الذى قتله المغول عام 658 ونصبه خليفة في القاهرة . إلا أن بيبرس تخوف من الخليفة الجديد فحجر عليه ثم قرر أن يتخلص منه فبعثه بجيش صغير ليحارب المغول فهزم وقتل ، وعين آخر محله .

واقتصر دور الخليفة على مبايعة كل سلطان ، أى مجرد ( مأذون شرعى ) يقوم بعقد الشرعية السنية على السلطان المملوكى. بل كان الخليفة العباسى يعطى مشروعية دينية للحكام خارج الدولة المملوكية ، فقد جاء سفير ملك الهند يطلب من الخليفة العباسى بالقاهرة ومن السلطان قايتباى تقليداً له بالحكم  ، وفق ما ذكره المؤرخ ابن الصيرفى فى كتابه ( إنباء الهصر فى أنباء العصر ). 

3 : كان الخليفة العباسى الأول فى الترتيب الرسمى قبل السلطان نفسه، ومع ذلك لم يكن للخلفاء العباسيين فى دولة المماليك نفوذ. والسيوطي عاصر السلطان قايتباى وكان صديقا للخليفة العباسى فى القاهرة، وفى كتابه ( تاريخ الخلفاء ) أفرد جزءا للتأريخ للخلفاء العباسيين فى القاهرة . وفي حديثه عن علو شأن الخلافة العباسية في بغداد حتى مع ضعف سلطة الخليفة فى العصر العباسى الثانى قال السيوطى يتحسّر عن حال الخلفاء العباسيين في القاهرة:( وقد صار الأمر في زماننا إلى أن الخليفة يأتى السلطان يهنئه برأس الشهر، فأكثر ما يقع من السلطان في حقه أن ينزل عن مرتبته ويجلسا معاً خارج المرتبة، ثم يقوم الخليفة يذهب كأحد الناس ، ويجلس السلطان في دست مملكته. وقد حُدّثت أن السلطان الأشرف برسباى لما سافر إلى آمد لقتال العدو وصحب الخليفة معه كان الخليفة راكباً أمامه، يحجبه،( أى يعمل حاجباً أمامه)، والهيبة والعظمة للسلطان، والخليفة كأحد الأمراء الذين في خدمة السلطان.).

ويتفق معه المؤرخ ابن الصيرفى الذى يقول عن الخليفة العباسى فى عهده وهو ( المستنجد ) : ( ليس له في الخلافة إلا الإسم.)،.كان مجرد رمز تكتمل به ملامح  الدولة الدينية للنظام المملوكي. أما السلطان المملوكى فهو الحاكم الفعلي الذى يقود الجيش ويمثل السلطة الزمنية السياسية ويحيط عنقه بقلادات السلطة الدينية .

4 ـ وبها أصبحت الرموز الدينية للدين الأرضى السائد خدما للسلطان . ونستشهد بالمؤرخ ابن الصيرفى الذى كان معاصرا لما يسجله من أحداث فى تاريخه (إنباء الهصر ) يقول عن أحداث يوم السبت أول ربيع الثاني 877: ( صعد فيه قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وكان يتقدمهم أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو العز عبد العزيز دام شرفه، فهنأه بالشهر، ثم دخل القضاة بعد أن جلسوا طويلاً بجامع الناصر ابن قلاوون ينتظرون الأذن، فإن السلطان نصره الله كان يلعب بالكرة هو والأمراء المتقدمون ، فلما فرغوا جلس بالحوض السلطانى تحت الدكة ، وكنت معهم ، فهنّوا ودعوا وانصرفوا ، ولم يتكلم أحد منه ببنت شفة". ) . الخليفة العباسى ( يصعد ) الى السلطان ليهنئه بأول الشهر العربى ( كالعادة ). ومعه القُضاة وضمنهم المؤرخ القاضى ابن الصيرفى . 

ثانيا : تأسيس النظام القضائى السُنّة بالمذاهب الأربعة

1 ـ يقول المقريزى عن السلطان الظاهر بيبرس : ( .. فلما كانت سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ ولي بمصر والقاهرة أربعة قضاة وهم شافعيّ ومالكيّ وحنفيّ وحنبليّ‏. ) وصار هذه سُنّة متبعة تٌام لها دور العبادة بأنواعها من مساجد ومؤسسات صوفية كالخوانق والزوايا والأربطة ، ومن يخرج عن هذا يتعرض للعداء كخارج عن الدين. يقول المقريزى : ( فاستمرّ ذلك من سنة خمس وستين وستمائة حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة وعقيدة الأشعريّ ، وعُملت لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الإسلام ، وعُودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه ، ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ولا قدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدًالأحد هذه المذاهب ، وأفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها والعمل على هذا إلى اليوم.) هذا ما قاله المقريزى ، وهو الحال حتى اليوم.  

2 ـ كان القضاء في العصر المملوكي نوعين: قضاء شرعى وقضاء سياسي. والقضاء الشرعى يرأسه القاضى الشافعي الذى يعين نوابا عنه في الأقاليم المصرية يقوم كل منهم بوظيفة القاضى في بلد، ويقوم القضاة الأحناف والمالكية والحنابلة بتعيين نواب عنهم أيضاً ولكن يقف القاضى الشافعي في المقدمة على رأس الهيئة القضائية الشرعية، ويختص إلى جانب ذلك بالنظر في أمر الأيتام والأوقاف وبيت المال، ثم هو خطيب الجامع الأعظم بالقلعة.وعدد نواب القضاة في الأقاليم أكثر من مائتى نائب أو قاض للحكم فى منطقته المحلية، وكل قاض منهم لقبه نائب أى ينوب عن قاضى القضاء في المنطقة التى بها المحكمة الشرعية. كان القضاء جزءا من الدولة المملوكية ، وكانوا يصعدون مع الخليفة العباسى الى السلطان يهنئونه بمقدم الشهر العربى. كما سبقت الإشارة اليه. وهم بهذا يمثلون خضوع الدين السنى للسلطان المملوكى.

3 ــ وكان السلطان المملوكى العسكرى مؤلها ، فقد كان من الطقوس الدينية، أو من المراسيم المملوكية وقواعد البروتوكول أن يسجد الناس أمام السلطان المملوكي أو أن يقبلوا الأرض بين يديه. كان الجميع يفعلون ذلك من الخليفة العباسى إلى القضاة الأربعة وسائر الأمراء. وكان التعبير المعتاد أن يقال أن فلاناً "صعد" إلى القلعة وقبّل الأرض بين يدى السلطان . وكلمة "صعد" كانت تتكرر في وصف أى زيارة يقوم بها أى شخص للسلطان لتوحي بتقديس السلطان وتأليهه، يقول ابن الصيرفي عن الأتابك أزبك قائد الجيش:( وصعد القلعة بعد عصر يومه المذكور، فقبّل الأرض.)،ويتكرر مع وصف السلطان بعبارات دينية مثل(المواقف الشريفة شرّفها الله وعظّمها ،) ففي وم (الأحد أول رجب 873) ووصل سفير الأمير حسن بك سلطان ديار بكر يقول ابن الصيرفي :( فصعد بين يدى المواقف الشريفة شرّفها الله وعظّمها، وقّبل الأرض.).   وقايتباى حين كان أميرا فى سلطنة السلطان المنصور عثمان بن جقمق كان يسجد له أيضا.وحتى في الرسائل الموجهة للسلطان يقال له:( وبعد تقبيل الأرض والدعاء للسلطان. )، وهذا ما كتبه الأتابك أزبك في رسالته. وحين يتعطف السلطان على أحدهم ويرفعه فوق مرتبته يسمح له بأن يقبل يده، وفي أحداث يوم الاثنين 5 جمادى الثانية 876 يقول ابن الصيرفى : ( صعد القاضى عبد البر بن الشحنة إلى السلطان وقبّل يده فأكرمه.).

4 ـ بهذا يمكن القول بأن الدولة المملوكية دولة عسكرية دينية إذا نظرنا الى مؤسساتها الدينية ووجود الخلافة العباسية فى القاهرة بما تمثله هذه الخلافة من كهنوت دينى ، وبما يتمتع  السلطان المملوكى من تأليه ، وهو الذى يطبق الشريعة السّنية بأعوانه من العلماء ورجال الدين، ومنشآت العصر كلها مدارس وخوانق ومساجد وجوامع لتدريس العلوم الدينية الشريفة، والخليفة العباسى يسجدون له ومعه قضاة ( الشرع الشريف ). وهم أعوانه فى الظلم حيث إرتبط طقوس العبادة بأشد أنواع الظلم المملوكى،ومعها المساجد الشيطانية المملوكية .  

ثالثا : تأسيس وإنتشار المساجد ( الشيطانية )

1 ـ المساجد قبل الظاهر بيبرس كانت معدودة ، اشهرها (الجامع العتيق ) فى الفسطاط ،   فى مدينة الفسطاط التى بناها عمرو . ثم بنى العباسيون مدينة العسكر ، وبنى فيها الوالى العباسى السرى بن الحكم  مسجد العسكر . وبنى أحمد بن طولون مدينة القطائع وبنى فيها مسجده ( أحمد بن طولون )  . ثم بنى جوهر الصقلى مدينة القاهرة والجامع الأزهر ، ثم بنى العزيز بالله الفاطمى  عام 380 جامعا أتمّه ابنه الحاكم فحمل إسم ( جامع الحاكم ) وبنى الحاكم مسجد راشدة وجامع المقس . ثم بنى صلاح الدين الأيوبى للصوفية خانقاه سعيد السعداء ليحارب بالتصوف السنى الدين الشيعى. واتصلت مبانى الفسطاط بالعسكر بالقطائع بالقاهرة ، واصبح فى العصر المملوكى يطلق عليها ( مصر والقاهرة ) . قال المقريزى فى ( الخطط ) : (  فلما كانت الدولة التركية ( المملوكية ) حدث بالقاهرة والقرافة ومصر وما بين ذلك عدة جوامع أقيمت فيها الجمعة وما برح الأمر يزداد حتى بلغ عدد المواضع التي تقام بها الجمعة فيما بين مسجد تبر خارج القاهرة من بحريها إلى دير الطين قبلي مدينة مصر زيادة على مائة موضع‏...) ( .. وقد بلغت عدة المساجد التي تقام بها الجمعة مائة وثلاثين مسجدًا‏. )، أى إمتلأت القاهرة بحوالى مائة مسجد أو جامع كبير تُقام فيه صلاة الجمعة ، هذا عدا المؤسسات الصوفية من زوايا وأضرحة وخوانق ورُبط ( جمع رباط ) .

2 ـ  كانت البداية فى سلطنة الظاهر بيبرس . كان صلاح الدين الأيوبى قد أغلق الجامع الأزهر الذى كان مركز الدين الشيعى . وظل معطلا مائة عام  حتى جاء الظاهر بيبرس فقام بترميم الجامع الأزهر ، واوقف عليه الأوقاف ، وأعاد فيه صلاة الجمعة ليكون معبرا عن دين التصوف السنى السائد فى الدولة المملوكية ، قال المقريزى فى (الخطط ) عن الجامع الأزهر : ( ثم أنه جدد في أيام الملك الظاهر بيبرس .. لما كانت يوم الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول سنة خمس وستين وستمائة أقيمت الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة ). وقام الظاهر بيبرس بتجديد جامع عمرو بن العاص ، كما إنه هو أول من أنشأ خانقاة فى العصر المملوكى. وقد أنشأها وهو أمير لم يكن قد تولى السلطنة. وقد وصفها المقريزى فقال : ( هذه الخانقاه من جملة دار الوزارة الكبرى التي تقدّم ذكرها عند ذكر القصر من هذا الكتاب وهي أجلّ خانقاه بالقاهرة بنيانًا وأوسعها مقدارًا وأتقنها صنعة بناها الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوريّ قبل أن يلي السلطنة وهو أمير‏. فبدأ في بنائها في سنة ست وسبعمائة وبنى بجانبها رباطًا كبيرًا يتوصل إليه من داخلها .) . ثم إنتشرت المؤسسات الصوفية بمساجدها وخوانقها وزواياها وأربطتها ، يقيم فيها صوفية يتخصصون فى الدعاء للسلطان والذى بنى هذه المؤسسة وجعل لها الأوقاف . وقد حرص المماليك في وثائق الوقف على المؤسسات الصوفية على إلزام الصوفية المعينين فيها بالدعاء لهم والاستغفار من أجلهم ليمارسوا الظلم وهم آمنون من غضب الله حسبما يعتقدون . وتمتعوا مع ذلك برضا أعوانهم من أولياء التصوف وحمايتهم في الدنيا والآخرة بزعمهم. ومن الطبيعي أن يهتم الواقف على المؤسسة الصوفية بإلزام الصوفية فيها بالدعاء له للتكفير عن ظلمه وفي اعتقاده أن ذلك كفيل بالغفران له مهما ظلم . وقد ورد في وثيقة وقف الغوري (ويتولى شيخهم الدعاء فيحمد الله سبحانه وتعالى  ثم يصلي كثيراً على نبيه ويهدي ثواب القراءة إلى حضرته الشريفة ثم في صحيفة مولانا السلطان  .. ثم في صحيفة نجله وصحيفة كريمته المرحومة خوند الصغرى).

رابعا :  إقتران الظلم بالصلاة الشيطانية 

1 ـ المماليك جىء بهم الى مصر من آسيا وأوربا ، وتعلموا فى هذا المناخ إرتباط الدين بالظلم دون تعارض بينهما. فكان أكثرهم تدينا هو الأكثر ظلما ، فلم يعد غريباً أن نقرأ في ترجمة الأمير تمراز أنه كان (يظهر التدين ويقرأ القرآن وبه بطش وظلم وجبروت وكان يعاقب العقوبة الشديدة المؤلمة على الذنب الصغير).  أما يلبغا السالمي فكان يضرب المظلوم (..ثم يصلي ثمان ركعات مع إطالة ركوعها وسجودها ، ولا يجسر أحد أن يترك الضرب دون فراغه) .

ويصور الشاعر الحراتي هذه الحالة الفريدة في أبياته فيقول :

 قد بلينا بأمير         &"RTL">بنى جامعاً لله من غير حله                         فجاء بحمد الله غير موفق

كمطعمة الأيتام من كد فرجها                 فليتلكِ لا تزني ولا تتصدقي

  وهو نفس التعليق الذي أورده أبو المحاسن على زين الدين الاستادار الذي (استولى على معاش الفقراء وأرباب التكسب وصار هو يأخذها ثم يبيعها بأضعاف أضعافها، حتى جمع من هذا المبلغ الخبيث أموالا كثيرة وعمر منها الجوامع والمساجد والسبل) ويقول فيه أبو المحاسن : فهو كما قال الشاعر :

 بنى جامعا لله من غير ماله  

                                 فكان بحمد الله غير موفق

كمطعمة الأيتام من كد فرجها     

                                 لكِ الويل لا تزني ولا تتصدق

3 ـ ويذكر أن زين الدين الاستادار هذا اشتهر بالاثنين معاً : الظلم وكثرة العمائر الدينية ، يقول فيه أبو المحاسن أنه (حسَن للسلطان أخذ جميع الرزق ( أى الأوقاف الخيرية ) التي على وجوه البر والصدقة . وبضواحي القاهرة ، وبتأثيره على السلطان عم البلاء غالب المسلمين حتى الجوامع والمساجد والفقهاء والفقراء وغير ذلك . ولما أثرى وكثر ماله من هذه الأنواع أخذ في عمارة الأربطة والجوامع والمساجد ، فعمّر جامعه بالقرب من داره بين الصورين عند باب سعادة ، ثم جامعه الذي بخط بولاق على النيل ، ثم جامعه الذي يخط الحبانية على بركة الفيل ، وفي غير القاهرة عدة أملاك وسبل ومساجد تفوت على الحصر , كل ذلك وهو مستمر على ما هو عليه وزيادة إلى أن كانت نكبته ) .

 4 ـ وقد بنى الأمير أقبغا المدرسة الأقبغاوية وجعل فيها صوفية . يقول فيها المقريزي ( وهى مدرسة مظلمة ليس عليها من بهجة المساجد ولا أنس بيوت العبادة شيء البتة) وذلك لأن أقبغا ـ حسبما يصفه المقريزي ـ ( كان من الظلم والطمع والتعاظم على جانب كبير) . وقد سخر في عمارة مدرسته كل صانع بالقاهرة ومصر : (وأقام بها أعواناً لم يُر أظلم منهم ، كانوا يضربون العمال ، وحمل لها الأصناف من الناس،  فكانت بين غصب وسرقة . ومع ذلك فإنه ما نزلها قط إلا وضرب فيها من الصناع عدة ضرباً مؤلماً , ويعبر ذلك الضرب زيادة على شدة عسف مملوكه الذي أقامه شاهداً بها ... فلما تمت جمع بها القضاة والفقراء ـ يعني الصوفية)

وقاسى العمال الفقراء  من السخرة والضرب في بناء تلك المنشئات الدينية  كما نلمح من النص السابق، حتى أن شدة الأمير قان بردى الأشرف في تسخيرهم دفعت المؤرخ المملوكي الارستقراطى أبا المحاسن إلى الاحتجاج الذي نحسه من النص التالي : ( ابتدأ الأمير سيف الدين قان بردى الأشرف في عمارة تربة عظيمة عند الريدانية (العباسية ) وشرع في ذلك أيام يسيرة ، ومع هذا ظلم في تلك الأيام الظلم الزائد وعسف الصناع وأبادهم بالضرب وباستعمالهم بغير أجرة ، فما عفّ ولا كفّ ، إلى أن أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ).

5- واقترنت سيئات أخرى بالظلم ، مثل الرشوى فوصف يونس الداودارى بأنه ( كان يحب المال، ويأخذ الرشوة ، وعمّر مدرسة وخانقاه ورباطاً وزاوية وتربة وأحواض سبيل بالديار المصرية والشامية ).

6 ـ وبعضها إقترن بالشذوذ الجنسى الذى كان منتشراً بفعل الصوفية، وأدمنه بعض أرباب الدولة ، ومنهم السلطان الناصر محمد بن قلاوون ، حتى يقال في حوادث سنة 735 ( وفيها كثر شغف السلطان (الناصر محمد)  بمملوكه الطنبغا الماردينى شغفاً زائداً فأحب أن ينشئ له جامعاً) .. وهكذا ارتبط الشذوذ الجنسى  بإنشاء جامع الماردينى المشهور، وارتبط بالطبع بالظلم فقد وصف المقريزي أصناف الظلم التي واكبت إنشاء ذلك الجامع .

7 ـ  وأسهم الظلم بطريق غير مباشر في ازدهار العمائر الدينية والوقف عليها .. ذلك أن المصادرات كانت أبرز سمات الانتقام من المهزوم أو الحصول على الأموال من الأغنياء والمباشرين فتحايل المماليك ـ سلاطين وأمراء ـ على تحصين أموالهم من المصادرة بعد وفاتهم بالبناء والوقف عليها وجعل ورثتهم متمتعين بعائد الوقف مشاركين فيه ، فكان أن استشرى الوقف على الأراضي الزراعية المصرية وأقيمت مؤسسات دينية تتعيش من ذلك الوقف . ومع ذلك فقد احتال الغالب على سلب أوقاف عدوه المغلوب بتشجيع القضاة المتصوفة، إذ  كان يتم استبدال الوقف ـ على الورق ،  أو يغّير كتاب الوقف على المؤسسة الدينية .

مع صلاتهم الشيطانية إضطهدوا الأقباط فى مصر المملوكية

مقدمة :

1 ـ لم تر الدولة المملوكية بأساً فى الاستعانة بالأقباط فى أعمالها الإدارية والمالية ، وفى نفس الوقت أوسعت للشيوخ نفوذاً فى إدارتها المدنية سواء ما كان خاصاً بالوظائف الديوانية كالوزارة أو كان خاصاً بالوظائف الدينية كالقضاء والحسبة ومشيخة الخوانق والمدارس والجوامع..

2 ـ وفى هذا العصر- المملوكى- تسيد التصوف السنى الحياة الدينية والعقلية ، وقامت الحركة العلمية فى المؤسسات الصوفية بتدريس مؤلفات الفقه والتفسير والحديث وعكف فقهاء العصر المملوكى على شرحها وتلخيصها وتقديس مؤلفيها . ومن ضمن هذه المؤلفات تحقير اهل الكتاب وإعتبارهم (أهل ذمة ) . وبالدراسة والتلقين تجذرت كراهية أهل الكتاب وخصوصا النصارى . يضاف الى ذلك الحروب الصليبية ، ومع إنتهاء الوجود الصليبى فى الشام فقد إستمرت المواجهة بين المماليك والفرنجة فى البحر المتوسط . عزّز هذا من عقيدة تقسيم العالم الى معسكر السلام والايمان ومعسكر الكفر والحرب ، وكانت النظرة للنصارى داخل ( معسكر المسلمين ) على أنهم يتبعون العدو الخارجى.

 3 ـ وهذا التشبع بأفكار التعصب وممارسته ساعد على تسيده عوامل أخرى منها أن التصوف نفسه فى العصر المملوكى تحول من الفكر النظرى الملىء بالتسامح الذى كان يردده الحلاج وابن عربى وابن الفارض- وأحياناً أبو حامد الغزالى- إلى طرق صوفية عملية تسعى للسيطرة على الشارع المصرى وتجتذب لها الأعوان والمريدين وتسترزق بالتجارة بالدين فى الموالد الصوفية وحول الأضرحة.. ومن هنا لم يعد لأولئك الشيوخ الجدد متسع للتنظير أو مناقشة الأفكار السلفية التعصبية لخصومهم الحنابلة، بل أن التصوف فى تأثيره الشديد على الحياة العقلية لغير الصوفية قد هبط بها إلى حضيض الجمود وإغلاق باب الاجتهاد وتعقيم الحياة العقلية النقدية، مما أدى إلى ترسيخ المتوارث من الفكر السلفى وتحصينه ضد النقد والنقاش بل وتقديس أئمة الحديث والفقه وأسفارهم ومؤلفاتهم..

ومن ناحية أخرى فإن أشياخ التصوف فى سعيهم نحو السيطرة على المريدين وقعوا فى التنافس، وامتدت ساحات التنافس لتشمل صراعاً داخلياً بين أشياخ الطريق الصوفى الواحد، وبين أشياخ الطرق الصوفية ذات الأصل الواحد، والطرق الصوفية المختلفة، ثم بين الصوفية ومشاهير الفقهاء أصحاب الصيت والأتباع، ثم امتدت المنافسة لتشمل صراعاً بين الصوفية والرهبان وأصحاب النفوذ الدينى بين الأقباط مع غيرة أصحاب الموالد الصوفية من احتفال أو مولد دينى للأقباط.. وذلك التنافس أدى إلى تعصب فاضطهاد فحوادث مؤسفة.

4 ــ وقريب من ذلك ما كان يجرى من تنافس سياسى على النفوذ إذ كان الحسد يلاحق بعض كبار الموظفين الأقباط فيلجأ بعض الشيوخ إلى إثارة الجماهير والفقهاء ضدهم وتثور حركات التعصب وتلجأ الدولة لترضية الشيوخ بالسماح باضطهاد الأقباط..

5 ـ وبعض الأقباط كان يعلن إسلامه لينجو من دائرة الاضطهاد ويدعم مركزه الوظيفى فى الدولة المملوكية التى تقوم إدارتها على الظلم والعسف.. ويستخدم ذلك الذى أسلم نفوذه الجديد فى الانتقام ممن ساموه الذل والهوان وهو قبطى.. وهكذا كانت تدور طاحونة التعصب والاضطهاد فى العصر المملوكى فوق رؤوس الجميع..

6 ـ ثم لا ننسى طاحونة الظلم المملوكى التى شملت الجميع ، ومن شأن هذا الظلم التى يأخذ شرعية دينية أن يكون أبرز ضحاياه المخالفين للدين الأرضى السائد.

7 ـ ونعطى أمثلة تاريخية للتحليل السابق نراعى ترتيبها حسب السنين..

 أولا : مأساة الراهب بولس الحبيس سنة 666 هجرية:

1 ـ وقصته مع الظاهر بيبرس تشبه قصة عمرو بن العاص مع القبطى بطرس صاحب الكنز الذى قتله عمرو بعد أن استولى على كنزه بالحيلة..

2 ـ كان الراهب بولس كاتباً نصرانياً ثم ترهب، وقد عثر على كنز فرعونى فأخفاه وأخذ يتصدق منه على فقراء المسلمين والأقباط ، وانتشر خبره فاعتقله السلطان الظاهر بيبرس وطلب منه ذلك الكنز فرفض . وقال للسلطان أنه يساعد بذلك الكنز الفقراء والمحتاجين ومعظمهم ممن يصادر السلطان أموالهم أى أن الأموال تصل للسلطان فى نهاية الأمر، وكأن الراهب قد أعطى ضوءاً أخضر للسلطان الظاهر بيبرس فى مصادرة الأقباط بالذات، إذ تكاثر ضحايا السلطان من الذين أوقع بهم المصادرات وفرض عليهم الغرامات وقام ذلك الراهب بدفع الغرامات عنهم وإعانتهم، وانطلق الراهب بولس يسير فى المدن والقرى يعين المحتاجين ويطلق بأمواله سراح المعتقلين والمحبوسين بسبب عجزهم عن دفع الغرامات والإتاوات ويتصدق على المحرومين من النصارى والمسلمين وغيرهم من النصابين محترفى الفقر، ومن النوادر التى تحكى أن بعضهم كان يقوم أمامه بتمثيلية، يقوم اثنان بجر رجل وهو يستغيث وهما يضربانه يمثلان دور رجال الشرطة فيستغيث المضروب بالراهب يقول له "يا أبونا أقضى ما علىّ من الديون، فيسأله الراهب عما عليه من الديون، ويكتب له ورقة بالمبلغ الذى يدعيه، فيأخذونه ويصرفونه من الصيرفى كما هو. ووصلت للسلطان الظاهر بيبرس ستمائة ألف دينار عن طريق ذلك الراهب فيما دفعه عن المحبوسين والمصادرين.

3 ـ ولم يكن ذلك الراهب يأكل من ذلك المال، بل كان طعامه ونفقاته من صدقات النصارى، ثم حدث حريق غامض فى حى الباطنية فى سنة 663 وانتشر فى أحياء أخرى بالقاهرة واتخذها السلطان بيبرس فرصة ليصادر كل أموال الراهب فاتهم اليهود والنصارى بإشعال ذلك الحريق، وأصدر أمراً بإحراق كل اليهود والأقباط، ولكى يتقن هذه التمثيلية فقد جمع كبار اليهود والنصارى تحت القلعة وأحضر الحطب والوقود، وكان عددهم ألوفاً وارتفعت استغاثاتهم بالسلطان، فعفا عنهم السلطان نظير غرامة قدرها خمسمائة ألف دينار.. وكما توقع السلطان بادر الراهب بولس بدفعها على أخرها.

4 ـ اكتسب هذا الراهب الصالح شهرة فى كل أنحاء مصر، وصارت تتبعه مظاهرات أينما سار تتبرك به وتطلب منه المساعدات والأموال.  وتكاثرت تلك المظاهرات فى مدينة الإسكندرية وأثارت غيظ العلماء والشيوخ فأرسلوا فتاويهم للسلطان تحتم قتل ذلك الراهب حتى لا يفتن المسلمين فى دينهم، ورآها السلطان فرصة شرعية ليتخلص من الراهب ويستولى على كنزه الخبيئ فاعتقله واستجوبه للمرة الثانية عن الكنز فرفض الراهب الاعتراف، فأمر السلطان بتعذيبه حتى يعترف.. واستمر الراهب تحت التعذيب إلى أن لفظ أنفساه الأخيرة ومات سنة 666 هجرية ومات معه سر الكنز .

ثانيا : الشيخ الصوفى خضر العدوى سنة 672 هجرية:

كان هذا الشيخ يتمتع باعتقاد السلطان الظاهر بيبرس.. ومشهوراً بانحلاله الخلقى وشذوذه الجنسى وتعصبه ضد النصارى فى الشام ومصر، وأفسح الظاهر بيبرس له المجال فهدم كثيراً من الكنائس فى الشام ومصر، ومن الكنائس التى هدمها بمصر كنيسة الروم بالإسكندرية التى يشاع أن فيها رأس النبى يحيى عليه السلام (يوحنا)، وقد تحولت على يد الشيخ خضر العدوى إلى مسجد وسماه (المدرسة الخضراء) وأنفق فى تعمير هذه المدرسة الأموال الكثيرة من بيت المال.

ثالثا : واقعة النصارى سنة 682 هجرية:

1 ـ بسبب الحروب الصليبية كان النصارى مقهورين فى سلطنة الظاهر بيبرس والسلطان المنصور قلاوون وانتهى ذلك بتولى السلطان الأشرف خليل بن قلاوون الذى أنهى الوجود الصليبى فى الشام. الأشرف خليل بن قلاوون أتاح للأقباط النفوذ وعين منهم كبار الموظفين الأقباط الذين تولوا الكتابة فى الدواوين، فأتيح لهم التنفيس عما فى صدروهم من مشاعر الانتقام، فتسلطوا على أرباب الحوائج من المسلمين يذلونهم.. وأدى ذلك فى النهاية إلى ما يعرف بواقعة النصارى سنة 682 هجرية.

2 ـ وبدأت الواقعة بالكاتب القبطى المعروف باسم "عين الغزال" وقد اتهم سمساراً مسلماً بتأخير ما عليه من أموال للأمير المملوكى الذى يعمل عنده الكاتب القبطى عين الغزال. ورأى الناس فى الشارع السمسار المسلم يعتذر للكاتب القبطى ويقبل قدمه وهو راكب حصانه والكاتب لا يزداد إلا تجبراً وهو يصمم على اعتقال السمسار وأخذه إلى بيت الأمير المملوكى، وتدخل الناس فى الشوارع وتجمهروا يحاولون تخليص السمسار من الكاتب وهو يرفض، فما كان من الناس إلا أن تكاثروا على الكاتب وألقوه من على دابته وخلصوا السمسار من يده. فذهب الكاتب إلى الأمير وأحضر عدة من الجنود وشرعوا فى القبض على الناس..

3 ـ وثارت العوام وساروا فى مظاهرة غاضبة إلى القلعة يهتفون "الله أكبر" فخاف السلطان من ثورة العوام حين عرف بما حدث ، فأمر باعتقال الكاتب القبطى عين الغزال وأصدر مرسوماً بعزل الكتبة الأقباط إن لم يدخلوا فى الإسلام ومن رفض منهم الدخول فى الإسلام ضربت عنقه. فاختفى الأقباط من الشوارع.. ووقع النهب فى بيوتهم.. والسبى فى بعض نسائهم، وأصبح الشارع مشحوناً بالمزيد من التعطش للعنف وأصبح المماليك أسرى للشعور الشعبى المتعصب ، فأمر السلطان بحفر حفرة كبيرة فى سوق الخيل لإحراق الكتبة النصارى، وحضر السلطان والأمراء، وتشفع الأمير بيدرا فى الأقباط.. وفى النهاية ارتضى الكتبة الدخول فى الإسلام، وكتبوا إقراراً بذلك.

4 ــ ويقول المقريزى يعلق على تلك الحادثة "فصار الذليل منهم بإظهار الإسلام عزيزاً، يبدى من إذلال المسلمين والتسلط عليهم بالظلم ما كان تمنعه نصرانيته من إظهاره . أى بمجرد النطق بالشهادة- أو الشهادتين- أنقذ كل منهم حياته وأصبح من حقه الانتقام من خصومه بسيف السلطة المملوكية وفى حمايتها.. وتلك ضريبة التعصب الدينى حين يسود مجتمعاً وينشر الفرقة والكراهية بين أبنائه.

رابعا : واقعة الوزير المغربى سنة 700 هجرية:

1 ــ قدم ذلك الوزير المغربى للقاهرة فى طريقه للحج واحتفت به السلطات المملوكية، ونزل ذلك الوزير المغربى يتجول فى القاهرة فى سوق الخيل فرأى رجلاً راكباً فرسه فى ثياب فاخرة وجماعة يمشون فى ركابه وحوله أصحاب الحاجات يتضرعون إليه ويقبلون قدميه وركابه وهو يصيح بغلمانه أن يطردوهم وهم يزدادون له خضوعاً، فسأل الوزير المغربى عن ذلك الراكب صاحب السلطان فعرف أنه كاتب نصرانى، فغضب وصعد للسلطان فلم يجده ووجد كبار الأمراء فأخذ يعظهم ويبكى ويحذرهم من نقمة الله إذ تركوا أعوانهم من الكتبة الأقباط يذلون المسلمين، ونجح الوزير المغربى فى إثارة الأمراء وانتهى الأمر باستصدار قرارات استرجعت مراسيم الخليفة المتوكل العباسى فى إلزام الأقباط بزى معين ومنعهم من ركوب الخيل، وكالعادة تطور الأمر بالوزير المغربى فقام يدعو لهدم الكنائس فوقف ضده قاضى القضاة المصرى ابن دقيق العيد وأفتى بأنه لا يجوز أن يهدم من الكنائس إلا ما استجد بناؤه، ولكن اضطر الأقباط إلى غلق بعض كنائسهم خوفاً عليها من الهدم..

2 ــ وانتقلت عدوى التخريب من الوزير المغربى إلى العوام فكثرت شكاويهم فى النصارى، وكالعادة استرضتهم السلطات المملوكية بالتضييق على الأقباط واليهود، ومنعهم من التوظف فى الدواوين.. ورآها العوام فرصة لفرض سيطرتهم على أغنياء الأقباط، فتتبعوهم بالضرب حتى اختفوا من الشوارع ولجأ بعضهم إلى إظهار الإسلام تكبراً من ارتداء الزى المفروض عليهم..

3 ــ وأدى ذلك الاضطهاد إلى تدخل ملك برشلونة إذ أرسل هدية للسلطان المملوكى سنة 703 هجرية ويرجوه إرجاع الأقباط إلى وظائفهم وفتح كنائسهم.. فاستجاب له السلطان وفتح كنيسة فى حارة زويلة وأخرى بالبندقانيين..

خامسا : حركة الشيخ البكرى سنة 714 هجرية:

والشيخ البكرى أحد الصوفية البارزين فى سلطنة الناصر محمد بن قلاوون، وأحد خصوم الشيخ ابن تيمية. وحدث أن عرف الشيخ البكرى أن النصارى استعاروا من قناديل جامع عمرو شيئاً فهجم الشيخ البكرى على الكنيسة ونكل بالنصارى فيها، ثم عاد إلى جامع عمرو وأهان الموظفين فيه، ووصل أمره للسلطان فعقد له مجلساً للتحقيق، فأخذت العزة الشيخ البكرى وأغلظ القول للسلطان وهو يتصور أن السلطان يخضع له ويتعظ، ولكن فوجئ بالسلطان يأمر بقطع لسانه عقاباً له على جرأته.. فانقلب الشيخ البكرى إلى حالة أخرى، وأخذ يستغيث بالأمراء يرجوهم التشفع له عند السلطان حتى لا يقطع لسانه، ورق له الأمراء فتشفعوا فيه عند السلطان.. فأمر السلطان بنفيه..

 سادسا : واقعة الإحراق العام للكنائس المصرية فى وقت واحد سنة 721 هجرية:

1 ـ فى كتابنا "السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة" المأخوذ عن رسالة الدكتوراة حققنا هذه الحادثة المجهولة والغريبة فى التاريخ المصرى وأثبتنا أن المسئول عنه هى حركة "أحمد البدوى" السرية الشيعية المستترة بالتصوف، إذ أنه بعد فشل تلك الحركة السرية فى قلب نظام الحكم المملوكى - لاقامة دولة شيعية تعيد الحكم الفاطمى لمصر والمنطقة - قامت بتفجير عملية ارهابية سرية لإحراج الدولة المملوكية: وهى التدمير العام للكنائس المصرية من الإسكندرية لأسوان فى وقت واحد وبطريقة واحدة..

2 ـ  إذ أنه بعد صلاة الجمعة يوم التاسع من شهر ربيع الأول سنة 721 هجرية فوجئ المصلون فى كل المدن المصرية التى بها كنائس بمجذوب مجهول الشخصية يقف صائحاً مضطرباً داعياً لحرق الكنائس، وحين يخرج المسلمون من المسجد يفاجأون بتدمير الكنائس فى المدينة وحرقها وقد سويت بالأرض . وفى ضوء الاعتقاد فى بركات المجاذيب الذى تسيد العصر المملوكى يؤمن الناس بأنها إرادة إلهية وانكشفت أمام بصيرة ذلك المجذوب "المكشوف عنه الحجاب". وسرعان ما يدب الحماس إلى العوام ويشاركون فى الإجهاز على ما تبقى من بنيان للكنيسة..

3 ــ ووصل إلى علم السلطان الناصر محمد بن قلاوون ما حدث ، جاءته الأنباء من ضواحى القاهرة بأن الكنائس فيها قد دمرت فى نفس الوقت وبنفس الكيفية.. وأن المجذوب المجهول قد صاح فى نفس الوقت وفى كل المساجد.. وفى اليوم التالى جاءت الأنباء من الإسكندرية والوجه البحرى والصعيد أن كل الكنائس- عدا الكنيسة المعلقة- قد أصابها الهدم والحريق فى نفس الوقت، أى فى ساعة الصفر. وبلغ عدد الكنائس ستين كنيسة.. وتعجب السلطان ووافق مقالة العلماء والقضاء على أنها إرادة الله، لأنه لا يستطيع بشر أن يفعل ذلك فى كل أنحاء مصر فى نفس الوقت، واقتنع السلطان برأى العلماء بألا يفعل شيئاً لأنها إرادة الله التى لا يقف فى وجهها إنسان.

4 ــ إلا أن الأقباط لم يقتنعوا.. وصمموا على الانتقام..

فى الأيام التالية فوجئ سكان القاهرة باشتعال الحرائق فى المساجد فى نواح مختلفة، ولا يكادون يفرغون من إطفاء حريق حتى يفاجئهم حريق آخر، واستراح المسلمون إلى التفسير الغيبى القائل بأنها إرادة الله، لولا أنهم اكتشفوا فتيلة كبيرة ملوثة بالنفط قد ألقيت على بعض المساجد مع توالى الحرائق فى الجوامع والخوانق والمدارس.. فأشارت أصابع الاتهام للأقباط، وسرعان ما ضبطوا بعض الرهبان متلبسين واعترفوا فأحرقت السلطات أربعة منهم.. وانطلق العوام فى إيذاء الأقباط، واندلعت المظاهرات وكادت أن تتحول إلى مذابح، وأسرعت السلطات المملوكية بالسيطرة على الأمور وقبضت على بعض العوام ومثيرى الشغب وكان منهم بعض المتعممين والتجار، وأمرت السلطات بقطع بعضهم نصفين، أو ما يعرف بالتوسيط، وتدخل الكبار وتشفعوا فى كبار المتهمين وأفرج عنهم . إلا أن الحريق لم ينقطع، وضبط بعض النصارى متلبسين واعترفوا تحت التعذيب، وعندما علم العوام بما حدث حاصروا القلعة وواجهوا السلطان بصيحة رجل واحد تدعو لنصرة الدين فخشع لهم السلطان وسمح لهم بقتل كل من وجدوه من النصارى، ثم تعدل الأمر بقتل من يلبس العمامة البيضاء من النصارى ومن يركب دابة، وفرض عليهم ركوب الحمير بهيئة مقلوبة ولا يدخلون الحمامات إلا وفى رقابهم جرس ولا يرتدى أحدهم زى المسلمين، وألا يعملوا فى الوظائف، وعزل جميع الأقباط من الوظائف..

5 ــ وكان ذلك أفظع اضطهاد واجهه الأقباط فى العصر المملوكى. وكانت له آثاره الداخلية والخارجية..

فعلى الصعيد الداخلى احتدم العداء والحقد الطائفى بين المسلمين والأقباط فى السنوات التالية كما سنرى..

وعلى الصعيد الخارجى اشتد غضب ملك الحبشة الذى كان يعتبر نفسه مسئولاً عن حماية الأقباط المصريين فبعث باحتجاج شديد اللهجة إلى السلطان الناصر محمد ويهدد فيه باتخاذ إجراءات مماثلة ضد المسلمين عنده ويهدد بتحويل مجرى النيل، غير أن الناصر محمد لم يعبأ بهذا التهديد ولذلك بدأ سلطان الحبشة واسمه "عمد صيهون" الحرب ضد الإمارات الإسلامية المجاورة له، وتابع ابنه "سيف أرعد" أعماله ضد التجارة المصرية وممتلكات المسلمين المجاورة له..

سابعا : ( النشو ) القبطى ينتقم من ( المسلمين )

1 ــ وتمكن أحد ضحايا الاضطهاد لسنة 721 هجرية من الانتقام لقومه الأقباط من المسلمين.. وهو النشو الذى أظهر الإسلام لدى السلطان الناصر محمد وسماه السلطان عبد الوهاب شرف الدين، وأظهر للسلطان الورع والفقر والزهد فحاز على ثقته وتعاظم نفوذه حتى أصبح المسيطر على الدولة المملوكية كلها لمدة سبع سنين وسبعة أشهر حتى قتله السلطان بعد تعذيب شديد فى يوم الأربعاء ثانى ربيع الآخر سنة 740 هجرية.

2 ـ وما فعله النشو بالمسلمين فى إطار السلطة المملوكية وتحت شعارها كان لا يمكن تفسيره إلا فى ضوء الانتقام لقومه بعد أن ضمن رضا السلطان الناصر محمد عنه.. وقد تنوعت مظالمه للمسلمين ما بين قتل ومصادرة ونفى وتقطيع أطراف وخصاء، وكانت مصادرته لوجوه الناس وأرباب المناصب والتجار والعوام لا تنقطع.. وكان يجتمع كل ليلة مع خواصه والمقربين منه يفكر فى طريقة جديدة للانتقام من المسلمين وفرض ضرائب جديدة عليهم أو الإيقاع بأصحاب المناصب أو سلب الأوقاف على المساجد وبيوت العبادة..

3 ـ وبرغم تنوع أعدائه واختلافاتهم وتفرقهم وصراعاتهم إلا أنهم اتحدوا ضد النشو، وحاولوا الكيد له مراراً إلا أن ثقة السلطان فيه وقفت حائلاً يحميه . وفى عهده ضاع صوت الاضطهاد ضد الأقباط.. بل أن اضطهاده للمسلمين جعلهم جميعاً يجتمعون فى المساجد للدعاء عليه.. وعندما علم النشو بذلك ما زال بالسلطان حتى منع الوعاظ من الوعظ. وتحدى النشو كبار الصوفية- وهم أصحاب النفوذ الدينى والشعبى- فطرد من مصر أشهر صوفى فى عصره وهو الشيخ الكردى الذى نفاه للشام، كما اعتقل شيخ خانقاه بهاء الدين أرسلان بالإسكندرية واتهمه بتهم باطلة . 4 ـ وفى النهاية ظهر للسلطان خيانته وسرقاته فاعتقله واعتقل أخاه وصهره وأعوانه، واكتشف السلطان حجم ما سرقه من أموال ونفائس.. فعذبه وقتله.. وكان التخلص منه يوم عيد، ذاعت فيه أساطير الكرامات وشتى الادعاءات ومنها أن النيل زاد ورؤيت المنامات الصالحة على حد قولهم، وسارت المظاهرات تحمل المصاحف والأعلام.

ثامنا : حركات فردية ضد النصارى :

 1 ـ سنة 838 هجرية : هدم الشيخ سليم لكنيسة جددها النصارى فى الجيزة.

2 ـ سنة 841 هجرية : هدم الشيخ ناصر الدين الطنطاوى لدير العطش الذى يقام عنده مولد سنوى يضاهى مولد السيد البدوى، فأحس الشيخ ناصر الدين الطنطاوى بالغيرة فما زال يسعى حتى هدم الدير..

3 ـ وكان مثله الشيخ النعمانى سنة 852 هجرية الذى تخصص فى هدم الكنائس التى يجددها أصحابها..

تاسعا : ـ مأساة عام 876 :

1 ـ سجلها المؤرخ ابن الصيرفى فى كتابه (إنباء الهصر بأناء العصر ) في أحداث الأربعاء 22 شوال 876 ، قال  : ( وقعت حادثة شنيعة غريبة قليلة الوجود والوقوع حُكى ... ) وبعد هذا الاستهلال في وصف الحكاية بالشناعة والندرة يقول مؤرخنا : ( حُكى أن شخصاً من المغاربة كان مقيماً بمسجد يعبد الله ويصلى ويؤذن ويقرأ ، كل ذلك بالمناوات من الجيزية ، على ما تواتر به النقل ، وصار له سُمعة وأبّهة ، فصار أولاد النصاري يسمعون قراءته فيسلموا ، فعزّ ذلك على أهلهم فتحيلوا على المغربي المذكور وخنقوه حتى تدلى لسانه فقطعوه وشقوا بطنه ، وقالوا له أنك تفتن أولادنا ، وحملوه ليلقوه في جُبّ ، فصاروا كلما توجهوا به إلى جُبّ يجدونه مردوماً ، إلى أن سقط في أيديهم ، وقبض عليهم الكاشف وجهّزهم إلى القاهرة ، فتسلمهم الوالى وأحضرهم بين يدى الأمير جانبك بن ططخ الفقيه أمير آخور كبير، فلم يأمر بقتلهم آنذاك حتى يعرضهم على السلطان ،وأمر بسجنهم. وكان العوام لما بلغهم ذلك تجمّعوا وتحزّبوا ورجموهم تحت القلعة إلى أن ماتوا، وقيل أن عدة النصاري ستة نفر ، فأما أحدهم لما شاهد الهول العظيم رفع إصبعيه بالتشهد إشارة إلى أنه أسلم فكفوا عنه وسجنوه، وبلغ السلطان نصره الله ذلك فتغيظ وتكلم معه الأتراك في العوام يقتلون بأيديهم ويمسكون لجام المماليك السلطانية، ويحكمون لأنفسهم ،فازداد غضب السلطان ،ورسم للوالى أن ينادى بالمدينة حسب المرسوم الشريف أن أحداً لا يحكم لنفسه ولا يقبض لجام مملوك وأمثال ذلك.).

2 ـ ونلاحظ أن عنصر التزيد والأساطير واضح في الرواية السابقة في وصف حال المؤذن القتيل وكراماته بعد قتله بحيث أنهم لم يجدوا مكاناَ يدفنونه فيه بعد أن قتلوه. أى إنها أساطير تم خلقها وتم نشرها، وقد شاعت ووصلت للقاهرة وصدقها العوام فيها ، فأثارت حفيظتهم ولم ينتظروا حكم القضاء، وتولوا هم إصدار الحكم وتنفيذه ولو كان الأمر مقنعاً للأمير جانبك أمير آخور الكبير لما انتظر أن يعرضهم على السلطان، وهذا ما نأخذه من رواية مؤرخنا، وهو يقول عن الأمير جانبك "فلم يأمر بقتلهم آنذاك حتى يعرضه على السلطان وأمر بسجنهم".  واغتاظ السلطان وأعوانه من تصرف العوام، ليس لأنهم خرقوا ناموس العدالة الإسلامية ولكن لأنهم خرقوا ناموس السياسة المملوكية التى تجعل القتل والحكم واستعمال السلاح مقصوراً على المماليك دون الشعب فلا يصح للعوام" أن يقتلوا بأيديهم ويمسكوا لجام المماليك السلطانية" لذا نودي في المدينة أن أحداً لا يحكم بنفسه ولا يقبض لجام مملوك" وإلا فإذا كان للشعب حرية استعمال السلاح فلا حاجة إذن لوجود المماليك.. وتلك هى فلسفة الوجود المملوكي.

3 ـ طبقا لهذه العقلية كانت عادة سيئة فى تلك العصور أنه إذا حدث أوبئة أو مجاعات ونقصان للنيل فمن السهل أن يعتبر ذلك غضباً من الله تعالى بسبب التهاون مع "أهل الذمة" والسماح لهم بممارسة شعائرهم، لذلك كانت ترتبط المجاعات والأوبئة أحياناً بحركات اضطهاد طائفية تستجلب رضى الله تعالى بظلم الأبرياء !!

أخيرا : يبقى أن نتذكر أن أولئك الظلمة كانوا يؤدون الصلاة الشيطانية فى مساجد شيطانية .!

الفصل العشرون : الصلاة الشيطانية للسلطان قايتباى أكثر السلاطين المماليك ورعا

(1 )

لمحة عن السلطان قايتباى  

 1 ـ السلطان قايتباى حكم من 872 : 901 ، قال عنه المؤرخ ابن الصيرفى أنه ( سلطان عظيم شجاع فارس معدود من الفرسان، دينِّ عفيف الفرج لا يلوط ولا يزني ولا يسكر وله ورد في الليل من صلاة وقيام .).  ( وفي الواقع فسلطان مصر الملك الأشرف أبو النصر قايتباى- نصره الله- سلطان عظيم شجاع فارس معدود من الفرسان، دينِّ عفيف الفرج لا يلوط ولا يزني ولا يسكر وله ورد في الليل من صلاة وقيام".).أى تميز السلطان قايتباى عن غيره من السلاطين والأمراء المماليك بأنه لا يقع فى الزنا ولا فى الشذوذ الجنسى الذى كان سائدا وقتها فى ظل حماية الشريعة السنية و سكوتها عنه . بل إنه يقوم الليل يصلّى ويقرأ الأوراد الصوفية على المعتاد وقتها .

2 ـ   وهو صاحب أكبر عدد من المنشئات الدينية من جوامع ومدارس وقباب ومساجد وسُبُل ( جمع سبيل لرعاية الأيتام وتعليمهم ) ، ومنها : جامع تمراز، جامع أزبك بن تتش، ، مدرسة ومقبرة قايتباى، مدرسة قايتباى في المدينة،  سبيل قايتباى،  قبة قايتباى، قصر  ومدرسة الروضة، جامع جانم، مدرسة أبوبكر بن مزهر، جامع قجماس، مدرسة أزبك اليوسفى ، ومسجد قايتباى بمدينة الفيوم  ومدرسه بقلعة  الكبش . ) . والطريف أن مسجد قايتباى مطبوع على الجنيه المصرى ، كما أن صورته محفوظة فى أوربا . 

3 ـ وقد قام المؤرخ ابن الصيرفى بتسجيل تاريخ السلطان قايتباى باليوم والشهر والعام فى تاريخه ( إنباء الهصر بأبناء العصر ) . قمنا بتحليله فى بحث لنا منشور هنا عن المجتمع الصمرى تحت تطبيق الشريعة فى عصر قايتباى . ومنه نعطى معلومات عن الصلاة الشيطانية للسلطان قايتباى التى كانت ويلة للظلم.

لمحة عن المؤرخ ابن الصيرفى (على بن داود بن إبراهيم الخطيب الجوهرى الصيرفى (819-900)

1 ـ  هذا المؤرخ كتب تاريخه شاهدا على عصر قايتباى. عمل قاضيا يرى السلطان فى مطلع كل شهر، وكان وثيق الصلة بابن مزهر الأنصارى كاتب السّر للسلطان ، أى كاتم أسرار السلطان وسكرتيره الخاص والذى يقوم عنه بكتابة المراسلات للخارج والداخل. أى إن عمله كقاضى يجعله متفاعلا مع الشارع والناس ، مع صلته بالبلاط المملوكى . فهو مؤرخ ينقل أخبار عصره من مصادرها الأصلية ، خصوصا مجتمع الفقهاء والقضاة والمماليك بل والطبقات الشعبية التى  كان يحتكّ بها بطبيعة عمله . وقد غطّي كتاب (الهصر) عصر السلطان قايتباى، خصوصا السنوات الخيرة منه ، حيث كان يؤرخ لهذه السنوات باليوم والشهر،ويورد كل التفصيلات من موقع المشاهدة والمعاينة والمعاصرة والتفاعل مع الأحداث والمشاركة فيها، فقد كان ابن الصيرفي مصرياً صميماً اختلط الناس وعايشهم ومارس التجارة وعاش في الأسواق ثم اندرج في سلك الفقهاء والقضاة وخالط أرباب الحكم والجاه ومن موقعه بين الحكام والمحكومين سجل ما رآه وما عايشه فجاء تاريخه وثيقة حية لفترة غامضة من تاريخ المجتمع المصري في العصر الوسيط.

2 ـ ونستقى معلوماتنا عن الصلاة مما ذكره ابن الصيرفى فى تاريخه . وليست الصلاة عنوانا رئيسا فيما كتبه ابن الصيرفى فى التأريخ لقايتباى وعصره. جاءت إشارات عرضية عنها فى سياق عناوين أخرى تحوى تفصيلات كثيرة ، لذا نضطر الى ذكر تلك التفصيلات فى ذكر الصلاة والمساجد . ولأن السياقات تلك تحفل بالظلم فمن العدل أن نقول إنها صلاة شيطانية .

3 ـ ونضع تلك المقتطفات تحت عناوين كالآتى :

أولا : صلاة السلطان قايتباى اليومية

1 ـ يقول ابن الصيرفى ( وفي يوم الخميس 19 صفر 875 تشاجر الشيخ القاضى أبو بكر الأبشيهي مع القاضى شهاب الدين الصوفي بسبب وظيفة الخطابة في مدرسة المغلبية طاز. وانتهى الصراع بينهما بالوقوف أمام السلطان، وتدخلت أطراف في ذلك النزاع، يقول ابن الصيرفي: ( والمؤلّب على الأبشيهي- كما بلّغني الشيخ الإمام البرهان الكركي إمام المقام الشريف نصره الله .! ) أى كان الشيخ برهان الدين الكركي إمام مسجد القلعة والذى يصلى إماماً بالسلطان منضماً للشيخ شهاب الدين الصوفي ضد الشيخ أبى بكر الأبشيهي، وربما كان الشيخ برهان الدين الكركي هو الذى أوصل القضية إلى السلطان قايتباى. ولأن مؤرخنا ابن الصيرفي من محبي الشيخ برهان الدين الكركي كما يبدو من سطور تاريخه (- كما بلّغني الشيخ الإمام البرهان الكركي إمام المقام الشريف نصره الله .! ). ونفهم أنه كان للسلطان قايتياى شيخ يؤمه فى الصلاة اليومية ، والأغلب أن لا يحضر  هذه الصلوات اليومية خاصة بالسلطان لا يحضرها آخرون ، أى يؤديها السلطان خلف إمامه الخاص .

ثانيا  ـ صلاة السلطان الجمعة :

1 ـ ويفترق الوضع مع صلاة الجمعة التى كانت ضمن الطقوس الدينية السياسية ، توارثها العصر المملوكى عن العصور السابقة خصوصا العصر الفاطمى . 

2 ـ كان هناك نوعان من القضاء : القضاء الخاص بالأحوال الشخصية ، ويتولاه قُضاة الشرع ( السُنّى ) ، ثم هناك القضاء السياسي الذى لا علاقة له بالأحوال الشخصية، ويختص القضاء بالجنايات مثل الاعتداء أوالظلم والضرب والقتل وشئون الدواوين، ويتولى السلطان والأمراء مباشرة القضاء السياسي يعاونهم بعض القضاة، وكانوا يجلسون بالإسطبل السلطانى بالقلعة في أيام السبت والثلاثاء أول النهار ويوم الجمعة بعد الصلاة، وسار قايتباى على هذا الترتيب ، وكان يذهب إليه في موكب يعرف بموكب الإسطبل. وفى عصر قايتباى ( المتدين الورع ) تميّز وقت ما بعد صلاة الجمعة بجلوس السلطان للقضاء السياسى.

3 ـ ولم يكن قايتباى يتخلف عن صلاة الجمعة إلا عند المرض . يقول ابن الصيرفى : ( ولم يحضر السلطان صلاة الجمعة 16 محرم . وصعد الأمراء اليه فى القلعة ، ودخلوا بين يديه فسلموا عليه وسقاهم المشروب وعادوا لمنازلهم. ولم يطع أهل المدينة الأوامر فقاموا بهدم الزينة التى كانوا قد أعدّوها للإحتفال باستقبال السلطان . ) وبعد شفاء السلطان عقدوا له إحتفالا بعد صلاة الجمعة والتى حضرها السلطان ، وكان هذا يوم الجمعة 28  صفر يقول مؤرخنا : ( .. وركب السلطان من القلعة إلى الجامع وصلى الجمعة . ) .. ( وفرشت له الشقق المخمل من باب الحريم إلى باب الجامع .).

ثالثا :  خطبة الجمعة وخطبة العيد

من المعتقدات السائدة في العصر المملوكي الخوف على السلطان إذا كان العيد يوم جمعة وخطب فيها خطبتان، خطبة صلاة العيد وخطبة صلاة الجمعة، ومنشأ ذلك إلى ما تعود الخطباء من الدعوة للسلطان القائم، ومجيء خطبتين في يوم واحد يشير إلى احتمال قيام سلطانين، أى قيام فتنة وذهاب السلطان القائم والاتيان بسلطان آخر. وفي عصر عرف الصراعات السياسية المسلح كالعصر المملوكي التى كانت تعنى حروبا وفتنا وفوضى وسلبا ونهبا للبيوت والمتاجر كان لا بد أن يفتقد  الناس فيه الأمن، وكان أرباب السلطان هم أكثر الناس خوفا وقلقا وافتقاداً للأمن. من هنا كانت حساسية منصب السلطنة وما يتصل بها على المستوى الرسمى والشعبى ، مما سبّب رواج الاعتقاد فى خوف السلطان وآله من حدوث خطبتين فى يوم واحد . لذا كان القضاة يجتهدون في إخفاء رؤية الهلال إذا ترتب عليها مجيء عيد الفطر أو عيد الأضحى يوم الجمعة. ونعطى مثلين مما ذكره ابن الصيرفى :

1 ـ ـ في ليلة الثلاثين من شهر رمضان 875 توجه القضاة إلى مدرسة المنصور قلاوون لرؤية هلال شهر شوال وتحديد أول أيام عيد الفطر، واتفقوا على أنهم لم يروا الهلال حتى لا تكون خطبتان يوم الجمعة، يقول مؤرخنا في ذلك: ( ولم يُر الهلال ، وهو المقصود الأعظم ، لئلا تكون خطبتان في يوم فيكون ذلك بزعمهم على السلطان غير مشكور. فلا قوة إلا بالله.!!). وعلى ذلك جعلوا هلال شوال يوم السبت وجعلوا عيد الفطر يوم السبت، وتلاعبوا بالصيام وشوال تقرباً للسلطان.

2 ـ وفي عيد الأضحى 885 تكرر نفس العمل، وثبت بعدها أن أول ذى الحجة كان ينبغى أن يكون يوم الأربعاء، ولكنهم لم يفعلوا ذلك حتى لا يكون عيد الأضحى يوم الجمعة، يقول صاحبنا : ( وثبت شهر تاريخه بعد ستة أيام أن أوله الأربعاء، وعلى هذا يكون عيد النحر يوم الجمعة ويخطب   فيه بخطبتين.). وذلك ما لم يحدث بالطبع.

رابعا : التوقيت بالصلاة

تبعا للسابق كان التوقيت للأحداث بأوقات الصلوات . 

1 ـ يقول مؤرخنا : ( وفي يوم الجمعة 7 محرم 875 بعد صلاة الجمعة وصل المبشر من الحجاز المسمى قانصوه الجمالى وهو عريان وليس معه أحد سوى هجّان واحد وذكر أن الأعراب فى صحراء الجزيرة العربية سلبوه وعرّوه، ). ويذكر مؤرخنا أنهم ( رجعوا به إلى خيبر وأرادوا قتله، فنهضت امرأة منهم وأظهرت أبزازها ) فأنقذته منهم ( وحضر بهذه الحالة.). الشاهد هنا تسجيل وصولهم فى يوم كذا بعد صلاة الجمعة .

2 ـ ـ ويذكر ابن الصيرفي بعض التفصيلات عن خروج محمل الحجاج يوم الخميس 20 شوال 875  الى بركة الحاج حيث كانت محطة التجمع للحجاج ، وحدث بعض التأخير ، سجله ابن الصيرفى ، ويقول ضمن التفصيلات : (  .. وأقام الأول (أى الركب الأول) بالبركة إلى يوم الجمعة حادى عشر بعد الصلاة، فرحل إلى البويب، ورحل بعده المحمل صبيحة يوم السبت ثانى عشر، وحصل على الحجاج تشويش كبير برحيله، فإن العادة إذا رحل الأول بعد صلاة الصبح يرحل المحمل غد تاريخه بعد الظهر، فرحل هذا من الصبح الأكبر. فلا قوة إلا بالله.). يهمنا قوله : (وأقام الأول (أى الركب الأول) بالبركة إلى يوم الجمعة حادى عشر بعد الصلاة، ). هذا عن صلاة الجمعة فى طريقهم . وقوله : (فإن العادة إذا رحل الأول بعد صلاة الصبح يرحل المحمل غد تاريخه بعد الظهر، فرحل هذا من الصبح الأكبر. ) هنا إشارة الى صلاة الصبح . والمعنى أنهم فى سفرهم الى الحج كان التوقيت بالصلوات .

 3 ـ  يقول ابن الصيرفى عن إبن المقسى ، وهو أحد الشيوخ اللصوص : ( غير أنهم أيضاً ذكرواً أنه سيئ المعاملة جداَ، ومعلوم أن المعاملة هى الدين، وأنه إذا ابتاع شيئاً لايقول في نفسه إلا أنه ملكه،ولا يدفع ثمنه إلا لمن له جاه أو صولة أو شوكة أما الضعفاء والفقراء.. فنهاية ما عنده لهم كتابة الوصولات ، ويكتب بخطه بالصرف على كل وصل، أى وصل نحو العشر مرات ولا يصرف لهم شيئاً وغالبهم يضيع وصوله وغالبهم يتعب وغالبهم يترك والنادر من يتجوه- أى يبحث عن جاه- بأحد حتى يصل إلى بعض شيئ.). إذن نحن هنا أمام نصاب محترف يتقوى بنفوذه على أكل مال الضعفاء ويعطيهم "وصولات" غير قابلة لدفع، أو بتعبير عصرنا "شيك بلا رصيد". ومن خلال هذه المظالم أصبح ابن المقسي من كبار الأثرياء، ويقول عنه القاضى ابن الصيرفي: (   وسمعت أن جامع المقسي الذى هو متحدث عليه قطع غالب معاليم قومته، ( أى مرتبات موظفيه) ، وأبطل ملء فسقيته وغير ذلك ، فدعوا عليه عشاء وضحى وعصراً ومغرباً .والدعاء من المظلوم في الأسحار لا يخطئ.). أى إن ابن المقسي كما كان نهما في أكل أموال الضعفاء وقطع أرزاق الموظفين في المسجد الذى يقوم برعايته كان على العكس من ذلك كريماَ في تعامله مع ندمائه وجلسائه .  يهمنا ما جاء بين السطور عن الصلاة فى قوله : (فدعوا عليه عشاء وضحى وعصراً ومغرباً  )، أى كان المقيمون فى ذلك الجامع كانوا يدعون عليه فى صلوات العشاء والضحى والعصر والمغرب.

4 ـ ولا ننسى أن المقيمين فى بيوت العبادة كانوا موظفين وظيفتهم الصلوات الخمس وصلاة الجمعة والدعاء للسلطان وصاحب الوقف على ذلك المسجد أو الرباط أو الجامع أو القُبّة أو الخانقاه.

خامسا : اللباس الرسمى للسلطان للشتاء والصيف مرتبط بيوم الجمعة وصلاة الجمعة

1 ـ ويقول  مؤرخنا عن يوم الاثنين 26 شوال 873 : ( لبس السلطان الملك الأشرف نصره الله القماش الأبيض المعد لبسه للصيف على العادة في كل سنة، من غير موكب، وهذا بخلاف عادات الملوك، فإن العادة لا يلبس السلطان ذلك إلا في يوم الجمعة عند دخوله إلى الصلاة بموكب  عظيم،   . ) .

2 ـ وفي يوم الجمعة 12 جمادى الأولى 874 يقول : ( لبس السلطان القماش والصوف الملون المعد لبسه للشتاء في كل سنة عند دخوله لصلاة الجمعة . وتأخر عن العادة أكثر من عشرة أيام،) .

3 ـ وفي يوم الجمعة 29 جمادى الأولى 875 يقول:  ( لبس السلطان الصوف الملون ، وألبسه الأمراء الألوف بعد صلاة الجمعة . وتأخر لبسه عن العادة القديمة بعشرين يوماً، أعنى عن عادة الملوك المتقدمين مثل الأشرف برسباى وقبله، وعن السنة الماضية بعشرة أيام.).

4 ـ  وفي يوم الجمعة 15 ذى القعدة 876  ( لبس السلطان نصره الله القماش البعلبكي المعد لبسه للصيف قبل عادته بثمانية أيام، وقيل بثمانية عشر يوماً. ) .

 5 ـ وفي يوم الجمعة 27 صفر 886 الموافق 8 بشنس : ( لبس السلطان نصره الله القماش الأبيض المعد لبسه للصيف قبل صلاة الجمعة وسبق العادة بخمسة أيام، وما قارب الشيء يعطي حكمه.).

 سادسا : الصلاة فى السجون المملوكية

حتى السجون كانت فيها صلاة فى أوقاتها اليومية .  يقول المقريزى عن السجون التى كانت في عصره  ( إن ما يحدث فيها لا يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك بسبب ما يتكدس فيها من الكثيرين في موضع ضيق، فلا يتمكنون من الوضوء والصلاة ، وقد يروى بعضهم عورة بعض ، ويؤذيهم الحر في الصيف والبرد في الشتاء، وربما يحبس أحدهم السنة وأكثر ولا جريمة له ويكون أصل حبسه على ضمان )، أى يكون مسجوناً لأنه ضامن للغير فى ديون ، أى مسجون بلا جريمة ومع ذلك يظل في السجن وقد لا يحس به أحد إلى أن يموت.

سابعا : العقوبة بسبب إهمال الصلاة فى المساجد

1 ـ أوائل ذى القعدة علم السلطان  قايتباى أن الشيخ صلاح الدين المكينى قاضى القضاة الشافعية جعل أحد الشهود قاضياً، واسمه أبو الخير الفيومي الذى كان متزوجاً بإحدى الجواري المعتوقات، وكان متورطاً في قضية سلب وفي لإحدى الأوقاف ضمن مجموعة من الشيوخ ، وقد استدعاهم السلطان وعرف أنهم يأكلون إيراد الوقف ولا يعطون المستحقين شيئاً ، بل ولا حتى يقيمون في شعائر الصلاة. وحقّق معهم السلطان بنفسه ، ولم يستطيعوا الدفاع عنه أنفسهم أمام السلطان . فأمر السلطان القضاة الأربعة بأن يعين كل منهم نائباً عنه للجلوس بالجامع الذى فيه الوقف وفحص مستنداته وموارده ومصروفاته ويعلمون السلطان بذلك.

2 ـ وفي أول شهر ربيع الآخر يروى إبن الصيرفى أن ( صعد القضاة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وصحبهم شخص اشتكي للسلطان القاضى الشافعي بسبب خان السبيل الذى تحت نظره ، وأخبر بأن بالخان مسجداً ، وأن الجمّالين جعلوه مخزناً لمتاع الجمال وخياطة الزرابيل، وأنه حاول منعهم فتغلب عليه أعوان القاضى الشافعي ). أى إن أعوان القاضى الشافعى جعلوا المسجد مزبلة للجمال والجمّالين مع أنهم القائمون على رعاية المسجد والانفاق عليه من الأوقاف الخاصة به. أى أكلوا أوقاف المسجد وجعلوا المسجد مزبلة بأجر. وعن طريق شيوخ آخرين منافسين لقاضى القضاة الشافعى تمكن هذا الرجل من الوصول للسلطان والشكوى اليه . أى أن التنافس بين الشيوخ ودسائسهم فى بعضهم كانت من عوامل فضحهم أمام السلطان. 

ثامنا : العقوبة على ترك الصلاة

القاضى علم الدين إبن الهصيم، يقول عنه مؤرخنا ابن الصيرفي "كان عرباً عن الإسلام كثير الميل إلى دين النصرانية مدمناً على السكر لا يكاد يوجد صاحياً لحظة، ولما تولى البباوى الوزر- أى الوزارة ـــ طلبه وضربه ثلاث علقات في مجلس واحد بسبب أنه لم يشهد صلاة الجمعة ). وقد مات يوم الأحد 7 ربيع الثانى 874 ودفن يوم 10 من نفس الشهر، وصلوا عليه بباب النصر، ويقول عنه ابن الصيرفي : ( ودفن بمقابر المسلمين ، والله أعلم بما هو عليه. !). هنا عقوبة للقاضى لأنه لم يشهد صلاة الجمعة.

أخيرا :

هذا السلطان الورع الذى يقوم الليل يقرأ الأوراد ويحرص على تأدية الصلوات الخمس بإمام خاص يؤمه فيها ، والذى أقام مساجد وبيوتا للعبادة .. هل كان عادلا يقيم القسط بين الناس أم كان ظالما ؟ هل كان بصلاته يؤمن بالله جل وعلا وحده أم كان بصلاته عبادته يؤمن بالمال إلاها أعظم ؟

( 2 ) صلاة السلطان الورع قايتباى من أجل المال (إلاههم الأعظم )

مقدمة :

1 ـ شأن الخلفاء الفاسقين وغيرهم من الملوك والسلاطين فالإله العظم لديهم هو المال ، وهم يستخدمون كل الوسائل لسلبه من ( الرعية ). وأكثرهم ظلما وجشعا هم الذين يستخدمون التدين فى تسريغ ظلمهم ونهبهم ، وبهذا تكون صلاتهم ليست لرب العزة جل وعلا بل للشيطان الذى يأمر بالفحشاء والمنكر.

2 ـ والسلطان قايتباى كان أكثر سلاطين المماليك ورعا بالمفهوم الصوفى ، ومن ورعه هذا تجلى جشعه فى جمع المال. كان قايتباى أغنى فرد فى دولته ، ولكنه لم يقنع بما لديه ، ولم يقنع بالضرائب المعتادة التى كان يجبيها أسلافه ففرض المزيد ، وتنوعت الضرائب فى عهده ، منها مكس البضائع- الجمارك، زكاة الدولة، وما كان يجبي إذا حضر مبشر بفتح حصن، وما يجبي من أهل الذمة، ما يجبي من التجار عند سفر العسكر إلى الحرب ، وعند وفاء النيل، ضمان القراريط من كل ما يباع من الأطيان بنسبة 2% من ثمن البيع حتى لو تكرر بيع الأطيان في الشهر الواحد، ثم ما يؤخذ من أهل الشرقية من الخيل والجمال والبقر إذا سرحوا للصيد في بركة العباسة. بالاضافة الى هذه الضرائب كان يحصل على الأموال السائلة والعينية بطرق مختلفة .

3 ـ وقد كان المؤرخ المملوكى الارستقراطى أبو المحاسن بن تغري بردي جريئا فى نقد السلطان قايتباى وجشعه ، ومات هذا المؤرخ سنة 874 فحرمنا من أخباره ونقده للسلطان ، وانفرد مؤرخنا ابن الصيرفي بالساحة يسجل الأحداث بالطريقة التى تحلو له في دفاعه عن سيده السلطان، وبمقارنة ما ذكره ابو المحاسن بما ذكره ابن الصيرفى نجد ابن الصيرفى تجاهل الكثير من مظالم قايتباى ، ونجد ابن الصيرفى منافقا يحاول الدفاع عن سيده السلطان قايتباى الذى كان يعمل قاضيا فى دولته يسير على طريقة شيخه المؤرخ القاضى ابن حجر العسقلانى بينما كان ابو المحاس حاد النقد يسير على طريقة شيخه المقريزى

ونعرض لأمثلة لما ذكره ابن الصيرفى :.

أولا :

 الهدايا الاجبارية ( التبرع الإجبارى )

بالإضافة إلى الضرائب كان للسلطان الحق في الحصول على هدايا (إجبارية) أو بتعبير عصرنا "تبرع إجبارى" وكيف يكون تبرعاً ويكون إجبارياً في نفس الوقت؟ هنا المأساة والملهاة أيضاً فى حكم العسكر قديما وحديثا حيث تستوجب السلطة سلب الثروة طوعا أو كرها.

1 ـ في شهر شعبان سنة 874 جاءت للسلطان تقدمه (أى هدية قدمت له) مقدارها مائتا ألف دينار .

2 ـ وكان يكفي للسلطان أن يشير من طرف خفي لتنهال عليه الهدايا (الإجبارية).. ففي يوم الاثنين 22 ذى القعدة 875 كان السلطان يتنزه على ساحل بولاق وهناك سأل عن بيت ابن مزهر وهو كاتب السر، وفي الصباح التالى جهز ابن مزهر للسلطان هدية من السكر المكرر عشرة قناطير ومن الأغنام السمينة عشرين خروفاً، ولولا الرغبة والرهبة ما تكلف كاتب السر كل هذا..

3 ـ  وكان السلطان يأخذ (الهدايا) لكى يطلق سراح المساجين السياسيين، ففي 7 ربيع الأول 875 أطلق السلطان سراح الأمير خاير بك الذى كان دوداراً في سلطنة الظاهر تمربغاً وذلك في مقابل عشرين ألف دينار، وكان الذى توسط في الصفقة المحتسب يشبك الجمالى وناظر الجيش.

ثانيا :

المآدب والضيافات

1 ـ يروى ابن الصيرفى نزهة للسلطان قام بها يوم الجمعة 10 ربيع الأول 875 وذكر ما استهلكه السلطان من هدايا، ولم يذكر بالطبع ما ارتبط بذلك من ضرر ونهب للفلاحين. يقول مؤرخنا : ( وكان السلطان نصره الله عزم في يوم الجمعة ـــ الذى هو العاشرـــ أن يتوجه إلى خليج الزعفران ويقيم به ثلاثة أيام للتفرج والتنزه، وجهز له المقر الأشرف الكريم العالم أمير داودار الكبير ـ دامت سعادته يشبك من مهدى ــ من الأغنام المعاليف (أى السمينة ) عشرين معلوفاً سعر سبعة دنانير الواحد ومن البداري خمسون بدرياً ومن الحلوى ثمانية قناطير ومن السكر ستة قناطير ومن الأرز والدجاج المعلوف ما قيمته مائة دينار وغير ذلك. وجهز المباشرون تقادمهم من سكر وحلوى وفاكهة وأرز ودجاج وغنم ومعاليف، وجهز أيضاَ المقر الزينى أبو بكر بن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط عشرين معلوفاُ وفاكهة وحلوى وسكراً، فاقتضى الحال أن السلطان ركب يوم الجمعة بكرة النهار فسيرَّ ورجع إلى القلعة وبطل الفرجة.). فأرباب الوظائف وهم أرباب الظلم جهزوا للسلطان كل هذه الأطعمة من عرق الفلاح المصري الذى لم يتخيل حتى في الأحلام أن تؤخذ له صورة بجانب تلك الأكداس الشهية التى يسيل لها لعاب عدة بلاد من الفلاحين الجوعى.

2 ــ وعاد السلطان إلى نزهته تلك يوم الثلاثاء 14 ربيع الأول وظل فيها إلى يوم الجمعة 17 ربيع الأول حيث عاد للقلعة وصلى الجمعة بها بعد أن ذبحت له الذبائح من الأبقار المسمنة والأغنام المعاليف والحلوي والسكر والفاكهة، على حدّ قول مؤرخنا الذى يذكر ( وحتى من جملة ما صرفه عظيم الدنيا الداودار الكبير حفظه الله ألف دينار وقس على هذا المباشرين بأجمعهم، غير أن شخصاً مسجوناً بسجن الجرائم مشهوراً بالأذى والنحس كان قبض عليه من مدة فهرب من السجن ثم حصِّل ( أى قبضوا عليه) فرسم السلطان بكحل عينيه.).!.فالسلطان ذبحوا له الذبائح المسمنة مع الحلوى والسكر والفواكه وكان وقتاً سعيداً عند مؤرخنا ابن الصيرفي أن يتمتع السلطان بكل ذلك لولا أن شخصاً هرب من السجن ثم اعتقلوه وأمر السلطان بكحل عينيه بالحديد المحمى بالنار حتى فقد نظره كي لا يستطيع الهرب من السجن بعدها .!.  ونقم مؤرخنا على ذلك السجين الهارب لأنه عكر صفو الحفل بهروبه وما كان ينبغى له أن يفعل حتى لا يتعكر مزاج السلطان الورع .!!.

ثالثا :

السلطان قايتباى يصادر أموال الأحياء:

 والسلطان الورع قايتباى كان يصادر أموال الأحياء .ففي يوم الأربعاء 17 رجب 876 أمر السلطان بمصادرة ممتلكات ابن زوين كاشف- أى والى ـ الغربية، يقول في ذلك مؤرخنا "وارسل السلطان إلى الغربية بالحوطة على موجود ابن زوين الكاشف بها من صامت وناطقُ أحضروه فأخذ أحسنه ورد عليه أخسه". أى إغتصب منها ما يريد وترك ما لايريد. منتهى الكرم والأريحية .!!

رابعا :

 وكان السلطان قايتباى الورع يلتهم التركات ويأكل أموال اليتامي ظلماً.

فى شريعة السلطان الورع قايتباى كان يعتبر نفسه شريكاً ووارثاً في التركة على أساس أنه رئيس المماليك وسيدهم ، هذا ما نفهمه من الأحداث التالية :

1 ـ عندما مات الأمير يشبك جن 875 أخذ السلطان خيوله وجماله ومماليكه ويرقة ، ( أى عتاده الحربى) وكل متاعه . يقول ابن الصيرفي "وهكذا شأن الزمان". أى هذا هو الشرع  المعتاد.

2 ـ وعندما مات الأمير بردبك البجمقدار 875 بالشام بعث السلطان الأمير قجماس ليستحوذ على تركته وتركة داوداره أبى بكر وكان قد توفي هو الآخر، ووصل الأمير قجماس للقاهرة يوم الأحد أول جماد الثاني 875 ومعه تركة الاثنين، يقول ابن الصيرفي "فبلغنى أن النقد خاصة أربعون ألف دينار خارجاً عن القماش والصوف والسنجاب والسمور والقاقل والبعلبكي وهو شيء كثير جداً، وكذلك الذهب المزركش".

3 ـ وفي نفس اليوم الأحد أول جماد الآخر 875 حضرت بنت خوند شقرا للسلطان لتصالح على تركة زوجها فردها السلطان إلى حيث جاءت منه، فركبت أمها خوند شقرا إلى الداودار الكبير وسألته في أمر بنتها فرضى عنها السلطان بشرط أن تدفع عشرة آلاف دينار فامتنعت . فأمر السلطان بمصادرة كل التركة وجئ بالتركة للسلطان ليراها. ثم قرر السلطان في يوم الخميس 5 جماد الآخر اهداء كل التركة إلى الدوادار الكبير، وفي النهاية تم الصلح بينها وبين السلطان في شعبان 875 على أن تدفع للسلطان عشرين ألف دينار وتأخذ تركتها"

4  ـ ولذلك كان بعضهم يتقرب للسلطان بإفشاء أسرار تركات الغير، ومن ذلك أن الأمير تغري بردى قريب السلطان كان عينا للسلطان على الدودار الكبير، وبعد موت الداودار الكبير في الشام عين السلطان قريبه تغري بردي في الاستادرية الكبرى، يقول المؤرخ ابن الصيرفي في تعليل ذلك:  "وكيف لا وهو يسد الوظيفة ويطلعه على أموال أستاذه وذخائره وودائعه" أى كان يطلع السلطان على كل أموال الداودار الكبير مما سهل على السلطان أن يحصل عليها بعد موت الداودار، وكافأ تغري بردى بالوظيفة الكبري، أما ابن الداودار الكبير الذى كان طفلاً فقد ضاعت حقوقه.

5 ـ وإذا كانت شريعة السلطان المملوكي تبيح له مصادرة تركات أتباعه من المماليك فكيف تبيح له سلب تركات أعيان المسلمين ؟.

5 / 1 : التاجر ابن سويد ت 873 من أعيان مصر القديمة ، وكان فقيهاً تاجراً ترك مالاً كثيراً . وقد أخذ السلطان من الأولاد الورثة ستة آلاف دينار.

5 / 2 :  وتوفي في نفس العام حسن بن بغداد شيخ أعراب الغربية بمحلة مرحوم وكان لديه مال جزيل، يقول ابن الصيرفي عن ورثته "وأخذ السلطان منهم ما أرضاه".

5 / 3 : وتوفي التاجر ابن كرسون يوم السبت 6 ربيع الآخر 875 وخلف ولداً وبنتاً وزوجة ومالاً كثيراً، وكان ذلك التاجر معروفاً بالتقوي وإخراج الزكاة في موضعها، ويقول ابن الصيرفي عما حدث لتركته "واختلف الناس في أمره ، فمن قائل أن السلطان ختم على الموجود ( أى صادر التركة كلها ) ، ومن قائل أن السلطان لم يتعرض له ولكن ناظر الخاص- أى القائم على رعاية أملاك السلطان- لابد له من شيء ( أى لا بد أن ينال شيئا من التركة ) فإنه يتعلل على ورثته بأن في جهته مالاً من جهة المكوس ، ( أى عليه ضرائب من الجمارك ) ، والله أعلم.") أى لابد من سلب التركة بأى طريق. ومعناه أن زبانية السلطان كانوا يشاركونه في نهب أموال اليتامى ظلماً بعد وفاة عائلهم.

5 / 4 : وقد توفي الشيخ كمال الدين النويرى 873 وخلف من الذهب النقد تسعمائة دينار، وقد أخذ الوزير منها سبعمائة دينار خالصة غير ما أخذه مباشرو أرباب المواريث على حد قول ابن الصيرفي. فماذا تبقى للورثة ؟

خامسا :

سجن الضحية للحصول على أمواله : الاعتقال لابتزاز الأموال

1 ــــ وكان بعضهم يتفنن في إخفاء أمواله حتى إذا مات تمتع بها الورثة بعيداً عن علم السلطان، والسلطان من ناحيته كان يلعب معهم لعبة القط والفأر فلا يتردد في اعتقال المقربين للمتوفى ليدلوه على المستور من تركته. ففي عيد الأضحى سنة 885 اعتقل السلطان شاباً صغيراً هو ابن يحيي الأنصاري وقد مات أبوه، والسبب أن أخاه الكبير ذكر للسلطان أن أباه ترك مالاً خبيئة عند ذلك الشاب، فطلبه السلطان وقرره فاعترف الشاب أنه وجد من تركة أبيه خاتماً من عاج مخروط وله فص منقور فوجد تحت الفص ورقة مكتوب فيها "ذخيرتي في مكان كذا وأنكم تعطونها أو تقسموها بين أولادي النساء والرجال إلا ولدى الكبير فإنه أخذ حصته" وذكر الشاب أنه توجه فلم يجدها في المكان الذى ذكره، فاحتد السلطان عليه وأمر باعتقاله. ثم قام الشيخ زكريا الأنصاري بالتشفع فيه عند السلطان فأمر السلطان بتحليفه فحلف الشاب أنه ما أخذ الذخيرة (التركة)، يقول ابن الصيرفي "ثم أطلقه السلطان بعد أن عدد له أموراً من كذا ، وأنه في كل ليلة يضيع خمسين ديناراً على الرحابية (مغنية مشهورة في ذلك العصر) وأمثالها والله المستعان، وأخبار الناس عند هذا السلطان معروفه مضبوطة فنسأل الله الستر والسلامة ونعوذ بالله من كلام العدا واختلافهم".وهذا يعني أن للسلطان شرطة سرية كانت تراقب الورثة وأحوالهم وماذا كانوا قد خبأوا عن السلطان شيئاً. ونفهم من تعليق ابن الصيرفى مدى هلعه من السلطان الورع وأجهزته الأمنية ..

2 ـ وكثيراً ما يدفع الورثة الصغار الثمن حبساً بعد أن يضيع السلطان أموالهم. في يوم الاثنين 8 صفر 875 هربت زوجة المباشر بالبحيرة عندما علمت بوفاة زوجها حتى لا يستولى السلطان على التركة، فأمر السلطان باعتقال ولدها الصغير الذى ليس لها سواه وعمره أقل من عشر سنوات، يقول ابن الصيرفي "ورسم عليه لأجل أخذ المال". أى كان السلطان يقوم الليل يصلى ويقرأ القرآن ويرتل الآيات التى تجعل أكل مال اليتيم كالذى يأكل النار في بطنه.. ثم يختم بسجن الأطفال الأيتام إن لم يساعده أهلوهم على أكل أموالهم بالتى هى أحسن.

3 ـ وبعضهم كان يحتال لإخفاء أمواله أو النفيس منها حتى لا تضيع كلها في المصادرة إذا حصلت، وكان السلطان يلعب معهم نفس اللعبة فيحتال للحصول على كل الأموال الظاهرة والخفية، فقد أمر السلطان باعتقال عبد كان للاستادار زين الدين كما أمر باعتقال سكرتيره عبد الوهاب وباعتقال جاريته قمر، وكان السبب في اعتقال الثلاثة هو إرغامهم ليدلوا على الأموال المخبأة عند زين الدين الاستادار، وظل الجميع في السجن عدة أشهر حتى تم إطلاقهم في عيد الفطر 876.

4 ـ  وقد ترتبط المصادرة للمال بالمصادرة للحرية، أى السجن. ففي يوم الثلاثاء 21 جماد الأول 876 أمر السلطان بالقبض على صيرفي جدة ، واسمه ابن عبد الرحمن وأمر بأن يؤخذ منه عشرون ألف دينار، والسبب في سجن الصيرفي المسكين أن السلطان أراد اقتراض عشرة آلاف دينار من إحدي السيدات كانت أماً للمحتسب وشاهين والى جده، وقد طلب السلطان من المحتسب وشاهين والى جده التوسط لدى هذه السيدة ليقترض منها العشرة آلاف، ولكن السيدة اعتذرت وأظهرت العجز والفقر، فغضب السلطان وأمر باعتقال صيرفي جده ، وطلبه في خلوة ليعرف منه أسرار ومدخرات والى جده، ولما لم يحصل منه على طائل صادر منه عشرين ألف دينار. وابن الصيرفي بعد أن ذكر الحكاية قال يدافع عن السلطان دفاعا هزيلا مضحكا : "وفي الواقع فهذا السلطان آخر الملوك العادلة فإنه خوّل المحتسب وشاهين في البلاد المصرية والحجازية".!!. لم يذكر المؤرخ القاضى كيف يكون أغنى فرد فى عصره محتاجا الى الاقتراض من إمرأة .!

5 ـ ولم يقتنع السلطان باعتقال صيرفي جده، فقد جاءته معلومات بأن المحتسب وزوجته وشاهين نائب جده وأم أستاذهم الصاحب جمال الدين قد وضعوا أيديهم على جواهر وأموال وتقاسموها، فهدد السلطان الموظفين الآخرين الذين لهم اتصال بالموضوع، وهدد السيدة فأرسلت للسلطان خمسة آلاف دينار فردها إليها، وحدث الجفاء بين السلطان والمحتسب بسبب ذلك.  

(3 )

التعذيب هو  صلاة السلطان الورع قايتباى للحصول على المال ( إلاههم الأعظم )

مقدمة

1 ـ يمكن إعتبار التعذيب نوعا من الصلاة الشيطانية للحاكم المستبد المتدين ، يستخلص بها أموال الناس ، والمال هو إلاههم العظم ، والتعذيب هى صلاتهم الشيطانية فى ( التقرب ) لهذا الإله الشيطانى.! ونعطى بعض التفاصيل :

أولا : أنواع التعذيب  : تفنن المماليك في التعذيب:

التعذيب بالضرب:

1 ـ  كان الضرب هو الوسيلة المثلى للتفاهم مع المتهم في أى جناية حتى لو كان بريئاً مظلوماً، ففي يوم السبت 21 صفر 886 ضربوا الشريف الأكفاني المتهم بقتل زوجته ضرباً مبرحاً نحو خمسمائة مقرعة وعصياً.. ثم أمر قايتباى بحبسه في سجن المقشرة. ولم تثبت عليه التهمة . ولا يزال هذا ساريا فى مصر وغيرها.

2 ـ وكان الضرب أحياناً يفيد، ففي يوم الاثنين 20 صفر 877 شكوا تاجراً إلى الداودار الكبير يشبك من  مهدي أنه أخذ من التجار بضائع إلى أجل، وحين جاء الأجل رفض أن يدفع ما عليه بسبب ما عليه من ديون، فأمر الداودار بضربه، ولما ذاق الضرب المملوكي ( صار يصرخ ويقول: ادفع الحق..) فأمر الداودار أن يعمل أجيرا في الحفير ويدفعوا أجرته لمن له في ذمته شيء.

3 ـ لم يكن الضرب هو العقوبة الوحيدة، فالتكنولوجيا المملوكية في التعذيب كانت رهيبة..

عقوبة الشي بالنار:

ثانى أمير فى سلطنة قايتباى كان الداودار يشبك من مهدي . وهو صاحب القبة التى لا تزال حتى الآن تتوسط ما يسمى بميدان القبة . و ( القبة ) تعنى مسجدا مشهورا بالقبة التى تعلوه . هذا الأمير جمع بين التدين والقسوة المفرطة . وقد ظفر بأحد مشايخ الأعراب من بنى عدي فضربه بالمقارع وأمر بأن يشوى بين يديه بالنار وهو حى فصار يستغيث ولا يغاث، وأخر الأمر أطلقه ،بعد أن قيل للأمير الداودار: (لا يعذب بالنار إلى خالقها.) . وحدث ذلك يوم الخميس 14 ربيع الأول 874.

عقوبة السلخ والتشهير:

1 ــ أى سلخ جلد الضحية وهو حىّ .!!. وكان الضحايا من زعماء الأعراب الثائرين على الدولة.

2 ـ في يوم الأربعاء 18 ذى الحجة 873 أمر السلطان قايتباى بسلخ ابن سعدان أحد مشايخ الأعراب من مدينة فوّة. وفي يوم الخميس 5 جمادى الآخر 875 قبض الداودار الكبير يشبك من مهدى على ( عيسى ابن بقر) أحد مشايخ الأعراب وأمر بسلخه، ثم أمر السلطان بالتشفع فيه إذا دفع عشرة آلاف دينار، وجاء البشير إلى الضحية وهم يسلخونه فوجده قد قطعوا من رأسه قطعة فقال: أنا أوزن- أى أدفع الدنانير وأنقذ نفسه.

3 ـ وأحياناً كان السلخ مرتبطاً بالتشهير، أى يطاف بالمسلوخين المساكين في شوارع القاهرة ليتفرج عليهم الناس وينادى عليهم المشاعلى هذا جزاء من يفعل كذا، وفي النهاية يتم صلبهم حتى يموتوا أمام أعين الناس. وربما جاء تخويف الأطفال المصريين من ( ابو رجل مسلوخة ) من مشهد أولئك المسلوخين وهم يطاف بهم على أعين الناس الذين كانوا يصحبون أطفالهم . وفي يوم السبت 29 ذى الحجة 876 طافوا في شوارع القاهرة بثلاثة مسلوخين من أكابر أعراب بنى حرام ، كان قد قبض عليهم الأمير قنصوه من جوار غيط الشيخ إبراهيم المتبولى فسلخهم وجهزهم- على حد قول مؤرخنا- وبعد أن طيف بهم في القاهرة أرسلوا إلى خارجها ليصلبوا أياماً ويرتدع المفسدون من قطاع الطرق من الأعراب.

4 ـ  وتفنن المماليك في جريمة السلخ، فأحيانا كانوا يسلخون الضحية المسكين ثم يحشدون جلده تبناً أو قطناً يطوفون به في الشوارع جنبا الى جنب مع الضحية المسلوخ . ففى أواخر جمادى الأول  875 وصل ابن زوين كاشف الغربية وصحبته رجل من العريان يسمى عبد القادر حمزة مسلوخاً وقد حشي جلده قطناً ومعه عدة رؤوس آدميين مقطوعة ، وصار يشهرهم فى شوارع القاهرة ، إلى أن وصل به إلى بيت الداودار الكبير، وتصادف أن الأمير تمراز الشمسي رأى الضحية المسلوخ عبد القادر حمزة فعرفه، وكان تمراز كاشفاً للغربية قبل ابن زوين ، وكان يحمى عبد القادر حمزة وصديقا له ، فعندما رآه في ذلك الحال هجم على ابن زوين

وضربه.

ثانيا : التعذيب أرهب الموظفين من مقابلة قايتباى:

1 ـ لذا كان خوف موظفي السلطان عظيماً حين يستدعيهم للحساب، وكان خوفهم أعظم حين يعزلهم عن الوظيفة،وما يعنيه العزل من إحتمال السجن والمصادرة والتعذيب حسب السّنة السائدة . وقد هرب القاضى تاج الدين بن المقسى ناظر الأملاك السلطانية (ناظر الخاص) والسبب أن السلطان عزله، فبادر بالهرب خوفاً من المصادرة والتعذيب، وعيّن السلطان بدلاً منه ابن الكويز في يوم الخميس 12 شعبان 874.

2 ـ وفي يوم الاثنين 9 ربيع الآخر في نفس العام 874 مات القاضى المشهور فى عصره : عبد الرحيم ابن البارزي، مات خوفاً من السلطان.فقد جاء من الشام لمصر ، وأرسل هدية للسلطان فردها السلطان عليه غاضباً، وبلغه أن السلطان توعده قائلاً : ("عند من يهرب منى ؟ هذا هو وقع في القفص ). هلع المسكين مما سمع، يقول ابن الصيرفى:( واشتد مرضه بالصرع فمات.).مات خوفاًورعبا من السلطان الورع قايتباى .!!

3 ـ وعلينا أن نعذر الشيخ عبد الرحيم ابن البارزي حين مات خوفا ، فالشيخ عبد الرحيم يعى تماماً تفنن المماليك في التعذيب والعقوبات.ولعل الشيخ عبد الرحيم في أيامه الأخيرة كان يتذكر وهو يرتجف كلمة السلطان "عند من يهرب منى؟ هذا هو وقع في القفص" ولعل الشيخ عبد الرحيم كان له فهمه الخاص لعبارة السلطان "هذا هو وقع في القفص" وربما أدى تفكره في هذه العبارة إلى أن قضى نحبه. هذا لأن الشيخ عبد الرحيم شهد ما حدث للوزير الأهناسي في ربيع الأول 873 بعد أن صادره السلطان ( وأجرى  عليه العقوبة) على حدّ قول مؤرخنا ابن الصيرفى الذى أورد وصفا لما حدث لهذا الوزير ، إذ علّقه السلطان في شباك أو قفص حديد ( بأصابع يديه ، فما تحمل وأذعن ، ودفع للسلطان ألفى دينار".)، ولا ريب أن الشيخ عبد الرحيم ابن البازري حين قدم القاهرة عرف أن يحيي بن عبد الرازق صادره السلطان للمرة الثانية وظل يعذبه حتى طار لحم جسده ومات في 18 ربيع الأول 874 وكان تذكره لمأساة يحيي بن عبد الرازق مما عجل به إلى الموت في الشهر التالى يوم 9 ربيع الآخر 874 أى أن الشيخ عبد الرحيم "أخذها من قصيرها ومات"

ثالثا : تفنن المماليك فى القتل

القتل بالتوسيط:

1 ـ  والجبروت المملوكى إستخدم التعذيب حتى فى تنفيذ عقوبة القتل ، فلم يكتف في القتل بقطع الرقبة وإنما ابتدع التوسيط وهو قطع الضحية نصفين. وتلك إحدى منجزات الشريعة السنية فى العصر المملوكى .وهى تعبر عن رغبة المماليك فى أن ينفردوا وحدهم بالسلب والنهب ، لذا إستعملوا أفظع طريقة فى القتل لارهاب قطّاع الطرق من الأعراب وغيرهم لأنهم ينافسون المماليك فى نهب الناس .

2 ـ وشريعة التوسيط لها طقوسها : أن يعرى المحكوم عليه بالإعدام من الثياب ثم يثبتون أطرافه بالمسامير فى  خشبتين على شكل صليب ويطرح مصلوبا عليها ، ويوضع على ظهر جمل .وتسمى هذه العملية بالتسمير. وربما يطاف به في شوارع القاهرة على هذا الحال وهذا هو التشهير . ثم يأتى السياف فيضرب المحكوم عليه بقوة تحت السرة فيقسم الجسم قسمين من وسطه فتنهار أمعاؤه إلى الأرض.

3 ـ  في يوم السبت 13 ذى القعدة 875 أمر السلطان بتسمير ستة أشخاص من قطاع الطرق وأن يتم توسيطهم بقليوب، فأشهروهم على الجمال تحت قيادة الأمير يشبك بن حيدر صاحب الشرطة، وطبقا لما أورده ابن الصيرفى فقد ذكر  صاحب الشرطة عنهم "أنهم قتلوا رجلاً بقليوب وأخذ ماله وحرقوه بمستوقد . وأمثال ذلك من التهجم والقتل وقطع الطرق" ويستطرد مؤرخنا قائلاً "وذاك ذنب عقابه فيه، ووسطوا بقليوب أو قربها وعلقت جثثهم ليرتدع أمثالهم عن هذه الأفعال المنكرة . ) ويختم مؤرخنا بقوله ( ..رب سلّم !!.)

4 ـ وفي اليوم التالى وهو 14 من ذى القعدة 876 أمر السلطان بتسمير أربعة من العربان والمفسدين على الجمال، اثنان بالجيزة واثنان من غيرها، وأشهروهم بالبلد، ووسّطوا منهم اثنين بباب النصر بالقاهرة لقربهم من أعراب بنى حرام ووسطوا اثنين بمصر لقربهم من الجيزة.

5 ـ وحيكت أساطير عن موضوع التوسيط، يقول مؤرخنا "وبلغني أن شخصاً من العريان يسمى ابن زعازع قبض عليه الداودار الكبير لما بلغه من الجرائم والمفاسد، وأمر بتوسيطه، فضربه المشاعلى بين يديه نحو سبع عشرة مرة ، فلم يقطع فيه السيف بل ينقلب" وزعموا أنه معه حرزا يحميه من التوسيط.

6 ـ  وحمل التاريخ المملوكي بعض المآسي الدرامية للمحكوم عليهم بالإعدام.

قبل عصرنا بقرنين، أى في شهر جمادى الأول 680هـ يروى المقريزى أنهم قبضوا على قاطع طريق مشهور اسمه الكريدى، فسمّروه على جمل ، وأقاموا عليه أياماً يطوفون به في أسواق مصر والقاهرة ، وتعاطف معه الحارس الموكل به فقطع عنه الطعام والشراب، فلما جاع وطلب الطعام(قال له الحارس :إنما أردت أن أهون عليك لتموت سريعاً حتى تستريح مما أنت فيه، فقال له: لا تقل كذا فإن شر الحياة خير من الموت!! فناوله الطعام والشراب، فأتفق أنه شفعوا فيه ، فأطلقوه وسجنوه فعاش أياماً في السجن ثم مات). وأغلب الظن أنه مات بعد أن تسممت جراحه.

القتل بقطع الخصيتين:

1 ـ وتفنن المماليك في التعذيب وإيقاع العقوبة ووصل إلى مناطق لا تخطر على البال.في سنة879 أمر قايتباى بقطع خصيتى مملوك يقال له شاهين ، كان خازندار الأمير اينال الأشقر، لارتكابه جريمة خلقية، وصادفت هذه العقوبة وجود شخص يهودي خبير بالإخصاء بمصر العتيقة.

2 ـ  والأتراك- ومنهم كان أكثرية المماليك- كانت لهم معرفة بهذه النوعية العجيبة من القتل والتعذيب، وبدأ ذلك قبل عصرنا بستة قرون. إذ يذكر الطبرى أن الأتراك المتغلبين على الخلافة العباسية ثاروا على الخليفة المهتدي وقتلوه، ويحكي الطبرى كيفية قتله فيقول" أمروا من عصر خصيته حتى مات" وذلك سنة 256.3 3 ـ وأحيت الدولة المملوكية ذلك التقليد العجيب في القتل فمات بهذه الطريقة أول سلطان مملو"RTL">الصلاة الشيطانية والسجون المملوكية

مقدمة :

1 ـ لم يرد ذكر السجن فى القرآن الكريم تشريعيا ضمن العقوبات ، وجاء ذكره فقط  عن مصر فى قصة يوسف وفرعون ، ومنه نأخذ الملامح الآتية المعبرة عن النظام الفرعونى المصرى والذى لا يزال سائدا مع الديكتاتورية المصرية العتيقة العتيدة :

1 / 1ـ السجن وسيلة عقابية للمجرمين فى الدول الديمقراطية وطبقا لقانون عقوبات صاغته مجالس تشريعية وحكم به نظام قضائى يتحرى العدل . فى دولة الفرعون المستبد يكون العقاب بالسجن لمن يغضب عليهم المستبد وأصحاب النفوذ . لذا هددت إمرأة العزيز يوسف بالسجن إن لم يفعل بها الفحشاء ( يوسف 32 ) ، وهدد فرعون موسى نبى الله موسى بالسجن إن إتخذ إلاها غيره ( الشعراء 29 ) . أى إن المستبد وأعوانه يهددون بالسجن من لا يستجيب الى رغباتهم الدنيئة . كان هذا ـ ولا يزال ـ سائدا وساريا.

 1 / 2 ـ لا يوجد تعذيب فى سجون الدول المتقدمة ، لأن السجن فيها لاصلاح المجرمين وليس للإنتقام منهم . يختلف الوضع فى دولة المستبد ، فهو لا يكتفى بالزجّ بالأبرياء فى السجون بل يعذبهم جسديا. لذا إرتبط السجن المصرى بالتعذيب الأليم فى قول إمرأة العزيز لزوجها عن يوسف ( يوسف 25 ).

1 / 3 ـ والمتهم يتمتع بالاحترام ويتم بهذا خطابه رسميا حتى بعد إدانته وهو فى السجن . ولمست هذا بنفسى حين زرت سجنا أمريكيا . أما فى السجن المصرى فالأبرياء فيه يلاقون الإهانة والإذلال ، تعذيبا نفسيا مضافا للتعذيب الجسدى ، وهما مقترنان ، فالسجين يسمع اللعنات ويتلقى اللكمات. ونرى إرتباط السجن المصرى بالإذلال فى قصة يوسف ( يوسف 32 ).

2 ـ السجن المصرى الحالى يتشابه فى كثير مع السجن المملوكى من حيث الظلم المقترن بالصلاة الشيطانية ، وفى توقيع أكبر إيلام جسدى ونفسى بالضحايا . ولكن السجن المصرى الحالى يستعمل أحدث تكنولوجيا التعذيب التى لم تكن معروفة من قبل . ولكن كانت للسجن المملوكى إبداعاته أيضا. نتعرف عليها هنا.

أولا : لمحة سريعة :

 1 ـ بلهجة الفقهاء يقول المقريزى عن السجون التى كانت في عصره  ( إن ما يحدث فيها لا يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك بسبب ما يتكدس فيها من الكثيرين في موضع ضيق، فلا يتمكنون من الوضوء والصلاة ، وقد يروى بعضهم عورة بعض ، ويؤذيهم الحر في الصيف والبرد في الشتاء، وربما يحبس أحدهم السنة وأكثر ولا جريمة له ويكون أصل حبسه على ضمان )، أى يكون مسجوناً لأنه ضامن للغير فى ديون ، أى مسجون بلا جريمة ومع ذلك يظل في السجن وقد لا يحس به أحد إلى أن يموت.

2 ـ و فزع بعض المماليك من قسوة الحياة في السجن وخصوصا سجن الجب بالقلعة .وقبل أن يتولى السلطنة كان الأمير المملوكى شيخ المحمودى نزيلا فى سجن شمايل ، وقاسى مما فيه ، فنذر إن نجا منه وأصبح سلطانا ليهدمنه . وعندما تولى السلطنة بلقب المؤيد شيخ أوفى بنذره فهدم سجن الجب فى القلعة  وسجن شمائل، ولكن قامت السجون الأخرى مثل أبراج القلعة والمقشرة بنفس الدور وأشنع. فالمستبد يحتاج الى الكثير من القصور ليتنعّم ويحتاج الى الكثير من السجون ليأمن على حياته وليرهب شعبه. والتعذيب ـــ وليس العدل ـــ هو أساس المُلك المستبد.

3 ـ  وفي عصر قايتباى ذكر ابن الصيرفي إشارات للسجون المعروفة في مصر وقتها والتى كانت مبنية قبل عصر قايتباى مثل سجن الإسكندرية وسجن الجرائم وسجن الديلم وسجن الشرع وسجن المقشرة، وهذا   بالإضافة إلى سجن البرج بالقلعة.

ثانيا : أشهر المساجين وأشهر السجون :

 1 ـ وكان نزلاء السجون من الأمراء المماليك ، كنتيجة للصراع فيما بينهم ، ووقوع بعضهم ضحايا لهذا الصراع والفتن والمؤامرات . وقد يصبح سجين سابق من الأمراء المماليك سلطانا فيما بعد ، وحدث هذا قبل عصر قايتباى ، كما حدث فى عصره ، فالملك الظاهر يلباى كان مسجوناً في عصر قايتباى في سجن الإسكندرية ومات فيه بالطاعون في ليلة الاثنين أول ربيع الأول 873.

2 ـ وفي سجن الجرائم أودع السلطان قايتباى جماعة من الأعراب المفسدين من الشرقية وذلك يوم السبت 5 محرم 874. وهرب من هذا السجن أحد المجرمين المشهورين يوم الجمعة 17 ربيع الأول 875، وقد تمكن المماليك من القبض عليه وأمر السلطان بكحل عينيه- أى بوضع الحديد المحمى بالنار على عينيه حتى عمى. واستطاع شيخ الأعراب ابن زامل من الهروب من ذلك السجن يوم الجمعة ربيع الثاني 876. وفي يوم الثلاثاء 17 شعبان 876 أطلق السلطان سراح حوالى أربعين مسجوناً من سجن الجرائم وسجن الشرع. كان هناك نوعان من السجون ، احدهما للمجرمين العاديين والآخر لمن يغضب عليهم السلطان .

ثالثا :  أشهر السجون السياسية :

  1 : ( سجن الديلم كان ) مخصصاً لمن يغضب عليه السلطان من أرباب الوظائف فقد سجن فيه السلطان القاضى ابن العيسي وسجن فيه الوزير قاسم جغيته.

  2 : سجن ( برج القلعة ) الذى اعتقل فيه ابن العيني إلى أن أذعن ودفع للسلطان ما أراد ، وكان ذلك في 17: 19 من جمادى الثانية 873. وفي نفس البرج حبس السلطان موسى بن كاتب غريب في شعبان 873، ثم اعتقل السلطان زين الدين الاستادار في رمضان من نفس العام، وصار موسي محبوساً في برج القلعة وغريمة زين الدين الاستادار محبوساً في برج أخر يقول مؤرخنا ابن الصيرفي، وفي رمضان 874 أمر السلطان بسجن أسرى شاه سوار في برج القلعة. والعسكر الذى يحكم مصر من عام 1952 إستخدم نفس السجن ( سجن القلعة ) ولا جديد تحت الشمس فى مصر.

رابعا : سجن المقشرة : أشهر سجون العصر المملوكى للمجرمين العاديين 

1 ـ وكانت المقشرة أشهر سجن في عصر قايتباى وفي عصر المقريزي أيضاً. والمقريزي يحدد موقع سجن القشرة بأنه بجوار باب الفتوح فيما بينه وبين الجامع الحاكمى (أى المنطقة المجاورة لباب زويلة الآن).

2 ـ وأصل تسميتها بالمقشرة أنه كان فيها القمح، وكان موضعها سجنا مشهوراً يسمى خزانة شمايل، وقد تم هدمه وأقيم مكان سجن المقشرة. وهذا السجن يضم برجاً في السور وموضع المقشرة وأضيف له الدورة المجاورة التى هدمت، وأصبحت بذلك المقشرة سجناً لأرباب الجرائم.

3 ـ ويقول عنه المقريزي" وهو من أشنع السجون وأضيقها يقاسى منه المسجونون من الغم والكرب، لا يوصف، عافانا الله من جميع بلائه .!!.

4 ـ وذكر ابن الصيرفي إشارات لما حدث في عصره في سجن المقشرة . وتحديد ( الإجرام ) يخضع لمزاج السلطان :

4 / 1 :  فقد أودع فيه السلطان أسرى الفرنج الذين أسرهم أهل ادكو.

4 / 2 : والفلاحون الغلابة يكونون مجرمين إذا عجزوا عن دفع الضرائب ، إذ أنهم ( كفروا بالمال : الإله الأعظم للسلطان الورع قايتباى) . يقول ابن الصيرف إنه كان فى هذا السجن ( سجن المقشرة ) جمع من الفلاحين ممن ( إنكسر عليهم مال للسلطان) ، أى سجنهم لعجزهم عن دفع الضرائب والرشاوى التى يفرضها عليهم أعوان السلطان من الكاشف ومن هم دونه. .ولأنهم مظاليم فقد تجرأ بعضهم وإشتكى للسلطان مخدوعا بورعه وتقواه و أملا فى عدله وإقتناعا بوضوح قضيتهم ، وكانت النتيجة فظيعة ، إذ أمر قايتباى بسلخ أربعة منهم بحضور الباقين فسلخوا ، وأرسلوا إلى البلاد فاشهروا بها ( ليرتدع بها أمثالهم )، على حد قول مؤرخنا ابن الصيرفي الذى يعلق على هذه المأساة قائلاً عن السلطان " فنصره الله نصراً عزيزاً". أى يدعو له بالنصر . لم يعرف الفلاحون الغلابة أنهم بشكواهم قد إزدادوا كفر بالمال ، وهو الإله الأعظم لقايتباى وغيره من الخلفاء الفاسقين .

خامسا : المساجين يملكهم السجانون : إجبار المساجين على التسول لصالح السجّانين :

1 ـ السجانون  ــ كانوا على دين ملوكهم  ــ يؤمنون أيضا بالإله العظم ( المال ) ، لذا كان لهم الحق فى إجبار المساجين على التسول لصالحهم ، والويل للمساجين إن لم يجمعوا لهم المال المطلوب.

 2 ـ ووصف المقريزي أحوال المساجين باختصار فقال أنه : ( لا يوصف ما يحل بأهلها من البلاء وأنه اشتهر أمرهم أنهم يخرجونهم في الحديد حتى يشحذوا وهو يصرخون في الطرقات قائلين: الجوع.. فما يصلهم من الصدقات يأخذ معظمه السجان وأعوان الوالى، ومن لم يحصل من المساجين على صدقات يبالغ السجان وزبانيته في عقوبته.).!

3 ـ  وقبل ذلك كانت خزانة شمايل أبشع السجون، وقد هدمها السلطان شيخ المحمودى يوم الأحد 10 ربيع الأول 818، وكان والى القاهرة يفرض على السجان فيها مقداراً يومياً من المال يحمله إليه، ويحصل السجان على هذا المال من شحاذة المسجونين.واستمر ذلك في عصر السلطان قايتباى باستمرار الظلم المملوكي.

4 ـ  في يوم الأحد 11 صفر 875 أمر السلطان الورع قايتباى ( بتوسيط سجين ( أى قتله بقطعه نصفين ) بعد أن أشهره على الجمال مسمرا يُطاف به فى الشوارع ، وعرضه الموكلون به أمام السلطان، والسبب في توسيطه وتسميره وتشهيره أنه كان مسجوناً بالمقشرة من سنين وقد قرر عليه السجان قدراً معلوماً كل يوم فكان يخرج في الحديد ويستعطى ويحضر ما عليه للسجان كل يوم، وحدث أنه لم يحصل في ذلك اليوم على ما يوفي بالمقرر عليه فأراد الهروب خوفاً من الضرب والعصر )، أى عصر قدميه بآلات التعذيب وآلات العقاب. يقول ابن الصيرفى : ( فحصل بينه وبين الجمدار مشاجرة وضربا بعضهما فأصاب الجندار ضربة فمات فقتلوا هذا به...".). أى حسبما يذكر المؤرخ ابن الصيرفي أن المسجون كان إذا لم يتسول للسجان قدراً كافياً يرضى نهمه فإنه يتعرض للضرب وعصر قدميه بآلات العذاب.

5 ـ وفي يوم الأحد 6 ذى الحجة 875 انتحر مسجون من سجن المقشرة لأنه خاف من العقوبة التى سينالها لأن ما حصل عليه من التسول كان أقل من المقرر عليه، يقول ابن الصيرفي:( ضرب شخص من الذين هم في سجن المقشرة ويسألون في الحديد صحبة الجندار،نفسه بسكين، فخرجت مصارينه في وسط السوق، وسبب ذلك أن هذا الذى قتل نفسه كان عليه مقرر في كل يوم للسجان ثلاثة أنصاف وللذى معه قدر أخر، فإن لم ينهض فيعاقب عقوبة شديدة ويجعلون رجليه في الخشب، وطال ذلك عليه فقتل نفسه، وحسابه على الله".).كان هذا هو ما ناله المسكين من عبارات التعزية من مؤرخنا القاضى ابن الصيرفى..!!

6 ـ وربما أدى انتحار ذلك المسجون المسكين إلى صحوة مؤقتة للضمير.. فقد أصدر قايتباى مرسوماً بألا يأخذ السجان من المسجون ولا من أقاربه شيئاً وأخذ عليهم التعهدات ألا يفعلوا ذلك.، وألّا يأخذ نواب القضاء والعاملين معهم شيئا من السجّانين ، إذ كان أعوان الوالى ــ وهو القائم بالقبض على المجرمين وتنفيذ أوامر الشرع السنى المملوكى ــ هم المتحكمين فى السجّانين يأخذون منهم الأموال ، والسجانون يرغمون المساجين على التسول لهم ولاعوان الوالى . وصدر ذلك المرسوم يوم الخميس 15 محرم 876، يقول مؤرخنا: ( أشهر النداء بالقاهرة أمام الوالى حسب المرسوم الشريف أن أحداً من النقباء والرؤوس النوب لا يأخذ من السجان على السجون الذى يودعه عنده شيئاً، وأن سجاناً لا يأخذ من أحد يزور السجون شيئاً ، وأن زوجة السجان لا تأخذ شيئاً في كل ليلة جمعة كما كانت عادتها، وأن يكتب عليهم قسائم بأن لا يعودا لذلك فكثرت الأدعية للسلطان.) .أى كان السجان وزوجته يستغلون المساجين وزوجاتهم وأهليهم.

7 ـ ومع صدور هذا المرسوم فإن الأمور عادت إلى ما كانت عليه، وعاد السجان يرغم المسجون على التسول لحسابه وإلا فأمامه العذاب الشديد..

8 ـ وكان بعض المساجين يثور على الوضع فيقتل الجندار أو الحارس كما حدث من قبل. في يوم السبت 16 من ذى القعدة 876 ( أمر السلطان بتوسيط لص مسجون" خرج يستعطي كعادته فقتل الجمدار المرسم عليه، قيل أنه عصر بيضه فمات، فرسم بتوسيطه".). أى إنّ هذا المسجون البائس قد تم قطعه نصفين .

سادسا : الهروب من السجن:

1 ـ ويبدو أن المساجين في السجن مقامات حتى في العصر المملوكى. فالسجين الثرى من مشايخ الأعراب كانت له امتيازات لا تتاح لغيره من الفقراء المساجين الذين عليهم أن يتسولوا ليرضوا جشع السجان والحراس ، إذ كانوا يغدقون المال على الحراس ، هو المال إلاههم الأعظم .

2 ـ وقد استغل بعض المساجين الأثرياء تلك التسهيلات ــــ التى اشتراها بماله  ــــ استغلها في الهروب، حدث ذلك يوم الجمعة 18 ربيع ثان 876.  كان ابن زامل أحد مشايخ الأعراب محكوماً عليه بالإعدام ومسجوناً على ذمة الحكم في سجن الجرائم، وكان السلطان يؤجل تنفيذ إعدامه حتى يوفّي ابن زامل ما عليه من ديون لديوان السلطنة، ثم نقلوه من سجن الجرائم ، وأودعوه بقاعة المسجونين بين الصورين، بالقرب من بيت الأتابك أزبك قائد الجيش المملوكي،( وهو الذى تحمل حديقة الأزبكية بالقاهرة إسمه حتى الآن ) والأتابك أزبك هو الذى قبض عليه. وقد وثق ابن زامل علاقته بالقائمين على حراسته في قاعة السجن، وصار الحراس يخرجون به كل ليلة والحديد في عنقه لزيارة بعض أصحابه بالقاهرة حيث يأخذ منهم الأموال ويأكل أجود الطعام ثم يعطى حراسه المائة درهم والمائتي درهم. واستمر على ذلك  إلى يوم هروبه ، حيث خرج كعادته وكان معه اثنان من الحراس أحدهما حارس السجن، وقد قال لحارس السجن أنت أولى بأن تأخذ كل الدراهم، وأغراه بأن يصحبه وحده ويترك زميله، وتوجه معه وهو في الحديد إلى الباطلية، وهناك في المكان الذى أراد الدخول فيه كان هناك كمين ينتظر، فضربوا الحارس حتى أغمي عليه، وفكوا وثاق ابن زامل وأركبوه فرساً وهربوا به، واستمر الحارس ملقى على الطريق إلى أن أدركوه.

( 5 ) قضاة الشرع زبانية السلطان الورع فى الظلم

أولا : 

الدولة المملوكية كانت دولة عسكرية دينية أو دينية عسكرية. وبصفتها الدينية كانت تمارس الظلم على أنه شريعة دينية ، وتؤدى الصلاة على أنها وسيلة تقربهم الى شيطانهم أو إلاههم الأعظم وهو المال النرتبط بمقدار السلطة.

2 ـ والدولة المملوكية كانت تسير على قدمين : العسكر والفقهاء ، وكلاهما تلقى تعليما دينيا .

2 / 1 : المماليك كانوا رقيقا يؤتى بهم الى مصر ، فيتعلمون ما يقال لهم أنه ( الاسلام ) ، يحفظون بعض القرآن ويتعلمون معالم الدين السنى ، بالاضافة الى فنون القتال ، وبالممارسة يتعملون فنون التآمر ، حيث يتم عتق المملوك ويصير جنديا وينفتح أمامه طريق الترقى المحفوف بالتآمر والمكاره، قد يصل الى السلطنة أو ما دونها وقد يلقى حتفه أو يدخل السجن قبل أن يصل الى أعلى أو بعد أن يصل الى أعلا. وفى كل هذا هو منغمس فى خدمة طاحونة الظلم المتلفع بعباءة الدين ، ويمارس الصلاة الشيطانية يحسب أنه بها يحسن صُنعا.

2 / 2 : نفس الحال مع الفقهاء . كانوا يتعلمون دين السنة الصوفى فى المدارس والزوايا والأربطة والمساجد والقباب والجوامع والقباب والخوانق. وهى لم تكن فقط بيوتا للعبادة بل كانت تحتوى على قاعات للعلم والدرس ومكتبات بالاضافة الى أمكنة التعبد . وفى وثائق الوقف عليها كان يتم تحديد واجبات المدرسين ونوعيات الكتب فى الحديث والتفسير والعقائد . ويتخرج أحدهم فيتنافس فى الحصول على وظيفة ، وقد يصل الى وظيفة ديوانية ، وأعلاها أن يكون ناظرا للخاص ( مشرفا على أملاك ومالية السلطان ) أو كاتب السّر ، الذى يكتب للسلطان مكاتباته الرسمية ، وقد يكون أقل من ذلك ..وهناك الوظائف الدينية مثل المحتسب الذى يراقب الأسواق والشوارع ، والقضاة . وفى كل الأحوال يصل الفقيه الى منصبه الديوانى أو الشرعى ليس بالكفاءة ولكن بالرشوة ، فشراء الوظائف كان رسميا من خلال ديوان ( البذل والبرطلة ). وفى كل هذا هو منغمس فى خدمة طاحونة الظلم المتسربل بعباءة الدين ، ويمارس الصلاة الشيطانية يحسب أنه بها يحسن صُنعا.

3 ـ وطاحونة الظلم المملوكى كانت تلتهم الجميع من مماليك وفقهاء .المملوك الخاسر لا يلقى رحمة ، والفقيه الذى يصل بالبذل والبرطلة يتعرض للمصادرة والتعذيب حتى يعترف بما خبّأه من سرقات ، ودون خجل . لذا كان نفاق السلطان أهم ملامح الطقوس الدينية ، لا فارق بين العسكر والفقهاء ، ولا فارق بين قاضى القضاة وأتابك العسكر (أى قائد الجيش ) .

4 ـ ولم يكن عصر قايتباى هو العصر الوحيد فى التعذيب والظلم والنهب، هو فقط كان المشهور بالورع والتقوى بين سلاطين المماليك ، ولكن التعذيب كان لازمة من لوازم الحكم العسكرى المملوكى ، وكل حكم عسكرى يستأثر بالثروة والسلطة ويقهر المواطنين بالتعذيب حتى لا يثوروا ، ويستخدم الدين ( الأرضى ) وفقهاءه لاسكات الناس ، بل يحضهم على الدعاء للسلطان الظالم بالنصر (على الشعب ) .  

5 ـ   ولا ننسى أن من فقهاء العصر المملوكى عصر التعذيب من لا يزالون يتمتعون بالتقديس حتى الآن ، ومنهم ابن تيمية وابن كثير وابن القيم وابن حجر. وكان منهم فى عصر قايتباى السخاوى والسيوطى والبقاعى والبلقينى..( وشيخ الاسلام وقتها ) زكريا الأنصارى ...وعلماء الأزهر. جميعهم سكتوا عن التعذيب ولم يعترضوا عليه إذ رأوه حقا للسلطان الراعى ، وله حق التصرف فى الرعية كيف شاء. بل كان بعضهم يتعرض للتعذيب فلا يشكو بل يسكت ويجتهد فى إرضاء السلطان والاستمرار فى عمله معاونا لدولة الظلم . ولا ننسى أننا ننقل وقائع التسجيل العملى لتطبيق الشريعة السنية عن مؤرخ قاض هو ابن الصيرفى.

6 ـ هذا لا يمنع من وجو أقلية محترمة من الفقهاء مثل القاضى ابن جماعة والمؤرخ المقريزى الذى عمل محتسبا فترة من الوقت وكان حاد النبرة فى تأريخه لمماليك عصره . ومنهم من نافق وتصاغر مثل الفقيه المؤرخ ابن حجر العسقلانى والفقيه المؤرخ العينى . وسار على طريقة ابن حجر تلميذه المؤرخ القاضى ابن الصيرفى.

7 ـ وابن الصيرفي يمثل الطبقة التى ينتمى إليها فيما يكتب، ويعبّر عنها بصدق، وإذا كان القضاة يمثلون الشرع السّنى ،فإن ذلك الشرع السّنى وممثليه كانوا في خدمة السلطان وفي ركابه أينما سار. وكان أولئك القضاة ومشايخ الإسلام يجدّدون للسلطان عبوديتهم له في مطلع كل شهر عربي حيث يصعدون إلى القلعة يدعون له ويقبّلون الأرض بين يديه فى صلاة فيها الدعاء وقراءة الفاتحة والتسليم والركوع والسجود . وهو كان يتدلل عليهم وينشغل عنهم باللعب والنزهة فيأتون له في اليوم التالى. وهم بين الخوف منه والتقرب اليه كانوا له راكعين ساجدين وفق المراسم البروتوكولية فى الدولة المملوكية . ولا يخجلون من جعل هذا إسلاما، وأنهم ( قُضاة الشرع الشريف ).! ونعطى أمثلة من نفاق القاضى ابن الصيرفى .

ثانيا : ابن الصيرفى منافقا للسلطان قايتباى

1 ـ ذكر ابن الصيرفي ما حدث لمجاهدى ( ادكو ) المدينة الساحلية المصرية ، وقد  هزموا مركباً افرنجياً واستولوا عليه وسلبهم الأمير قجماس حقوقهم، فجاءوا يستغيثون بالسلطان فاعتقلهم مع الأسرى الفرنجة وضربهم وأهانهم وحزن الناس من أجلهم، ولا يخفي الصيرفي حزنه من أجلهم ولكن لا ينسي مع ذلك الدفاع عن سيّده قايتباى فيقول: ( فما هان على غالب الناس ترسيم على أهل ادكو فإنهم مجاهدون صلحاء وصنعوا جميلاً غير أن مولانا السلطان نصره الله غُطّي عليه أمرهم.). ابن الصيرفى لا يذكر السبب الحقيقى وهو ان شجعان مدينة ادكو انتصروا على مركب الفرنجة فى الوقت الذى تقاعس فيه قائد المماليك هناك وهو الامير قجماس . وكان ممنوعا أن يحمل المصريون السلاح أو أن يباشروا القتال حتى لو كان دفاعا عن وطنهم لأنها مسئولية العسكر فقط. ولا جديد تحت شمس مصر العسكر .!

2 ـ ولا يملّ مؤرخنا من ترديد نفس الحجة وهى أن السلطان لا يعلم، فهو يتحدث عن مظالم 875 وآثارها السيئة على الناس فيقول كما لو كان يتكلم عن حال الشعب المصرى الآن تحت حكم السيسى :  ( وأما الناس فصاروا ثلاث أثلاث، الغني افتقر والمكتسب ما يفي بنفقته، والفقير فبعد أن كان يسأل في الرغيف صال يطلب لُبابة... وأما غير ذلك فمن جهة: الظلم والجور والأحكام الباطلة وانتهاك حرمة الشرع وبهدلة القضاة والفقهاء وعدم نصره المظلوم، وفشا هذا الأمر وانتشر.).

ثم يسارع بتبرئة سيده قايتباى ، فيقول : ( وفي الواقع فسلطان مصر الملك الأشرف أبو النصر قايتباى نصره الله، سلطان عظيم شجاع ، فارس معدود من الفرسان، ديِّن عفيف الفرج.. وله ورد في الليل من صلاة وقيام.. ولو بلغه المقربون لحضرته ما يحصل على المظلومين.. لا نصف المظلومين من الظالمين.).

3 ـ وذكرنا سجن الفلاحين ممن ( إنكسر عليهم مال للسلطان) على حد قول ابن الصيرفى ، فسجنهم في ذلك السجن البغيض، أى سجنهم لعجزهم عن دفع الضرائب والرشاوى التى يفرضها عليهم أعوان السلطان من الكاشف ومن هم دونه. .ولأنهم مظاليم فقد اشتكي بعضهم للسلطان أملا فى عدله وإقتناعا بوضوح قضيتهم ، فأمر قايتباى بسلخ أربعة منهم بحضور الباقين فسلخوا ، وأرسلوا إلى البلاد فاشهروا بها ( ليرتدع بها أمثالهم )، على حد قول مؤرخنا ابن الصيرفي الذى يعلق على هذه المأساة قائلاً عن السلطان " فنصره الله نصراً عزيزاً". أى يدعو له بالنصر.!

4 ـ وسبق ما حدث للأمير يحيي بن عبد الرازق الاستادار ت 874 من تعذيب أفضى الى موته وهو فى الثمانين من العمر ، وذكر ابن الصيرفى تفاصيل مصادرته وتعذيبه حتى الموت ، ويقول معلقا مدافعا عن سيده قايتباى : ( أنه صودر تسع عشرة مرة ، وأحتاج حتى باع حوائج بيته وقماش خيوله بعد بيع أملاكه.. واستمر على ذلك إلى أن صادرة الملك الأشرف أبو النصر قايتباى- عز نصره- أول مرة وثانية ، وهو معذور فيه ، فإنه يدعى فقراً..". أى يستحق هذا المسكين القتل بالتعذيب لأنه يزعم الفقر. ولا عذر له ، ولكن العذر كل العذر للسلطان الورع قايتباى .!!

5 ـ الأمير قاسم إبن جانبك جىء به للسلطان ومعه تركة زوجته المتوفاة ، يقول ابن الصيرفى :  ( فلما تمثلوا به بين يد السلطان- نصره الله- سأله عن التركة ، فأجاب جواباً نابياً خشناً ، فغضب وأمر بضربه بالمقارع، فتباطأوا في حل أزراره ، فرسم بشق أثوابه فشقوها ، وضرب مقارع ..، وسجن حتى يقوم للذخيرة ( أى لخزينة السلطان ) بما يرضى صاحبها".). إبن الصيرفى حين يذكر السلطان كان يدعو له بالنصر.!

ثالثا : الأمراء المتدينون على دين قايتباى فى الظلم والتدين

1 ـ  الأمير يحيي بن عبد الرازق الاستادار الذى مات تحت التعذيب عام 874 ،  قال عنه ابن الصيرفى : ( أنّه عمّر الجوامع العظيمة .. وعمّر الحمامات الهائلة والدور المفتخرة العظيمة، وعمل معروفاً زائداً في الفضل من مغسل وأكفان ومواراة الميت برمسه من الحمّالين والحفّارين وغير ذلك، وصنع أيضاً صنيعاً جميلاً  في الغلاء للفقراء من تفرقة خبز ودقيق وقمح لكل أحد بقدر ما يلائمه، وكان يحسن لذوى البيوت ويتفقدهم . ) وإلى هنا كلام جميل.. إلا أننا نقرأ أيضاً أنه : ( كان قد أخرب دور أمر المدركين والفلاحين والمباشرين، وقال عنه أبو المحاسن: وأما أفعاله في مباشرته فكانت بالضد أيضاً ، وهو أنه كان كثير الظلم والجور والعسف وأخذ الأموال الخبيثة ثم يعمّر من ذلك الجوامع والمساجد والأوقاف على البر ويرسل السحابة (الطائفة التى ترافق الحجّاج لرعايتهم ) إلى الحجّاج في كل سنة لأجل الفقراء والمساكين، فهذا أيضاً بالضد.).  

2 ـ وظيفة المحتسب كانت قصرا على الفقهاء فقام قايتباى بتعيين أحد الأمراء محتسبا ، ومؤهلاته أنه كان مشهورا بالتدين ن فقاسى منه أهل القاهرة الشدائد ، قال عنه ابن الصيرفى : ( وباشر يشبك المذكور الوظيفة المذكورة لم يكشف البلد بنفسه ولا مرة واحدة ، ولا يعرف أحوال الرعايا والمسلمين إلا من أعوانه الذين في خدمته، فصاروا أرباب أموال وأقمشة ودور وخيول وبغال وحمير، وهو ماسك البقرة يحلبها فإنه لا يتعاطي شيئاً.. وهذا في غاية الترفع أن يقف على سوقي أو وزّان أو بيّاع ويعتبر أوزانهم ، بل تحضر أعوانه له بمن لا يعطونهم المعلوم المعهود عندهم ( أى الرشوة المقررة ) فيضربهم ثلاث علقات: واحدة على مقاعده وأخرى على رجليه وأخرى علي أكتاقه.. وأما أحكامه فبالبحت وأما أخلاقه ففي غاية الشراسة.. هذا مع دينه المتين ومحافظته على الصلاة والصيام.).. وفى يوم الثلاثاء 16 صفر 875  رفض بائع تين غلبان أن يدفع الرشوة لزبانية المحتسب فاحتملوه إلى ذلك الطاغية فضربه الثلاث علقات المعهودة ، وأشهره فى المدينة أى طيف به فى الطرقات، ثم صلبه على باب دكانه في هيئة فظيعة، يقول ابن الصيرفي : ( ضرب المحتسب شخصاً من السوقية يبيع التين ثلاث علقات واحدة على مقاعده وأخرى على رجليه وواحدة على أكتافه، وأشهره بالمدينة على عادته التى يفعلها عرياناً مكشوف الرأس ، ثم رسم بصلبه بذراعه على حانوته وقررت يده الأخرى إلى ظهره، ولطخه عسلاً ، وأوقفه في الشمس ، فتسلط عليه النحل والزنبور والذباب وقاسى من العقوبة مالاً يوصف".).!! فهل كان ذلك البائع المسكين سارقاً أو قاتلاً؟ بالطبع لا، فكل ما هنالك أنه لم يستطيع دفع الاتاوة ربما لأنه لا يملكها. يقول ابن الصيرفي يعلل تلك العقوبة الهائلة "وسبب ذلك أن رسله الذين هم من جهته .. كانوا إذا طلبوا البلص- أى الرشوة- من فقير وامتنع ، ذكروا لأستاذهم عنه ما أرادوا ، وهو سريع الحدّة سريع الغضب لا يثبت في الأحكام فيطلبه ويفعل به ما ذكر.). ويقول عن تدينه السطحى : (هذا مع دينه المتين ومحافظته على الصلاة والصيام) . .!

رابعا :  تعذيب الفقهاء لاستنزاف أموالهم 

تعرض للتعذيب أولئك الفقهاء فى وظائفهم الدينية كالقضاء او وظائفهم الديوانية مثل النظارة والوزارة الاستادارية القضاة . كانوا يتسلطون على الناس بنفوذهم ينهبون الأموال ويأخذون الرشاوى والاتاوات بعلم السلطان ، وحين يوكل اليهم مصادرة زملائهم وغيرهم كانوا يسلبون لأنفسهم جزءا من الأموال المصادرة وينهبون بعض الأشياء العينية ويخفونها عن عيون السلطان، ولكن كان كل ذلك بعلم السلطان. لذا كان يلزمهم بأن يأخذ نصيبه بطرق متعددة ، منها أن يعزل الموظف ويعيده بعد أن يدفع رشوة للسلطان ، أو أن يعزله ويصادر أمواله ، أو أن يفرض عليه غرامة . وقد يستخدم التعذيب معه ليعترف بالمخبأ من أمواله . والعادة أن يصمد القاضى أو الموظف للتعذيب فلا يعترف بكل ما لديه لأن أمواله هى سبيله للنجاة إذ يستطيع بها فيما بعد شراء نفس المنصب أو منصب آخر وتعويض ما فات بنهب الناس . وهكذا دارت طاحون التعذيب تلتهم الظالمين ، وهم بدورهم يلتهمون الشعب المسكين ، وهم والسلطان يحافظون على تأدية صلاتهم الشيطانية . ونعطى أمثلة :

1 ـ  في يوم السبت 13 ربيع الأول 873 غضب السلطان قايتباى على قاضى قضاة دمشق ابن الصابوني وضربه بين يديه بقاعة الدهيشة بالقلعة، لأنه لم يدفع للسلطان المال الذى طلبه منه وهو مائة ألف دينار، ولم يزل يضربه حتى أذعن، فحملوه إلى الحبس ليدبر أمره في الدفع.  في يوم الثلاثاء 14 ربيع الثاني 873 سافر القاضى ابن الصابوني إلى دمشق بعد عزله ومصادرته وحبسه بعد أن التزم للسلطان بدفع المائة ألف دينار، وسافر معه السيفي جانبك الخاصكي ليحرسه ويرافقه حتى يسدد ما التزم به.

2 ـ  وفي يوم السبت15 جمادى الثانية 873 أمر السلطان باعتقال ابن العينى بالبرج في القلعة بسبب ما تأخر عليه من المال وظل محبوساً بذلك البرج إلى يوم الأربعاء 19 جمادى الثانية ، ثم أطلقه السلطان بعد أن حمل المال، فأكرمه السلطان وألبسه التشريفة ورجع لداره مكرماً معظماً.!! 

  3 ـ وفي شوال 876 تولى الحافظ القطب الخيضرى قضاء القضاه بدمشق وكتابه السر بها بعد أن قاسى أهوالاً من التعذيب، وقرر عليه السلطان ثلاثين ألف دينار، فدفع بعضها والتزم بدفع الباقى، وأعاده السلطان للولاية بعد ما فرضه عليه ، وأكرمه السلطان فأنزله ضيفاً في داره التى كان بها حين كان أميراً ، وزاره السلطان في تلك الدار فوجده نائماً فما أراد أيقاظه،، وحين استيقظ وعلم بزيارة السلطان إليه وهو نائم أرسل هدية للسلطان، فلم يقبلها السلطان وأخبر أنه ما حضر إلا ليزوره . وهكذا تغير حال السلطان معه من التعذيب إلى الإكرام والحنان ، بعد أن دفع له المال. وبعدها أرسل السلطان بالكشف على ثروة القطب الخيضري قاضى القضاة بدمشق وكاتب السر بها ومصادرة ما لديه، فلم يوجد لديه شيء . وعزموا على القبض عليه وإرساله للقلعة، ولكنه اختفي وحضر للقاهرة سراً، وكان من أمره أن قبض عليه السلطان ولاقي أهوالاً عاد بعدها لمنصبه مكرماً بعد أن دفع للسلطان ما أرضاه عنه .لا رضى الله عنه ولا رضى عن السلطان .!!

5 ـ وقد سبق للسلطان في شهر رجب من نفس العام أن أصدر مرسوماً للشام بإعادة القاضى الحنفي إليها عوضاً عن القاضى الحلاوى المعزول عن القضاء وأمر بأن يدفع غرامة عشرة آلاف دينار فإن امتنع فلابد من إرساله مسجوناً للقلعة ، فأذعن القاضى الحنفى .  

الفصل الحادى والعشرون : عن الصلاة الشيطانية والمساجد الشيطانية

مقدمة : فى التسجيل التاريخى لحروب الطُّغاة التوسعية لا يحدث رصد لتأديتهم شعائر دينهم من صلاة وغيرها. يحدث هذا فقط لدى الطُّغاة الذين يستخدمون الدين الأرضى فى حروبهم التوسعية . ولهذا جاء ذكر الصلاة بين سطور التأريخ للخلفاء الفاسقين وتابعيهم من السلاطين . المؤرخون لم يقصدوا التأريخ للصلاة ، ولكنهم فى تسجيلهم ذكروا الصلاة ضمن تفصيلات الغزوات وما كان يصحبها من قتل وسلب ونهب وإغتصاب وسبى . هى هنا صلاة شيطانية ، وكانت تُقام لها مساجد شيطانية.

2 ـ كل الشعوب تحمل كراهية شديدة لمن قام بغزو أوطانها وقتل أبطالها وإستنزاف خيراتها . يختلف هذا مع شعوب المحمديين الذين يقدسون الخلفاء الفاسقين والصحابة الفاسقين ، تحول أولئك الفاسقون الى آلهة معصومة من الخطأ ، لأنه قامت حولهم أديان ارضية كانوا فيها الآلهة المقدسة ، وهذا لأنهم قاموا بجرائمهم يرفعون راية الاسلام ، وهى فى الحقيقة راية الشيطان ، ويؤدون الصلاة التى تأمرهم بالفحشاء والمنكر عكس الصلاة الاسلامية التى تنهى عن الفحشاء والمنكر : (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ )﴿٤٥﴾ العنكبوت).

3 ـ إمتد تقديس الخلفاء الفاسقين الى من يسير على دينهم من السلاطين والحكام المستبدين ، وفى مساجدهم يتم إستخدامها سياسيا للدعاء للسلطان والدعاء على خصومه ، واصبحت مساجدهم الشيطانية لتأكيد عبودية الشعب للسلطان المستبد ، كان هذا فى العصور الوسطى ، ولا يزال حتى الان فى بلاد المحمديين الذين لا يزالون يعيشون فى العصور الوسطى ــ عصور الظلام ، يثيرون سخرية العالم المتقدم وإستهزاءه وإحتقاره.

4 ـ قبل أن ندخل فى مبحث التواتر نتوقف فى كلمة ختامية عن مغزى الصلاة الشيطانية والمساجد الشيطانية للتأكيد على ما سبق .

أولا : تشريع الخلفاء الفاسقين

1 ـ يقول جل وعلا : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿١٩٠﴾ البقرة ). القتال فى الاسلام هو لرد عدوان قائم من قوم معتدين ، والمؤمنون المسلمون منهيون عن الاعتداء لأن الله جل وعلا لا يحب المعتدين .

الخلفاء الفاسقون بفتوحاتهم الاجرامية طبقوا تشريعا يقول : ( وقاتلوا فى سبيل الشيطان الذين لا يقاتلونكم ، وإعتدوا إن الشيطان يحب المعتدين ).!

2 ـ عبقرية الشيطان تتجلى فى الآتى :

2 / 1 ـ إستمرارهم فى تأدية الصلاة شكليا بعد قطعها عن المقصد الأسمى منها ، لم يعد المقصد الأسمى للصلاة إجتناب الفحشاء والمنكر بل أصبح هدف صلاتهم الفحشاء والمنكر وما يتبعه من غزو وسلب ونهب وسبى فضائل دينية .!

2  / 2 : الشعوب التى لا تعتدى على المسلمين ولم تُخرجهم من ديارهم مفروض إسلاميا أن يتعامل معهم المسلمون بالبر والقسط لأن الله جل وعلا يحب المقسطين ، هذا ما قاله رب العزة جل وعلا  : ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٨﴾ الممتحنة ) . فى الدين العملى الذى إبتدعه وطبّقه الخلفاء الفاسقون أصبح من لم يعتد على المسلمين ومن لم يخرجهم من ديارهم كافرا يجب دينيا قتالهم وإحتلال أوطانهم وقتل أبطالهم وسلب ثرواتهم وسبى وإسترقاق أطفالهم ونسائهم.! كل هذا وهم يؤدون صلاتهم الشيطانية .

2 / 3  ـ لم يظهر الشيطان لهم بنفسه يقول لهم اعبدونى وصلّوا لى وإتخذونى إلاها. صدّر لهم الشيطان إلاها بديلا هو المال فأصبح إلاههم العظم ، اليه يتقربون بالقتال والسلطان ، واليه يتقربون بصلاة يستحلون بها ما حرّم الله جل وعلا ، وبالتالى فهى صلاة شيطانية.

ثانيا : الخلفاء الفاسقون فى حضيض الكفر لذا فصلاتهم شيطانية :

1 ـ  نبدأ بأنواع الاعتداء المحرم فى الاسلام :

1 / 1  ـ التكذيب بآيات الله ، قال جل وعلا : ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ) ﴿٧٤﴾  يونس ) ، ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿١١﴾ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ) ﴿١٢﴾ المطففين )

1 / 2 ـ تحريم ما أحل الله جل وعلا فى الطعام : قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿٨٧﴾ المائدة ) ( وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّـهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ﴿١١٩﴾ الانعام )

1 / 3  ـ تحريم الدعاء لله جل وعلا بدون تضرع أو بعلو الصوت ، كما يفعل الذين إتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغناءا ، قال جل وعلا : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿٥٥﴾ الاعراف )

1 / 4  ـ تحريم الاعتداء على الزوجة ، قال جل وعلا : ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّـهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٣١﴾ البقرة ).

1 / 5 ـ تحريم الاعتداء الحربى ، يقول جل وعلا : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿١٩٠﴾ البقرة ). والتحريم هنا قاطع ولا مجال فيه للتأويل أو الأعذار حتى فى التعامل مع المجرمين الذين يصدون عن المسجد الحرام ،  قال جل وعلا : (  وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۖإِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢﴾ المائدة ). ووصف الله جل وعلا كفار قريش الذين نقضوا العهد بعد فتح مكة فقال عنهم :( لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴿١٠﴾ التوبة )

1 / 7 ـ التأكيد على حُرمة قتل نفس بشرية واحدة إلا بالقصاص ، وتكرر هذا بأسلوب القصر والحصر فى قوله جل وعلا:(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) الانعام  ﴿١٥١﴾ ( الاسراء 33) (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) الفرقان ﴿٦٨﴾ )

1 / 8 : وتوعّد الله جل وعلا من يقتل النفس المؤمنة البريئة متعمدا بالغضب واللعنة والعذاب العظيم فى الاخرة ، قال جل وعلا : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴿٩٣﴾ النساء ) . هذا فى قتل نفس مؤمنة ومسالمة واحدة فكيف بقتل الملايين ؟

1 / 9 : وحتى فى ساحة القتال وفى مواجهة جيش معتد فإن الجندى فى هذا الجيش المعتدى إذا نطق بكلمة السلام فيحرم قتله ، قال جل وعلا فى الاية التالية :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّـهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّـهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴿٩٤﴾ النساء ).

2 ـ الخلفاء الفاسقون طبقوا دينا جعلوا من الفرائض الدينية إستحلال قتل من لم يعتد عليهم وسلب أمواله وإسترقاق ذريته ، ووصلت ضحاياهم وضحايا من سار على سُنّتهم بالملايين . ولتدعيم هذا الدرك الأسفل من الكفر حافظوا على تأدية صلاة شكلية . هى صلاة شيطانية .

3 ـ الله جل وعلا وصف صلاة المنافقين بالخداع والمُراءاة ، قال جل وعلا : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّـهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٤٢﴾ النساء ) وجعلهم فى الدرك الأسفل من النار ، فقال جل وعلا : ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿١٤٥﴾ النساء ) إلا إنه جل وعلا أخبر بإمكانية توبتهم فقال : ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّـهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّـهِ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّـهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٤٦﴾ النساء ). هؤلاء هم المنافقون الذين فضحوا أنفسهم بأقوالهم وأفعالهم ونزلت الايات تعلق عليهم . ولكن هناك من مرد على النفاق وكتم نفاقه وضبط لسانه وجوارحه وحافظ على صلاة شكلية يتقرب بها للنبى ، ولم يظهر منهم ما ينزل بشأنه تعليق قرآنى ، فنجحوا فى أن يكونوا الأقرب للنبى ومن ثم خلافته بعد موته فإرتكبوا جريمة الفتوحات ، لذا كان من أواخر ما نزل فى القرآن التنبيه مقدما على خطرهم ، وأنهم لن يتوبوا ، بل سيعذبهم الله جل وعلا مرتين فى الدنيا ثم ينتظرهم عذاب عظيم فى الآخرة ، قال جل وعلا :( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿١٠١﴾ التوبة ). كانوا يصلون وقد مردوا على النفاق ، ثم أصبحوا الخلفاء الفاسقين وحافظوا على صلاتهم وهم يحطمون دين الاسلام ، يرتكبون بإسمه الفظائع . لا يوجد وصف لصلاتهم سوى أنها صلاة شيطانية .

ثالثا : الخلفاء الفاسقون فى حضيض الكفر لذا فمساجدهم شيطانية :

1 ـ كانت لقريش مساجد فى مكة ، وصفها رب العزة بأنها مساجد الله برغم ما كان يحدث فيها من مظالم ، مثل منع المؤمنين من دخولها ، قال جل وعلا : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١١٤﴾ البقرة )، ومثل إعلان الكفر فيها فقال جل وعلا لهم : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّـهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴿١٧﴾ التوبة )( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّـهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا ﴿١٨﴾ ( الجن ). مساد الخلفاء الفاسقون فيها الكفر العقيدى والكفر السلوكى ، وهى تعلن حربا مستمرة لله جل وعلا ورسوله.

2 ـ واقام منافقو المدينة مسجدا وصفه رب العزة جل وعلا بالضرار وفضح ما كانوا يفعلون فيه تحت ستار الصلاة ، قال جل وعلا : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)التوبة). هنا نلاحظ :

2 / 1 : مسجد الضرار فى المدينة إقتصر على التآمر خفية ، وظل فى الظاهر محافظا على توجهه الاسلامى الى درجة أن النبى كان يذهب اليه يصلى فيه ويقوم فيه . أما مساجد الضرار التى اقامها الخلفاء الفاسقون فقد كانت مراكز علنية فى حرب الاسلام .

2 / 2 : لم ينتج عن مسجد الضرار فى المدينة إسالة دماء ، أما مساجد الضرار التى أقامها الخلفاء الفاسقون فهى مسئولة عن حمامات دم .  

2 / 3 : المنافقون ( الصحابة ) كانوا يقسمون كذبا على أنهم ما فعلوا ، والله جل وعلا شهد بأنهم كاذبون . أى هم يعرفون أن ما يفعلون هو خطأ ومخالف للإسلام . أما الخلفاء الفاسقون فقد فرضوا مساجدهم لتنشر الكفر بالاسلام على أنه الاسلام .

2 / 4 : الله جل وعلا نهى النبى محمدا عليه السلام عن مسجد الضرار الذى أقامه المنافقون الصرحاء وقال له : (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً  ). هذا عن مسجد هو أقل ضررا من مساجد الضرار التى أقامها الخلفاء الفاسقون . لو دعا مؤمن الى إجتناب الصلاة فى تلك المساجد لاتهموه بالكفر . أى هى مساجد تدعو لدين الشيطان والصلاة فيها شيطانية تبررالإثم والعدوان والظلم والبهتان .

2 / 5 : المؤلم أننا توارثنا هذه المساجد الشيطانية ، من أول مسجد تأسس على البغى فى عهد أبى بكر الى مساجد السلاطين المستبدين فى عصرنا الحديث  مثل مسجد ( محمد على ) فى القلعة بالقاهرة الى غيره من مساجد يحرص المستبد على بنائها وصرف الملايين فى زخرفتها من المال السُّحت . ويؤدى فيها المحمديون صلاة شيطانية يسمعون فيها أنواعا مختلفة من الكفر تحت مسميات الحديث النبوى والتفاسير ، وفيها تقديس المستبد وتقديس الأولياء والطاغوت الدينى والسياسى .

أخيرا :

1 ـ ووصلت الصلوات من حيث الشكل بالتواتر العملى. وهو ما سمح به الشيطان ؛ أن يتمسكوا بشكل الصلاة ولكن أن تكون فى حرب الله جل وعلا ورسوله.   ندخل الآن فى موضوع التواتر.

الباب الثالث : التواتر التاريخي في الصلاة

الفصل الأول : لمحة عن التواتر  

  مقدمة :- 
1 ـ أشار القرآن الكريم الى التواتر فى آية تلخص معناه فى ايجاز واعجاز، يقول سبحانه وتعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا : المؤمنون 44 ) فالآية تشير الى تواتر الرسالات السماوية وتواتر التكذيب لها فى كل عصر
2 ـ التواتر هو المتوارث الذى تتمسك به الأغلبية من عبادات وثقافات ، وفيه الصحيح والفاسد ، لذا يكون مرجع الحكم فيه لله تعالى فى القرآن الكريم
3 ـ المشكلة هنا أن الاحتكام الى القرآن الكريم مهمة علمية لا يقوم بها إلا الراسخون فى العلم ، فاذا تدخل فيها غيرهم ضلوا وأضلوا ، وضاعوا واضاعوا.

  4 ـ وفى نظرة سريعة إلى التدين العملى للمسلمين نجد فيه المتوارث الصحيح مثل وجود القرآن الكريم بيننا محفوظا من لدن الله تعالى بكتابته وقراءته والذى يقف ضد محاولات الالحاد فيما يسمى بعلوم القرآن التراثية ( المتواترة ايضا )، ونجد تواترا فى آداء الصلاة تبلغ صحته فوق التسعين فى المائة ، ونجد ملامح أخرى من التواتر الصحيح فى جوانب أخرى تراثية ، كما نجد أخطاء فادحة وابتداعات فى الدين لا سبيل إلى حصرها
5 ـ ولأن وظيفة المصلح هو تتبع الخطأ لاصلاحه فان معظم عملنا يتركز على إصلاح التواتر الفاسد بالقرآن الكريم ، ولكن بعض المنتسبين للقرآنيين يتطرفون فى نفى كل التواتر فيقعون فى نفس التطرف السنى فى تكذيب القرآن الكريم ولكن باسلوب آخر

لذا نعطى توضيحا سريعا لهذا الموضوع الشائك المعقد
أولا : - التواتر الإلهى والتواتر البشرى
1 ــ هناك تواتر إلهى فى الرسالات السماوية من ( عقائد وتشريعات وعبادات ) وفى اللغة البشرية وفى الزمن . ولا يلبث الحق الإلهى المتواتر فى الدين والزمن أن يلحقه التحريف البشرى ، ولا يلبث التحريف البشرى أن يتحول إلى تواتر بمرور الزمن ، مما يستلزم التصحيح بارسال رسول برسالة سماوية أخرى ، ثم بعدها يعود التحريف ويتحول إلى تواتر ، ويرسل الله تعالى رسولا آخر ،  وهكذا إلى أن نزلت الرسالة القرآنية الخاتمة محفوظة إلى قيام الساعة لتكون مرجعية حاكمة على كل تبديل يطرأ بعدها أو كل تواتر صحيحا كان أم باطلا .. 
2 ــ هنا نتذكر ونتأمل قوله تعالى فى قصة نوح (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ : الشعراء 105 ) ، الواقع أن قوم نوح لم يعرفوا رسولا سوى نوح أقدم الرسل المعروفين ، وقد جاءت البشرية كلها من نسل نوح عليه السلام (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ : الصافات 77 ) ، ولكن الواقع أن نوحا كان يقول لقومه نفس ما قاله الأنبياء بعده (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ : الأنبياء 25 ) . أى أن قوم نوح عندما كذبوا رسالة نوح فقد كذبوا بكل الرسالات السماوية التى تواترت بعده
ونتذكر أيضا قول النبى هود لقومه عاد يذكّرهم بماحدث لقوم نوح من قبلهم (وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) ( الأعراف 69 ) ثم قول النبى صالح لقومه ثمود يذكّرهم بما حدث لقوم عاد من قبلهم (وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ ) ( الأعراف 74). 
3 ـ هنا نجد نوعين من التواتر فيما يخص الرسالات السماوية و تكذيب الملأ المتحكم لها
3 / 1 : التواتر الإلهى فى الرسالات السماوية (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ: النساء 163 )،وايضا (الشورى 13)

3 / 2 : التواتر البشرى فى تكذيب القوم للرسل فى كل زمان ومكان
وفى إعجاز وإيجاز يعبر رب العزة عن ذلك فيقول لخاتم الرسل محمد عليه السلام ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ: فصلت 43 ) ، أى ما يقال لك من وحى قرآنى وما يقال لك من تكذيب قد قيل لكل الرسل من قبلك، أى هو تواتر الاهى حق ، وتواتر بشرى معاند كافر
وحتى إتهامهم له بأنه كاذب أو ساحر أو مجنون أصبح متواترا ، وقد عبر عنه رب العزة فى صورة ساخرة رائعة ، يقول تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ ؟ : الذاريات 52:53 ) .أى كأنما تواصى كفار قريش ومن سبقهم على قول نفس الكلاموفى تعبير آخر للقرآن الكريم كأنما تشابهت قلوبهم مع إختلاف الزمان والمكان : ( وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ: البقرة 118 ).ويوم القيامة يقال عن هذا التواتر المهلك الذى أوردهم الجحيم (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ ُيهْرَعُونَ : الصافات 69 : 70) 
4 ــ والرسالات السماوية لها جوانب ثلاثة : عقيدة وأخلاق وعبادات . والتواتر الإلهى يتركز فى إقامة هذا الهيكل الثلاثى للرسالات السماوية
ومثلا فإن الله تعالى يأمر بكل ما هو خير فى الأخلاق وينهى عن كل ما هو شر ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ : النحل 90 ) ، وهذا كله ما جاءت به كل الرسالات السماوية فى تواترها ، ولكن تذكر ذلك والعمل به لا يتأتى إلا لمن يطلب الهداية ، وبالتالى فإن للتواتر الإلهى جذورا داخل كل نفس بشرية ، بغض النظر على ما يبدو على السطح من عناد واستنكار ومحاولات للتسويغ والإعتذار ، يقول تعالى ( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ : القيامة 14 : 15 ) بل أن الله تعالى احتكم إلى طاقة الخير هذه – أو الضمير الأنسانى – حين خاطب مشركى مكة المعاندين ، إذا طلب منهم أن يراجعوا أنفسهم فى لحظة صفاء إبتغاء مرضاة الله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ . سبأ 46) . وهذا دليل على وجود حقيقى للتواتر الإلهى داخل النفس البشرية مع طغيان التواتر البشرى أو التحريف البشرى
والأمر بالمعروف و النهى عن المنكر تواتر فى كل الرسالات السماوية ، ولكن يلحقه التأويل الفاسد الذى لا يزال موجودا حتى الان فى حديث (من رأى منكم منكرا فليغيره .. ) وفيما يطبقه المطوعة فى السعودية ، وما كانت تفعله جماعات الارهاب فى مصر فى تسعينيات القرن الماضى.
ثانيا :- ملة إبراهيم بين التواتر الإلهى والتواتر البشرى 
1 ـ أم المشاكل لدى المسلمين تتجلى أنهم فى تقديسهم للنبى محمد ورفعه فوق الأنبياء فقد ترسب لديهم إيمان خاطىء بأنه جاء برسالة جديدة ، وأنه – وحده – رسول الإسلام . وتناسوا أن الإسلام – وبكل الألسنة السابقة على العربية – هو دين الله جل وعلا الذى نزلت به كل الرسالات السابقة بمعنى الإستسلام لله تعالى وحده والسلام مع البشر . وتناسوا ما كرره القرآن الكريم من أوامر للنبى محمد عليه السلام ولنا ولأهل الكتاب فى أن نتبع ملة إبراهيم حنيفا .

2 ـ ورث العرب وأهل الكتاب ملة إبراهيم فى أنه لا إله إلا الله ، وإخلاص العباد لله تعالى وحده ،وورثوا العبادات وكيفياتها من صلاة وصدقات وحج وصوم ، ولكنهم أضاعوا الصلاة بالوقوع فى الشرك وفى الإنحلال الخلقى والعصيان ، ونزل القرآن الكريم لإصلاح ملة إبراهيم وفق منهج محدد فى التعامل مع نوعى التواتر ؛ الالهى منه و البشرى
2 / 1 : فى التعامل مع التواتر الالهى فى الكتب السماوية السابقة فقد نزل القرآن مصدقا لها ومهيمنا عليها ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ: المائدة 48 ) ، (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ : آل عمران 3 ) لذا يقول تعالى لأهل الكتاب : ( وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ِ: البقرة 41 ) . أى كان القرآن الكريم مصدقا لما سبقه وحكما عليه أو مهيمنا عليه
2 / 2 : وفى التواتر البشرى لملة ابراهيم المطلوب اتباعها والتى تعرضت للتحريف فقد أمر الله جل وعلا بعرض تواترها على القرآن لتوضيح الحق فيه من الباطل ، لذا تكرر فى القرآن الكريم دعوتهم إلى الإحتكام إلى القرآن الكريم فيما وجدوا عليه آبائهم، وكان مترفو العرب يرفضون الانصياع للقرآن الكريم تمسكا منهم بذلك التواتر . قال عنهم رب العزة جل وعلا : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا :البقرة 170 ) ، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا :المائدة 104) ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا: لقمان 21 )( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ : الزخرف 22 ). المصالح الإقتصادية هى أساس تمسك قريش بالتواتر ، حيث عبادة الأصنام وإقامة صنم لكل قبيلة فى الحرم المكى لضمان عدم إغارة أى قبيلة على رحلتى الشتاء والصيف لقريش ، وبذلك تمتعت قريش وحدها بالأمن والثراء فى وقت عانت فيه القبائل العربية من الفقر والغارات المستمرة ، ولذلك يقول الله جل وعلا عن السبب الإقتصادى فى التمسك بالتواتر الكاذب ( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ: الواقعة 82)
3 ـ وسبق القول بتأدية العرب الصلوات الخمس بالفاتحة فى مساجدهم (كما نفعل الآن)، ولكن مع التمسك بتقديس قبورالأولياء ( كما نفعل الآن) ، لذا قال سبحانه وتعالى لخاتم المرسلين محمد عليه السلام فى عدم الإعتداد هذا التواتر الفاسد : ( فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ: هود 109 ) ، وجاء هذا بعد أن قص الله جل وعلا قصص الأنبياء السابقين الذى يحوى على التواتر الإلهى الصحيح ، وتواترالعناد من المشركين
4 ـ وتكرار الأمر فى مكة للمشركين بأن يقيموا الصلاة ( وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ : الأنعام 72 ) (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ: الروم 31 ) يعنى أنهم كانوا يعرفون الصلاة ، فالله تعالى يأمرهم بإقامة ( الصلاة ) المعروفة لديهم ، وإقامتها ليس مجرد تأديتها ، وهم كانوا يؤدونها بنفس الشكل وفى نفس الأوقات ، ولكن كانوا يقعون فى الشرك والمعاصى والاعتداء والظلم ، وبذلك يضيعون الصلاة ولا يقيمونها ، وقد أوضح رب العزة معنى إقامة الصلاة وأن الهدف منها ومن كل العبادات هو التقوى ، ولم تتوفر لديهم التقوى ، وهو نفس الحال فى حياتنا الدينية الان حيث تجد أكثر الناس صلاة أكثرهم غلظة وتعصبا وتطرفا وتمسكا بثقافة الارهاب. فالعرب المشركون عرفوا الصلاة و الصوم و الحج وايتاء الصدقات ، وكلها من شعائر ملة ابراهيم ، ولكنهم لم يقيموا الصلاة بل أضاعوها بالوقوع فى ظلم الله تعالى و ظلم البشر
أما الخبل العقلى الذى يزعم أن الصلاة قد شرعها الله تعالى فى اسطورة المعراج فان نفس الاسطورة تنفيها ، حيث تزعم أن محمدا صلى إماما بالأنبياء قبل المعراج المزعوم، فكيف يصلى وهو لا يعرف الصلاة و لم تكن قد وجبت عليه بعد؟أما حديث (صلوا كما رأيتمونى أصلى ) فهو يريح كل مسلم من أداء الصلاة لأنه لم ير الرسول يصلى ، وبالتالى فلا يشمله الأمر.!! 
5 ـ إن أساس تلك الخرافات هو الاعتقاد بأن محمدا عليه السلام جاء بدين جديد وشرع جديد وصلاة جديدة . وهذا كله إفك يناقض القرآن. وأصحاب الديانات الأرضية من المسلمين ـ والذين يتفقون معا فى تقديس محمد وتأليهه ـ يشتد بهم الغضب حين تؤكد لهم من القرآن الكريم أن محمدا عليه السلام تابع لملة ابراهيم مأمور باتباعهالذا هم لا يفهمون منهج القرآن الكريم فى التعامل مع تشريع العبادات المتواترة. لو أخلصوا لله سبحانه وتعالى قلوبهم لعرفوا أن منهج القرآن هنا هو التأكيد على إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى وحده فقط ، وترك التواتر الصحيح كما هو، مثل معنى الصوم وكيفية الصلاة ومواقيتها ، ولكن عندما يأتى تصحيح للتواتر الفاسد أو حينما يأتى تشريع جديد يأتى بيان القرآن الكريم بالتفصيل
ثالثا : - التواتر الإلهى والبشرى بعد نزول القرآن الكريم
1 ـ يتجلى التواتر الإلهى فى إعجاز الحفظ للقرآن الكريم برغم ما اخترعته أديان المسلمين الأرضية من حرب للقرآن الكريم بالنسخ التراثى واختراع الأحاديث والقراءات والتأويل والتفسير والتغنى بالقرآن مع محاولات لا تنتهى من الإلحاد فى الكتاب العزيز. ويتجلى التواتر الإلهى فى إعجاز الحفظ للقرآن الكريم ولغة القرآن الكريم الفريدة والمختلفة فى كتابتها – بعض الشىء – عن الكتابة العربية ، والمختلفة بعض الشىء عن القواعد النحوية التى توسع فيها علماء النحو فى العصر العباسى بعد نزول القرآن الكريم بقرنين أو أكثر
والمستفاد أن هناك تواتر إلهى فى حفظ القرآن الكريم ، ويسير معه بالتوازى تواتر بشرى بعضه صحيح فى السير على كتابة المصحف بنفس الطريقة التى كتبه بها خاتم الرسل محمد عليه السلام الذى قام بكتابة القرآن بنفسه ( إقرأ بحثنا عن النبى كان يقرأ ويكتب ) . ثم هناك تواتر بشرى خاطىء أقام ما يعرف بعلوم القرآن التى تطعن فى القرآن الكريم بالإضافة إلى ما يعرف بالتأويل والتفسير والحديث .... إلخ
2 ـ وحتى اللسان العربي ، فهناك تواتر حافظ عليه ، وتواتر أخر باعد بينها وبين لسان  القرآن الكريم وهى اللسان العربى الأصيل الذى كان ينطق به النبى محمد وقومه من العرب ، والمطلوب هنا تأمل معنى قوله تعالى (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا : مريم 97 ) ، ( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ : الدخان 58 ) ، ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ : الشعراء 195 ) ، فالقرآن الكريم ذكر (اللسان ) ولم يذكر (اللغة ) وهذا موضوع شرحناه فى مقالات منشورة هنا
3 ـ وفى كيفية الصلاة ومواقيتها تجد التواتر صحيحا ماعدا شيئين: قصر الصلاة فى السفر ـ لأن قصرالصلاة هو فى الجهاد والمطاردة عند الهجرة فقط ـ والتأثر بأسطورة المعراج بوضع (التحيات ) بديلا عن التشهد القرآنى :( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ : آل عمران 18)
4 ـ أما فى العقائد فالتواتر المزيف هو الأغلب والأبشع وهو الذى أضاع ثمرة الصلاة وثمرة الحج ، حيث تكاثرت الأضرحة المقدسة المقصودة بالحج والزيارة وحيث تؤدى فيها الصلاة لله سبحانه وتعالى و للولى المدفون بالتوسل وقراءة الفاتحة و الركوع و السجود والوقوف القانت الخاشع أمام الضريح. وأقيمت تلك الأضرحة للأئمة والفقهاء وآل البيت والأولياء الصوفية وللنبى محمد نفسه. كما نسج التواتر الزائف شخصية إلهية للنبى محمد تخالف حقيقته فى القرآن، ولكن أصبح الإعتراض عليها يعنى الأتهام بالكفر ، ونشأت أديان أرضية على أساس الشرك بالله سبحانه وتعالى . وهم يسمونها ( ثوابت ) ، وكان العرب الكافرون يقولون عليها ( ماوجدنا عليه آباءنا ).

5 ــ ومن ألاعيب الشيطان :

5 / 1 أنه فعل بالمسلمين مثلما فعل بالعرب قبل نزول القرآن ، تركهم يتمسكون بالشكل الظاهرى للصلاة فى مواقيتها ، ولكنه جعلهم يضيعونها بتقديسهم البشر والحجر والإنهماك فى العصيان بزعم وجود الشفاعات وأن الصلاة هى الهدف فى حد ذاتها وليست وسيلة للتقوى ، فإذا صليت فلا عليك بعدها مهما عصيت ، أى بعد أن كانت الصلاة وسيلة للتقوى أصبحت وسيلة للعصيان !. 
5 / 2 : إنه تلاعب الشيطان ببعض المساكين أنه جعلهم يقفزون للناحية الأخرى وهى إنكار التواتر نهائيا ، وإعتباره صنما ، وبالتالى يعتمدون على أنفسهم فى إبتكار دين جديد وعبادات جديدة حسب علمهم المتواضع،وينتهى بهم الأمر إلى أن يجعلوا أنفسهم شركاء لله تعالى فى التشريع
رابعا التواتر والزمن :- 
والتواتر ألصق بالزمن . لأنه أفعال البشر المتراكمة عبر الزمن
والحديث عن علاقة التواتر بالزمن يطول ، ونختصره فيما يخص الأسلام على النحو التالى 
1 ــ فالله سبحانه وتعالى أشار إلى الحساب القمرى والشمسى ، أو السنة القمرية والشمسية فى الحديث عن الشمس والقمر (الرحمن 5 )( الأنعام 96 ) واشار الى الفرق بين السنة الشمسية والقمرية فى حساب المدة التى قضاها أهل الكهف ( الكهف 25)
2 ــ ولله جل وعلا حرم مكانى هو الكعبة ،وصلته بالزمن أنه أول بيت وضعه الله تعالى للناس فى هذا الكوكب ( آل عمران 96 ) واسماه البيت العتيق ( الحج 29 ) ، وإلى جانب هذا الحرم المكانى هناك الحرم الزمانى الذى حدده رب العزة يوم خلق السماوات والأرض ، وفى الحج يجتمع الحرم المكانى بالحرم الزمانى حيث يحج الناس الى البيت الحرام فى الأشهر الحرام ـ من ذى الحجة الى ربيع الأول ، وهى الأشهر الأربعة الحرم خلال الأثنى عشر شهرا فى كل عام ( التوبة 36)
3 ــ إلا إن هذا التواتر الإلهى فى الزمن ما لبث أن لحقه التحريف بالنسىء فى الأشهر الحرم ، وتبديل موعد تلك الأشهر واستحلال القتال فى بعضها (التوبة 37 ) ، وهذا التحريف فى النسىء صار متواترا يخالف التواتر الإلهى مما استدعى التصحيح القرآنى . وارتبط هذا التحريف فى النسىء ( الزمن ) بتحريف أيضا صار متواترا فى شعائر الحج إلى الحرم المكانى فى الكعبة ، فقد ابتدعت قريش لنفسها حج (الحمس) نوعا من التدين السطحى الذى يزعم البر والتقوى المظهرية لتتميز عن بقية العرب ، وأصبح ذلك التحريف متواترا قبل نزول القرآن استوجب أن ينفيه القرآن الكريم (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ : البقرة 189،) وجعلت قريش التقوى مظهرا سطحيا عبر تأدية مظهرية للعبادات فى احتفالات موسم الحج ـ كما يحدث الان فى السعودية ـ فنفى الله جل وعلا أن تكون التقوى والبر هى تلك المظاهر السطحية ، وشرح معنى البر و التقوى ( البقرة 177 ) ، وقد جعلت قريش من قيامها على خدمة البيت مظهرا من مظاهر التدين السطحى والسيادة الدينية ـ كما يحدث فى السعودية الآن ـ فجاء الرد عليهم :(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ؟ التوبة 19)  . أى أن التواتر البشرى القائم على التحريف قبل نزول القرآن الكريم ، والذى صححه القرآن الكريم ـ مالبث أن عاد تحريفا أخذ طريقه للتواتر ، ففى فريضة الحج ـ التى يرتبط بها تواتر الزمان بتواتر المكان فى الحج للكعبة خلال الأشهر الحرم ـ ترى المسلمين وقد نسوا الأشهر الحرم الحقيقية كما نسوا جواز الحج فى خلال الأشهر الأربعة ، لأنه تواتر عندهم حصر الحج خلال إفتتاح موسم الحج فى الأيام العشرة الأولى من شهر ذى الحجة .( راجع مقالنا عن :الحج أشهر معلومات ). 
4 ــ والتاريخ الميلادى المرتبط بميلاد المسيح عليه السلام تعرض للتغيير الجزئى فى عهد الأمبراطور أغسطس ، وعندما قامت الثورة الفرنسية اخترعت توقيتا جديدا وأشهرا جديدة ، ثم ما لبثوا أن ألغوها ، والأخ معمر القذافى إخترع تقويما جديدا وأشهر جديدة مخالفا للتقويم الهجرى واخترع تقويما موازيا للتقويم الميلادى وسمى فيه الأشهر أسماءا جديدة من نوعية النار والسحاب والريح ... الخ ..  أى أن التواتر الزمنى فى الأشهر الأثنى عشر من كل عام ما لبث أن لحقه الزيف الذى قد يصبح متواترا أيضا ، ويقف القرآن الكريم حكما على ذلك التواتر الزمنى البشرى القائم على التحريف
5 ــ ولم يذكر القرآن الكريم أن الأسبوع يتكون من 7 أيام ولم يذكر أيام الأسبوع، وحتى لم يذكر عدد الأشهر فى العام الواحد إلا فى سياق الحديث عن إستحلال الأشهر الحرام بالنسىء، ولم يذكر من أيام الأسبوع سوى يومين فى سياق إستحلال " السبت " عند بنى إسرائيل والتهاون فى صلاة الجمعة لدى الصحابة، ولولا ذلك السياق ما ذكر القرآن الكريم أشياء هى معلومة بالتواترفهل ننكر أيام الأسبوع الأخرى التى لم ترد فى القرآن لأنها لم ترد فى القرآن ؟!!. 
خامسا : التواتر فى منهج القرآن الكريم فى التشريع
1 ـ نزل القرآن فى بيئة تراكمت فيها الموروثات من ملة إبراهيم ومن الثقافة العربية المحلية والوافدة ، وتعامل القرآن مع هذه الثقافة وعالج المتوارث – أو المتواتر – من ملة إبراهيم بالتصحيح ... 
2 ـ لو أنكر القرآن الكريم كل التواتر لكان مطلوبا منه أن يبدأ من الصفر ليوضح كل شيىء من البديهيات والأولويات من المعارف والثقافة إلى أن ينتهى لما فيه إشارات علمية معجزة وبلاغة فى البيان وإعجاز فى القصص والتشريعومعنى أن يبدأ القرآن الكريم من الصفر إلى النهاية أن تتكاثر سور القرآن الكريم لتصبح ملايين السور ومئات الملايين من الآيات ، فهل يتفق ذلك مع كونه ميزانا يحتكم اليه الناس؟ وهل يتفق ذلك مع قيام الدين الالهى على التيسير والتخفيف ، وترك حرية البشر فى الاجتهاد ؟إن القرآن الكريم نزل يبنى على تواتر سابق فى ملة إبراهيم وفى ثقافة البشر وحضارتهم ولذلك تراه مع التكرار والشرح والتفصيل جاء محددا فى عدد السور والآيات ، وأكد على أنه ما فرط فى شىء ( من الدين ) يكون تركه تفريطا ، وأنه نزل تبيانا لكل شىء (فى الدين يحتاج إلى بيان) وأنه فصل كل شىء (فى الدين)، وجاء تفصيله على علم وهدى وليس عن ثرثرة ولغو
3 ـ ومن هنا فإن إنكار التواتر جملة وتفصيلا يعتبر جهلا قد يؤدى بصاحبه إلى الخروج عن ملة الإسلامإن منكر التواتر قد يكون واحدا من إثنين
* أن يكفر بقوله تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ : النحل 89 ) ، ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ: الأنعام 38 ) (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ) ( الاسراء 12) (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ( الأعراف 52 ) ، ويرى أنه لابد أن يذكر القرآن كل شيىء معلوما كان أم مجهولا ، من البديهيات أم من خفايا العلم ، وحيث لا يوجد ذلك فى القرآن فلابد أن يكذب بتلك الأيات
* وإما أن يتعسف تأويل أيات القرآن الكريم ليثبت أن فى القرآن كل شىء ، فيتفنن فى التأويل بما يجعله يخرج عن العبادات وعن العقل وعن الإسلام

سادسا : التواتر والهداية والتدبر القرآنى
1ـ هناك هداية ايمانية يجدها كل باحث عن الهداية فى القرآن الكريم ، الذى ترى فيه المستوى الميسّر للذكر . يكفيه أن يأتى ربه يوم القيامة بقلب سليم ،ليس فيه تقديس لبشر أو حجر ، مع عمل صالح وعبادة خالصة لوجه الله جل وعلا. إن أخطأ فلا عليه شىء طالما لم يتعمد الخطأ ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا : الأحزاب 5 ). ليس مطالبا بالبحث فى القرآن والتعمق فى فهم مستوياته الخاصة بالعلماء الراسخين
2 ـ هذه هى وظيفة الراسخين فى العلم الذين أمضوا رحيق العمر فى معايشة القرآن وفهم دقائق اللغة العربية وتاريخ المسلمين وتراثهم الفكرى والتشريعى ومللهم ونحلهم وفرقهم وطوائفهم وتلك الغابة المتشابكة من مصطلحاتهم ، مع فهم لمجريات عصرنا و ثقافاته. من هنا يكون الراسخ فى العلم مؤهلا للحكم على المتواتر البشرى بالرجوع الى القرآن الكريم
3 ـ إن حضارتنا الأنسانية الحالية هى حصيلة تراكم وتواتر معرفى متصل ، بدأ بحضارة مصر والرافدين والهند والصين ، وأسهم الدين الحق وما قام على أشلائه من أديان أرضية وملل ونحل ومذاهب فى إثراء وتطور هذا التراكم أو التواتر الحضارى، وحين نزل وحى القرآن كانت البشرية قد دخلت فى طور التعقل فكانت رسالة الإسلام الأخيرة كتابا عقليا وليس مجرد آيه حسية وقتية محلية كما كان يحدث مع الأنبياء السابقين ، وتعامل القرآن مع التواتر الموجود فى عصره بالإصلاح ، ولا يزال يتعامل مع التواتر الذى يطفوا فى كل عصر بمنهج الإصلاح أيضا ، وسيظل هكذا إلى قيام الساعة ، لأن الذى أنزل الكتاب هو الذى أحاط بكل شىء علما ، يعلم ما سيحدث للبشر إلى قيام الساعة
4ـ والواقع أن عناصر الهداية واحدة ومتواترة فى كل عصر لأن مصدرها دين الله تعالى الحق، كما أن عناصر الغواية متواترة أيضا لأن مصدرها واحد هو إبليس ، أى أن هناك تواترا فى الخير وتواترا فى الشر ، حدث هذا قبل وبعد نزول القرآن ولا يزال يحدث ، وسيظل يحدث الى آخر يوم فى هذه الدنيا. ويوم القيامة سيقول الله سبحانه وتعالى لأغلبية البشر أن الشيطان أضلهم جيلا بعد جيل دون أن يتعقل جيل بما حدث لسابقيه : (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ه؟ : يس ـ 63 )، أى سيظل تواتر الخير وتواتر الشر مستمرا إلى قيام الساعة
5 ـ مقابل هذا التواتر البشرى الذى يختلط فيه الحق و الباطل يقف القرآن الكريم حكما ، فهو الميزان الذى أنزله الله تعالى قبيل قيام الساعة ( اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ : الشورى 17 ) وإلى هذا الميزان الإلهى يحتكم الراسخون فى العلم فى معرفة التواتر الصحيح والتواتر الباطل ( أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً : الأنعام 114 ) ونلاحظ أن رقم الأية هنا 114 وهى إشارة إلى عدد سور القرآن الكريم
6ـ إن من إعجاز القرآن الكريم فيما يخص التواتر أن محور الإرتكاز فى دعوة القرآن الكريم هى فى تصحيح العقيدة ، حيث تركز التواتر الإلهى على أنه لا إله إلا الله بينما دار التواتر البشرى على تقديس غير الله مع الله ، ومشكلة البشر قبل وبعد نزول القرآن أنهم دائما يتخذون الهوى إلها مع الله تعالى ، قد يكون ذلك الهوى تقديسا لنبى أو لولى أو إمام او للمال أو للشهوات أو لمجرد حيوان أو حجر ، يقول تعالى ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا : الفرقان 43 : 44).

7 ـ وفى تركيز القرآن الكريم على مشكلة تصحيح العقيدة ـ التى لا تزال مشكلة حتى الأن ـ فإنه لم يذكر كيفية الصلاة ومواقيتها ، لأنها لم تكن مشكلة قبل نزول القرآن ولم تكن مشكلة بعد نزول القرآنالمشكلة فى عبادة الهوى ، وبعض الناس أفلت من عبادة البشر والحجر ولكن أوقعه الشيطان فى عبادة هواه ، فانطلق يؤول آيات القرآن الكريم ليقوم بتشريع صلاة وحج وصيام ما أنزل الله به من سلطان ، فجعل نفسه إلاها من حيث لا يدرى ، وهو بذلك أسوأ ممن يتخذ آلهة مع الله

الفصل الثانى : التواتر التاريخى للصلاة: محافظة العرب على أوقات الصلوات حتى فى الحروب والفتن

مقدمة

نقتبس بعض سطور من مقالات الصلاة الشيطانية للخلفاء الفاسقين تتجلى فيها محافظتهم على الصلوات الخمس فى مواقيتها حتى فى الحروب والفتن . وننصح بمراجعة هذه المقالات لمعرفة سياقاتها التاريخية .

أولا : فى الحروب الهجومية

1 ـ ( فتح المدائن عام 16 : .... واتخذ سعد إيوان كسرى مصلى ولم يغير ما فيه من التماثيل.  ..ولما دخل سعد الإيوان قرأ( كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ وزروعٍ)  إلى قوله(قوماً آخرين)؛ وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن ولا يصلي جماعة، وأتم الصلاة لأنه نوى الإقامة، وكانت أول جمعة بالعراق، وجمعت بالمدائن في صفر سنة ست عشرة.) . هنا صلاة الجمعة . وكانت أول جمعة بالعراق .

2 ـ (ذكر غزوة فارس من البحرين:...   فقام خليد في الناس فقال أما بعد فإن الله إذا قضى أمرا جرت به المقادير حتى تصيبه وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم وإنما جئتم لمحاربتهم والسفن والأرض لمن غلب فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع من الأرض يدعى طاوس ).  هنا صلاة الظهر.

3 ـ ( .. ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضاً وخالطوا القوم واستقبلوا الليل استقبالاً بعد ما صلوا العشاء.. ) هنا صلاة العشاء .

4 ـ  ( فى معركة جلولاء :  .... فاقتتلوا قتالا شديدا .. فكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهر ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها ). هنا صلاة الخوف صلاة الظهر.

5 ـ   (فلما فرغ القراء منها قال سعد: الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم فإني مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، ) هنا صلاة الظهر

6 ـ ( .. .. وقال يزيد للرجل الذي ندب الناس معه : " متى  تصل إليهم  ؟ " قال : "  عند العصر فيما بين الصلاتين " قال : " امضوا على بركة الله فإني سأجهد على مناهضتهم غدا عند صلاة الظهر. .. ) . هنا صلاة الظهر . 

7 ـ  (  ... وأمر يزيد الناس حين زالت الشمس فصلوا فجمعوا بين الصلاتين ..) ، اى صلاتى الظهر والعصر.

 ثانيا : فى الفتن

1 ـ فى إغتيال عمر بن الخطاب فى صلاة الفجر على يد أبى لؤلؤة المجوسى :  (  فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة ( صلاة الفجر ) وكان يوكل بالصفوف رجالاً فإذا استوت كبر، ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وقتل معه كليب بن أبي البكير الليثي وكان خلفه، وقتل جماعة غيره...) 
2 ـ فى إغتيال على فى صلاة الفجر (  الغداة ) : ( وأتى ابن ملجم رجلاً من أشجع اسمه شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وماذا؟ قال: قتل علي. قال شبيب: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئاً إداً! كيف تقدر على قتله؟ قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج إلى صلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا فقد شفينا أنفسنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. ..  فلما كان ليلة الجمعة، .. أخذ سيفه ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج علي نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة. فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف، وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك! .. )

3 ـ فى روايات محاصرة عثمان تقول الرواية : ( ولما جاءت الجمعة التي على أثر دخولهم المدينة، خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء، الله الله! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد، صلى الله عليه وسلم، فامحوا الخطأ بالصواب. ). هنا صلاة الجمعة.

4 ـ قبيل معركة الجمل وصل جيش عائشة والزبير وطلحة الى البصرة فقاتلوا واليها عثمان ابن حنيف واليها من قبل (على ) ، تقول الرواية : ( .. فاقتتلوا بدار الرزق قتالاً شديداً إلى أن زال النهار وكثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف وكثر الجراح في الفريقين....فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة مظلمة ذات رياح ومطر ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء، وكانوا يؤخرونها، فأبطأ عثمان، فقدما عبد الرحمن بن عتاب، فشهر الزط والسيابجة السلاح ثم وضعوه فيهم، فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد فقتلوا، وهم أربعون رجلاً، فأدخلا الرجال على عثمان فأخرجوه إليهما. فلما وصل إليهما توطؤوه وما بقيت في وجهه شعرة، ...) هنا صلاة العشاء .

5 ـ فى معركة صفين بين (على ) ومعاوية ):

5 / 1 (  .. فتناهض الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالاً شديداً نهارهم كله، ثم انصرفوا عند المساء وكلٌّ غير غالب، فلما كان يوم الخميس صلى "علي " بغلس وخرج بالناس إلى أهل الشام فزحف إليهم وزحفوا معه.. ) . هنا إشارة لصلاة (على ) فى الغلس أى فى الفجر عند إختلاط ضوء الفجر بظلام الليل.

5 / 2 : عن بأس (الأشتر النخعى ) قائد جيش على تقول الرواية : ( وقاتلهم الأشتر قتالاً شديداً، .. فما زال هو ومن رجع إليه يقاتلون حتى كشف أهل الشام وألحقهم بمعاوية والصف الذي معه بين صلاة العصر والمغرب، ) هنا ذكر لصلاتى العصر والمغرب .

5 / 3 : بعد فشل التحكيم : تقول الرواية : (.. ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة، ... وكان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية وعمراً وأبا الأعور وحبيباً وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد! فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت سب علياً وابن عباس والحسن والحسين والأشتر.) .  هنا صلاة الغداة أى الفجر.

6 ـ فى خلافة معاوية جعل زياد بن أبيه واليا على العراق

6 / 1 : كان العراق مركز المعارضة للأمويين ، ويتركز فيه الشيعة فإبتدع سياسة الأحكام العرفية وأعلنها فى خطبته ( البتراء ) . وقام زياد بتطبيق سياسته هذه ، تقول عنه الرواية : ( واستعمل زياد على شرطته عبد الله بن حصن، ... فكان يؤخر العشاء الآخرة ثم يصلي ، فيأمر رجلاً أن يقرأ سورة البقرة أو مثلها يرتل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنساناً يبلغ أقصى البصرة، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج فلا يرى إنساناً إلا قتله...). هنا صلاة العشاء .

6 / 2 : وتقول الرواية فى سبب قتل حجر بن عدى الكندى :  ( أن زياداً خطب يوم جمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حجر بين عدي: الصلاة. فمضى في خطبته. فقال له: الصلاة. فمضى في خطبته. فلما خشي حجر بن عدي فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من حصى وقام إلى الصلاة وقام الناس معه. فلما رأى زياد ذلك نزل فصلى بالناس..). هنا صلاة الجمعة . 

7 ـ فى مذبحة كربلاء فى خلافة يزيد بن معاوية:

7 / 1ـ بعث الحسين بإبن عمه مسلم بن عقيل للكوفة لتجميع الشيعة ، فتحرك والى الكوفة عبيد الله بن زياد ، تقول الرواية : ( .. وأما ابن زياد .. فنزل إلى المسجد قبيل العتمة وأجلس أصحابه حول المنبر وأمر فنودي: ألا برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد. فامتلأ المسجد، فصلى بالناس. ). هنا المسجد و تجميع الناس لصلاة العتمة ( العشاء ).

7 / 2 : وأرسل ابن زياد جيشا يقودة الحُرُّ التميمى ليمنع الحسين من الاتجاه نحو الكوفة وتلاقى جيش الحُرُّ مع جماعة الحسين. تقول الرواية : ( وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي، فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في نحر الظهيرة ... فلم يزل مواقفاً الحسين حتى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين مؤذنه بالأذان، فأذن ..فسكتوا ، وقالوا للمؤذن: أقم، فأقام، وقال الحسين للحر: أتريد أن تصلي أنت بأصحابك؟ فقال: بل صل أنت ونصلي بصلاتك. فصلى بهم الحسين، ثم دخل واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلى مكانه، ثم صلى بهم الحسين ... فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيؤوا للرحيل ثم إنه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر واقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم..). هنا ذكر صلاتى الظهر والعصر.

7 / 3 : عن جيش الأمويين بقيادة عمر بن سعد : ( ..  فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت وقد بلغنا أيضا أنه كان يوم الجمعة وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء خرج فيمن معه من الناس ) هنا صلاة الغداة اى الفجر

7 / 4(  ثم إن عمر بن سعد نادى : " يا خيل الله اركبي وأبشري "، فركب في الناس ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه ..) هنا صلاة العصر.

7 / 5 :  ( وعبى الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً،  ...) هنا صلاة الغداة : الفجر . ونكمل الراوية : (  ولما حضر وقت الصلاة قال أبو ثمامة الصائدي للحسين: نفسي لنفسك الفداءأرى هؤلاء قد اقتربوا منك، والله لا تقتل حتى أقتل دونك، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة! فرفع الحسين رأسه وقال: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين ،نعم هذا أول وقتها، ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي. ففعلوا، فقال لهم الحصين: إنها لا تقبل. فقال له حبيب بن مطهر: زعمت لا تقبل الصلاة من آل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتقبل منك يا حمار! فحمل عليه الحصين، وخرج إليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب فسقط عنه الحصين فاستنقذه أصحابه .)

7 / 6 : ( ثم صلوا الظهر، صلى بهم الحسين صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر، فاشتد قتالهم... ) هنا صلاة الظهر وقت الإلتحام الحربى. صلوها صلاة خوف.

 7 / 7 : ( فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون  ..). هنا قيام الليل فى الصلاة والدعاء.

8 ـ بعد موت يزيد بن معاوية وتنازل معاوية بن يزيد عن الخلافة بدأ إنشقاق الضحاك بن قيش الفهرى بإمتناعه عن عادته صلاة الفجر فى مسجد دمشق ، تقول الرواية : ( وخرج الضحاك إلى مسجد دمشق فجلس فيه فذكر يزيد بن معاوية فوقع فيه فقام إليه شاب من كلب بعصا معه فضربه بها والناس جلوس في الحلق متقلدي السيوف فقام بعضهم إلى بعض في المسجد فاقتتلوا قيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك وكلب تدعو إلى بني أمية ثم إلى خالد بن يزيد ويتعصبون ليزيد ودخل الضحاك دار الإمارة وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر وكان من الأجناد ناس يهوون هوى بني أمية وناس يهوون هوى ابن الزبير ). هنا ذكر صلاة الفجر.

9 ـ ظهر المختار الثقفى فسيطر على العراق وانتقم من قتلة الحسين. وفى فترة الاضطراب هذه فى العراق جاء ذكر الصلوات :

9 / 1 : عن المختار وهو يقوم بتجميع الناس مسنعملا الصلاة معهم فى المساجد : ( ومرّ على حلقة من همدان فقال: قد قدمت عليكم بما تحبون ... ثم أتى المسجد واستشرف له الناس، فقام إلى سارية فصلى عندها حتى أقيمت الصلاة ، وصلى مع الناس ، ثم صلى ما بين الجمعة والعصر ثم انصرف إلى داره، ). هنا صلاة الجمعة ثم العصر.

9 / 2 : تجمع معه جيش صلى بهم الفجر : (فلحقوا بالمختار، فتوافى إلى المختار ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفاً كانوا بايعوه، فاجتمعوا له قبل الفجر، فأصبح وقد فرغ من تعبيته وصلى بأصحابه بغلس.)

9 / 3 : وبعث ابن مطيع ( شبث بن ربعي ) في نحو ثلاثة آلاف لحرب المختار، وكان شبث بن ربعى ممن شارك فى جيش الأمويين فى كربلاء .( فسار شبث إلى المختار، فبلغه خبره وقد فرغ من صلاة الصبح .. ) هنا صلاة الصبح ( الفجر ) أو يسمونها صلاة الغداة أو الغلس .

9 / 4  :  وانتصر المختار فدخل قصر الامارة والمسجد الرسمى : ( ودخل المختارالقصر فبات فيه، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: " الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر،وجعله فيه إلى آخر الدهر، وعداً مفعولاً وقضاء مقضياً، وقد خاب من افترى.. ") هنا صلاة الصبح .

 10 : أعطى عبد الملك الأمان لابن عمه عمرو بن سعيد ، ثم نكث عهده وقتله. فى روايات القتل يتكرر ذكر الصلاة ، ومنها أنه ترك ابن عمه مقيدا وخرج ( يصلى العصر) وأمر أخاه عبد العزيز بن مروان ( والد عمر بن عبد العزيز ) أن يقتل إبن عمهما عمرو بن سعيد . تقول الرواية : ( ..وأذن المؤذن العصر فخرج عبدالملك يصلي بالناس وأمر عبدالعزيز بن مروان أن يقتله فقام إليه عبدالعزيز بالسيف فقال له عمرو : " أذكّرك الله والرحم أن تلي أنت قتلي وليتول ذلك من هو أبعد رحما منك . " فألقى عبدالعزيز السيف وجلس ، وصلى عبدالملك صلاة خفيفة ودخل وغلقت الأبواب ... ). هنا صلاة العصر.

11 ـ ودارت موقعة ( دير الجماجم ) التى إنتصر فيها الحجاج  . وفى ثنايا المعركة نلمح إشارات لصلاتهم الشيطانية . تقول الرواية عن قائد جيش الحجاج : ( .. فانطلق القائد بعد صلاة العصر والتقى عسكر الحجاج وعسكر ابن الأشعث حين فصل القائد بمن معه وذلك مع صلاة العصر فاقتتلوا إلى الليل.. ) . هنا صلاة العصر.

ملاحظات :

1 ـ لم يقصد المؤرخون تسجيل الصلاة بفروضها الخمس ، ولكن أتى ذكر الصلوات ضمن تفصيلات المعارك والمواقف . أى كانت تأدية الصلوات الخمس إلتزاما لم يتخلوا عنه فى المعارك ، حتى كانوا يصلون صلاة الخوف دون ترك الصلاة. هذا فى أوقات الشدة ، وبالتالى فأوقات السلام كانوا يحافظون على مواقيتها.

2 ـ حين نضع هذا الأحداث فى سياقها الزمنى لا نتصور أنهم تعلموا الصلاة لأول مرة من النبى محمد عليه السلام . بل مارسوها طبقا لتواتر سابق لنزول القرآن الكريم ، ثم أضاف القرآن الكريم صلاة الخوف فقاموا بها. هذا جيل دخل فى الاسلام بمعنى السلام ، وكانوا قبلها يتحاربون فى غارات ولا يتركون فيها الصلاة فى تواترها عبر القرون. ثم بعد دخولهم الاسلام بالمعنى السلوكى حافظوا على تأدية الصلاة حتى مع معتقداتهم الجاهلية فى تقديس البشر والحجر. ثم بتولى الخلفاء الفاسقين ( أبى بكر وعمر وعثمان وعلى ) إستمروا فى تأدية صلاتهم بالتواتر حتى فى قتالهم الباغى وفى حروبهم الأهلية .

3 ـ هذا عن العرب الذين توارثوا ملة ابراهيم ومنها تواتر الصلاة. أما الأمم المفتوحة الى خضعت لأمبراطوريتى الفرس والروم فقد كان للتواتر فى الصلاة شأن آخر ..

الفصل الثالث : التواتر التاريخى : أجدادنا تعلموا الصلاة من ( والى الصلاة )

أولا :

1 ـ سبق أن الوالى صاحب النفوذ الأكبر كان يحمل لقب ( والى الصلاة ) وأن إقامة المسجد فى البلاد المفتوحة كان من الأولويات . وبالتالى فإن من كان يدخل فى دين العرب المحتلين  من مواطنى البلاد المفتوحة كان يذهب الى المسجد يعلن ( إسلامه ) ويتعلم الصلاة. ومنه يتعلم أولاده وأحفاده بالتواتر. هذا هو تواتر الصلاة فى الأمم التى حكمها وإحتلها العرب . ومن الطبيعى أنهم تعلموا مع الصلاة اللغة العربية والقرآن الكريم . وسبق قول المقريزى أنه  لما افتتح عمر البلدان كتب ابى موسى وهو على البصرة ان يتخذ مسجدا للجماعة ويتخذ للقبائل مساجد فإذا كان يوم الجمعة انضموا الى مسجد الجماعة. وكتب عمر الى سعد بن ابى وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك ، وكتب الى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك ، وكتب إلى أمراء الاجناد بالشام( ان يتخذوا فى كل مدينة مسجدا )، ويذكر المقريزى أن عمرو أنشأ بمصر جامع الفسطاط أوالجامع العتيق سنة 12 هجرية  أى بعد فتح مصر بعام واحد ، أى قبل ان يولد البخارى وغيره بأكثر من مائتى عام .

2 ـ وحسبما يذكر مؤرخو الحياة الدستورية والأحكام السلطانية مثل الماوردى وابن خلدون فإن إقامة الصلاة كانت من أهم شعائر الخليفة يقول ابن خلدون عن المقصورة التى اتخذها الخليفة للصلاة وعن الدعاء فى خطبة الجمعة للخليفة " هما من الأمور الخلافيه - اى المرتبطة برسوم الخلافة - ومن شارات الملك الإسلامى ولم يعرف فى غير دول الاسلام " وكان الخليفة يتولى الإمامة فى الصلاة بنفسه ؛ ويذكر أن عمرو بن العاص أول من اتخذ منبرا فى مسجد الفسطاط وأن الخليفة عمر وبخة على ذلك وامره بكسر المنبر ... ويقرر ابن خلدون أن الامور الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى أى الخلافة ؛ وأن أمامة الصلاة هى أرفع هذه الأمور بل أرفع من السلطة السياسية للخليفة ، ويستدل على ذلك بأن الصحابه عرفوا قدر أبو بكر حين استخلفه الرسول للصلاة حين مرض النبى مرض الموت ففهموا استحقاقه للخلافة بعد النبى وقالوا ارتضاة رسول الله لديننا افلا نرتضيه لدنيانا"  (الخطط المقريزية 3؛107؛104 ط دار الشعب ). ولأن الصلاة هى الوظيفة الأسمى للخليفة فإن الخليفة هو الذى يعين بنفسه الائمة الذين يؤمون الناس فى المساجد العظيمة فى الأمصار " وذلك ما نقله ابن خلدون عن الماوردى صاحب كتاب " الاحكام السلطانية " الذى يذكر فيه أن السلطان له وحده حق تعيين إمام الصلاة فى المساجد العظيمة وإذا قلد السلطان إماما كان أحق بامامة من غيره ؛وذكراختلاف الفقهاء فى الأحق بالإمامة فى المساجد فيرى بعضهم أنه الامير الوالى وقال اخرون انه القاضى .

3 ـ وفى بداية الفتوحات كان الوالى على أحد الأمصار يقوم بإمامة الناس فى الصلاة ويفصل فى النزاع ويقود الجيش ويجمع الجزية ؛ أى كانت إمارة عامة . ثم بعد استقرار الأحوال  قيد الخليفة عمر سلطة الوالى ، فعمرو بن العاص كان اميرا للصلاة والجيش والقضاء والجزية فما لبث عمر بن الخطاب أن عين عبد الله بن أبى السرح للخراج ثم عين قاضيا لمصر ، ولم يعد لعمرو الوالى الاصلى إلا الصلاة وقيادة الجيش .

وقتها لم يكن كتاب مدون إلا القرآن ولم يكن يتلى إلا القرآن الكريم ؛ ومعروف تدوين الأحاديث بدأ فى العصر العباسى مع موطأ مالك ، بالتالى فمن الخبل أن يقال أن الناس تعلموا الصلاة من كتب الأحاديث . والمهم ان تأدية الصلاة توارثناها فى مصر عبر اسلافنا المصريين الذين أسلموا وتعلموا دين العرب واللغة العربية على أيدى الفاتحين العرب سنة 20 هجرية وقبل أن يولد البخارى وغيره ، أكثر من ذلك لا يوجد حديث واحد فى البخارى وغيره يفصل كل شىء عن كيفيةالصلاة ومواقيتها وكل ما يتعلق بها من بدايتها الى نهايتها من الصبح  الى العشاء . بل أكاد اقطع بالقول بأن أحدا من المصلين لم يفتح كتاب البخارى ليتعلم منه الصلاة ؛ ولو فعل لخرج قراءته بالشك فى الصلاة ؛ وذلك هوالدور الحقيقى االذى تقوم به كتب الاحاديث المشهورة.

ثانيا : تواتر الصلاة بدأ بدخول غير العرب دين العرب

وهذا يحتاج الى بحث مستقل عن دخول ابناء الأمم المفتوحة الى دين العرب

.   ونكتفى هنا بلمحة عن دخول المصريين الى دين العرب .  ونضع بعض الملاحظات :

1 ـ الكتابات التاريخية الأولى تصف المصريين بالقبط أو الأقباط . ظل هذا سائدا حتى العصر العباسى الثانى. وربما الى عهد احمد بن طولون كما يبدو من سيرة أحمد بن طولون للمؤرخ البلوى الذى عاصر ابن طولون. هذا مع ان أولئك المؤرخين كانوا يطلقون على الأعراب الذين وفدوا وعاشوا فى مصر ( المصريين ) ، ويبدو هذا خصوصا فى التأريخ للثورة على الخليفة عثمان ، جاء وصف الثوار القادمين من مصر بالمصريين ـ بينما كان أصحاب البلد مصر ( أقباطا ). ومن هذا الخلط أصبح إسم مصر فى الغرب ( إيجيبت) من (جبت ) أو قبط .

2 ـ المرحلة الأولى من دخول المصريين ( الأقباط ) دين العرب وتركهم المسيحية الإرثوذكسية بدأت مع الاضطهاد الأموى والعباسي . وقد عرضنا لهذا من قبل .

3 ـ  وقد كان انتشار دين العرب محدودا خلال الدولة الأموية. إلا أن الضغط القاسي الذي  مارسه الأمويون على الأقباط جعل الكثيرين يحاولون النجاة منه بدخولهم دين الأمويين هربا من الجزية وأملا في وضع أفضل وقد فطن الأمويون إلى هدفهم هذا فألزموهم بدفع الجزية  . وقد أنكر عمر بن عبد العزيز على والى مصر ذلك الصنيع وكتب إليه (أن الله بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا) وتم رفع الجزية مؤقتا إلا أن الأمور عادت إلى ما كانت عليه وفرضت عليهم الجزية بعد عهد ( عمر بن عبد العزيز) القصير الذي لم يتجاوز ثلاث سنوات.

4 ـ ارتبطت حوادث الاضطهاد في العصر الأموي باعتناق الكثيرين من الأقباط لدين المحتلين العرب ، خصوصا من الفقراء الذين طمعوا في وضع أفضل . بينما تمسكت أغلبية الأقباط بدينهم المتوارث ، وكان الأساقفة والرهبان يفرون عند الاضطهاد إلى الأديرة في الصحاري تمسكا منهم بعقيدتهم. وحرص كبار المسيحية على الثبات إلى درجة شراء الأسرى الرومان حتى لا يرغموا على دخول دين الغزاة المحتلين . ومع ذلك فإن اضطهاد الأمويين للأقباط جعل بعضهم يدخلون في دين الأمويين . وأخمد الأمويون والعباسيون ثورات الأقباط بكل قسوة ، وأدرك الأقباط عجزهم عن المقاومة المسلحة فاضطر لدخول دين المحتل ، وطوي القلب على حقد دفين عبر المقريزي عنه بقوله( فرجعوا من المحاربة للمكايدة واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين) .

وفى العصر المملوكى وصل بعضهم باعتناق دين الحاكم الى أرفع المناصب فاستخدموا نفوذهم في الانتقام من ( المسلمين ) . يقول عنهم المقريزي (فصار الذليل منهم بإظهار الإسلام عزيزا يبدي من اذلال المسلمين التسلط عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصرانيته من إظهاره , وما هو إلا ما كتب به بعضهم إلى الأمير بيدرا النائب :     

اسلم الكافرون بالسيف قهرا              وإذا ما خلوا فهم مجرمونا 

سلموا من رواح مال وروح               فهم ساللون لا مسلمونا

5 ـ كما أن الدولة العميقة فى مصر إضطرت الى أن تتعلم العربية عندما فرض الوليد بن عبد الملك تعريب الدواوين فى كل الولايات ومنها مصر والتى كان الأقباط يكتبون حساباتهم وتقاريهم بالقبطية . الدولة العميقة فى مصر هى التى كانت تمسك بالإدارة الداخلية ، وأهمها حسابات الضرائب وتوزيعات الأراضى وعدد المواليد . ولقد تعاقب على مصر إحتلالات شتى بعد زوال حكمها الفرعونى ، وأولئك المحتلون الأجانب تركوا موظفى الدولة العميقة يديرون مصر وركزوا على إستنزافها من خلالهم . أحتل مصر الفرس والبطالمة والروم. جاء العرب ، وهم لا سابقة لهم بإدارة الدول الزراعية فكان منتظرا أن يستبقوا الموظفين المصريين يمارسون عملهم. فلما أمر الوليد بن عبد الملك بتعريب الدواوين حاولوا التملص فلم يستطيعوا فتعلموا العربية حفاظا على وظائفهم ونفوذهم . بهذا بدأ إنحسار اللسان المصرى ( اللغة المصرية القبطية ) ، وقد ظلت مستعملة حتى عصر احمد بن طولون كما يظهر فى سيرته المشار اليها. ثم واصلت إنحسارها حتى إذا جاء عصر المقريزى وصل تراجعها الى الصعيد والأديرة المسيحية والنوبة والقرى المنقطعة . وبطغيان ( اللغة العربية ) إضطر الأساقفة المصريون الأقباط الى تعلمها وترجمة نصوصهم الدينية اليها .  

6 ـ اعتنق أغلب المصريين ما كان معروفا بالاسلام فى الدولة الفاطمية على الطريقة الشيعية . ولهذا أسباب :

6 / 1 : الدولة الفاطمية حولت الحياة الدينية الى طقوس وإحتفالات ( دينية إجتماعية ) ، وكان هذا يشمل الصلاة ، خصوصا صلاة الجمعة . وإشتهر تسامح الفاطميين مع الأقباط الى درجة إحتفالاتهم بالأعياد المسيحية والقبطية ( ذات الأصل الفرعونى ) جنبا الى جنب مع الأعياد الشيعية والأعياد المتوارثة كالعيدين.

6 / 2 : تشابه الحياة الدينية للاقباط مع الدين الشيعى فى العقيدة و الطقوس ، ومن التشابه بين العقائد منذ العصر الفاطمي كان من السهل أن يغير الناس عقائدهم فالتغيير منصب على الإشكال والأسماء أما المضمون فهو واحد في كل حاله ، فالاسماعيلية عقيدة الدولة الفاطمية تأخذ من كل النحل والأهواء في سبيل أن تنتشر دعوتها وأن يتمتع أئمتها بتقديس الناس..

6 / 3 :  وهناك عامل سياسى ، إذ تقرب الفاطميون الى الأقباط المصريين لأن الفاطميين الشيعة كانوا أقلية فى مواجهة أكثرية من السنيين فى مصر ، وبسبب طول بقائهم فى مصر أصبحت لهم فيها جذور ونفوذ وتداخل فى الدول العميقة فى مصر ، أى كانوا خطرا على الفاطميين ، لذا كان تشجيع الأقباط للدخول فى ( التشيع ) على أنه الاسلام . وبهذا التحق الأقباط المتحولون بالمساجد وانغمسوا فى الاحتفالات الدينية المتنوعة ، بل لا تزال العادات الدينية للمصريين المسلمين متأثرة بالطقوس الفاطمية  فى شهر رمضان والعيدين والأصناف الخاصة بالأطعمة . ولم يخل العصر الفاطمى من إضطهاد للأقباط ، وأشهره ما حدث فى خلافة الحاكم بأمر الله ، ولكن عانى الجميع من حمق هذا الخليفة حتى أقرب الناس اليه.

7 ـ وأسس صلاح الدين الأيوبى دولته الأيوبية على أنقاض الدولة الفاطمية ودينها الشيعى وبادر بحرب التشيع بتشجيع التصوف السنى فأنشأ خانقاة سعيد السعداء ، وكانت لها رسومها فى تأدية صلاة الجمعة فأثارت إعجاب المصريين ، وبدا التحول الى التصوف السنى الذى ما لبث أن تسيد فى العصر المملوكى. ومع إضطهاد الأقباط فى العصر المملوكى فقد كان جملة إعتراضية فى تاريخ إستمر قرونا ، وتغلب عليه أساطين الأقباط بإعتناق الدين المملوكى ، وهذا الدين المملوكى ( التصوف السنى ) فى أغلبه تسامح ، وفى أغلبه تشابه مع دين الأقباط ، من حيث تقديس البشر والحجر والايمان بكرامات الأولياء ومعجزات القديسين . بل كانت بعض حالات الإضطهاد مبعثها التنافس بين بعض الأولياء وبعض القساوسة. وفى العصر المملوكى صار الأغلبية الساحقة من المصريين على الدين المملوكى السائد ( التصوف السنى ) وتركوا دينهم القبطى وصاروا يقيمون الصلاة ( الشيطانية ) التى كانت وسيلة للفساد الأخلاقى وقتها. والتفاصيل فى موسوعة التصوف فى مصر المملوكية.

أخيرا :

1 ـ ومن خلال هذه العصور إستمر التواتر فى الصلاة الشيطانية وفى الصيام السطحى وفى الحج للبيت الحرام والقبر الرجسى المنسوب للنبى محمد وقبور الأولياء وآل البيت .. إستمر التواتر فى العبادات مختلطا بتزوير وفساد وتقديس للبشر والحجر .

2 ـ والقرآن الكريم هو الحكم على هذا الزيف.

الفصل الرابع : التواتر التاريخى فى الصلاة فى العصر العباسى  ( 1 من 2 )

مقدمة

1 ـ مع بداية التأريخ للمسلمين برز نوعان : الحوليات التى تؤرخ للأحداث بالحول أو العام، واشهرها تاريخ الطبرى. ثم التأريخ للشخصيات ، واشهرها ورائدها هو الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ( كاتب الواقدى) . وقد عرضنا لتواتر الصلاة فى الحروب والفتن من خلال ما كتبه الطبرى وما نقله عنه ملخصا ابن الأثير فى تاريخه ( الكامل ) . الآن نتعرف على التواتر التاريخى للصلاة من خلال ما كتبه ابن سعد فى طبقاته ، ونناقش رواياته .

2 ـ  وفى تفصيلات الصلاة إرتدى ابن سعد ثوب الفقهاء وأصحاب الحديث ولم يتورع عن نسبة أحاديث مختلفة ومتناقضة للنبى محمد عليه السلام ، والى كبار الصحابة ، وابن سعد من أعمدة مدرسة الحديث فى العراق .

3 ـ ومع  إختلافات الروايات وكذبها فهى تعبر عن خلافات الفقهاء وقتها ، وكل منهم كان يعزز رأيه بحديث ينسبه للنبى أو لكبار أصحابه ، هذا بينما يصلى الناس الصلاة بالتواتر بعيدا عن مشاحنات أولئك الفقهاء النظريين.  على أية حال فهذه الثرثرة من الروايات تؤكد على التواتر التاريخى للصلاة فى العصر العباسى ، أى إنهم فى خلافاتهم فى التفصيلات فهذا يعنى حضورا للصلاة فى حياتهم اليومية .

أولا : قبل الصلاة : الطهارة

1 ـ يلفت النظر أن القرآن الكريم تحدث عن الطهارة الواجبة قبل الصلاة فى سورة النساء والمائدة .

أى أن ما يعرف بالوضوء وما يسبقه من  " إستنجاء " أو طهارة موضعية أو يتم التيمم عند تعذر استعمال الماء ... كل ذلك لم يكن معروفا فى الفترة المكية . أى أن تشريع الطهارة ( الوضوء والغسل والتيمم ) جاء فى أواخر العهد المدنى ونزول القرآن بالتفصيل فى آيتين . ونزل فى العهد المكى قوله تعالى فى أوائل ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى " وثيابك فطهر " ، والمقصود أن الصلاة كانت تؤدى وفق ملة إبراهيم بال وضوء أو غسل أو تيمم – مجرد الطهارة العادية – من البول والغائط – ثم نزل تشريع الطهارة فى سورتى النساء والمائدة .

2 ـ إن طهر المرأة من الحيض والمنصوص عليه فى الأية الكريمة رقم 222 من سورة البقرة ليس مقصودا فيه طهرها للصلاة بل هو طهرها هو للقاء الجنسى فحسب .. فالحيض لا يمنع الصلاة والصوم أو الحج وعلى الحائض أن تطهر موضوعيا وتمنع تدفق دم الحيض ، ثم تتوضأ وتصلى لكل صلاة .

3 ـ وفى الفقه السنى يكون البدء بباب الطهارة ، وهو باب ضخم جدا ووفقا لمنهج هذا الفقه يتم فيه التركيز على التفصيلات السطحية وإهمال المقصود الأصلى من العبادات والصلاة وهو التقوى . تضخم باب الطهارة وصل إلى إفراد فصول كاملة لأنواع المياه وكيفية الطهارة من البول والغائط والوضوء والغسل والمسح على الخفين والجبيرة وغيرها من فصول ، وتحتها من تفصيلات هامشية ومضحكة ، وقد ازدادت تلك التفصيلات سماجة فى عصور التقليد والجمود منذ القرن السادس إلى نهاية العصر العثمانى وكل هذه الفصول والتفصيلات تثير تساؤلا هاما ، هل لم يكن المسلمون قبل – تدوين الفقه – يعرفون كيفية الإستنجاء والطهارة ؟ فالله تعالى اكتفى فى كل هذا الموضوع بآيتين فحسب تكرر فيها معظم تفصيلات الطهارة . والمقصود أنه لو كان هناك حاجة ضرورية فى موضوع الطهارة لذكرها القرآن وبالتالى فإن أطنان المؤلفات المكتوبة فى فكر الطهارة كلها ثرثرة وإضاعة وقت ولا حاجة لها إلا فى خيال الفقهاء فقط .

أطنان المؤلفات الفقهية فى الطهارة كانت أيضا مجرد تنظير لا صلة له بالواقع الذى عاشه المسلمون قبل وأثناء ذلك التنظير الفقهى والدليل أنها مجرد روايات قليلة فى تاريخ المسلمين تلك التى تعرضت لموضوع الطهارة . ونعرض لها من خلال ما جاء فى الطبقات الكبرى لإبن سعد مع التذكير بأن معظمها قد تمت صياغته فى العصر العباسى بسبب الخلافات الفقهية .

الإستنجاء

1 ـ هو المصطلح الفقهى للطهارة الموضعية من البول والغائط .

2 ـ يقول أبو الغريف : كنت أصلى مع " على " فى الرحبة فبال ثم دع بماء فغسل يده ، ثم قرأ سورا من القرآن " (ابن سعد 6 ، 167 ) أى لم يغسل عضوه الذكرى بالماء ، مجرد أن غسل يديه ثم قرأ القرأن بغير وضوء . وهناك رواية طريفة يقول صاحبها " أول من رأينا من البصرة يتوضأ هذا الوضوء هو عبدالله بن أبى بكر ، قلنا : أنظروا إلى هذا الحبشى يلوط إسته بالماء " ( ابن سعد 7 ، 138 ) هذه الرواية مليئه بالمصطلحات فهى تصف الإستنجاء بالوضوء ونفهم منها أن العرب اعتادت أن تقوم بالطهارة الموضعية بالحجارة دون الماء . فلما رأو ابن أبى بكر يتطهر من الغائط باستعمال الماء قالوا : انظروا إلى هذا الحبشى يلوط إسته "والإست هو الشرج أو المؤخرة أو الدبر فى مصطلح الفقه .

المسح على النعلين

1 ـ وبعض الروايات تجمع بين الإستنجاء والمسح على النعلين .

يقول ابن جندب " رأيت عليا يبول فى الرحبة حتى أرغى بوله ، ثم يمسح على نعليه ويصلى " أى أنه استنجى ومس على نعليه فقط – دون وضوء ثم صلى . والمعنى المرأد هنا أن التبول لا ينقض الوضوء ولا يحتاج إلى إستنجاء ويكفى المسح على النعلين .

2 ـ وتأتى رواية أخرى فى نفس الصفحة كأنها تصحح الموضوع أو لترد عليه ، يقول مالك بن الجون " رأيت عليا جلس فبال ثم دعا بماء فتوضأ ، ومسح على الجوربين والنعلين " ( ابن سعد 6 ، 168 ) والرواية هنا أنه تبول – ولم يستنج بغسل ذكره – بل توضأ ومسح على الجوربين والنعلين دون غسل الرجلين .

3 ـ والواضح إعتناء الفقه السنى بالمسح على الخفين أوالنعلين ، أو المسح على الحذاء والجوارب دون غسل القدمين ولهذا وضعت هذه الروايات تسند لعلي المسح على النعلين والجوربين ، فقال كعب بن عبدالله " رأيت عليا قام فبال ثم توضأ ، ومسح على جوربيه ونعليه ثم قام فصلى لنا الظهر " ( ابن سعد 6 ، 162 ) وقال أخر " بال على فى الرحبة ثم توضأ ومسح على نعليه " ( ابن سعد 6 ، 166 ) .التركيز هنا على المسح على الخفين وإهمال غسل القدمين المذكور فى القرآن الكريم ، وبسبب تركيزهم على النعلين نسوا الإستنجاء من البول قبل الوضوء .

4 ـ والتركيز هنا على " على بن أبى طالب " فى هذه النقطة يعطى إنطباعا كاذبا بأن عليا كان فى خلافته متفرغا للتبول والمسح على النعلين وهو الذى قضى فترة خلافته فى حروب أهلية ومحن ومصائب وانقسامات وهزائم لا تتيح له وقتا لإستعراض بوله أما الناس ....

هذا الإستغلال السمج لعلى فى قضية الطهارة والمسح على الخفين قوبل برواية أخرى تجعل محمد بن الحنفية – إبن على بن أبى طالب – يرفض ما قيل أن أباه كان يفعل ، يروى ابن سعد أن ابن الحنفيه أراد أن يتوضأ وعليه خفان ونزعهما ومسع على قدميه ( ابن سعد 5 ، 85 ).

5 ـ  ورد المناصرون للمسح على الخفين برواية أكثر إيقاعا نسبوها لعمر بن الخطاب وهى رواية مضحكة قال بعضهم : أتينا عمر نريد أن نسأله عن المسح على الخفين فقام فبال ثم توضأ ومسح على خفيه فقلنا إنما أتيناك لنسألك على المسح على الخفين فقال : إنما صنعت هذا من أجلكم ( ابن سعد 6 ، 83 ) .

أى أن عمر بن الخطاب عرف بالإلهام – أو بالوحى – أنهم جاءوا خصيصا ليسألوه على المسح على الخفين أى أنها قضية خلافيه كانت موجودة فى عهد عمر بن الخطاب ولذلك جاءوا يسألوه عن رأيه فيها . ولأن عمر كان  عندهم ملهما فقد بادر وتوضأ من أجلهم وتوضأ من أجلهم ومسح على خفيه أيضا من أجلهم ، فلما سألوه عن القضية الهامة التى جاءوا من أجلها قال إنما صنعت  هذا من أجلكم . هى رواية مضحكة مبكية تذكرنا بما ذكره البخارى عن السيدة عائشة فى تعليم الناس كيفية الغسل ....

6 ـ كثيرة هى التفصيلات الفقهية عن الإستنجاء بالحجر وبالماء وعن كيفية إستنجاء المرأة وكثيرة هى الخلافات الفقهية حول الطهارة بالأنواع المختلفة للماء ، وهل يجب التطهر من الريح بدون صوت أو بصوت . ! تفصيلات مخجلة تعبر عن تدهور خطير ومؤلم فى عقلية الفقه السنى .

الوضوء

1 ـ لم يرد هذا المصطلح فى القرآن ، وإنما هو ابتداع فى دين الفقه السنى. ولم يكتف الفقه السنى بتفصيلات القرآن المحكمة فى غسل الأعضاء فأطنبوا وبلغوا فى الثرثرة والإختلاف إلى درجة الملل .

2 ـ والروايات التاريخية لا شأن لها بذلك التطويل الفقهى . يقول عمرو ذو مر " رأيت عليا توضأ ثم أخذ كفا من الماء فصبه على رأسه ، ثم دلكه " ( ابن سعد 6 ، 169 ) أى أن عليا توضأ كالمعتاد ثم صب ماءا على رأسه ودلك رأسه ، ورواية أخرى لأبى حية أن عليا قام فبال بالرحبة ، ثم قال إن توضأت فانثر " ( ابن سعد 6 ، 165 ) أى أن عليا بلغ الوضوء عضلة ساقية  ( ابن عباس 7 ، 147 ) أى هو تطوع أخر بغسل المزيد من الرجل والساق .

3 ـ ويذكر ابن سعد أيضا أن شريح القاضى كان يصلى الصلوات كلها بوضوء واحد ( ابن سعد 6 ، 98 ) .

التيمم

وينسب ابن سعد إلى من يسمى أسلع خادم النبى أن النبى قال له : با أسلع قم فأرحل لى  فقلت يا نبى الله أإصابتنى جنابة فسكت ساعة وأتاه جبريل عليه السلام بأية الصعيد ، فدعانى النبى فأرانى كيف أمسح ، فمسحت ورحلت له وصليت ، فلما انتهى إلى الماء قال لى قم يا أسلع فاغتسل " ( ابن سعد 7 ، 45 ) .

وأقول إذا كان لهذا الأسلع وجود حقيقى وأنه عاش فعلا بعد موت النبى محمد فإنه كان كذابا كذبا لا يبارى إذا كان قد حكى فعلا تلك الرواية .

ثانيا : الصلاة

 صورة عامة للصلاة :

1 ـ عموما كان عمر بن عبدالعزيز نموذجا للمسلم الملتزم سواء فى خلافته القصيرة أو حين تولى إمارة المدينة سنة 87 وهو ابن 22 عاما فى خلافة عمه الوليد بن عبدالملك . جذب الأمير الشاب إهتمام أهل المدينة بحرصه على الصلاة فى الوقت الذى اشتهر فيه أهله الأمويين بإماتتها وتأخيرها وإهمالها واستغلالها سياسيا . عندما جاء الشاب عمر بن عبدالعزيز واليا على المدينة كان لا يزال فيها بقية من مخضرمى الصحابة منهم أنس بن مالك الذى انبهر بالوالى الجديد ، فصلى خلفة وقال بعدها " ما صليت وراء أحد أشبه برسول الله من هذا الفتى " يعنى عمر بن عبدالعزيز . وقال عنه أحد التابعين وهو الضحاك " كنت أصلى وراءه فيطيل الأولين من الظهر ويخفف الأخرين ، ويخفف العصر ، ويقرأ فى المغرب بقضاء المفصل ، ويقرأ فى العشاء بوسط المفصل ، ويقرأ فى الصبح بطوال المفصل " ابن سعد 5، 244 . المفصل يعنى السور القرآنية المدنية الطويلة نوعا . أى أن هذه الكيفية للصلاة أشبة ما يكون بصلاة النبى محمد عليه السلام . ولا نستطيع بالطبع التحق من تطابق هذا مع صلاة محمد عليه السلام فى نوعية ما يقرأ من القرآن فى الصلاة بعد الفاتحة أو فى تخفيف الركعات فى بعض الفرآئض .

القراءة فى الصلاة . على أن هناك تفصيلات أخرى فيما كان يقال فى الصلاة .

2 ـ  ومن القضايا المثارة وكانت مدار خلاف بين المدرستين ، هو قراءة الفاتحة : هل يجب على المأموم قرائتها إذا قرأها الأمام أو أن يكتفى بالسماع للإمام والتأمين بعده ؟ حيث رأت المدرسة العقلية أنه لا يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة إكتفاءا بالتأميم مع الإمام أو بعده بينما صممت مدرسة الحديث على وجوب قراءة المأموم للفاتحة ، وروت فى ذلك حديثا يقول فيه عمر بن الخطاب " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشىء معها ، فقال له رجلا : فإن كنت خلف إمام ؟ فقال عمر : فاقرأ بنفسك " ( الطبقات الكبرى 6 ، 101 )

وهو خلاف فقهى نظرى ، ولكن جاء ابن سعد بتلك الرواية ليعزز حجة المدرسة الحديثية التى ينتمى إليها .

وعموما فهذه الرواية لعمر تتناقض مع رواية أخرى . يقول بعضهم " صلى بنا عمر بن الخطاب المغرب فلم يقرأ بنا فيها شيئا " ( الطبقات الكبرى 6 ، 104 ) .

 3 ـ وعن قراءة القرآن فى الصلاة :

3 / 1 : يروى ابن سعد ان عثمان بن أبى العاص الثقفى قال له النبى أن يقرأ بقومه فى الصلاة باسم ربك الذى خلق وأشباهها من القرأن ( 5 ، 372 : 273 ) وهى رواية تدل على أن الصلاة لم تكن معروفة من قبل ، واستلزم أن يعلمها النبى محمد للعرب، وهذا يخالف النسق القرآنى الذى فصلنا القول فيه سابقا ، وربما أورد ابن سعد هذه الرواية تعبيرا عن جدل فقهى احتدم فى عصره أو قبله ، ولقد ثار جدل بين مدرسة الرأى فى العراق التى يتزعمها ابن حنيفة فى أواخر العصر الأموى وأوائل العصر العباسى ومدرسة الحديث التى كان يتزعمها مالك بن أنس فى المدينة ، ثم انتقلت للعراق وكان من أتباعها المؤرخ محمد بن سعد ، وكانت هذه المدرسة ترد على المدرسة العقلية بإختراع روايات ينسبها للنبى محمد عليه السلام ، وقد سجل ابن سعد معظمها فى الطبقات الكبرى . وهذه الرواية تتداخل مع رواية أخرى يرفعها ابن سعد للنبى محمد عليه السلام . انها روايه مسعود بن يزيد الأسدى القائل : شهدت رسول الله يقرأ فى الصلاة فترك شيئا لم يقرأه فقال رجل : يا رسول الله تركت آية كذا وكذا فقال : مهلا ألا ذكرتينها إذا ( ابن سعد 6 ، 33 ) والواضح أنه عن قراءة شىء مع الفاتحة .

3 / 2 : وكان مشهورا عن عمر بن الخطاب ،\فى خلافته أنه كان يقرأ سورة يوسف فى الفاتحة ، ويقول أحدهم " صلى بنا عمر الفجر فقرأ فى الركعة الأولى سورة يوسف " ( ابن سعد 6 ، 102 ) أما شماس مولى العباس ابن المطلب فقد حفظ سورة يوسف من فم عمر بن الخطاب وهو يتلوها فى الصلاة ( ابن سعد 5 ، 63 ) أى أن عمر كان يتلوها كل صلاة حتى حفظها شماس وهو مولى أعجمى !!! ، ولم يتقيد بهذا أخرون مثل سعيد بن المسيب فقيه التابعين فى المدينة ، الذى كان يقرأ فى الصلاة بعد الفاتحة سورة الشمس وضحاها ( ابن سعد 5 ، 104 ) أما سعيد بن جبير فقيه العراق والبصرة فكان يقرأ فى صلاته " إذ الأغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون " ( ابن سعد 6 ، 181 ) وهذا مفهموم من أكبر معارض للأمويين فى عصره ، ومات قتيلا على يد الحجاج سفاح بنى أمية .

3 / 3 : الطريف أن القاضى الأموى زرارة بن أوفى الحرشى كان يؤم الناس فى مسجد بنى قشير فى صلاة الفجر حتى بلغ " فإذا نقر فى الناقور فذلك يوم عسير " فسقط ميتا يقول الراوى فكنت فيمن حمله " ( ابن سعد 7 ، 109 ) .

4 ـ وفى الجهر فى القراءة هناك إختلاف ؛ فسعيد بن المسيب كان يجهر بالبسملة بينما كان عمربن  عبدالعزيز لا يجهر بالصلاة حين كان يؤم الناس ( ابن سعد 5، 98 ، 246) .  

القنوت :-

وهناك خلاف أيضا فى " القنوت " أو الدعاء فى صلاة الصبح ، مما نفهم منه أنه إختيارى وليس فرضا فى الصلاة ؛ يقول بعضهم " صليت خلف (علي  )فقتنت فى الركعتين كليهما " ( ابن سعد ^ ، 125 )  " وقبله كان أبو رافع يصلى مع عمر بن الخطاب سنتين ، وكان عمر يقنت بهم فى الركعة " ( ابن سعد 7 ، 88: 89 ) . أما سعيد بن جبير فكان يصلى ولا يقنت فى الصبح  ( ابن سعد 6 ، 182)

حركات الصلاة :

وجاءت روايات فى تفصيلات حركات الصلاة .

1 ـ يروى سعد عن مالك بن عبدالله الخزاعى قوله " غزوت مع رسول الله فما صليت خلف إمام يؤم الناس أخف من رسول الله " ( ابن سعد 6 ، 41 ) ، وهذا خلاف ما يعتقده المتشددون فى الصلاة ، وحركاتها من سجود وقيام دون فهم للخشوع والتقوى ، ويروى ابن سعد عن أحدهم يقول " رأيت أبا إسحاق وهو يصلى بنا فيأخذ قلنسوته من الأرض فيلبسها أو يأخذها عن رأسهه فيضعها " ( ابن سعد 6 ، 219 ) .

2 ـ فى هيئة الذراع واليد فى الصلاة يروى عطية الكندى أن النبى محمد " كان يصلى ويده اليمنى على اليسرى فى الصلاة " ( ابن سعد 7 ، 2 ، 144 ) ويقول سمير الخزاعى عن أبيه " رأيت رسول الله واضعا يده اليمنى على فخذة اليمنى يشير إلى الصلاة بأصابعه " ( ابن سعد 6 ، 33 ) وفى رواية أخرى لنفس الراوى أنه رأى النبى محمد " يصلى واضعا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعا أصبعه السبابة وهو يدعو ، قد أحناها شيئا " ( ابن سعد 7 ، 43 ) . وروايات أخر تمت نسبتها ليس للرسول محمد وإنما للتابعين ، فيقول أحدهم ( رأيت الحسن البصرى يصلى ويده فى طليسانه " ( ابن سعد 7 ، 117 ) .

3 ـ ومن الطريف فى هذا الشأن ما جاء فى تاريخ الأندلس ، فقد كان أبو جعفر القيصى كاتبا للأمير فرج بن الأحمر ملك الأندلس وقد خرج من الأندلس لأنه كان يرفع يده فى الصلاة على ما صح فى الحديث ، فبلغ ذلك السلطان فتوعده بقطع يده ، فضج من ذلك وقال : أن إقليما يمات فيه سنة رسول الله حتى يتوعد بقطع اليد من يقيمها " فخرج من الأندلس لهذا السبب ووفد  إلى مصر ( الوافى بالوقيات 6 ، 418 )

4 ـ  وهناك تفصيلات شتى فى الركوع والسجود والقيام منها ...

4 / 1 :يروى أن فقيه المدينة فى العصر الأموى سعيد بن المسيب كان يصلى محتبيا فكان إذا أراد ان يسجد أحل حبوته فسجد ثم عاد فاحتبى ، وكان ربما حل أزاره فى الصلاة وربطها ، وفى مرض موته كان يصلى مضطجعا  مستلقيا فيومأ برأسه إلى صدره.... ولا يرفع رأسه شيئا فشيئا ( ابن سعد 5 ، 105 ، 103 ، 104 ) .

4 / 2 : أما سالم مولى عمر فكان يصلى جالسا ، وكان يجعل قيامه متربعا فإذا أراد الجلوس جثا ( ابن سعد 5 ، 147 )، وقال أحدهم كان الربيع بن الهيثم يومىء وهو متكىء إلى سارية ، وهو يشتكى " أى من مرض ( ابن سعد 6 ، 131 ) .

4 / 3 : ومراعاة لحال الإمام إذا كان شيخا وضعوا حديثا يقول فيه النبى " أنى قد بدنت فلا تبادرونى بالركوع ولا تبادرونى بالسجود ، فمن فاته ركوعى أدركه فى بطء قيامى" ( ابن سعد 6 ، 138 ) وهذا أسلوب فقهى نستبعد أن يقوله ابن مسعود فى عصره .

4 / 4 : ويقول الهيثم بن شهاب " لأن أقعد رضفتين أحب من أن اقعد متربعا فى الصلاة " ( ابن سعد 6 ، 138 ) ، وهى بالطبع وجهة نظر مثل كل ما قيل من قبل .. وقد زعم وابصة بن معبد الأسدى أنه صلى خلف الصفوف وحده فأمره النبى أن يعيد صلاته ( ابن سعد 7، 2، 176 ) فهل يصح هذا ؟!

التسليم فى نهاية الصلاة

وفى التسليم أخر الصلاة جاءت روايات مختلفة .

1 ـ هناك من يجعل تسليمتين بعد الصلاة ، يقول مسروق بن الأجدع . صليت خلف أبا بكر الصديق فسلم على يمينه وعن شماله ( ابن سعد 6 ، 50 ، 51 ) وذكر بعضهم أنه صلى خلف ( على ) فسلم تسليمتين : السلام عليكم ... السلام عليكم ( ابن سعد 6 ، 123 )

2 ـ بينما ذكر أن سعد بن عمر بن عبدالعزيز كان يسلم واحدة تجاه القبلة ( ابن سعد 5 ، 246 ) .

3 ـ وبعد التسليم والإنتهاء من الصلاة كان عمر بن الخطاب يكبر الله أكبر ولله الحمد ثلاثا بعد كل صلاة ( ابن سعد 5 ، 267 ) .

التواتر التاريخى فى الصلاة فى العصر العباسى ( 2 من 2 )

الصلاة والثياب

1 ـ وهناك روايات تتحدث عن الصلاة فى الثياب .

2 ـ ولم تكن تلك مشكلة فى عهد النبى حيث البساطة فى الثياب والفقر لذا قيل " كان الرجل من أصحاب النبى ليصلى أو ليؤم فى جبة واحده ليس عليه غيرها ( ابن سعد 6 ، 231 ) وقد سئلت أم سلمة فيم تصلى المرأة من الثياب ؟ فقالت: فى الخمار والدرع الذى يوارى ظهور القدمين ( ابن سعد ، 8 ، 350 ) .

3 ـ واختلف الحال فى العصر الأموى حيث عرفوا الثياب الفارسية ومنه الطيلسان مع أنواع مختلفة من الزى ، وكان لها تسميات مختلفة ، فكانت لكل واحد طريقته فى الزى وكانت لكل واحد طريقته فى الصلاة  فى هذا الزى ، فكان الأسود بن يزيد يسجد فى برنس طيالسه ، ويداه فيه أو فى ثيابه ، وقد توفى فى الكوفة سنة 75 هــ ( ابن سعد 5 ، 94 ) وكان مسروق يصلى فى برانسه ومسائقة لا يخرج يده منها ( ابن سعد 6 ، 50 ، 51 ) وكان مكحول إذا صلى يسدل عليه الطيلسان كثيرا ( 7 /  2 ، 161 ).  وقد أهديت لعلى زين العابدين بن الحسين معتقه فكان يلبسها فإذا أراد أن يصلى نزعها ( ابن سعد 5 ، 161 ) . أما الحسن البصرى فكان لا يخرج من البهرجة فى ثيابه ، إذ كان يصلى  كما يقول أحدهم "رأيت الحسن البصرى يصلى وعليه قبيصة كثيرة الأعلام ، فلا يخرج يده منها إذا سجد "( ابن سعد 7 ، 126 ).

4 ـ  وضمن معالم الترف التى عرفها العرب فى العصر الأموى إستخدام السجادة فى الصلاة ، وقد سئل سعيد بن المسيب عن الصلاة فى الطنفسة ( السجادة ) فقال محدث أى ابتداع ( ابن سعد 5 / 99 ) .

صلاة الجماعة والأمام :

1 ـ وكانت الصلاة تلتئم وتكتمل صفوفا خلف الأمام .

2 ـ  وهذه حكاية طريفة عن الربيع بن خيثم أحد مشاهير العابدين والمثقفين " كان فى المسجد رجل خلفه ، فلما بدأ الصلاة جعل الرجل يقول له : " تقدم " ، ولا يجد الربيع مساغا بين يديه ، فرفع يده فوجأ بها فى عنق الربيع ولا يعرف  الربيع ، فالتفت إليه الربيع وقال له : رحمك الله .. فبكى الرجل حين عرف ربيعا " ( ابن سعد 6 ، 130 )

3 ـ وتحدثت بعض الروايات عن الإمام فى الصلاة ، ووجدوا الجرأة فى نسبتها للنبى بزعمهم . " يروى أن سعد بن مسلمة الرمى قال : أتينا رسول الله فقلنا يا رسول الله من يصلى بنا ؟ فقال يصلى بكم أكثركم أخذا أو جمعا بالقرآن ، فكان مسلمة الجرمى يصلى بهم فى مسجدهم وعلى جنائزهم لا ينازعه أحد حتى مات " (ابن سعد 7 ، 63 ) . أما عن عثمان بن أبى العاص الثقفى فيزعمون أنه كان مع وفد ثقيف الذى وفد على النبى يعلن أسلامه وكان عثمان أصغرهم ، وقد جعله النبى أميرا اى إماما عليهم فى الصلاة ،وقال له ، أن يتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ، وإذا أمّ  قومه فأقدرهم بأضعفهم ( أى يصلى بهم قدر ما يتحمل الضعيف ) وإذا صليت لنفسك فأنت وما ذاك " وقال له : خفف عن الناس الصلاة ( ابن سعد 5 ، 372 ، 373 ) .

4 ـ وهنا تأثر ضمنى بثقافة عصرها حيث يكون الوالى الأول هو والى الصلاة أة الإمام فى الصلاة ، ضمن المدلول السياسى للصلاة .  وحين تولى الأمويون الحكم كانت إمامة الصلاة ضمن مهامهم الدينية السياسة مع عدم الإهتمام بها . لذا كان المعارضون لهم من الفقهاء متمسكين بالصلاة والخشوع فيها كنوع من المزايدة الدينية بعد ان احتكر الأمويين الدنيا لهم ولذلك راج فى الأحاديث روايات تجعل إمامة الصلاة حقا للفقيه أوالقارىء. والقراء ( بالجمع ) كان المدلول الذى يطلق على الفقهاء المتعبدين فى هذا الوقت المبكر فى القرن الأول الهجرى وكانوا يرون أنفسهم الأحق بإمامة الصلاة طالما احتكر الأمويون السياسة وجعلوا أنفسهم أيضا أئمة الصلاة .. فى هذه البيئة نبتت هذه الأحاديث . والحسن البصرى أشهر معارض مسالم للأمويين كان أشهر أئمة عصره فى الصلاة يقول شعبة " رأيت الحسن البصرى قام إلى الصلاة فتكالبوا عليه " ( ابن سعد 7 ، 116 ) ، أى بمجرد أن قام يصلى تكالبوا ليصلوا وراءه مأمومين . واشتهر معروف بن واصل أنه ظل إماما فى الصلاة لقومه ستين سنة لم يسه ( من السهو ) فى صلاة قط ، لأنها كانت تهمة ( ابن سعد 6 / 248 ) .

5 ـ وفى العصر العباسى :

5 / 1 : اختلف الحال ، فالواقدى المؤرخ ( استاذ محمد بن سعد : " كاتب الواقدين ) كان مقربا من الخلفاء العباسيين ولم يكن متدينا ، وحدث أن صلى بعضهم خلفه فى صلاة الجمعة ، فقرأ الواقدى الأية الكريمة خطأ إذ قال " أن هذا لفى الصحف الأولى صحف عيسى وموسى " هذا ما رواه المؤرخ الصفدى فى : ( الوافى بالوفيات 4 ، 240 )

5 / 2 :  وفى الدولة العباسية كانت إمامة الصلاة ضمن الوظائف الرسمية وكان القاض يوسف بن يعقوب يصلى بالناس الجمعة بأمر هارون الرشيد فى مدينة أبى جعفر المنصور ، أى بغداد ( ابن سعد 7 / 2 ، 79 ).

5 / 3 :  وكان الخليفة العباسى يصلى إماما بالناس . واشتهر الخليفة المهدى بإمامة الصلاة ، وحين قدم للبصرة ( صلى بالناس الصلوات الخمس فى مسجدها الجامع ، وعندما أقيمت الصلاة قال أعرابى للخليفة : " لست على طهر وقد رغبت فى الصلاة خلفك فأمر هؤلاء بانتظارى" ،  فقال الخليفة : انتظروه ، ووقف الخليفة فى المحراب إلى أن قيل : قد جاء الرجل فكبّر ، فيعجب الناس من سماحة أخلاقه )( السيوطى تاريخ الخلفاء 442 ) .

5 / 4 : ويحكى الجوزى هذه الطرفة فى كتابه أخبار الأذكياء (صــ 142 ) : حكى يموت ابن المزرع : كان أبى والجماز يمشيان وأنا خلفهما بالعشى ، فمررنا بإمام وهو ينتظر من يمر عليه فيصلى معه ، فلما رآنا قام للصلاة مبادرا . فقال له الجماز : " دع عنك هذا فإن رسول الله قد نهى أن يتلقى الجلب ".

أوقات الصلاة

1 ـ وردت إشارات عن مواقيت الصلاة والإجتهاد فى تحديدها ضمن سطور الطبقات الكبرى لابن سعد .

2 ـ منها ما ورده حميد بن عبدالرحمن بن عوف . قال " رأيت عمر و عثمان يصليان المغرب فى رمضان إذا نظرا إلى الليل الأسود ثم يفطران بعد" ( ابن سعد 5 ، 114 ) والواضح فى الرواية أنها أكثر دلالة على وقت الإفطار فى رمضان ، فالله تعالى يقول ": (   ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) 187 :البقرة) والخلاف فى موعد بدء الليل ، هل هو مجرد غروب الشمس أخذا من السياق القرآنى : (والليل إذا سجى " " والليل إذا عسعس "  " والليل إذا يغشى " وعليه فإن الغروب هو بداية الليل ، وهو وقت الإفطار فى الصيام . والفقهاء لم يلتفتوا للسياق القرآنى الأنف ، بل كان أسهل عليهم وضع رأيهم فى حديث منسوب للنبى محمد عليه السلام ، وهكذا فعلوا فى حديث التعجيل بالإفطار ، وفى المقابل جاء أخرون يؤخرون الإفطار فى رمضان إذا حل الليل وبعد أن يصليا المغرب ...أى الإنتظار قبل العشاء . المستفاد من الرواية السابقة أن هدفها الأساسى ليس تحديد وقت صلاة المغرب فالمغرب لا يحتاج إلى ذلك فإسمه مشتق من الغروب .

3 ـ وهناك روايه أخرى يقول صاحبها " وكنا قعودا عند ( على ) فجاء ابن النباح يؤذنه بصلاة العصر فقال : الصلاة الصلاة ، ثم قام بعد ذلك فصلى بنا العصر فجثونا للركب لنبصر الشمس وقد ولت .. ) ( ابن سعد 6 ، 166 ) .هذه الرواية تؤخر صلاة العصر إلى ما قبيل المغرب بدون عذر .

4 ـ وتقترب منها روايه أخرى تقول الجديد الذى ابتدعه الفكر التراثى هو الأوقات التى حظروا فيها الصلاة ، أو جعلوها مكروها وكالعادة اختلفوا فيها ولا شأن لنا بإختلافهم إلا أنهم وضعوا فى ذلك حديثا رواه ابن سعيد يزعم فيه أن النبى محمد قال : ان الشمس تطلع من قرن الشيطان فإذا طلعت قارنها فإذا ارتفعت فارقها ، وقارنها حتى تستوى ، فإذا نزلت للغروب قارنها ، وإذا غربت فارقها , فلا تصلوا هذه الساعات " (ةابن سعد 7 ، 2 ، 142 ) ولتأكيد بعض فقرات هذا الحديث المفترى رووا أن خالد بن الوليد كان يضرب الناس على الصلاة بعد العصر ( ابن سعد 6 ، 148 ) وهذه الأساطير الفقهية كانت ولا تزال بعيده عن جمهور المسلمين ، وإن كان بعض الفقهاء قد التزم بها ، يدلنا على ذلك أن محتالا قام بتقليد الفقهاء المتنطعين فى المسجد للعبادة وقد حكى ابن الجوزى قصته فى أخبار الأذكياء وكيف سافر إلى حمص ، وانقطع بالمسجد متظاهرا بالعبادة والصلاة " فصلى نهاره أجمع وليلته لا يستريح إلا الأوقات المحظور الصلاة فيها " أخبار الأذكياء 107 تحقيق مرسى الخولى )

الصلاة فى النعلين ( الحذاء )

1 ـ مشهور الآن عدم الصلاة لمن يلبس النعلين ، كان المعروف فى العصر الأموى الصلاة فى النعلين ، واشتهر بذلك بعضهم الذى " كان يصلى فى نعليه " ( ابن  سعد  6 / 49 ) وقال عباد بن راشد " رأيت الحسن البصرى يصلى فى نعليه " ( ابن سعد 7 / 116 ) وقال سالم بن يسار " أنى لأصلى فى نعلى وخلعهما أهون على وما أبتغى بذلك إلا السنة " ( ابن سعد 7 ، 136 )أى أن السنة هى أن تصلى لابسا نعليك شأن بقية اللباس والزى . ولا بأس من ذلك ، ولكن هل يجرؤ أحد شيوخ الفقه السنى فى عصرنا على أن يؤم الناس فى المسجد وهو لابس حذائه ؟

2 ـ وبالمناسبة هل يجرؤ أحدهم على أن يؤدى الصلاة فى كنيسة ؟

مكان الصلاة

1 ـ يروى  سعد أن عمر بن عبدالعزيز صلى إماما بأصحابه فى كنيسة ( 5 ، 284 ) وقبيل وفاته اشترى عمر بن عبدالعزيز موضعا فى دير سمعان ، اشتراه من الراهب المسئول عن الدير بدينارين ، وقد عرض الراهب أن يعطى الأرض إلى عمر مجانا ولكنه رفض ، قال له الراهب : يا أمير المؤمنين والله إنه لخير أن يكون قبرك فى أرضى " فأبى عمر وابتاعه منه ( ابن سعد 5 ، 299 ) . 

2 ـ وبعضهم كان لا يرى بديلا عن المسجد مكانا للصلاة ، ومنهم الربيع بن خيثم ، الذى اعتاد حضور صلاة الجمعة فى المسجد طيلة عمره ، وقد أصيب فى أخر عمره بالفالج فكانوا يقودونه إلى المسجد ويقولون له يا أبا زيد قد رخص لك فيقول : اى أسمع حى على الصلاة .......  حى على الفلاح  ، فإن استطعتم فأتوها ولو حبوا " . وقال بعضهم " ما رأيت حيّا أكثر جلوسا فى المساجد من الثوريين والعرينين ، وإلى الثوريين ينتمى الربيع بن خيثم من آل ثور ، وكان فى بنى ثور ثلاثون رجلا ما منهم رجل دون ربيع بن الخيثم فى العبادة ، وقد مات ابن الخيثم بالكوفة .

3 ـ وضمن الترف الذى طرا على الحياة الأموية فى العصر الأموى إقامة مقاصير فى المسجد لأولى الأمر . وكان معاوية أول من اتخذ المقصورة فى المسجد بعد محاولة إغتيالة . وكان الأحنف بن قيس يكره أن يصلى فى المقصورة ( ابن سعد 7 ، 67 ) .

4 ـ وكان أنس بن مالك أخر من توفى من الصحابة فى البصرة ، إذ توفى سنة 92  هـ فى خلافة الوليد بن عبدالملك وقال عنه أبو هريرة : ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله من ابن أم سليم يعنى أنس بن مالك . وهذا العجب العجاب ، فليس من حق أبى هريرة إذا صحت هذه الرواية أن يشهد أبو هريرة لأنس بن مالك لأن أنس بن مالك خدم النبى محمدا وعائشة أما أبو هريرة فلم يمكث مع الرسول إلاإقٌل من سنتين وقد كان أنس بخدمته للرسول محمد والسيدة عائشة وهو صبى وحياته الطويلة بعده أهم مصدر للأخبار ، وقد ذكروا عنه أنه كان إذا دخل المسجد الحرام ليصلى ركز شيئا أمامه ، أو هيأ  شيئا ليصلى عليه ( ابن سعد 7 /  11 ) وهذا مفهوم من كثرة الإزدحام أمام المصلى فى الحرم المكى .

5 ـ وخارج المسجد كان مسرور إذا خرج وأبحر يأتى معه بلبنة ( طوبة ) ليسجد عليها فى السفينة ( ابن سعد 6 ، 53 ) .

6 ـ وبعضهم كان يصلى فى أى مكان دون تقييد بالمسجد ، فالأسود بن يزيد كان إذا حضره الصلاة نزل إلى أى حال كان ، وإن كان مكان خشن نزل وصلى ، وإن كانت ناقته فى صعود وهبوط أناخ ولم ينتظر ، وقالوا عنه أنه ذا كان أناخ بعيره صلى ولو على حجر ) ( ابن سعد 6 ، 47 ) وقد مات بالكوفة سنة 75 .

7 ـ وبعضهم كان يتجنب أماكن لا يصلى فيها ، ورددوا أن عليا بن أبى طالب ( مر على خشف بإبل " موضع مناخ الإبل " فلم يصلّ فيه حتى جاوزه ) ( ابن سعد 6 ، 169 ) .

 صلاة النساء

1 ـ حين يقول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٩﴾ ) " الجمعة   " فالأمر للرجال والنساء مثلما يقول جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٨٣﴾ )" البقرة  " ، فالنساء ضمن الذين آمنوا طالما لم تأت أية قرآنية تفيد حصر " الذين آمنوا" فى الرجال فقط .

وفى ضوء هذا النسق القرآنى نفهم صدقية هذه الرواية التى تفيد بمشاركة النساء فى الصلاة فىالمسجد فى عهد النبى محمد عليه السلام ، تقول أم هاشم " ما أخذت قاف والقرآن المجيد إلا على لسان النبى يقرؤها على الناس فى كل جمعة إذا خطبهم " (ابن سعد 8 ، 324 )، وفى رواية أخرى عن خولة بنت قيس الجهينة " كنت أسمع خطبة رسول الله وأنا فى مؤخرة النساء ، وأسمع قراءة ق والقرآن المجيد على المنبر ، وأنا فى مؤخرة المسجد " ( ابن سعد 8 ، 217) ، وبالتالى فلم تكن خطبة النبى لصلاة الجمعة سوى قراءة القرآن . وقد استمرت خولة بنت قيس فى المواظبة على حضور الصلاة فى المسجد مع النسوة الأخرين إلى خلافة عمر . قالت : كنا نكون فى عهد النبى وأبا بكر وصدر خلافة عمر نسوة قد تخاللن ( أى أصبحن خليلات وصديقات ) وربما غزلن ، وربما عالج بعضنا الخوص ، فقال عمر : لأردكن حرائر ، فأخرجنا منه . ألا كنا نشهد الصلاة فى الوقت " ( ابن سعد 8، 217 ) . هنا تحول حضورهم إلى المسجد إلى عادة لتمضية وقت الفراغ ، ولهذا أخرجهن عمر من المسجد وقصر حضورهن على صلاة الجماعة .

2 ـ على أن حضورهن صلاة الجماعة امتد إلى صلاة العشاء، وما يعنى ذلك من خروجهن ليلا من المسجد ، وربما كان بعضهن يقيم جزءا من الليل فى المسجد فى صلاة الليل أو قيام الليل أو فى الإعتكاف ، هذا مستفاد من قوله سبحانه وتعالى فى تشريع الصوم والإعتكاف " ( وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ) ﴿١٨٧﴾ البقرة ) أن الأزواج والزوجات كانوا يعتكفون فى المساجد فى ليالى رمضان . وقد منع الله تعالى المعاشرة الجنسية بين الزوجين فى المسجد وقت الإعتكاف ، فى هذا الضؤ القرآنى نفهم رواية بنت سعد بن أبى وقاص وقد رؤيت خارجة من مسجد المدينة ليلا ومعها أصحابها ومعهن ضوء شمعة ( ابن سعد 8 ، 343 ).

3 ـ وبإيجاز كانت النسوة فى المسجد صفوفا خلف صفوفالرجال . وهناك رواية تقول " كان ابن مسعود يمر فى المسجد يتخطى الرجال والنساء " ( ابن سعد 8 ،358 ).

4 ـ واستمر هذا التقليد معمولا به فى حضور النساء للمسجد للصلاة والإعتكاف ، وقد كان من مشاهير الفقهاء فى العصر الأموى سعد بن كدام ، وهو أحد أعيان المرجئة، وهى فرقة معتدلة فى الصراع الفكرى والسياسى فى العصر الأموى ، كانت أم مسعد بنت كدام شمهورة بالتعبد وكان يرافقها ابنها سعد بن كدام كل يوم إلى المسجد :  "فكان يحمل معها لبدا ويمشى حتى يدخل المسجد فيبسط لها اللبد ، فتقوم فتصلى ، ويتقدم هو إلى المسجد فيصلى ، ثم يقعد فيجتمع إليه من يريد ثم فيحدثهم ، ثم ينصرف  إلى أمه فيحمل لبدها وينصرف معها ، ولم يكن له مأوى إلا منزله  والمسجد " ( ابن سعد 6 / 253 : 245 ) .

5 ـ وقصة عاتكة بنت زيد من طريف ما يحكى فى هذا المقام . وهى من أشهر الشخصسات النسائية فى تاريخ النساء الصحابيات ، وقد تحدث عنها أبن مسعود ، ثم توالى ذكرها فى المصادر التاريخية اللاحقة مثل " المحبر 437 ، نسب قريش 365 ، جمهرة أنساب العرب 152 ، الإستيعاب 1876 ، أسد الغابة 5 ، 497 ، الإصابة 4 ، 356 رقم 795 ، خزانة الأدب4 ، 351 ، المقاصد النحوية 2 ، 278 ، الوافى بالوفيات 16 ، 558 : 560 ، والطبقات الكبرى لإبن سعد 8 ، 195 ) . يقول عنها ابن سعد " عاتكة بنت زيد تزوجها عبدالله بن أبى بكر الصديق ، وبعد مقتل زوجها تزوجها عمر بن الخطاب ، وبعد مقتله تزوجت الزبير بن العوام ، وبعد مقتله أراد على بن أبى طالب أن يتزوجها فرفضت وقالت : يا أمير المؤمنين بالمسلمين إليك حاجة " ويقال : ثم تزوجها الحسن بن على ومات وهى فى عصمته . ما يهمنا فى سيرتها أن زوجها الزبير بن العوام رضى بشرطها ألا يمنعها من الصلاة فى المسجد حتى صلاة الفجر . تقول الرواية : " وكانت امرأة  خليقة ، وكانت إذا تهيأت إلى الخروج إلى الصلاة قال لها الزبير : والله إنك لتخرجين وإنى لكاره ، فتقول فتمنعنى فأجلس ؟، فيقول : كيف وقد شرطت لك ألا أفعل . فاحتال الزبير فجلس لها فى الطريق فى الغلس ( وقت الفجر ) ، فلما مرت وضع يده على كفلها ، فاسترجعت ثم انصرفت إلى منزلها ، فلما جاء الوقت الذى تخرج فيه للصلاة إلى المسجد لم تخرج ، فقال الزبير : مالك ؟ هذه الصلاة ؟ فقالت : فسد الناس والله لا أخرج من منزلى .."

إمامة المرأة فى الصلاة

1 ـ ليس فى القرآن ما يمنع أن تؤم المرآة الرجال فى الصلاة .ومنهج القرآن فى التشريع أنه يذكر المحظورات والمحرمات بينما المباح لا يتعرض له . وفى المجتمع الصحراوى البدوى الأبوى فى القرون الوسطى لم يكن منتظرا أن تؤم المرأة الرجال ، لذا كان معتادا أن تؤم المرأة غيرها من النساء أو أن يؤم الرجل النساء وهذا ما أيدته الروايات التى ساقها ابن سعد فى طبقاته ، ، قالت ريطة الحنفية " أمّتنا عائشة فى الصلاة ، فقامت وسطنا " وقالت نائلة بنت الرافصة زوجة عثمان وقالت حجيرة " أمّتنا أم سلمة فى صلاة العصر فقامت وسطنا " ( ابن سعد 8 ، 355 ، 356 ) .

2 ـ ومن ناحية أخرى كان هناك رجل يؤم النساء ، فقد كان سليمان بن أبى حتمة إماما للنساء بأمر عمر بن الخطاب ، ويقول ابن سعد أن أبى بن كعب وتميم الدارى كانا يصليان بالرجال بينما كان سليمان بن أبى حتمة يؤم النساء فى رحبة المسجد، فلما جاء عصر عثمان جمع النساء والرجال على قارىء واحد هو سليمان بن أبى حتمة ، وكان يأمر بالنساء فيحبسن حتى يمضى الرجال ثم يرسلن ( ابن سعد 5 ، 16، 17 ) أى بعد الصلاة كانت النساء ينتظرن فى المسجد إلى أن يخرج الرجال أولا .

الفصل الخامس : تحريف التواتر فى العصر الأموى وتطوره

مقدمة :

قريش حرّفت تواتر ملة ابراهيم بالتجارة بالدين والصّدّ عن المسجد الحرام وعبادة الأولياء والقبور المقدسة وإلحاقها بالمساجد . نزل القرآن بالتصحيح ، ولكن ما لبث أن عاد التحريف أشدّ بموت النبى وتحكم الخلفاء الفاسقين القرشيين . الخلفاء الفاسقون الأوائل ( أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ) كان تحريفهم العملى فى الصلاة بأن جعلوها صلاة شيطانية تحض على الغزو الاحتلال والسلب والسبى والاسترقاق . ثم جاء الأمويون فحكموا حكما إستبداديا وراثيا فأضافوا نوعيات أخرى من التحريف فى الصلاة وفى دور المساجد ، إستهدفت الاستغلال السياسى لدعم الحكم الأموى الاستبدادى الوراثى والذى إبتدعه الأمويون مختلفين عمّن سبقهم من الخلفاء السابقين . هذا الابتداع والتحريف ـ الذى إنصبّ على الصلاة وملحقاتها ودور المسجد ـ أدّى الى ردّ فعل لدى المعارضة السياسية للأمويين كما أنه تطور بعد العصر الأموى فى عصور الخلفاء اللاحقين والسلاطين .

هذا موضوع نزعم أنه لأول مرة يتم بحثه ، ولذا سيكون كالعادة مجرد تمهيد نرجو أن يبنى عليه الباحثون الجادُّون . ونعطى بعض التفصيلات .

بداية الاستغلال السياسي للصلاة فى العصر الاموي  

اللعن :

1 ـ أدخل معاوية لعن على ابن ابى طالب ضمن شعائر الصلاة فى الجمعة وغيرها. واصبح ذلك من لوازم صلاة الجمعة الرسمية  ، ولم يكن ذلك سهلا فى البداية ، وكان من أسباب مقتل حجر ابن عدى الكندي هو احتجاجه على الوالى المغيرة ابن شعبة ، ثم زياد ابن ابيه لتنفيذهما لعن على على المنبر فى خطبة الجمعة.

2 ـ وقد تفنن جبابرة الغلاة الأمويين فى تنفيذ لعن على فى الصلاة . واتخذوا منها وسيلة لاذلال شيعة على. ويذكر المسعودي ان زياد ابن ابيه والى الكوفى لمعاوية جمع الناس وأمرهم بلعن على ، فمن أبي منهم عرضه على السيف ، أى قتله ( مروج الذهب ج 2 ، 20 )

3 ـ وتحايل بعضهم على الافلات و النجاة من القتل، فيروى ابن سعد ان الحجاج ضرب الفقيه عبد الرحمن ابن ابي ليلة واهانه وقال له : العن الكاذبين على ابن ابي طالب و عبد الله ابن الزبير و المختار ابن عبيده ، فقال عبد الرحمن : لعن الله الكذابين ، وسكت. ثم ابتدأ و قال : على ابن طالب ، وعبد الله ابن الزبير و المختار ابن عبيدة. فقال الأعمش ، وهو الرواى لهذا الخبر، فعلمت حين ابتدأ فرفعهم ، لم يعنهم ، اى لم يقصدهم باللعن : الطبقات الكبري لابن سعد ج6 ، 76)

4 ـ الوحيد من خلفاء بنى أمية الذى منع لعن على هو عمرو بن عبد العزيز. يقول ابن سعد : ( كان بنو أمية يشتمون عليا ، فلما ولى عمرو ابن عبد العزيز أمسك عن ذلك ، فمدحه كثير عزة قائلا :

وليت فلم تشتم عليا ولم تخف                                     بريا ولم تتبع مقالة مجرم

( الطبقات الكبري ج 5 ، 267) . والشاعر كثير عزة كان شيعيا .

وقال عنه المسعودي : ( ترك عمرو ابن عبد العزيز لعن على على المنابر وجعل مكانه : ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ) ، وقيل بل جعل مكانها ( ان الله يأمر بالعدل و الاحسان ) ( وقيل بل جعلهما جميعا ، فاستعمل الناس ذلك فى الخطبة الى هذه الغاية ): مروج الذهب 2 ، 144) . أى ظلت الى عصر المسعودي تقال الآيتان الكريمتان مكان لعن على .

وقال السيوطي : ( كان بنو أمية يسبون على ابن ابى طالب فى الخطبة، فلما ولى عمرو ابن عبد العزيز ابطله وكتب الى نوابه بابطاله ، وقرأ مكانه : ان الله يأمر بالعدل و الاحسان فاستمتر قراءتها فى الخطبة الى الآن) ( تاريخ الخلفاء 387 ) أى استمرت الى عصر السيوطي ت 910).

5 ـ وكان وقع اللعن شديدا على ذرية على ابن طالب فى العصر الاموي . يروى ابن سعد انه قيل لعلى زين العابدين ابن الحسين ابن على ابن ابى طالب : كبف أصبحتم ؟، فقال : اصبحنا فى قومنا بمنزلة بنى اسرائيل فى آل فرعون . اذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، وأصبح شيخنا و سيدنا يتقرب الى عدونا بشتمه او سبه على المنابر )(الطبقات الكبرى ج 5 162 – 162 ) .

6 ـ وكان هشام ابن اسماعيل واليا على المدينة لبنى أمية ، فكان يؤذى على زين العابدين و اهل بيته ، ويخطب على المنبر و ينال من على. فلما تولى الخلافة الوليد بن عبد الملك عزله وأمر به ان يوقف للناس ، اى يوضع فى مكان عام ، ليضربه الناس كيفما شاءوا . فكان هشام ابن اسماعيل فى محنته يخشى ان ينتقم منه على زين العابدين وآله من ذرية على ابن ابى طالب او ان يأمر الناس بالانتقام منه وهو مسموع الكلمة. ولكن على زين العابدين جمع ولده واهله ونهاهم عن التعرض لهشام وغدا على زين العابدين مارا لحاجة ، فمر على هشام وهو موقوف فلم يتعرض له بسوء . فناداه هشام ابن اسماعيل قائلا : " الله يعلم حيث يجعل رسالته.".!! وتوفى على زين العابدين سنة 94 : ( الطبقات الكبرى ج5 163)

7 ـ استمر لعن على ابن ابي طالب على المنابر طيلة العصر الأموى عدا السنتين اللتين حكم فيها عمر ابن عبد العزيز . ولأن الناس تعلموا الصلاة على أيدي الولاة الأمويين فى هذا العصر فقد اعتقدوا ان لعن على من أساسيات الصلاة وكان صعبا ارجاع بعضهم عن هذا اللعن فى العصر العباسي. يقول المسعودي أن أهل مدينة ( حرّان ) رفضوا الصلاة بدون لعن على ، وقالوا : لا صلاة بدون لعن ابو تراب ، وابو تراب هو لقب على وظلوا على ذلك عاما كاملا فى بداية العصر العباسي ( مروج الذهب :  ج2 : 193) .

8 ـ وإذا كانت الدولة العباسية قد أبطلت لعن على إلا أنها إضطهدت ذريته سياسيا وحربيا ، بل إن اللعن أعيد مرتين فى الخلافة العباسية ففى سنة 212 أمر الخليفة المأمون بلعن معاوية ( مروج الذهب ج2 ، 356 : 157 ) وبعده بنحو قرنين تقريبا أمر السلطان السلجوكى طغرلبك بلعن جميع المذاهب على المنبر يوم الجمعة ، وكان معتزليا . واستمر اللعن طيلة حكمة قال القزوينى ( فشق ذلك على المسلمين ، وفارق إمام نيسابور وذهب إلى مكة وكذلك الأستاذ أبو القاسم القشيرى ودخل على الناس من ذلك أمر عظيم ثم انقطع ذلك بعد موت طغرلبك ) ( أثار البلاد وأخبار العباد صــــــــ 447 ) .

الأمويين وإضاعة الصلاة :-

1 ـ غلب على الأمويين إستغلال الصلاة سياسيا لمصلحتهم فى لعن على ، أو فى إستخدام القصاص بعد الصلاة لأستمالة العوام .

2 ـ وبعض الخلفاء الأمويين كان متهما بالفواحش وترك الصلاة ، ومنهم يزيد بن معاوية وحين ثارت المدينة على يزيد وخلعت طاعته ، وكان زعيم الثوار عبدالله بن حنظلة الإنصارى ، وقد خطب فى قومه قبيل موقعة الحرة قائلا عن يزيد ( إن رجلا ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة والله لو لم يكن معى أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسنا )  """ الطبقات الكبرى لأبن سعد ج5 ، 47 – تاريخ المنتظم ج6، 19 ) .

وقد وقعت موقعة الحرة سنة 63 هــ وفيها انتهكت حرمة المدينة وكان من القتلى زعيم الأنصار يومئذ ابن حنظلة .

3 ـ وتكرر نفس الإتهام لبنى أمية ، قاله سعيد بن جبير فى موقعة دير الجماجم ، قال : قاتلوهم على جورهم فى الحكم وخروجهم من الدين وإماتتهم الصلاة  "" طبقات ابن سعد ج6، 185 "" وكان على  مثال يزيد بن معاوية خليفة أموى اخر اشتهر بالفسق والفجور وترك الصلاة وانتهاك حرمة المصحف الشريف ، إنه الخليفة الوليد بن يزيد بن عبدالملك وقد ثار عليه ابن عمه يزيد ين الوليد بن عبد الملك وخلعه من الحكم وقتله .  

4 ـ إلا أن إهتمام الأمويين تركز على صلاة الجمعة لإستغلال خطبة الجمعة فى الدعاية السياسية والهجوم على خصومهم ، وهم أول من ابتدع التوظيف السياسى لخطبة الجمعة والذى ما زال ساريا ، ومعلوم أن النبى محمدا عليه السلام كان يخطب الجمعة بقراءة بعض سور القرآن الكريم وخصوصا سورة ( ق). ولم يتم تدوين خطب الجمع ضمن ما سجلوه من أحاديث النبى لأنها كانت من سور القرآن  .

5 ـ وتركيز الأمويين على استغلال الخطبة فى الجمعة سياسيا كان على حساب صلاة الجمعة نفسها إذا كانوا يطيلون الخطبة حتى يمل الناس ويضيع وقت الصلاة ويحل موعد صلاة العصر . ومن يحتج كان مصيره سيئا فى أغلب الأحوال .

5 / 1 : وفى حدود سنة 90 هجريا قتل الأمويون زياد بن جاريه وكان من أفاضل التابعين فى دمشق. وسبب قتله أنه دخل مسجد دمشق وقت صلاة الجمعة وقد تأخرت بهم الصلاة والخطبة لا تزال قائمة ، فقال للخليفة الوليد بن عبدالملك : " والله ما بعث الله نبيا بعد محمد عليه السلام أمركم بهذه الصلاة .. فأدخلوه حجرة وقطعوا رأسه) ( تاريخ الوافى بالوفيات للصفدى 15-14 ).

5 / 2 : واشتهر الحجاج بن يوسف بالفصاحة والتطرف فى سفك الدماء ، وقد تولى إمارة الحجاز ثم العراق لعبدالملك بن مروان وبنيه . وفى ولايته على الحجاز كان عبدالله بن عمر ابن الخطاب يصلى خلفه فى الحرم المكى ، فلما رآه يؤخر الصلاة امتنع عن الصلاة خلفه . ويروى  ابن سعد فى الطبقات الكبرى أن الحجاج كان يخطب الجمعة فظل فى خطبته حتى أمسى ، فناداه ابن عمر : " أيها الرجل الصلاة ". فأقعدوه ، ثم ناداه الثانية فأقعدوه ، ثم ناداه الثالثة فأقعدوه ، فقال ابن عمر  للناس وقد ملوا " أرأيتم إن نهضت أتنهضون ؟ فقالوا نعم . فنهض ابن عمر  فنادى فى الناس وفى الحجاج : " الصلاة الصلاة ..فإنى لا أرى لك فيها حاجة. "  فنزل الحجاج من على المنبر وصلى بالناس ، ثم دعى بابن عمر فقال له " ما حملك على ما صنعت؟ فقال ابن عمرو " إنما نجىء للصلاة فإذا حضرت الصلاة فصلّ الصلاة لوقتها ثم بقبق بعد ذلك ما شئت من بقبقة " ( 4-110 ، 117 ) .وجدير بالذكر أن الحجاج بعدها دس إلى ابن عمرو من طعنه خلسة فى الحرم برمح مسموم فمات منه .

6 ـ وفى غير صلاة الجمعة وإطالة خطابها كان الحجاج مثل سائر الخلفاء الأمويين لا يأمر بإقامة الصلاة وإتمام ركوعها وسجودها . وةقد سئل فقيه المدينه وكبير التابعين فيها سعيد ابن المسيب : " ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يحركك ولا يؤذيك ؟؟ " فقال سعيد " أنه دخل مع أبيه المسجد فصلى صلاة لا يتم ركوعها ولا سجودها فأخذت كفا من حصى فحصبته به " الطبقات الكبرى لابن سعد 5-95 " .

7 ـ وتفرّد عمر بن عبدالعزيز بإهتمامه بالصلاة والحث عليها فى إتمام ركوعها وسجودها ، بل أنه بفضل عمر بن عبدالعزيز فإن ابن عمه الخليفة سليمان بن عبدالملك اشتهر بالأمر بالصلاة وقد كان عمر بن عبدالعزيز هو المستشار الأول لسليمان فى خلافته وقد وثق فيه سليمان حتى أنه عهد إليه بالخلافة .

قيل عن سليمان بن عبدالملك " كان عمر بن عبدالعزيز هو المستشار الأول لسليمان فى خلافته حتى أنه عهد إليه بالخلافة . " وقيل عن سليمان بن عبدالملك " كان عمر ابن عبدالعزيز هو المستشار الأول له ، أحيا الصلاة لأول مواقيتها ، وكان بنو أميه قد أماتوها بالتأخير ( السيوطى تاريخ الخلفاء 359 ) .

وقد عاش سليمان فيما بين ( 60-99 هــــ ) ودامت خلافته ثلاثة سنين لم تكن له فيها من مآثر إلا إهتمامه بالصلاة . وقد كتب سليمان للولاة " أن الصلاة كانت قد أميتت فأحيوها وردوها إلى وقتها " وقال عنه التابعى ابن سيرين : " سليمان بن عبدالملك افتتح خلافته بخير وختمها بخير . افتتح خلافته بإحياء الصلاة وختمها  بأن استخلف عمر بن عبدالعزيز . " ( الصفدى الوافى بالوفيات 15، 403 ) .

أما عمر بن عبدالعزيز فقد كان اهتمامه بالصلاة لا يبارى بلغ من ذلك حرصه على صلاة المساجين ، فكتب لولاته أن لا يقيد أحد بقيد يمنعه من إتمام الصلاة . ( طبقات اب سعد 5، 271 ) . وكانت العادة قبل عمر بن عبدالعزيز وبعده إهمال المساجين حتى الموت غالبا ، وقد قتل الحجاج الوالى الأموى الشهير مائة ألف سجين صبرا . أى تركهم يموتون فى السجن فأتى عمر بن عبدالعزيز يرعى المساجين حتى فى الصلاة .

8 ـ وأحس الأمويون أن موقفهم من الصلاة يسىء إليهم ويستغله المعارضون لهم فى التشنيع عليهم وفى حشد الخصوم والثوار ضدهم . فأذاعوا حديثا منسوبا للنبى محمد عليه السلام ينسبون روايته إلى صحابى مجهول اسمه قبيصة بن وقاص يقول "" يكون عليكم أمراء من بعدى يؤخرون الصلاة فهى لكم وهى عليهم ، فصلوا معهم ما صلوا بكم إلى القبلة "" وقد ظل هذا الحديث ساريا إلى أن دونه ابن سعد فى الطبقات الكبرى بعد حوالى قرن من الزمان خلال الدولة العباسية ( الطبقات الكبرى 7 ، 38 ) .

9 ـ ولقد كان أبوبكرعياش من المخضرمين الذين أدركوا الدولتين الأموية والعباسية إذ عاش حوالى مائة عام ( 97-193 ) وأدرك حكم هارون الرشيد وقد قال له الرشيد : " إنك أدركت أمر بنى أمية وأمرنا ، فاسألك بالله أيهما كان أقرب للحق ؟ " فقال : " يا أمير المؤمنين أما بنو أمية فكانوا أنفع للناس منكم وأنتم أقوم بالصلاة منهم" . ( الصفدى ، الوافى بالوفيات 10 ، 243 )

المعارضة والاستغلال السياسى لتهاون الأمويين فى تأدية الصلاة

1 ـ ومع عمل الأمويين على استغلال الصلاة سياسيا مع باقى الشعائر الإسلامية الأخرى فقد إشتهر بعضهم بالتهاون فى تأدية الصلاة أو فى إمامتها بالتعبير التراثى .

2 ـ وفى مقابل تهاون الأمويين بالصلاة لجأت المعارضة إلى المزايدة على الأمويين فى الصلاة بأن إشتهروا بالخشوع فيها وإحيائها . ومع أن الخشوع فى الصلاة علاقة خاصة بين المصلى والخالق جل وعلا الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور إلا أن المعارضة قاموا بتوظيف التظاهر بهذا الخشوع إتهاما للأمويين بطريق غير مباشر بالخروج على الإسلام .

3 ـ ولجأت المعارضة الى وضع أحاديث ضد الأمويين تستغل تهاونهم فى الصلاة :

3 / 1 : منها حديث نسبوه لعمر بن الخطاب ، يقول : " لا إسلام لمن لم يصل " ( الطبقات الكبرى 6/ 109 ).

3 / 2 : ووضعوا حديثا يطعن فى معاوية وأبيه أبى سفيان . يقول الحديث فى رواية عاصم عن النبى ــ بزعمهم ــ ( إن الصحابة فى المسجد غضبوا وقالوا : " نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله".!  فسأل الراوى : " لماذا ؟"   فقالوا : " معاوية مرّ  قبيل فأخذ بيد أبيه ورسول الله على المنبر ، يخرجان من المسجد ، فقال رسول الله فيهم قولا ".) هذا ما رواه ابن سعد فى : ( الطبقات الكبرى: 7 /  55 ) . وهذا توظيف لتأليف الأحاديث فى الصراع السياسى . ومعروف أن معاوية أسلم مع أبيه وأمه بعد فتح مكة ، ومات النبى بعدها بقليل فى المدينة ، ولكن هذا الحديث المصنوع يجعل النبى محمدا يغتابهما فى غيابهما و بعد خروجهما ، وأنه غضب عليهما وغضب الله عليهما وغضب المسلمون .وهذا التزيد والمبالغة فى الغضب لم  يحدث حين سمع المسلمون نبأ قافلة أو تجارة فغادروا صلاة الجمعة وتركوا الرسول قائما وفق ما جاء فى سورة الجمعة. لم ينزل فيها هذا الغضب الحاد.! .

4 ــ وبينما تهاون الحكام الأمويون فى إمامة الصلاة فقد تفنن المحكومون فى إحيائها بالكم وبالكيف .

4 / 1 : اشتهر بعضهم بكثرة الصلاة ومنهم أبو بكرالغسانى الذى كانت أمرأته لا تُفلّى ثيابه لإنشغاله بالصلاة ، على حد قول ابن سعد ( 7/ 107 ) ولو أنصف أبو بكر الغسانى لتذكر قول الله تعالى ( وثيابك فطهر ) بدلا من أن يترك ثيابه معسكرا للقمل والبراغيث والبقّ .

4 / 2 : وبعضهم تفنن فى الخشوع فى الصلاة بإطالة السجود وإطالة القيام وبعض الروايات هنا حافلة بالمبالغة .

4 / 2 / 1 : تقول فى بعضهم " ما رأيت عمرو بن مرة فى صلاة إلا ظننت أنه لا ينصرف حتى يستجاب له ( الطبقات الكبرى لإبن سعد 6/ 220 ) .

4 / 2 / 2 : وقيل عن مسلم بن يسار أنه : " كان قائما يصلى فى بيته فوقع إلى جانبه حريق فما شعر به حتى طفئت النار. "  وقد توفى عام 100 فى خلافة عمر بن عبدالعزيز( ابن سعد 7/ 135 ) ،

4 / 2 / 3 : وقيل عن مسلمة الإبراشى بإختصار أنه ( من أخشع الناس فى الصلاة ). ذكر هذا  إبن سعد فى الطبقات :  ( 7 / 2 / 110  )

4 / 2 / 4 : أما يحيى بن ثابت الذى كان قليل الحديث وصاحب قرآن وتوفى سنة 103 فقد قال عنه ابن سعد أنه كان يبلغ فى صلاته " كأنه يخاطب رجلا " ( الطبقات الكبرى :  6/ 206 ) أى يحرص على التركيز على النطق بالكلمات وتوضيحها فى الصلاة كنوع من التدبر والخشوع .

5 ـ وجعلوا البكاء المسموع فى الصلاة من أبرز الدلائل على الخشوع فيها نكاية فى الأمويين .

5 / 1 : وقد قال بعضهم أن كان يسمع صوت بكاء عمر بن الخطاب وهو يؤم الناس صفوفا، والراوى كان فى أخر الصفوف ويسمع بكاء عمر وهو يقرأ من سورة يوسف قوله تعالى (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّـهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٨٦﴾) ( ابن سعد  6 /    86 ) فكيف كان يسمع صوت بكاء عمر بن الخطاب ( بدون ميكروفون ) إلا إذا كان بكاء عمر بن الخطاب صراخا .!

5 / 2 : وهناك رواية لابن سعد تقول أن " ثابت اللبنانى " كان يقرأ فى صلاته (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾ الكهف ) وكان ينتحب ويرددها وهو فى صلاة الليل ؟ ( ابن سعد 7،2،4) . المفهوم أنه يصلى ليلا منفردا فى جوف الليل .. فأين كان الراوى لهذه الرواية ؟ . وإذا كان ثابت البنائى هو الذى يحكى هذا عن نفسه فهو من الذين يراءون ويزكون أنفسهم ..

علامات السجود على الوجوه

1 ـ ولقد ذكر رب العزة جل وعلا فى القرآن الكريم صفات الصحابة فى عهد النبى محمد عليه السلام : (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖتَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾ الفتح ). أى كان من وصفه جل وعلا لهم (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ  ) ومن حيث الظاهر المرئى قال جل وعلا عنهم : (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا  ) أما من حيث الباطن فليسوا جميعا من أهل الجنة فالله تعالى قد وعد الصالحين منهم فقط بمغفرة وأجر عظيم : (وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) .

2 ـ وفى العصر الأموى إنتشرت علامات السجود مزايدة سياسية على الأمويين المتهاونين فى الصلاة ، وأصبح من شيماء بعض الكارهين للأمويين ان يكون سيماهم على وجوههم من أثر السجود . وتناسوا أن لله جل وعلا وحده مرجع الحكم على الخشوع بغض النظر عن المظاهر . وتكاثرت الروايات :

2 / 1 : يقول ابن سعد عن أبان بن عثمان " كان بين عينيه أثر السجود قليلا " ( الطبقات الكبرى :   5 / 113 )

2 / 2 : وقال أحدهم عن عبد الله بن يسر المازنى : " رأيت فى وجه عبدالله بن يسر أثر السجود ( ابن سعد  7 / 2 /  133 ) .

2 / 3 : وقيل عن عطاء بن رباح ( كان بين عينيه أثار السجود ) ( 5/  246) .

2 / 4 : وقال بعضهم عن حكيم عمير : " رأيت فى جبهة حكيم بن عمير أثر السجود  " ( 7 / 2 /  160 )

2 / 5 : كل ذلك معقول ويمكن تصديقه . أما هذا الخبر فيحتاج إلى جهد جهيد لتصديقه ، يقول ابن سعد " كان العفيش بن عقبة ليسجد حتى أن العصافير ليقعن على ظهره وينزلن ما يحسبنه إلا جزم حائط ) ( 6، 144 ) .. هل يجوز ( إنسانيا ) خداع العصافير بهذا الشكل ؟

3 ـ آثرنا أن نأتى بأمثلة عن الخشوع من تاريخ الشخصيات المغمورة اما المكتوب عن الشخصيات المشهورة فهو أكثر عددا وأكثر فىالمبالغة ، ولا يتسع المقال لتفصيلها ، فنكتفى بالقليل :.

3 / 1 : عن أئمة العلويين نذكر بعض الروايات من المعارضة الهاشمية لبنى أمية فيما يخص الصلاة :

3 / 1 / 1 : روى الحسين بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب ان أباه على زين العابدين قال لإبن عمه محمد بن على : " كم مرّ على جعفر؟. "  ( ابن محمد بن على ) فقال : " سبع سنين ". قال : " مروه بالصلاة "( الطبقات الكبرى :  5 / 162 ) أى يتعلم الصلاة من السابعة من عمره . وقد اخترعوا حديثا بهذا المعنى فيما بعد .

3 / 1 / 2 : واشتهر ( على زين العابدين بن الحسين بن على ) بالورع . ولهذا حمل لقب ( زين العابدين ) . وقالوا عنه : " كان إذا قام للصلاة أخذته رعدة.  فقيل له: " مالك " ؟ قال : " ما تدرون بين يدى من اقوم ومن أناجى .." (5،160 ) .. وهى رواية تستلزم الضحك بل القهقهة إذا تدبرناها وعقلناها ، فالمعنى أنه كان كلما قام للصلاة ارتعد وسئل نفس السؤال وأجاب نفس الإجابة،  أى كان يفعل ذلك خمس مرات كل يوم ، ويرتعد خمس مرات ، ويسألونه خمس مرات ، ويجيبهم نفس الإجابة خمس مرات ، وهو لا يملّ وهم لا يملُّون .. وسبحان الله الذى يعلم السر وما أخفى ...!!

4 ـ ويبدو لى أن هذه الرواية الساذجة صيغت فى العصر العباسى ، ووضعها الشيعة لمقابلة الروايات الأخرى التى وضعها العباسيون فى مناقب ( عبدالله بن عباس) جد الخلفاء العباسيين والذى أسبغوا عليه علما وأحاديث ما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان ، كل ذلك تقربا لأحفاده الخلفاء العباسيين ، هذا مع أن ابن عباس كان صبيا فى مكة وقت أن مات النبى محمد عليه السلام فى المدينة. وإختصت بعض الروايات أيضا العباس عم النبى . وهذه

الروايات التى حيكت فى العباس بن عبدالمطلب وأولاده خصوصا عبدالله بن عباس تستحق الدراسة . والخلفاء العباسيون ينتمون إلى محمد بن على بن عبدالله بن عباس ، وقد كان يسكن فى قرية الحميمية بالأردن اليوم . ونكتفى بالقليل :

4 / 1 : ومن تنويعات المدح التى قيلت فى ( على بن عبدالله بن عباس ) جد الخلفاء العباسيين : " أنه كان أجمل قرشى على وجه الأرض ، وأكثرهم صلاة ، وكان يقال له السجاد لكثرة عبادته وفضله ، وقيل أنه كان ليصلى فى اليوم والليلة ألف ركعة " أى أنه جمع بين الكم ( ألف ركعة ) والكيف ( السجاد ) . مفروض على مسيلمة الكذاب أن يرفع عليهم دعوة قضائية لأنهم يستحقون لقب الكذاب أكثر منه .!

4 / 2 : ثم تتسع الرواية لتشمل كل بنى العباس فى العصر الأموى قبل قيام دولتهم . يقول ابن سعد : " سمعت الأشياخ يقولون : والله لقد أفضت الخلافة إليهم وما فى الأرض أحد أكثر قارئا للقرآن ولا أفضل عابدا وناسكا منهم بالحميمية "" ( الطبقات الكبرى 5، 230 ) .

وهذه كذبة عريضة تبدأ بالقسم بالله جل وعلا . وقد قال جل وعلا عن المنافقين الذين كانوا يحلفون بإسمه جل وعلا كذبا : (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٤٢﴾ التوبة  ) . ثم إن هذه الكذبة أكثر إتساعا من الصحراء الكبرى ولكن قالها أولئك الأشياخ ببساطة وسهوله . وابن سعد لم يذكر أولئك الشيوخ الذين سمع منهم فى العصر العباسى والذين زعموا لأنفسهم علم الغيب وما تخفيه الصدور، وأعطوا حكما عاما شاملا لكل من يعيش على وجه الأرض فى عصر الأجداد العباسيين فى العصر الأموى ...

وهكذا أفرط الأمويون فى إماتتة الصلاة فأفرط بعض خصومهم فى إحياء الكذب والإفتراء والمراءاة .!!.

الفصل السادس : لمحة عن إستمرار وتطور التهاون فى الصلاة بعد العصر الأموى

1 ـ سبقت الاشارة الى بعض خلفاء بنى أمية الذين أهملوا الصلاة . والواضح ان التهاون فى الصلاة كان يتزايد بمرور الزمن خلال العصر العباسي حيث تحول الخليفة الى رمز كهنوتي . وكانت الصلاة ضمن هذا الكهنوت . ومن عادة الكتابات التاريخية التركيز على المشاهير من الحكام والقادة و العلماء، دون العوام والجماهير. ومن النادر ان تشير فى تاريخها للمشاهير مدى اهتمامهم بالصلاة المفروضة إلا اذا كان الشخص المشهور "مشهورا" باهماله الصلاة. فمثلا يقول المسعودي فى (مروج الذهب) فى قصة طويلة عن الشعر العباسي المشهور "ابى تمام" انه كان لا يصلي . (مروج الذهب 2/377).

2 ـ ولقد جمع المؤرخ صلاح الدين بن ايبك الصفدى تراجم لكل المشاهير من بداية الصحابة الى عصره فى القرن الثامن الهجرى ، وذلك فى موسوعته "الوافى بالوفيات" التى تربو على 23 جزءا. وقد راجعناها كلها، وجئنا بهذه النماذج التى اشتهرت باهمال الصلاة المفروضة".

2 / 1 : يقول عن نجم الدين بن على الشافعي ت 699 (كان يُخلُّ بالصلوات ويتكلم فى الصحابة )( الوافي 7/305) .

2 / 2 : ويقول عن الافريقي المتيم ـ وكان معاصرا للصفدى المؤرخ ــ انه قال فى شعره :

تلوم على ترك الصلاة حليلتى            فقلت اغربي عن ناظرى انت طالق

(الوافي 8/157)

2 / 3 وكان علاء الدين الدواعي (640 – 716) صديقا لابن ايبك الصفدي وقد وصفه أيضا بأنه كان "يخل بالصلوات" (2/199 : 200).

2 / 4 : أما الشاغورى النحوي ت 773 وكان من تلامذه ابن مالك ومعاصرا ايضا لابن الصفدي فقد كان يدع الناس يصلون بالجامع الأموي بدمشق ، ويتمشى ليرى الناس انه غير مكترث بالصلاة (الوافي 10/267).

2 / 5 : ومن غير الطريف ان احدهم (كان قبيح الوجه وقد نظر يوما فى المرآة ، فقال : يارب لقد صورتني فشوهت بي ، وخلقتني فقبحت صورتي وما أعلم شيئا أكافئك به إلا ترك الصلاة ، وأنا أدعها ولا أصليها ) ( الوافى 17 / 647)

ونستغفر الله العظيم لاضطرارنا الى كتابة هذا الكلام ، وناقل الكفر ليس بكافر..

2 / 6 : ومن غير اللطيف ايضا ان بعض القضاة كان يهمل الصلاة ، ومنهم فى القرن الرابع الهجرى الحافظ الحجارى قاضى الموصل المتوفى 350 هـ قال صاحب له (أنه كان نائما فكتب على رجله ، فكنت أراه ثلاثة أيام لم يمسه الماء) (الوافى 4/240).

3 ـ  هذا بالاضافة الى خلط الصلاة بالانحلال الخلقى ، وفى العصر العباسي ألمح اليها الجاحظ فى سخرية رائعة فى كتابه "المحاسن والأضداد" حين حكي ان خمسة من الفتيان أتوا قرية (فنزلوا على باب خان ، فقام أحدهم يصلى والباقون جلوس. فمرت بهم أمرأة نبطية ، فقالوا : دلينا على قحبة ، فقالت : نعم كم انتم ؟ قالوا : نحن أربعة. فأومأ الذى يصلى بيديه : سبحان الله : أنا الخامس) (المحاسن والأضداد . ط 1 1332 ص 92 )

وكان معروفا فى العصر العباسي انتشار البغاء علنا فى الخانات وغيرها من بيوت الأثرياء ، وكان يصاحبه الشذوذ العادى وبأجر .. ومشهور فى هذا المجال الشاذ ابو نواس والخليفة محمد الأمين بن هارون الرشيد.

وفى الجزء (16) ص 47 من موسوعة (المنتظم) فى التاريخ يروي ابن الجوزي فى أحداث سنة 454 انه "عطلت المواخير وغلقت ابوابها ونودي بازالتها وكان السبب انه كثر فساد وشرب الخمر ، وشرب رجل يهودي وتغنى بالقرآن"

5 ـ وعن اجتماع الظلم مع الصلاة نقرأ فى موسوعة تاريخ الصفدي ان السلطان الايوبي شيريكوه بن محمد بن شيريكوه صاحب حمص المتوفى سنة 638 هـ (كان مشهورا بالظلم والتعذيب والاعتقال الا انه لا يشرب الخمر ابدا ويلازم الصلاة فى أوقاتها ، وكانت بلاده طاهرة من الخمر و المكوس ، ومنع أهل حمص من تهريب الخمر بسبب عسفه وجوره ) (الوافى بالوفيات 16 / 216).وشهرته بعدم شرب الخمر ومنعها فى بلاده يفيد أن الخمر كانت شائعة خارج مملكته . ويقول الصفدي عن الشاعر ابن عينين الذى تولى الوزارة للسلطان المعظم الأيوبي انه اشتهر آخر عمره بالعسف والظلم وترك الصلاة وسب الأنبياء وادمان الخمر وقد عاش ابن عينين فيما بين (549 -630). 

 التصوف السنى جعل التهاون فى الصلاة دينا فى العصر المملوكى

1 ـ  تسيد دين التصوف السنى العصر المملوكى بما أسموه ( الحقيقة والشريعة ) ، فالحقيقة هى عقائد التصوف وتقديس الأولياء الصوفية ، أما الشريعة فهى هامش أداء العبادات ومنها الصلاة والتقاضى بالشريعة السنية وقضاتها الأربعة .

2 ـ وأئمة التصوف أسقطوا التكاليف (العبادات) الإسلامية ، فالصوفية إدّعوا الأُلوهية فلا تتفق بأى حال عبادة الله وهم يزعمون الاتحاد به وحلوله فيهم حسبما يزعمون. والتفاصيل فى كتابنا عن العبادات فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف . وننقل منه تأثر الناس بهذا فى تهاونهم فى الصلاة .

3 ـ  فقد أثار ترك الصوفية للصلاة المكتوبة إعجاب المعتقدين فيهم من العوام والعلماء المعبرين عن فكرالعامة. وقد عاش الفقيه المغربى ابن الحاج العبدرى فى مصر فى القرن الثامن ، وكتب فى الفقه الوعظى كتاب ( المدخل ) يذكر فيه أحوال المجتمع المصرى الذى أرهقه التصوف السنى بإنحلاله وخرافاته، وهو يعظ على طريقة الفقهاء . يقول عن الذين يؤمنون بالمجاذيب ــ وقد إنتشروا فى العصر المملوكى ــ  وكان يحج اليهم متوسلا العلماء الفقهاء، استنكر ابن الحاج ذلك المسلك من: ( بعض من ينسب إلى العلم،يقعد بين يدى بعض من يدعى الفقر (أى التصوف) والولاية وهو مكشوف العورة،وقد تذهب عليه أوقات الصلاة وهو لم يصل ،ويعتذرون عنه ).[1]

بل شارك فى ذلك الإعجاب بعض من عرف بالصلاح – أى الصلاح بالمفهوم الصوفى وهو الايمان بالأولياء الصوفية ، وقد رأى ابن الحاج بعضهم يرحل إلى زيارة شخص (من هذا الجنس وبقى نحو ثلاثة أيام أو أربعة حتى اجتمع به وهو عريان ليس عليه شىْ يستره، وبين يديه بعض قضاة البلد ورؤسائها،وهذا أمر شنيع فى الدين وقلة حياء من عمل الذنوب وارتكاب مخالفة السنة وترك الفرائض)[2].

4 ـ والعامة مغرمة بالتقليد ،لاسيما إذا تعلق التقليد بأمور تريح من آداء التكاليف وتجلب الكسل والدعة ، فالعامة تجسيد للأكثرية فى كل مجتمع ، وقد وصف القرآن الكريم الأكثرية بأنها لا تعلم ولا تعقل ولاتفقه ولاتؤمن. وهكذا فإن دين الصوفية فى التهاون فى الصلاة وافق هوى العامة . وقد بدأ ذلك منذ عصر الغزالى فى القرن الخامس فيما يخص ترك الصلاة بالذات، يقول الغزالى يصف العامة فى عصره : ( أكثر الناس جاهلون بالشرع فى شروط الصلاة فى البلاد، فكيف فى القرى والبوادى ومنهم الأعراب والأكراد والتركمانية وسائر أصناف الخلق)[3].أى أن أهل المدن أقرب إلى التحضر والإلتزام، ويتلاشى ذلك الإلتزام كلما بعدنا عن العمران والحضارة وتوغلنا فى الريف . وقد تحولت شعيرة الصلاة ــ خصوصا الجمعة ـ الى وظيفة رسمية يتم بها التعبير عن الولاء للسلطان ، ولم يكن هذا مرعيا فى الريف والأحياء الشعبية الفقيرة ، وزادهم التصوف جهلا على جهل . ومن أسف فإن إهمال تاريخ العامة وشئونها يكاد يكون قاسماً مشتركاً فى الكتابات التاريخية لمؤرخى العصر المملوكى وما سبقه، إذ استحوذ على المؤرخين تتبع حركات الحكام وسكناتهم ومن خلالها نظروا للعامة فى شذرات متفرقة لا تسمن ولا تغنى من جوع.. ومن هذه الشذرات القليلة نستخلص موقف العامة من الصلاة..

5 ـ يقول المؤرخ ابن الفرات فى حوادث  790( رتب القاضى نجم الدين الطبندى محتسب القاهرة جماعة من الفقهاء، فى كل سوق من أسواق القاهرة وظواهرها فقيه يعلم التجار واصحاب الصنايع والمتعيشين سورة الفاتحة وغيرها من السور ليقرأوا بذلك، وجعل لكل فقيه على كل من يعلمه فليس جرد، وهذا ترتيب حسن لا بأس به) [4].أى أن العامة نسيت الفاتحة واستلزم الأمرإيفاد بعض الفقهاء لتعليم التجار والصناع سورة الفاتحة.. وهذا فى المدينة العاصمة. فكيف بالحال فى القرى والنجوع ؟! وكان ذلك فى القرن الثامن، فكيف الحال فى القرون التالية وقد اشتدت سيطرة التصوف ؟؟..

6 ـ لقد وصل الأمر فى القرن التاسع إلى درجة أن الجهل بالفاتحه والصلاة وصل إلى الأمراء والسلاطين ،فكان الأمير أحمد بن نوروز 852( يُرمى بترك الصلاة ) [5]

بل كان السلطان الأشرف اينال: (لا يُحسن قراءة الفاحة ولا غيرها من القرآن، وكانت صلاته للمكتوبات صلاة عجيبه،نقرات ينقر بها لا يعبأ بها الله، وكان لا يحب إطالة الدعاء بعد الصلاة، بل ربما نهى الداعى عن تطويل الدعاء) [6]. فالأشرف اينال طولب بالصلاة طبقا للبروتوكول فكان يصلى صلاته المضحكة وهو جاهل بالفاتحة، وكان يؤدى تلك النقرات بضيق حتى إذا ما انتهت أضرب عن الدعاء بعدها ..

7 ـ وفى القرن العاشر الهجرى تكاثر الأولياء وانتشروا فى ربوع مصر ومدنها وقراها. . وأغلبهم من العامة الأميين فكانوا يسترون تركهم الصلاة بمزاعم الكرامات والانتقال من مكان الى آخر بخطوة واحد ( من أهل الخطوة ) ، فكانوا يزعمون الصلاة فى اماكن بعيدة مثل الرملة واللد فى فلسطين ، وبعضها وهمى وخرافى مثل جبل قاف وسد اسكندر.. وهم ما تعودوا الصلاة قبل المشيخة فلابد أن يفكروا فى حل صوفى يبرر عدم صلاتهم..

8 ـ وقد ترسب فى الضمير الشعبى ما يعبر عن اهمال الصلاة أو السخرية منها حسب الرؤية الذاتية للشعب المصرى الذى يغلف نظرته للأموربالسخرية والتندروالفكاهة ..

8 / 1 : فعن الجهل بالفاتحة يقول المثل (سورتك إيه سورتك إياك) والمراد(بإياك) سورةالفاتحة (ويضرب المثل لبقاءالشخص على نمط واحد كأنه يقرأ الفاتحة كل يوم لا يتعداها)[7]. والفاتحة أصبحت فى عرفهم مجرد (إياك)، ويوصف المصلى بأنه يبقى على نمط واحد يردد كل يوم دون وعى أو فقه بما يقول. ويشبهون بالمصلى كل من توقف على أسلوب واحد لا يسأم من ترديده.

8 / 2 : وعن الجهل بالفاتحة أيضاً يقول المثل الشعبى(إذا نسيت الحمد تصلى بأيه) [8].8   

8 / 3 : وقد يقصد الشخص الجامع متكاسلاً متأففاً فيجد أبوابه موصدة وحينئذ يشعر بسرور يعبر عنه المثل الشعبى (بركة ياجامع اللى جت منك ما جت منى)[9].  

8 / 4 : وكانت المآذن تردد بعد آذان الفجر قولهم : أن الصلاة خير من النوم .. وهذه مقولة لا توافق عليها العامة التى تؤثر الكسل ، فلم تترك هذا القول دون تندر فيقول المثل الشعبي (الصلاة خير من النوم ،قال جربنا ده وجربنا ده) أى أنهم من واقع السخرية عرفوا أن النوم خير من الاستيقظ لصلاه الفجر .. فهذا المثل( يضرب فى تفضيل شىء على شىء  دلت التجربه على خلافه)[10]

أخيرا

ما سبق يدل على تواتر الصلاة فى توقيتاتها وحركاتها الشكلية . لو لم تكن موجودة ما قرأنا هذا الكلام.

الفصل السابع : من إمامة الصلاة الى العزلة فى العصر الأموى 

 إمامة الصلاة فى مجال الإستغلال السياسى :

1 ـ جعلوا أكبر مسوغات الإمامة السياسية لأبى بكر خليفة بعد النبى محمد عليه السلام أنه كان إمام المسلمين فى الصلاة ، ومن ذلك الوقت إرتبطت إمامة الصلاة بالقوامة السياسية ، وأصبح من مهام الأمير والوالى أن يؤم الناس فى الصلاة ، بحيث أن جبارا مثل الحجاج كان يؤم بقية الصحابة فى المدينة ومكة .

2 ـ وكانت إمامة الصلاة وجاهة إجتماعية . نفهم هذا مما جاء عن رجل مجهول من ذرية عبد مناف " جد النبى محمد وجد الأمويين " ، إسمه نافع بن جبير ــ كان مشهورا بالإستكبار والغرور ــ جلس خلف العلاء بن عبدالرحمن العلقمى وهو يقرىء الناس فى المسجد ، وقال للناس : " أتدرون لم جلست إليكم ؟ " قالوا : " جلست لتسمع ". قال : " لا ولكنى جلست إليكم لأتواضع  إلى الله بالجلوس إليكم . " . وقدم نافع رجلا ليصلى إماما وقال له : " أتدرى لم قدمتك ؟ " قال : " قدمتنى لأصلى بكم " ، قال : " لا ولكنى قدمتك لأتواضع إلى الله بالصلاة خلفك " ( الطبقات الكبرى 5، 153 ) ومات نافع هذا فى العصر الأموى عاه 99 هـــ . هذايعطى لمحة عامة عن موقع الصلاة وإمامة الصلاة فى الحياة الإجتماعية والسياسية .

3 ومن الطريف أنه قبيل موقعة الجمل وفد طلحة والزبير مع عائشة إلى البصرة مغاضبين لعلى بن أبى طالب فى خلافته ، فاستولوا على بيت المال فى البصرة . وحضر وقت الصلاة فتدافع كل من طلحة والزبير ليصلى كلا منها إماما بالناس فإذا صلى إماما بالناس كان هو القائد وكان رفيقه تابعا له ، واستمر تدافع  طلحةوالزبير حتى كاد وقت الصلاة أن ينتهى ، ثم اصطلحا على إقتراح عائشة أن يصلى عبد الله بن الزبير صلاة ومحمد بن طلحة صلاة الأخرى،  وفى أول صلاة اختلفا فيمن يبدأ بالإمامة فذهب ابن الزبير ليؤم الناس فأخّره ابن طلحة ، وذهب ابن طلحة يتقدم للصلاة فأخره ابن الزبير ، وأخيرا اقترعا فخرجت القرعة لمحمد بن طلحة فتقدم وأمّ الناس فى الصلاة وقرأ فيها " سأل سائل بعذاب واقع " . هذا ما يرويه ابن سعد فى :( الطبقات الكبرى 5، 39 ) . وانهزم طلحة والزبير فى موقعة الجمل ومات فى الموقعة كلاهما وعشرة آلاف من المسلمين والصحابة وكان من بين القتلى الشاب محمد بن طلحة وكان شابا ورعا اشتهر بلقب السجاد وبأنه من أطول الناس فى الصلاة ، إلا أن أباه طلحة أرغمه على الخروج معه إلى الجمل ( الطبقات الكبرى 5/ 39 ).  وبعد موقعة الجمل جاءت موقعة صفين بين ( على ومعاوية ) وكانت تمهيدا لزوال خلافة على وقيام الدولة الأموية .

الصلاة والعزلة :

1 ـ ولأن الدولة الأموية استخدمت الصلاة و المساجد ميدانا للأعلام والحرب الفكرية ، ولأن خصومها واجهوها بنفس السلاح مستخدمين الصلاة و المساجد والقصص والخطب و الأحاديث والروايات فإن ارتياد المعارضين للمساجد و الانخراط فى انشطتها كان بمثابة الدخول فى معترك حربي. فجواسيس الدولة الأموية يخترقون حلقات القصص وينتشرون فى المساجد يستمعون الى الخطب و الأحاديث، والولاه الجبابرة مثل زياد ابن ابيه والحجاج ابن يوسف وخالد القسري يقتلون من يشكون فى امرهم ، واشهرهم الحجاج الذى كان يقتل بمجرد الشك او الظن. ومن هنا عرف بعضهم العزلة واجتناب المساجد . وبعضهم توسط واعتدل . ويحتاج الأمر توضيحا. ونحن هنا نتحدث – ليس عن العوام- ولكن عن الفقهاء او القرّاء بمصطلح العصر . وكانوا القادة الفكريين للمعارضة السياسية و الحربية للدولة الأموية.

2 ـ المعضلة فى الموضوع ان الدولة الأموية كانت ترتاب ايضا فيمن ينقطع عن ارتياد المساجد ولا تثق الا فيمن يصلى خلف ولاتها. وهذه معضلة واجهت حتى اولئك الذين عملوا قضاة فى خدمة الدولة مع عدم رضاهم عن تعسفها و ظلمها. فالقاضى زرارة بن اوفى الحرشي كان يصلي فى منزله الظهر و العصر – وقت عمله الرسمي- ثم يأتي الحجاج ليصلي خلفه الجمعة (تاريخ ابن سعد 7/109) وهو بذلك يتبع حديثا اخترعه بعضهم ونسبه الى النبي محمد عليه السلام ، الحديث يضع حلا لتلك المشكلة، فيقول "انه ستجئ امراء تشغلهم اشياء يؤخرون الصلاة حتى لا يصلوا الصلاة الى وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها ، فقالوا : يارسول الله ، ثم نصلى معه ؟ قال نعم" ( تاريخ ابن سعد 7/ 2/ 125) ومعلوم ان النبي محمد عليه السلام لا يعلم الغيب و ليس له أمر يتكلم فيه ، ولكن تكاثرت أحاديث الغيبيات وراج نسبتها للنبي محمد لتعلق عما حدث فى العصور التالية بعد وفاة النبي محمد عليه السلام.

3 ـ ومن الناحية السياسية كانت الدولة الاموية محتاجة الى مراقبة المعارضة الفكرية . فثورات الخوارج كانت تشب فى كل حين ، وهناك ثورات أخرى يقوم بها العلويون و الشيعة ، و الموالى فى العراق وفارس و البربر فى شمال أفريقيا و الاقباط فى مصر . ولكن كان العدد الأكبر هم من العرب الخوارج المستميتين فى حربهم ضد الدولة الأموية . وكانت قسوة الأمويين فى مجابهة الثورات تضيف اليها الكثير من الأعداء ، خصوصا بعد قتل الحسين وآله فى كربلاء ، وانتهاك حرمة المدينة وحصار مكة وحرق الكعبة. وكان واضحا ان قسما كبيرا من العاملين فى الدولة لا يتورعون عن الخروج عليها اذا وجدوا لذلك سبيلا ، والدليل على ذلك ما يسمى بفتنة ابن الأشعث ، القائد الأموى الذى كان يغزو فى الشرق الأسيوي باسم الأمويون مرسلا من الحجاج ، وكان عامة جيشه من العراقيين الناقمين على الأمويين . واختلف ابن الأشعث مع الحجاج فى موضوع بسيط ، ورد عليه الحجاج بغلظة كعادته فإنتهزها القادة العراقيون العاملون مع ابن الأشعث ومازالوا بابن الأشعث حتى أقنعوه بأن يستدير بالجيش ويعود الى العراق ليقاتل الحجاج ، وكانت موقعة دير الجماجم التى انتصر فيها الأمويون بصعوبة ، والتى أسرف فيها الحجاج فى قتل الأسرى من الجيش المهزوم حتى بنى منها اهرامات من الجماجم . وكان سعيد بن جبير من حرّض ابن الأشعث على الخروج على الحجاج ، وقد فر و اختفى ، ومازال الحجاج يبحث عنه حتى عثر عليه وقتله.

وسعيد بن جبير احد قادة الفقهاء فى البصرة و العراق ، وكان ندا للحسن البصري أكبر فقيه فى وقته . ويذكر ابن سعد انه لما كانت فتنة ابن الأشعث وحربه مع الحجاج بن يوسف ، انطلق عقبة بن عبد الغافر وابو الجوزاء وعبد الله بن غالب فى نفر من نظرائهم فدخلوا على الحسن البصري ، فقالوا : يا ابا سعيد ما تقول فى قتال هذا الطاغية الذى سفك الدم الحرام واخذ المال الحرام وترك الصلاة وفعل وفعل ؟ وذكروا من فعل الحجاج الكثير ، فقال الحسن البصري : أرى ان لا تقاتلوه فإنها ان تكون عقوبة من الله فما انتم برادي عقوبة الله بأسيافكم ، وان يكون بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. فخرجوا من عنده وهم يقولون : نطيع هذا العلج ( اى المولى الأعجمي) وهم قوم عرب ، وخرجوا الى ابن الأشعث يقاتلون معه فقتلوا جميعا (تاريخ ابن سعد 7/119).

لقد كانت سياسة الحسن البصري هي الاحتجاج القولى دون ان يتحرك ايجابيا بالثورة على الأمويون . .وكان اكبر المعارضين شهرة ونفوذا ، ومع ذلك فقد كان من خلال تحليل تاريخه – مسكونا بالخوف من الحجاج بن يوسف . وكان اذا قيل له : ألا تخرج ؟ يعني ألا تخرج مع الخوارج تاثرا ، يقول : ان الله انما يغير بالتوبة ولا يغير بالسبف " ( ابن سعد 7/119).

4 ـ على انه يمكن تقسيم العزلة الى أنواع ..

4 / 1 : عزلة تامة ، مثلما كان يفعل مطرف بن عبد الله ، وهو القائل "لبثت فى فتنة ابن الزبير تسع او سبع سنين ما أخبرت فيها بخبر ولا استخبرت فيها عن خبر" وقالوا عنه انه كان يلزم قعر بيته ولا يقرب لهم جمعة  ولا جماعة حتى تنجلى لهم عما انجلت . ( ابن سعد 7/103).

4 / 2 : وبعضهم كان يحضر الى المساجد ويصلى ، ولكن يبتعد عن المشاكل ويجتنب ما يدور فيها من اجاديث سياسية او لغط قد يؤدي الى مشاكل مع الأمويين ، وتلك هى سياسية الحسن البصري الذى كان لا يفارق مسجد البصرة ، يقوم الناس ويحضر حلقة علمه الكثيرون مع محافظته على عدم التورط فيما يدينه امام الحجاج. وقد قال الحسن البصري " احترسوا من الناس بسوء الظن " ( تاريخ ابن سعد 7/125) وهى نصيحة ثمينة مريرة لأتباعه ، حيث كانوا جواسيس الأمويون ينتشرون حوله فلابد من سوء الظن بالجميع . وهى الحالة العقلية التى تأسست عليها العلاقات الاجتماعية فى الدول الاستبدادية البوليسية والتى لا يزال فيها المحمديون اليوم . وكان على منهج الحسن البصري كثيرون من اتباعه ، منهم من قال ( جالست الحسن البصري اثني عشر سنة اصلى معه الصبح ثلاث سنين) ( تاريخ ابن سعد 7/2/1).

4 / 3 :وتفنن بعضهم فى الجمع بين العزلة والصلاة ، ومنهم ثابت البناني وكان عابدا مشهورا ، من أقاويله ( لا يكون العابد عابدا وان كان فيه خصلة من كل خير حتى يكون فيه هاتان الخصلتان : الصلاة و الصوم) . ونحن نشكر له انه لم يحول هذه المقالة الى حديث منسوب للنبي كما كان يفعل غيره . وثابت البناني الذى مات فى ولاية خالد القسري على العراق : ( كان كلما مر بمسجد دخل فصلى فيه ) ( ابن سعد 7/2/3) حتى يتجنب ارتباطه وبعضهم مثل ( صفوان ) سجن نفسه فى سرداب فى بيته معتكفا الناس ولكنه كان يخرج من هذا السرداب فى اوقات الصلاة فقط ( طبقات ابن سعد 7/107) ويعود الى سردابه. وقد دخل صفوان المسجد مرة فرأى قوما يتخاصمون فيه ، فقام عنهم وقال ( انما انتم حرب) ( طبقات ابن سعد 7/107 : 108).

4 / 4 : وحاول بعضهم ان يبرر موقفه هذا دينيا عن طريق الوحي .. وهو ان لم ينسبه حديثا للنبي محمد عليه السلام ، فقد جعله مناما صاغه بطريقة مؤثرة مقنعة ، قال ميمون ابن شياه "تذاكروا عندي رجلا من هؤلاء السلاطين فوقعوا فيه ، ولم اذكر منه خيرا ولا شرا . فانقلبت الى بيتي فرقدت فرأيت فيما يرى النائم كأن بين يدي جيفة زنجي ميت منتفخ منتن ، وكأن قائما على رأسي يقول : كُل ، قلت : يا عبد الله ، ولماذا آكل ؟ قال : بما اغتبت عندك فلان . قلت : ما ذكرت منه خيرا ولا شرا . فقال لى ولكنك استمعت ورضيت " (تاريخ ابن سعد 7/111). وبالطبع فهذا المنام متأثر بقوله جل وعلا ( وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ﴿١٢﴾ ) الحجرات ). وقد أجاد الصياغة فى استخدامه التنفير من حضور الاجتماعات السياسية فى المساجد والتى كانت تتخذ ضد الأمويين. ولكن نرى فيه تعصبا مقيتا ضد الأفارقة ، وهذا لا يليق بالمسلم لأنه تجاهل الآية التالية : (ي َا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ الحجرات ) وقوله جل وعلا : (  وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ﴿٢٢﴾ الروم ).

4 / 5 : وقد كانت مشكلة ابى العالية الرياحي مع الحجاج ، هل يصلى معه او يترك الصلاة خلفه ؟  وهل يقبل الله تعالى صلاته تلك او تلك ،  يقول الرياحي انه صلى آخر جمعة خلف الحجاج ، ومات الحجاج بعدها . يقول عن تلك الصلاة الأخيرة " فعماه الله عني" ويقول " وقد صليت خلفه حتى خفت الله ، ولقد تركت الصلاة خلفه حتى لقد خفت الله" ( ابن سعد 7/83). وهي مشكلة حقيقية ان يكون الحاكم الظالم حاضرا فى قلب المؤمن الذى يصلى الى هذه الدرجة . لذلك لا نتعجب من مقالة عبد الله بن سعد من متأخرى الصحابة ، وقد عاش فى مصر وكان بيته قريبا من مسجد الفسطاط الا انه كان لا يصلي فيه الا الصلوات الخمس المكتوبة فقط ، ويقول "لأن اصلى فى بيتي أحب الى من أن أصلى فى المسجد الا ان تكون صلاة مكتوبة" ( ابن سعد 7/2/193).

5 ـ وكان ابن عون المتوفى سنة 151 هـ قد ادرك الدولتين الأموية والعباسية ، اى شهد سقوط دولة وقيام اخرى معادية لها، وهي اصعب الفترات السياسية فى النظم الاستبدادية ، الا انه عاش فى امن وسلام لأنه تصالح مع الدولة الأموية. يقول عنه ابن سعد ( كان لا يبكر الى الجمعة ذلك التبكير الذى يعرف ولا يؤخرها ، وكان أحب الأمور اليه اوسطها والاختلاط بالجماعة. وكان يغتسل الجمعة والعيدين ويتطيب للجمعة والعيدين ، ويرى ذلك سُنّة. وكان يلبس فى الجمعة والعيدين انظف ثيابه ، وكان يأتي يوم الجمعة ماشيا او راكبا . ولا يقيم بعد صلاة الجمعة . وكان فى شهر رمضان لا يزيد على المكتوبة فى الجماعة ، ثم يخلو فى بيته . وكان ربما امّنا ابن عون ، وربما قدم بعض بنيه ، وكان يصلى بأصحابه المغرب و العشاء ، وكان له مسجد فى داره يصلى فيها الصلوات كلها ومن حضر من اخوانه وولده . وكان له مؤذن مولى يقال له زيد . ويقيم مؤذنه مثنى ، ويقيم وترا وترا " (ابن سعد 7/2/26).

 أخيرا

تطور الأمر فى العصر العباسى فتحولت العزلة الى طقس دينى عند الزهاد ، ثم عند الصوفية تأثرا بالرهبان فى أديرتهم ، والتفاصيل فى كتاباتنا فى موسوعة التصوف المملوكى.

الفصل الثامن : تحريف التواتر فى الأذان للصلاة

 مقدمة : بين التواتر الالهى والتواتر الشيطانى فى الأذان

1 ـ   التواتر الالهى فى الأذان للصلاة أن يبدأ بتكبير الله تعالى (الله أكبر) الذى يؤكد أنه لا اله الا الله .وبعد ( الله أكبر ) تأتى تؤكدها شهادة الإسلام الواحدة ( لا اله إلا الله) ،ثم الدعوة للصلاة (حىّ على الصلاة ) التى يجب أن تقام لذكر الله وحده وتقديسه وحده وتعظيمه وحده والتسبيح بحمده وحده ، فذلك هو محتوى ومضمون الصلاة لله جل وعلا رب العالمين هو قوله جل وعلا :(إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) ( طه 14)  . والذى يقيم هذه الصلاة فى قلبه خشوعا وهو يصلى ، ثم يقيمها فى سلوكه سموا فى الخلق يستحق الفلاح ، لذا يقال فى الأذان ( حىّ على الفلاح ) أى دعوة للفلاح ليكون المؤمن ضمن المؤمنين المفلحين الذين وردت صفاتهم فى مطلع سورة ( المؤمنون )،ويختتم الأذان باعادة التكبير(الله أكبر ) للتأكيد على نفس المعنى ، وأنه لا إله إلا الله.  تلك هى صيغة الأذان الشرعية التى تتناسب مع النداء الاسلامى ( الله أكبر) التى تعنى أن الله تعالى (أكبر) لأنه الخالق وحده ،وأنه أكبر من أن يوضع الى جانب اسمه الكريم أى إسم لأى مخلوق من مخلوقاته ، لأن  ماعداه من مخلوقات هى بالنسبة إليه (أصغر) ويحرم أن يذكر (الأصغر ) إلى جانب (الأكبر ) سبحانه وتعالى . هذا ما كان عليه النداء للصلاة فى ملة ابراهيم طبقا لوحدة الدين الالهى شرعا ووحيا وإقامة للدين . وفى حياة النبى عليه السلام . لم يكن فيه ذكر لغير الله جل وعلا ، ولم يكن إسمه عليه السلام يرتفع فى الأذان وفى الدعاء للصلاة .هنا تجديد التواتر الالهى فى الأذان . هذا هو التواتر الالهى فى الأذان .

2 ـ التواتر الشيطانى جاء مخالفا فى الأذان للصلاة لتواتر ملة ابراهيم فى الأذان ، لذا إعترض عليهم خاتم النبيين فكادوا يفتكون به ، قال جل وعلا : (  وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّـهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا ﴿١٨﴾ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّـهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴿١٩﴾ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴿٢٠﴾ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴿٢١﴾ الجن ).

 ونعطى بعض تفصيلات للتواتر الشيطانى فى تحريف الأذان    

ثانيا : تغيير فى صيغة الأذان فى العصر العباسى

1 ـ ضمن لاستغلال السياسى للمسجد وصلاة الجمعة وخطبتها تحولت المساجد الى مساجد شيطانية ، وتأثر الأذان بهذا التحول فأصبح ضمن عباراته ذكر الخليفة ، وساد هذا فى العصر العباسى الذى شهد تدوين التاريخ وشعائر الأديان الأرضية والثقافة السائدة ، منها تدوين التأريخ للعصر الأموى وما سبقه بأثر رجعى . ولأن الدولة العباسية كانت كهنوتا دينيا صريحا فقد جرى تشريع هذا كله بأحاديث مصنوعة وسيرة مصنوعة للنبى تتناقض مع القرآن الكريم .

2 ـ وشهد العصر العباسى أيضا صراعا سياسيا وحربيا ودينيا بين الشيعة والعباسيين السنيين ، وإنعكس هذا على نواح كثيرة منها الأذان ، بل إن الشيعة أقاموا الدولة الفاطمية وطبقوا فيها شعائرهم ومنها يخص الأذان ، وحتى فى خلال الدولة الفاطمية تعرض الأذان لتقلبات فى خلافة الخليفة الفاطمى الحاكم ، وبعد سقوطها عادت شعائر الدين السنى فى مصر وما كان تابعا للدولة الفاطمية من قبل. ثم ساد التصوف السنى بديلا عن السُّنّة الحنبلية المتشددة والتصوف المتطرف ومعاديا شديد العداء للتشيع والتصوف الشيعى ، وتأثر الأذان بهذا التحول ، خصوصا مع غرام الصوفية بالرقص والغناء ، فأصبح الأذان انشودة سمجة ..وربما لا يزال .

 3 ـ استحدث العباسيون السلام على الخليفة العباسى فى الأذان للصلاة ، ثم تابعهم الفاطميون فيما بعد . وحتى يتم تبرير هذا فقد أضاف العباسيون السلام على النبى محمد والخلفاء بعده ، وتولت مصانع الأحاديث وصناعة الروايات التاريخية افتراء أحاديث وروايات تسوغ هذا التلاعب بالأذان للصلاة .وقام بذلك الواقدى ( 130 : 207 ) ثم كاتبه ( محمد بن سعد : ( 168 : 230 ) ( كاتب الواقدى )

4 ـ الواقدي شيخ المؤرخين كان متصلا بالبرامكة وتولى القضاء للخليفة الرشيد ومن عملاء العباسيين  شأن كاتب السيرة محمد بن إسحاق ( 85 : 152 ) من قبل ، وهو من أوائل المؤرخين فى التاريخ العام . وقد زعم الواقدى أن بلال كان يقف على باب النبى يؤذن : ( فيقول‏:‏ السلام عليك يا رسول الله وربما قال‏:‏ السلام عليك بأبي أنتوأمي يا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة السلام عليك يا رسول الله‏.‏) . وينقل المقريزى عن مؤرخى العصر العباسى فى ( الخطط ) أن بلال ( كان يقول السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا رسول الله ، فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه الخلافة كان سعد القرظ يقول السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يا خليفة رسول الله‏.‏ فلما استخلف عمر رضي الله عنه كان سعد يقف على بابه فيقول السلام عليك يا خليفة خليفة رسول الله ورحمة الله حي على الصلاة حي على الصلاة يا خليفة خليفة رسول الله .. .‏ ثم إن عمر رضي الله عنه أمر المؤذن فزاد فيها رحمك الله‏.‏ ويقال أن عثمان رضي الله عنه زادها . ) ترتب على هذا كما يقول المقريزى تشريع إضافة إسم الخليفة بل والأمراء فى الأذان ، قال : ( وما زال المؤذنون إذا أذنوا سلموا على الخلفاء وأمراء الأعمال ثم يقيمون الصلاة بعد السلام ، فيخرج الخليفة أو الأمير فيصلى بالناس .هكذا كان العمل مدة أيام بني أمية ثم مدة بني العباس أيام كانت الخلفاء وأمراء الأعمال تصلي بالناس‏.‏ ) .أى اصبح الأذان حفل تكريم للخليفة والأمراء .

5 ـ وإحتل عمر بن عبدالعزيز مكانة هامة فنسب محمد بن إسحاق هذا الخبر عمّن اسماه ( محمد بن عمارة ) روى إنه قال : ( كنا نؤذن عمر بن عبدالعزيز فى داره للصلاة ، فنقول السلام عليك يا أيها الأمير ورحمة الله وبركاته ، حى على الصلاة ، حى على الفلاح ، الصلاة رحمك الله " وفى الناس الفقهاء لا ينكرون ذلك " ( ابن سعد 5 ، 246 ) . المهم قوله أن الفقهاء لا ينكرون ذلك . وهذا للرد على أى معترض فى العصر العباسى . وفى رواية أخرى يقول ابن سعد أن مؤذن الخليفة عمر بن عبدالعزيز يسلم على بابه : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله ، حى على الصلاة يرحمك الله . ) ( ابن سعد 5 ، 264 )

6 ـ على أن المقريزى ينقل خبرا يناقض هذا وهو أن الأذان فى مصر فى ولاية عمرو بن العاص كان ( لا إله إلا الله ) فقط . ينقل الآتى : (قال أبو الخير‏:‏ حدثني أبو مسلم وكان مؤذنًا لعمرو بن العاص أنالأذان كان أوله لاإله إلا الله وآخره لاإله إلا الله، وكان أبو مسلم يوصي بذلك حتى مات ). إنتهى هذا فى الدولة العباسية ، واصبحت شهادة الاسلام شهادتين وتأسس تقديس النبى محمد وجعلوه إلاها وشريكا لرب العزة جل وعلا فى الشهادة وفى الصلاة ( التحيات ) وصلاة السُّنّة وفى الأذان وفى الحج الى الى المسجد الرجسى المنسوب له ظلما وعدوانا.

ثالثا : الفاطميون والصراع الشيعى السنى 

1 ـ  ثم حدث أول تغيير مشهور فى الأذان فى الدولة الفاطمية الشيعية التى أنشأت القاهرة و الجامع الأزهر، يقول المقريزى عن الابتداع الشيعى الفاطمى : (إلى أن قدم القائد جوهر بجيوش المعز لدين الله وبني القاهرة ، فلما كان في يوم الجمعة الثامن من جمادي الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة صلى القائد جوهر الجمعة في جامع أحمد بن طولون ..وأذن المؤذن : " حي على خير العمل " ،  وهو أول ما أذن به بمصر ... فلم يزل الأمر على ذلك طول مدةالخلفاء الفاطميين) .

2 ـ  ولكن الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله المشهور بتقلبه و حماقاته وإدّعائه الالوهية تلاعب أيضا بالأذان ، ينقل المقريزى (.. إلا أن الحاكم بأمر الله سنة أربعمائة أمر بجمع مؤذني القصروسائر الجوامع وحضر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي وقرأ أبو العباسي سجلًا فيهالأمر بترك حي على خير العمل في الأذان ، وأن يقال في صلاة الصبح "الصلاة خير من النوم"،وأن يكون ذلك من مؤذني القصر عند قولهم : السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله ، فامتثل لذلك‏.‏) أى أن قولهم ( الصلاة خير من النوم فى أذان الفجر من اختراعات الحاكم بأمر الله الفاطمى .!. ثم عاد الحاكم الأذان الشيعى لما كان عليه سنة 401 ، ينقل المقريزى : ( ثم عاد المؤذنون إلى قول "حي على خير العمل " في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعمائة.) .  ثم استحدث الحاكم تغييرات وزيادات أخرى عام  405 ، يقول المقريزى :( ومنع في سنة خمس وأربعمائة مؤذني جامع القاهرة ومؤذني القصر من قولهم بعد الأذان : "السلام على أمير المؤمنين "،  وأمرهم أن يقولوا بعد الأذان " الصلاة رحمك الله. ".!) . والمفهوم من هذا أن السلطان هو صاحب التشريع ، لا فارق بين خليفة سنى أو شيعى.

3 ـ وإمتد الصراع الشيعى السنى خارج مصر فوصل بغداد ، ونال الأذان منه نصيب ، ففى  سنة 448 انتصر السنة على الشيعة فى بغداد وتحكموا فى أحياء الشيعة فيها وفى مقابر قريش ومشهد العتيقة ومساجد الكرخ ،فأقيم الأذان بشعار السنة " الصلاة خير من النوم " وأزيل ما كان الشيعة يقولونه فى الأذان من " حى على خير العمل " وقلعوا جميع ما كان على أبواب الدور من " محمد وعلى خير البشر " . هذا ما ذكره ابن الجوزى فى تاريخ ( المنتظم 16 /  7 :8 ).

 4ـ  وجاء فى الدولة الحمدانية فى حلب  ابتداع جديد فى الأذان ، يقول المقريزى (وأول من قال في الأذان بالليل : " محمد وعلي خير البشر" ....ابن شكنبة ويقال أشكنبة وهو اسم أعجمي معناه الكرش ، وهو علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وكان أول تأذينة بذلك في أيام سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة‏.‏قاله الشريف محمد بن أسعد الجواني النسابة ، ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه : "حي على خير العمل" ، و" محمد وعلي خير البشر" إلى أيام نور الدين محمود‏.‏ فلما فتح  ( أى السلطان نورالدين زنكى ) المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية استدعى أبا الحسن عليبن الحسن بن محمد البلخي الحنفي إليها ،  فجاء ، ومعه جماعة من الفقهاء ، وألقي بها الدروس، فلما سمع الأذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان وقال لهم مروهم يؤذنون الأذان المشروع ومن امتنع كبوه على رأسه ، فصعدوا وفعلوا ما أمرهم به، واستمر الأمرعلى ذلك‏.‏ ). أى استطاع الشيعة تغيير الأذان فى الدولة الحمدانية ، وهى دولة عربية قبلية ( نسبة للقبيلة ) وكان هواها مع الشيعة ، فلما تغلب محمود نور الدين زنكى على حلب  تحت شعار مواجهة الصليبيين وارساء المذهب السّنى وحربه للتشيع أقام مدرسة الحلاوية السّنية واستقدم لها الفقهاء السنيين الذين أبطلوا الأذان الشيعى . أى أصبح الأذان للصلاة ميدانا للصراع السياسى بين الشيعة والسّنة

5 ـ  واسقط صلاح الدين الأيوبى الدولة الفاطمية وعاد بمصر الى معسكر السنة أو ( التصوف السنى ) . يقول المقريزى : ( وأما مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم ( الفاطميين ) إلى أن استبد السلطانصلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر وأزال الدولة الفاطمية في سنة سبع وستين وخمسمائة ، وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله ، فأبطل من الأذان قول حي على خير العمل ، وصار يؤذن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكة ، وفيه تربيع التكبير وترجيع الشهادتين ). اى جعل الشهادة شهادتين .!

رابعا : فى العصر المملوكى :

1ـ واستمر هذا طيلة الدولة الأيوبية ، ثم الى الدولة المملوكية التى عاش فيها المقريزى القائل : ( فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك (أى المماليك من سلاطين وأمراء ) المدارس بديار مصر ، وانتشر مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه في مصر ، فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنفية بأذان أهل الكوفة وتقام الصلاة أيضًاعلى رأيهم ، وما عدا ذلك فعلى ما قلنا . ) أى حدث اختلاف فى الأذان السّنى بين أذان مكة وأذان الكوفة .

2 ـ ثم جدّ ابتداع جديد فى الأذان فى العصر المملوكى بعدعام 760 ، أخترعه المحتسب صلاح الدين البرلسى، يقول عنه المقريزى : ( إلا أنه في ليلة الجمعة إذا فرغ المؤذنون من التأذين سلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو شىء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله بن عبد الله البرلسي بعد سنة ستين وسبعمائة .‏) أى أضاف هذا المحتسب الصلاة على النبى بعد الفراغ من الأذان ، وجعل ذلك فى ليالى الجمعة فقط .

3 ـ ثم تم تعميم هذا ليشمل كل أذان وليكون فى صلب الأذان وليس خاتمة له . وتم هذا عبر اكذوبة المنامات التى برع فيها شيوخ التصوف، وكان للتصوف سطوته فى العصر المملوكى ، وكان أولياؤه يتمتعون باعتقاد الناس فى خوارقهم وكراماتهم وعلمهم اللدنى ومناماتهم ، وكل الأكاذيب التى ينسبونها لأنفسهم ولأوليائهم. نستكمل ما قاله المقريزى : (. وهو شىء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله بن عبد الله البرلسي بعد سنة ستين وسبعمائة .....فسمع بعض الفقراء ( أى الصوفية ) الخلاطين ( مهاجرون لمصر من بلدة خلاط ) سلام المؤذنين على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة جمعة ، وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه ، فقال لهم : أتحبون أن يكون هذا السلام في كل أذان ؟ قالوا:  نعم . فبات تلك الليلة وأصبح متواجدًا ( أى أخذه الوجد والحال والجذب بزعمهم ) يزعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه ، وأنه ( أى النبى ) أمره أن يذهب إلى المحتسب فيبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أذان . فمضى ( ذلك الولى الصوفى أو الفقير الصوفى ) إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ ( نجم الدين محمد الطنبدي ). ويصف المقريزى هذا المحتسب نجم الدين الطنبدى بأسوأ الصفات ، يقول عنه: ( وكان شيخًا جهولًا ، وبلهانًا مهولًا ، سيءالسيرة في الحسبة والقضاء ، متهافتًا على الدرهم ولو قاده إلى البلاء ، لايحتشم من أخذ البراطيل والرشوة ، ولا يراعي في مؤمن إلّا ولا ذمة ، قد ضرى على الآثام ، وتجسد  ( أى تضخم جسده ) من أكل الحرام ، يرى أن العلم إرخاء العذبة ، ولبس الجبة ، ويحسب أن رضي الله سبحانه في ضرب العباد بالدرة وولاية الحسبة ،  لم تحمد الناس قط أياديه ، ولا شكرت أبدًا مساعيه ، بل جهالاته شائعة ، وقبائح أفعاله ذائعة ، أشخص غير مرة إلى مجلس المظالم ( أى حوكم كثيرا أمام مجلس المظالم ) وأوقف مع من أوقف للمحكمة بين يدي السلطان من أجل عيوب فوادح ، حقق فيها شكاته عليه القوادح ، وما زال في السيرة مذمومًا ، ومن العامة ملومًا.! ). وبعد هذا الهجاء المسجوع يذكر المقريزى أن ذلك الشيخ الصوفى ذهب للمحتسب وحكى له المنام قائلا ان النبى ( يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم : "الصلاة والسلام عليك يا رسول الله "، كما يفعل في ليالي الجمع، ) . ويقول المقريزى معلقا بعقيدته السنية : (فأعجب الجاهل ( أى المحتسب ) هذا القول ، وجهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بعد وفاته إلابما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته .) . واستمر هذا بعدئذ ، يقول المقريزى : ( فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة وتمت هذه البدعة واستمرت إلى يومنا هذا فيجميع ديار مصر وبلاد الشام ، وصارت العامة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذي لايحل تركه )

4 ـ ثم زادوا فى الأذان التسليم على الأولياء الصوفية الذين يؤمن بهم الناس ، قال المقريزى : ( وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلامبعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا . فلا حول ولا قوة إلا بالله . وإنا لله وأن إليه راجعون‏.‏ ). وإنتشر هذا فى الريف المصرى وغيره منذ العصر المملوكى وحتى الآن.

الفصل التاسع : تحريف التواتر الالهى فى التسبيح

اولا : فى التواتر الالهى الاسلامى

1 ـ التسبيح فى التواتر الاسلامى الالهى هو ذكر الله جل وعلا ، وهو فرض له مواقيته ويجب ان يكون بخفوت الصوت وتضرعا ، قال جل وعلا : (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ الاعراف  )، وهذا يشمل الدعاء الذى يجب أن يكون بتضرع وبخفوت صوت ، وإلا كان من يدعو ربه معتديا ، قال جل وعلا : (  ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿٥٥﴾ ( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّـهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٦﴾ الاعراف ) . وهذا هو التواتر الاسلامى والذى إتبعه النبى زكريا عليه إذ دعا ربه خاشعا بصوت خفى ، قال جل وعلا : (  ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴿٢﴾ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴿٣﴾ مريم  ) ، وقد إستجاب له ربه جل وعلا ، قال جل وعلا : (  وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴿٨٩﴾فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ) ووصفهم رب العزة جل وعلا بالمسارعة فى الخيرات والدعاء رغبا ورهبا والخشوع : ( ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴿٩٠﴾) الأنبياء ).

2 ـ والخشوع فى العبادة ـ ومنه الذكر والتسبيح ـ تمسك به المؤمنون من أهل الكتاب ، قال جل وعلا عنهم : (  وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّـهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّـهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٩٩﴾آل عمران).والتعبير عنهم بتأكيد الجملة الاسمية يفيد الثبوت والاستمرارية .

3 ـ ومن علامات الخشوع أن يرتجف قلب المؤمن عند ذكر إسم الله وإذا سمع تلاوة آيات الله ، فهذا مقياس الايمان الحق فى كل زمان ومكان ، قال جل وعلا : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾ ) الأنفال ) . وهؤلاء هو ( المخبتون ) قال عنهم جل وعلا : ( فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴿٣٤﴾ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣٥﴾ الحج ). وفى كل زمان ومكان يصف رب العزة جل وعلا أصحاب الجنة ، قال جل وعلا عنهم : ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّـهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿٣٥﴾ الاحزاب ).

ثانيا : إعلان التحريف للتسبيح فوق المآذن

1 ـ أصبحت المساجد مساجد ضرار تتبع البشر ، ليس فقط فى إطلاق إسماء البشر عليها بل أيضا فى إستخدامها لأغراض سياسية ، ثم فيما بعد لأغراض دينية بتسيد التصوف وإنتشار مؤسساته الدينية فى العصر المملكى ثم العثمانى.

2 ـ من المفترض أن التسبيح أن يكون لرب العزة جل وعلا ( سبحانه وتعالى وحده ) ، ولكنهم جعلوا التسبيح علنيا فوق المآذن ولخدمة أغراضهم السياسية . قال المقريزى عن التسبيح العلنى فوق المآذن : ( وأما التسبيح في الليل على المآذن فإنه لم يكن من فعل سلف الأمة ..) ويرى أن صلاح الدين الأيوبى هو أول من إبتدعه وجعل له غرضا سياسيا فى حرب التشيع ونشر دين التصوف السنى مكانه ، قال : ( ... فلما ولي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سلطنة مصر وولى القضاءصدر الدين عبد الملك بن درباس الهدباني الماراني الشافعي ، كان من رأيه ورأي السلطان اعتقاد مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري في الأصول ، فحمل الناس إلى اليوم على اعتقاده حتى يكفر من خالفه ، وتقدم الأمر إلى المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح على المآذن بالليل بذكر العقيدة التي تعرف بالرشدة فواظب المؤذنون على ذكرها في كل ليلة بسائر جوامع مصر والقاهرة إلى وقتنا هذا‏.‏ ) أى استمرت الى عصر المقريزى فى القرن التاسع الهجرى .

3 ـ وتأسست صورة إلاهية للنبى محمد ، وبجعله إلاها كان التسبيح بذكر مناقبه الالهية ومنها الشفاعة ، وخصصوا ما يسمى بالتذكير ،وبدأ هذا بالتدريج ، ننتبعه كالآتى :

3 / 1 :  يقول المقريزى : ( ومما أحدث أيضًا التذكير في يوم الجمعة من أثناء النهار بأنواع منالذكر على المآذن ليتهيأ الناس لصلاة الجمعة وكان ذلك بعد السبعمائة من سني الهجرة‏.‏ قال ابن كثير رحمه الله في يوم الجمعة سادس ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبعمائة رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مآذن الجامع الأموي ففعل ذلك‏.‏ ).

3 / 2 : ثم كان تصريحا مباشرا في سنة 782، يذكر ابن حجر وابن إياس : (أحدث السلام علي النبي عقب آذان العشاء ليلة الآذان الإثنين)  . (إنباء الغمر لابن حجر : جـ1/218، تاريخ ابن اياس جـ1/2/265.) .

3 / 3 : ثم تحول التسليم على النبى الى توسل بجاهه المزعوم صريحا بعد صلاة الصبح ، وأمر القاضي الشافعي بذلك ، وكان سببه اعتراض بعض تلامذة ابن تيمية على قصيدة صوفية تتوسل بالرسول. وكان ذلك سنة 874. ] انباء الغمر جـ1/290. ). ومعنى التوسل بغير الله في الآذان أن يجهر بعقيدة تخالف الإسلام، ثم يقولون  (الله أكبر) وهو تناقض لا يستسيغه إلا التصوف

 3 / 4 : ثم أضحى الآذان في أواخر القرن التاسع مجالاً خصباً للزيادة لكل من هب ودب.. يقول البقاعي في حوادث 880 (أحدث بعض أتباع الشيطان العاشقون في البدع أن يقال عقب آذان الصبح بصوت كصوت الآذان مع الاتصال به : يا دايم المعروف يا كثير الخير يا من لا ينقطع معروفه أبداً) وقد أبطل البقاعي ذلك في كل مئذنة له فيها تعلق كما يقول ((تاريخ البقاعى مخطوط ..حوادث سنة 880).

3 / 5  ثم إنتشر وصف النبي بعبارات إلهية ، (لطائف المنن للشعرانى 272 :273 الطبعة القديمة ) تمهيداً لأن يوصف الصوفية بتلك الصفات على المآذن، لذا بعدها كانوا يقولون فى الأذان تقديسا للسيد البدوى (السلام عليك يا سيدي أحمد يا بدوي ) وانتشرت المنامات وإشاعات الكرامات تحذر من ينكر على ذلك بانتقام أحمد  البدوي : (الحلبى النصيحة العلوية 37.مخطوط.  ).

ثالثا : تحويل الأذان ثم التسبيح الى أغنية

1 ـ ذكر ابن سعد فى طبقاته أن عمر بن عبد العزيز نهى عن التغنى بالأذان ، فكان يقول للمؤذن : ( أذّن آذانا سمحا ولا تغنه وإلا فاجلس فى بيتك ( ابن سعد 5 ، 282 ) ، والمفهوم من هذا أن المؤذن الذى تعرض لتأنيب عمر بن عبدالعزيز كان يجعل من الأذان أغنية فهدده بالطرد من العمل إن لم يؤذن بدون غناء .. وقد قال عمر بن عبدالعزيز لمؤذنه : ( أحدد الأقامة حدا ولا ترجع فيها ( ابن سعد 5 ، 264 ) أى قل الأذان بصيغة دعاء الناس للصلاة والقيام لها دون ترجيع مثل ترجيع الأغانى. أى وقف عمر بن عبد العزيز مبكرا ضد من يحوّل الأذان الى أغنية . وجدير بالذكر أن بعضهم كان يتندر على الأذان الاسلامى بأن يجعله أغنية ساخرا ، وكان هذا فى المدينة فى عصر النبى محمد عليه السلام فقال جل وعلا : (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴿٥٨﴾ المائدة  ) كان هؤلاء من كفرة أهل الكتاب ، وقريب منه ما قاله جل وعلا عن المنافقين فى إستهزائهم بالله جل وعلا وكتابه : (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّـهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿٦٥﴾لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿٦٦﴾ التوبة )

2 ـ تطور الأمر سياسيا فى العصر العباسى بأن أمر أبو كاليجار المسيطر على الخلافة العباسية عام 436 ( ضرب الطبل فى الصلوات الخمس ، ولم يكن الملوك يضرب لها الطبل ببغداد فبدأ عضد الدولة بأن ضربوا له في الأذان  ثلاث نوبات ، وجعلها كاليجار خمسا . ) هذا ما ذكره المؤرخ الحنبلى ابن الجوزى : ( المنتظم 15 ، 293 ) . أى تحول الأذان إلى حفلة تكريم للسلطان.

2 ـ وفى مصر الطولونية التابعة إسما للخلافة العباسية جاء تطور جديد قال عنه المقريزى : ( ثم إن الأمير أبا العباس أحمد بن طولون كان قد جعل في حجرة تقرب منه رجالًاتعرف بالمكبرين ، عدتهم اثنا عشر رجلًا يبيت في هذه الحجرة كل ليلة أربعة يجعلون الليل بينهم عقبا ، فكانوا يكبرون ويسبحون ويحمدون الله سبحانه في كل وقت ويقرأون القرآن بألحان ويتوسلون ويقولون قصائد زهية ويؤذنون في أوقات الأذان وجعل لهم أرزاقًا واسعة تجري عليهم‏.‏ ) يهمنا هنا أنهم كانوا يقرآون القرآن بالألحان الموسيقية ، وبالتالى يكون تكبيرهم وتسبيحهم وتحميدهم. وإستمر الأمر بعد ابن طولون ، قال المقريزى : ( فلما مات أحمد بن طولون وقام من بعده ابنه أبو الجيش خماروية أقرهم بحالهم وأجراهم على رسمهم مع أبيه ، ومن حينئذ اتخذ الناس قيام المؤذنين في الليل على المآذن وصار يعرف ذلك بالتسبيح‏.‏ ). هذه هى بداية ما يسمى بالتسبيح فى مآذن مصر ، وواضح إرتباطها بالموسيقى والألحان .

 3ـ قام الدين الصوفى على أساس الغناء والرقص تحت شعار ( الذكر ) و( الوجد ).وبهذا تحول دين التصوف الى دين حقيقى للهو واللعب . وبتسيد التصوف للعصر المملوكى انتشر التغنى بالقرآن بالألحان و(الجوقات ) و الآلات الموسيقية ، وزحف الغناء الى الأذان للصلاة مصطحبا معه ما شاع فى العصر المملوكى من شيوع للشذوذ الجنسى متأثرا أيضا (أى الشذوذ الجنسى ) برعاية التصوف . ونعطى بعض لمحات :

 3 / 1 ـ تطرف الصوفية فى تأدية شعائر التصوف أثارت حنق بعض الفقهاء فاحتجوا على ما يحدث ، ومنهم الفقيه المغربى الصوفى ابن الحاج العبدرى فى كتابه ( المدخل ) الذى خصّصه لنقد ما يحدث فى التدين المصرى فى عصره  فى القرن الثامن الهجرى . يقول ابن الحاج"وكان الغالب فى صفة الإمام في قيام رمضان أن يكون حسن الصوت"[1].. وعن طريق الصوت الحسن تتحول الصلاة في رمضان إلى لهو .

3 / 2 : وعكست وثائق الوقف ذلك فكانت تشترط في قراء القرآن في المؤسسات الصوفية أن يكونوا حسنى الصوت :

3 / 2 / 1 : في وثيقة وقف برسباي "ويصرف الأربعة نفر حسنى الصوات يجلسون مع الصوفية ويقرءون ما شرط على كل من الصوفية "و"يصرف لخمس جوق كل جوقة ثلاث نفرمن حفاظ القرآن العظيم تقرأ كل جوقة بعد كل صلاة جزبين من القرآن العظيم على العادة ألف درهم "[2].أى جعل قارئى القرآن " جوقاً "والجوقة هم مجموعة مطربين .

3 / 2 / 2   ـ وفي وثيقة وقف قراقجا الحسني " يصرف لخمسة عشر نفراً من حملة  كتاب  الله العزيزعن ظهر قلب بالسوية بينهم ..على أن يكونوا خمسة جوق لكل جوقة منهم  مائتا درهم ،على أن تقرأ جوقه منهم بعد صلاة الصبح بالجامع المذكور حزباً واحداً من تجزئة ستين حزباً من القرآن العظيم .. ويجتمعون قراءتهم بالصلاة على النبى (ص) ويدعون أحسنهم صوتاً"[3].

3 / 2/ 3 ـ  وفي وثيقة وقف الغورى "تصرف لرجل من أهل العلم الشريف حافظاً لكتاب الله.. مشهور بالخير والدين حسن الصوت"واشترطت ذلك للخطيب والمؤذن " وعند القراءة والدعاء للواقف يتولى ذلك "من يكون أحسنهم صوتاً وأطربهم نغمة"[4].

4 ـ  ولاحظ ابن بطوطة في رحلته أن المصريين في القرافة "يرتبون القرآن ،يقرءون القرآن ليلاً ونهاراً بالأصوات الحسان"[5].

5 ـ ونفس الشرط اشترطته حجج الوقوف للمؤذن والإمام في الصلاة :

5 / 1 : في وثيقة قراقجا الحسنى "يصرف لتسعة نفر من المؤذنين حسان الأصوات على أن يكونوا ثلاث جوق"[6].

5 / 2 : وفي حجة قايتباى "ويصرف لتسعة نفر رجالاً مؤذنين.. يكون كل منهم حسن الصوت وفي ليلة الجمعة ينشد أحسنهم صوتاً ما تيسر له من مدح النبى عند آذان الفجر "[7].

5 / 3 : وفي حجة برسباى"..فيصرف لستة مؤذنين حسنى الأصوات مبلغ ألف درهم.."[8].وفي حجة مغلطاى الجمالى"ويرتب معه قارئ ميعاد حسن الصوت من حملة الفقرا العشرة المذكورين .. ويرتب بها أيضاً مؤذنين حسنى الصوت عارفين بالمواقيت"[9].

5 / 4 : وكان المؤذنون ينشدون القصائد والمواعظ والسحريات والفجريات. وتكاد تجمع وثائق الوقف على اشتراط كون المؤذن حسن الصوت ( 10 )

6 ـ. وبعضهم كان أمرد مخنثا في عصر انتشر فيه الشذوذ الجنسى.وقد احتج على هذا الوضع الفقيه ابن الحاج يقول"ما أحدثوه من صعود الشبان على المنابر للآذان  ولهم أصوات حسنة  ونغمات تشبه الغناء "فيرفعون عقيرتهم بذلك ،فكل من له غرض خسيس يصدر منه في وقت سماعه مالا ينبغى ،وقد يكون ذلك سبباً إلى تعلق قلب من لا خير فيه بالشاب الذى يسمعونه ، ويترتب على ذلك من الفتن أشياء لا تنحصر"[11]. أى صار النداء الإسلامى للصلاة " الله أكبر" نداء للفتنة والشذوذ الجنسى.

7 ـ  واشتهر بعض المؤذنين في مجال الغناء والطرب .منهم نجم الدين الصوفي ت731 ، وكان رئيس المؤذنين بجامع الحاكم "وكان بارعاً في فنه له أوضاع عجيبة وآلات غريبة"[12]. وكان المازونى ت 862  "أحد الأفراد في إنشاد القصيد وعمل السماع،وكان من عجائب الدنيا في فنونه، كان صوته كاملاً.. مع شجاوة ونداوة وحلاوة،وكان رأساً في إنشاء القصيد على الضروب والممدود.. وكان له تسبيح هائل على المآذن.. وكان يشارك فى الموسيقى ويعظ في عقود الأنكحة"[13].    وكان البدر الفيشى ت879 "أمام المؤيدية " قد "أتقن القراءات،وازدحم العامة علي سماعه ،حصوصاً في ليالى رمضان"[14].وكان المحلاوى مؤذن السلطان الغورى"وكان حسن الصوت مطبوعاً في فنه"[15]..  ويقول ابن خلدون فى مقدمته (والظاهر تنزيه القرآن عن هذا كله..لأن القرآن محل الخشوع بذكر الموت وما بعده وليس مقام التذاذ بإدراك الحسن من الأصوات[16].. وفى العصر الحديث كتب توفيق الحكيم معترضا على التسابيح الملحقة بالأذان والتى تتغزل فى النبى محمد عليه السلام وتصفه بصفات انثوية ، كقولهم يا كحيل العينين يا أحمر الخدين .!!  

(1 )  المدخل جـ / 86 .

[2]حجة وقف برسباى نشر أحمد دراج ص3

[3]وثيقة قراقجا الحسنى . ص 210 . نشر عبداللطيف ابراهيم ، سطر 126 ، 131 . دوريات جامعة القاهرة

[4]وثيقة وقف الغورى : 43 ، 44 نشر عبداللطيف ابراهيم .

[5] رحلة ابن بطوطه جـ 1 / 21 .

[6]وثيقة قراقجا الحسنى . ص 208 سطر 114 .نشر عبداللطيف ابراهيم .  دوريات جامعة القاهرة .

[7] حجة قايتباى ص65 .

[8] حجة برسباى 2 .

[9]حجة مغلطاى الجمالى .

[10]محمد أمين : الأوقاف 234 ، عبداللطيف ابراهيم دوريات القاهرة 241 .

[11] المدخل جـ 2 / 67 .

[12]تاريخ ابن الوردى جـ 2 / 295 .

[13]النجوم الزاهرة جـ 16 / 192 : 193 .

[14]الضوء اللامع جـ 3 / 117 .

[15] تاريخ ابن اياس جـ 4 / 218 .

[16]مقدمة ابن خلدون 425 ، 426 .

الفصل العاشر : التواتر الشيطانى فى صلاة الجمعة فى لمحة تاريخية

مقدمة

يوم الجمعة أهم أيام الأسبوع عند العرب قبل نزول القرآن وبعد نزولة وبه ارتبطت صلاة الجمعة وعندما انفض بعض المؤمنين من حول الرسول وهو يخطب خطبة الجمعة ، نزل القرآن ليعاتبهم وليس ليشرع صلاة جديدة . ونبدأ بتتبع المكتوب فى الطبقات الكبرى لابن سعد عما كانوا يفعلونه فى صلاة الجمعة .

أولا : لمحات من الطبقات الكبرى لابن سعد

عن القدوم لصلاة الجمعة

يذكر ابن سعد أن " عسيب " مولى النبى محمد – أى خادمه – كان يقول : من كان منكم صحيحا يقدر على المشى إلى الجمعة فلا يدعها ، فإنها فريضة كفريضة الحج " ( ابن سعد 7 ، 42 ) ، وكان كبار الصحابة يحرصون على حضور صلاة الجمعة مبكرا وفى أخر جمعة شهدها الخليفة الأموى سليمان بن عبدالملك لبس ثيابا خضرا من حرير ونظر فى المرآة ، فقال : أنا والله الملك الشاب ، فخرج الى الصلاة ليصلى بالناس الجمعة ، فلم يرجع حتى أصابه المرض ومات (ابن سعد 5/247).

وقت صلاة الجمعة:

عبد الله السلمي صلى خلف النبي محمد الجمعة ، فكانت خطبة النبي وصلاة قبل نصف النهار وصلى خلف عمر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار وصلى خلف عثمان ، فكانت خطبته وصلاته قبل الزوال (ابن سعد 7/2/150) أى أن عثمان بن عفان – طبقا لهذه الرواية- بدأ بتأخير صلاة الجمعة ، وهو ما سار عليه أقاربه الأمويون فى دولتهم .

على اى حال فقد كان اهل الورع – او القرّاء فى مصطلح العصر الأول- يبكرون الى الصلاة الجمعة اذا طلعت الشمس (ابن سعد 5/135) وكان منهم ابن نوفل الهاشمى مغيره من قراء قريش.

هيئة صلاة الجمعة :

قيل عن الأخنف بن قيس زعيم بنى تميم انه كان يكره ان يتخطى رقاب الناس قبل خروج الامام يوم الجمعة (ابن سعد 7/67) ومعناه ان صفوف المصلين فى المسجد كانت تتكاثر فى وقت مبكر بحيث ان زعيم قبائل بني تميم لا يستطيع الوصول الى الصف الأول الذى يليق بمقامه الا اذا تخطى الصفوف ، وهو ما يكره ان يفعله.

والخليفة الورع عمرو بن عبد العزيز اشتهر باصطحاب عصا معه فى صلاة الجمعة ، حيث كان يخطب ويقوم الناس  "وكان اذا قعد للتشهد فى صلاة الجمعة وعرض تلك العصا على فخذه حتى يسلم" (ابن سعد 5/266) وكان اذا صلى الجمعة أمر بعض الحرس أن يقوموا على ابوب المسجد ، ولا يمر عليهم رجل قد صفف شعره الا جزوه له (ابن سعد 5/282) اى كان يعتبر تصفيف شهر الرجال مكروها.

 عن خطبة الجمعة :

1 ـ التزم عمار ابن ياسر بقراءة القرآن فى خطبة الجمعة ، قال ابن سعد أنه كان اذا خطب الجمعة قرأ سورة (ياسين) على المنبر . وقد كان عمار واليا على الكوفة فى خلافة عمر بن الخطاب (ابن سعد 3/1/182). ولأن الخطبة بمجرد قراءة لاحدى السور فقد كان وقت صلاة الجمعة قليلا ، وقد قال عمار بن ياسر "نهانا رسول الله ان نطيل الخطب فى الجمعة" (ابن سعد 6/149).

2 ـ وهناك رواية متكاملة عن عمر بن عبد العزيز فى خطبته للجمعة ، يقول ابن المهاجر : "رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب يوم الجمعة خطبتين ويجلس ويسكت فيها ثلاثة ، يخطب الأولى جالسا وبيده عصا وقد عرضها على فخذيه ، يزعمون انها عصا رسول الله ، فإذا فرغ من خطبته الأولى وسكت سكتة قام فخطب الثانية، يتوكأ عليها .. فإذا دخل فى الصلاة وضعها الى جانبه " (ابن سعد 5/266) وواضح هنا التركيز على العصا ، ولكن نفهم انه كان يخطب خطبتين قبل الصلاة.

الانصات للخطيب

1 ـ ومن الواجب شرعا الانصات للخطبة طالما انها مجرد قراءة لأحدى سور القرآن . فالله تعالى يقول "وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٢٠٤﴾  الاعراف )، ولكن عندما تحولت الخطبة الى دعاية سياسية او منشور سياسي لخدمة الحاكم الأموي وغيره كان لابد من تشاغل بعض الناس عن سماع ما يكرهون ، وهكذا كانت همسات التبرم وعبارات الاحتجاج تنتشر. لذا روى ابن سعد ان عبد الرحمن بن ابي ليلى قال لبعضهم : اسكت فى الجمعة ،  يعني والامام يخطب (تاريخ ابن سعد 6/75) . وفيما بعد صنعوا حديثا يقول "اذا قلت لصاحبك والامام يخطب يوم الجمعة انصت فقد لغوت " وقالوا : " ومن لغا فلا جمعة له " يعني لابد من الانتباه والانصات للمنشور السياسي الذى يقوله خطيب الحكومة، والا فلا جمعة له . وهذا إلزام بالاستماع والانصات الى المنشور السياسى فيما يسمى بخطبة الجمعة . 

ثانيا : تمام السيطرة على صلاة الجمعة من العصر العباسى

1 ـ لم يقتصر هذا على الشأن السياسى فقط بل خضعت صلاة الجمعة لمزاج الخليفة وأهوائه حتى إرادة التلاعب والمجون. الخليفة المأمون العباسى المشهور بعقليته المتفتّحة وثقافته وزعمه أنه حليم أراد ان يتسلى بصديقه المؤرخ الواقدي ، وكان محمد بن سعد يعمل كاتبا للواقدى .. صمم المأمون على ان يؤم الواقدي الناس فى الجمعة وأن يخطب فيهم ، وصمم الواقدي على الرفض لأنه لا يحفظ سورة الجمعة ، وكان من العادة قراءتها فى الصلاة .. فحاولوا معه ان يحفظ سورة الجمعة فما استطاع حفظها (المنتظم 10/171).

2 ـ وفى العصر العباسي المتأخر اشتهر احمد بن محمد حفيد الخليفة العباسي المهتدي بالله بأنه خطيب فى أكبر جامع فى بغداد وهو جامع المنصور . وقد ظل يخطب فيه خطبة واحدة لا يغيرها من سنة 386 الى ان مات سنة 418 . الظريف انها خطبة واحدة لا تتغير ، ولكن كان الناس اذا سمعوها يضجون بالبكاء ويخشعون لصوته (المنتظم 15 /185).

3 ـ ولخضوعها للسياسة فقد صارت خطبة الجمعة وظيفة ، وصارت كتابة خطب الجمعة من أبواب الارتزاق، وبعضهم كان يكتب خطبة الجمعة لنفسه او لغيره ، ومنهم المسند الصايغ المقري (636- 725) وبعد الانتهاء من صلاة الجمعة كان بعضهم يستمر فى الصلاة الى ان يحل وقت العصر وكان منهم ابو بكر بن عباس (6 /269) الذى كان يصلي يوم الجمعة من حين يسلم الامام الى العصر وكان كذلك اربعين عاما.

4 ـ وفى العصر العباسى الثانى تحولت المساجد فى العراق الى مراكز ايدلوجية من السنة الى التشيع ، وكان لها دور فى الاقتتال الطائفى بينهما. وحاليا عادت المساجد الى نفس الدور ، بل أصبحت مراكز حربية ومستهدفة من الخصم ، يتم تفجيرها . أى ليس فقط تمجيد وتقديس السلطان فى خطبة الجمعة ، وليس فقط رواية أكاذيب ( أحاديث ) مفتراة تنشر الإفك على أنه إسلام تُضل الناس ، بل أيضا مشاركة قائدة ورائدة فى الاقتتال وسفك الدماء ، ينتج عنها تفجيرات يقع ضحايا أبرياء .

ثالثا : الاستخدام السياسى لصلاة الجمعة

    1  :  أصبحت وظيفة المسجد خدمة السلطان القائم ، فالوليد بن عبد الملك أسّس ( المسجد الأموى ) وعمرو بن العاص أسّس فى الفسطاط مسجده ، وحين دخلت مصر فى حكم بنى العباس اسسوا مدينة العسكر ومسجدها ، وحين تولى احمد بن طولون مصر وخطّط للإستقلال بها اسس مدينة القطائع ومسجدها ( مسجد أحمد بن طولون ) ، وأسس الفاطميون جامع الأزهر ثم جامع الحاكم وجامع راشدة ، والظاهر بيبرس الذى قام بتوطيد حكم المماليك أسس جامع ( الظاهر بيبرس ) وكان السلاطين والأمراء المماليك مغرمين بإنشاء المساجد والمؤسسات الدينية الصوفية لأغراض سياسية وغيرها ، وحتى عندما إنفرد ( محمد على ) بحكم مصر أسس جامع ( محمد على ).

2 ـ أهمية المسجد هنا بسبب صلاة الجمعة التى أصبحت خطبة الجمعة فيها مناسبة اسبوعية لتجديد الولاء للخليفة أو السلطان القائم. واصبح من المتواتر أن يقال عن الخليفة أو السلطان انه (خُطب له فى بلاد كذا وكذا ) أى خطبوا الجمعة له وبإسمه أى خضعوا له ودخلوا تحت حكمه . وأصبح من المعالم السياسية فى العصور الوسطى مدح وتبجيل خطبة الجمعة للسلطان القائم كنوع من البيعة الاسبوعية له. وهذا خبر طريف يرويه المقريزى فى ( الخطط ) أن ابن طولون أنشأ مسجده المشهور مع إنشائه عاصمته (القطائع ) بجوار الفسطاط والعسكر . وحدث فى خطبة الجمعة أن الخطيب أبا يعقوب البلخى دعا فى خطبته للخليفة العباسى المعتمد وابنه ونسى أن يدعو لابن طولون ، ونزل من على المنبر ، فأشار ابن طولون الى قائده نسيم أن يضرب الخطيب خمسمائة سوط ، ولكن تذكر الخطيب سهوه فعاد الى المنبر وقال ( الحمد لله وصلى الله على محمد : " ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما "، اللهم وأصلح الأمير أبا العباس أحمد بن طولون ..وزاد فى الشكر والدعاء له بقدر الخطبة ..فنظر ابن طولون الى نسيم وقال : اجهلها له دنانير ". وأصبح قطع الدعاء لحكم ما دليلا على الثورة عليه والتمرد على سلطته ، فطالما يبجلونه فى خطبة الجمعة فهم له خاضعون . وبتوالى القرون على هذا التقليد ساد فى العصر المملوكى التشاؤم من مجىء عيد الفطر أو عيد الأضحى يوم جمعة ، لأن هذا يعنى وجود خطبتين فى يوم واحد ، إحداهما فى صلاة العيد والأخرى فى صلاة الجمعة مما تكون نذير شؤم على السلطان تشير الى قرب عزله ومجىء سلطان آخر. لذا كان يحدث كثيرا عدم اعتراف فقهاء السلطان بهلال شوال أو هلال ذى الحجة لو أدى ذلك الى مجىء العيد فى يوم جمعة .

2 ـ وتألق الاستخدام السياسى لصلاة الجمعة فى العصر الفاطمى . ربما تختلف الدولة الفاطمية عن غيرها من الدول في ارتباط ضعفها وقوتها بالعقيدة الشيعية التي قامت على أساسها الدولة , فالعقيدة الشيعية الإسماعيلية تبتعد بالإمام أوالخليفة الفاطمي عن صفات البشر بقدر ما تقترب من صفات الإله. والخليفة الفاطمي يطالب رعاياه بأكثر مما يطالبهم به الحاكم العادي، فالمستبد العادي لا يطلب من رعاياه أكثر من السمع والطاعة أما الخليفة الفاطمي فيطالب مع الولاء أن يعتبره الناس إماما معصوما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وذلك مجرد مظهر من مظاهر الإمام الشيعي في العقيدة الإسماعيلية ومطلوب من الرعية أن تؤمن بهذا, ولتحقيق هذا الهدف كانت للدولة الفاطمية مؤسساتها العلنية في نشر الدعوة الشيعية كالأزهر وجهاز للدعاية الشيعية يقوم على رأسه (داعي الدعاة) يعاونه جيش من الدعاة العلنيين والسريين موزعين توزيعا دقيقا في داخل الدولة الفاطمية وخارجها وسبل الاتصال بينهم مستمرة ومستقرة . وقد تحدث (المقريزى) عن وظيفة (داعي الدعاة ) في الدولة الفاطمية في كتابه الخطط فذكر أسلوب الداعية في التأثير على الناس من خلال تدرج يصل بهم إلى اعتناق الدعوة وتأليه الخليفة الفاطمى . إلا إن الدولة الفاطمية حين ضعفت وانفض عنها الكثير من المصريين بسبب الكوارث الاقتصادية وضعف الخلفاء أمام الوزراء – لجأت الدولة إلى التلاعب بأهواء المصريين فجددت مقبرة السيدة نفيسة ، بل وأقامت ضريحا للإمام الشافعي وهو يخالفهم في المذهب والعقيدة – ولكن تقربا منهم للمصريين وهم محبون للشافعي متبعون لمذهبه،و قد سبق أنهم اشترطوا على جوهر الصقلي ضرورة احترامه للمذهب السني الشافعي . وقد وقع على عبء (الأفضل) ـ الوزير الفاطمي القوى المسيطر على الخلافة الفاطمية ـ مهمة بعث الحياة في الدولة الفاطمية الضعيفة أمام الخطر الصليبي القادم من الشرق مع خطر الأتراك السلاجقة السنيين المتحكمين فى الدولة العباسية ، وكان السلاجقة معروفين بتعصبهم للسنة وكراهيتهم للتشيع ، هذا مع اهتزاز ثقة المصريين في الخلافة الفاطمية بعد المجاعة أو الشدة العظمي التي واجهتها مصر في عهد المستنصر. كان الوزير الأفضل يواجه كل هذه التحديات فى الداخل و الخارج ، وبعضها عسكرى ، والآخر دعوي واقتصادى. وكان لا بد من حل ينقذ به الدولة والخلافة الفاطمية الآيلة للسقوط.وإثناء خروج الأفضل من الشام عثر على قبر منسوب للحسين في عسقلان تنتشر إشاعات تقول أن فيه رأس الحسين ، مع إنه لا علاقة مطلقا بين رأس الحسين وعسقلان ، ولكنها أوحت للوزير الفاطمى الأفضل بفكرة إقامة ضريح للحسين أو(رأس الحسين ) فى مصر تكون ( أفضل) فرصة لاستمالة المصريين. وإذا كان أبوه (بدر الجمالي) قد أقام مقبرة السيدة نفيسة فليكن الأفضل منشئ قبر الحسين في القاهرة .وهكذا عاد الأفضل من عسقلان تسبقه الدعاية الفاطمية بالعثور على رأس الحسين ، وتتواتر الدعاية بالكرامات التي أحاطت بالرأس ، ثم حولوا مشهد الحسين إلى نصب مقدس تنحر عليه الذبائح بمثل ما كان الجاهليون يفعلون ،  يقول المقريزي عن طقوسهم عنده ( فكان كل من يدخل الخدمة يقبل الأرض أمام القبر , وكانوا ينحرون في يوم عاشوراء عند القبر الإبل والبقر والغنم ويكثرون النوح والبكاء ويسبون من قتل الحسين , ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولتهم).  وزالت الدولة الفاطمية وبقي ضريح الحسين حتى اليوم دليلا على عمق التأثر بالبدع التي أدخلتها تلك الدولة في عقائد المصريين ، واستخدمت فيها المساجد الضرار ، وهى كثيرة ، ولكن أهمها االجامع الأزهر ومسجد الحسين، وهما معا محور الحياة الدينية للمصريين . فالجامع الأزهرهذا الجامع أول مسجد أسس بالقاهرة ، انشأه جوهر الصقلي خادم المعز لدين الله لما اختط القاهرة وشرع في بناء هذا الجامع في يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة 359 وكمل بناؤه لتسع خلون من شهر رمضان سنة 361 ،وأول جمعة جمعت فيه في شهر رمضان فى نفس العام . وعينت الدولة الفاطمية فيه 35 من الفقهاء وأجرت عليهم المرتبات وأوقفت عليهم الأوقاف . كل ذلك لنشر الدعوة الشيعية بين المصريين .

3 ـ وقضى صلاح الدين الأيوبى على الدولة الفاطمية ، وحاول ما أمكنه مطاردة الدين الشيعى ، وبنفس الطريقة ، فقطع الخطبة من الجامع الأزهر، وظل الأزهر معطلًا من إقامة الجمعة فيه مائة عام الى أن أعيدت الخطبة في أيام الملك الظاهربيبرس فى العصر المملوكى. وبديلا عن الأزهر جعل صلاح الدين الأيوبى من الخانكاه الصلاحية دار سعيد السعداء مركزا للدعوة السنية ، واستقدم لها صوفية وجعل لهم أوقافا ومرتبات عام 569 ، ورتب للصوفية في كلّ يوم طعامًا ولحمًا وخبزًا وبنى لهم حمّامًا بجوارهم فكانت أوّل خانكاه عُملت بديار مصر‏.‏وجعل لهم موكبا لاجتذاب المصريين ، يقول ابن على القصّار‏:‏ ( أنه أدرك الناس فييوم الجمعة يأتون من مصر إلى القاهرة ليشاهدوا صوفية خانقاه سعيد السعداء عندما يتوجهون منها إلى صلاة الجمعة بالجامع الحاكميّ ، كي تحصل لهم البركة والخير بمشاهدتهم ، وكان لهم في يوم الجمعة هيئة فاضلة ؛ وذلك أنه يخرج شيخ الخانقاه منها وبين يديه خدّام الربعة الشريفة ( المصاحف ) قد حملت على رأس أكبرهم ، والصوفية مُشاة بسكون وخفر( أى حياء ) ..ويستطرد فى شرح طقوسهم بما يدل على ترتيب سياسى دعائى لاحلال التصوف السّنى مكان الدعوة الشيعية فى مصر. ونجح هذا الترتيب ، خصوصا مع سيطرة التصوف على مصر وغيرها مع العصرين المملوكى والعثمانى..

4 ـ وورث الايوبيون ملكية صلاة الجمعة للسلطان الأيوبى . يروى المقريزى فى الخطط : ( وكانت العادة أن لا يحضر كتاب الإنشاء الديوان يوم الجمعة فعُرض للملك الصالح في بعض أيام الجمع شغل مهم فطلب بعض الموقعين فلم يجد أحدًا منهم فقيل له أنهم لا يحضرون يوم الجمعة فقال‏:‏ استخدموا في الديوان كاتبًا نصرانيًا يقعد يوم الجمعة لمهم يطرأ فاستخدم الأمجد بن العسال كاتب الدرج لهذا المعنى‏. ). والمعنى أن حضورهم صلاة الجمعة يعنى خضوعهم للسلطان ، أى وظيفة رسمية . 

5 ـ وورث المماليك عن الأيوبيين رعاية التصوف السّنى بديلا للتشيع بل ومطاردة التشيع أو مذهب الرافضة كما كان يقال ـ ولا يزال.  وأدخل دين التصوف شعائر جديدة ومصطلحات دينية جديدة وأسماء جديدة لبيوت العبادة مثل الخوانق والرباط والزاوية والضريح والتربة والمدرسة . وتكاثرت تلك المؤسسات منها ما يقيمه السلاطين والأمراء والعيان ، ومنها ماينشئه الصوفية أنفسهم وخصوصا القادمين منهم الى مصر ، واشتركت جميعها فى كونها دورا يقيم فيها الصوفية وطلاب العلم وتوقف عليها الأوقاف وتصرف على العاملين والمقيمين فيها المرتبات ، وينشغلون فيها ظاهريا بالصلاة والعبادة والدعاء للسلطان أو الأمير او غيره صاحب المؤسسة والذى ينفق عليها ويعطىهم المرتبات والجراية من خبز ولحم وكسوة .. وفى الحقيقة كانت تلك المؤسسات مساجد ضرار من نوعية فريدة ، لا يكتفى القائمون فيها بأكل السّحت من الظالمين الذين ينشئون تلك البيوت الدينية من المال الحرام بل اشتهر العاكفون فى تلك المؤسسات بادمان اللواط. والتفاصيل فى موسوعة التصوف المنشورة هنا . ولكن نكتفى بذكر مثلين ذكرهما المقريزى فى الخطط . الأول عن إقامة تلك المؤسسات بالظلم والمال الحرام ، والآخر عن الانحلال الخلقى فى تلك المؤسسات الدينية . يقول المقريزى عن مسجد  الذخيرة تحت قلعة الجبل بأوّل الرميلة تجاه شبابيك مدرسة السلطان حسن ، أنشأه ابن الصيرفى عام 516 ، يقول المقريزى (واستخدم فى إنشائه العسف والسخرة حتى أطلق الناس على هذا المسجد ( مسجد لا بالله ) لأنه كان يقبض الناس من الطريق ويعسفهم فيحلفونه ويقولون له لا باللِّه ، فيقيدهم ويستعملهم فيه بغير أجرة ، ولم يعمل فيه منذ أنشأه إلاّ صانع مكره أو فاعل مقيد وكُتبت عليه هذه الأبيات المشهورة‏:‏

بنى مسجدًاللّه من غيرِحلِهِ          وكانَ بحمدِ اللَّهِ غيرَموفقِ‏.‏

كَمُطعِمَةِ الأيتام مِن كدِّ فرجِها لكِ الويلُ لا تزني ولاتتصدّقي‏.‏ )

أما عن الانحلال الخلقى داخل هذه المؤسسات فنقرأ شهادة المقريزى فى الخطط عن صوفية عصره، وننقلها بالنّص والحرف مع الاعتذار للقارىء الكريم. يقول المقريزى  :( ذهب والله ما هنالك ، وصارت الصوفية‏ كما قال الشيخ فتح الدين محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري‏:‏

ماشروطُ الصوفي في عصرنا اليو مَ سوى ستة بغيرِ زيادَهْ‏.‏

وهي نيكُ العلوقُ والسُكرِ والسطلةِ والرقصِ والغنا والقيادهْ‏.‏

وإذا ما هذى وأبدى اتحادًا        وحلولًا من جهلِهِ أو إعادهْ‏.‏

وأتى المنكراتِ عقلًا وشرعًا فهو شيخُ الشيوخُ ذو السجَّادَهْ‏.‏

ثم تلاشى الآن حال الصوفية ومشايخها حتى صاروا من سقط المتاع لاينسبون إلى علم ولا ديانة وإلى الله المشتكى‏.).

الفصل الحادى عشر : صلاة الجمعة فى مصر العصور الوسطى   ( 1)  

مقدمة :

فى كتابه ( الخطط ) عقد المقريزى فصلا عن المساجد فى القاهرة ومصر، أو ما يعنى الآن ( القاهرة الكبرى )  إعتمد فيه على تاريخ ( المسبحى ت 420 ) وابن الطوير ت 617 ، والقضاعى ت 454 ، تتبع فيها اشهر المساجد والأنشطة الدعوية والدينية والتعليمية فيها والأوقاف أو ( الأحباس ) التى يأتى منها الدخل للإنفاق على هذه المساجد ، ومنها مرتب خطيب الجمعة . ونبدأ بلمحة عن أهم المساجد الجامعة أو الجوامع التى كانت تُقام فيها صلاة الجمعة وخطبتها ، ثم لمحة عن طقوس صلاة الجمعة والتى تم توظيفها لتقديس السلطان الدولة الفاطمية ذات الشهرة بالمواكب والاحتفالات ، والتى أصبحت فيها صلاة الجمعة حفل تكريم وتقديس للخليفة الفاطمي . وهذا التواتر الشيطانى لا يزال دينا نراه فى صلاة الجمعة بمصر وغيرها بدرجات مختلفة.

أولا : لمحة عن أشهر الجوامع التى تقام فيها صلاة الجمعة :

1 ـ يقول المقريزى عن جامع عمرو بن العاص (الجامع العتيق ) فى الفسطاط : ( فأما المسجد الجامع العتيق بمصر فكان يلي إمامته في الصلوات الخمس والخطابة فيه يوم الجمعة والصلاة بالناس صلاة الجمعة أمير البلد فتارة يُجمع للأمير بين الصلاة والخراج وتارة يُفرد الخراج عن الأمير فيكون الأمير إليه أمر الصلاة بالناس والحرب والآخر أمر الخراج وهو دون مرتبة أمير الصلاة والحرب . ) أى يتولى الإمامة والخطبة فى صلاة الجمعة والى الصلاة كما سبق بيانه. فإذا غاب حل محله قائد الشرطة : ( وكان الأمير يستخلف عنه في الصلاة صاحب الشرطة إذا شغله أمر ) . بعدها مع خفوت هيبة جامع عمرو بن العاص صار كما يقول المقريزى : ( يصلى بالناس رجل يرزق من بيت المال وكذلك المؤذنون ونحوهم ) . أما فى مساجد الأرياف فقد سيطر عليها فقهاء الأرياف بما يتمتعون به من جهل، قال المقريزى: ( وأكثرها بأيدي أناس من فقهاء الأرياف لا يدرون الفقه يسمون أنفسهم الخطباء ولا يعرفون كيف يخطبون ولا يقرؤن القرآن).

‏ ‏2 ـ إنتقلت الشهرة الى مساجد أخرى ، مسجد العسكر العباسى ثم مسجد أحمد بن طولون ومساجد أخرى منها (جامع محمود بالقرافة ، هذا المسجد قديم والخطبة فيه متجدّدة. وينسب لمحمود بن سالم بن مالك الطويل من أجناد السريّ بن الحكم أمير مصر بعد سنة مائتين من الهجرة‏.) إشتهر هذا المسجد بسبب ما قيل عن مؤسسه محمود: ( ‏ المسجد المعروف بمحمود ، يُقال أن محمودًا هذا كان رجلًا جنديًا من جند السريّ بن الحكم أمير مصر وأنه هو الذي بنى هذا المسجد. وذلك أنّ السريّ بن الحكم ركب يومًا فعارضه رجل في طريقه فكلمه ووعظه بما غاظه، فالتفت عن يمينه، فرأى محمودًا فأمره بضرب عنق الرجل ففعل‏. فلما رجع محمود إلى منزله تفكر وندم وقال‏:‏ رجل يتكلم بموعظة بحق فيقتل بيدي وأنا طائع غير مكره على ذلك فهلا امتنعت.!  وكثر أسفه وبكاؤه وآلى على نفسه أن يخرج من الجندية ولا يعود فيها ، ولم ينم ليلته من الغمّ والندم. فلما أصبح غدا إلى السريّ فقال له‏:‏ " إني لم أنم في هذه الليلة على قتل الرجل وأنا أشهد الله عز وجلّ وأشهدك أني لا أعود في الجندية فأسقط اسمي منهم وإن أردت نعمتي فهي بين يديك. "ـ  وخرج من بين يديه وحسنت توبته وأقبل على العبادة واتخذ المسجد المعروف بمسجد محمود وأقام فيه‏.)

3 ـ وأقام صلاح الدين الأيوبى جامعا بجوار تربة الشافعيّ بالقرافة . ثم أصبحت فيه مدرسة وتمت توسعته فى عهد الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، ( ونصب به منبرًا وخطب فيه وصليت الجمعة به في سنة سبع وستمائة‏.)‏

‏4 ـ وهناك : (‏ المسجد الجامع المشهور بسفح المقطم . هذا الجامع من مساجد الخطبة ) أى تقام فيه خطبة الجمعة . ( وهو بسفح الجبل المقطم بالقرافة الصغرى . وأوّل من خطب فيه السيد الشريف شهاب الدين الحسين بن محمد قاضي العسكر والمدرّس بالمدرسة الناصرية الصلاحية بجوار جامع عمرو . وتوفي في شوّال سنة خمس وخمسين وستمائة وكان أيضًا نقيب الأشراف‏.)

5 ـ الجامع الأزهر : قال عنه المقريزى : ( هذا الجامع أول مسجد أسس بالقاهرة ، والذي أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقلي مولى الإمام أبي تميم معد الخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله لما اختط القاهرة . وشرع في بناء هذا الجامع في يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة،  وكمل بناؤه لتسع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة.. وأول جمعة جمعت فيه في شهر رمضان لسبع خلون منه سنة إحدى وستين وثلاثمائة‏.) وعيّن الخليفة الفاطمى العزيز بالله لهذا الجامع جماعة من الفقهاء وأجرى عليهم الأرزاق ، وبنى لهم بيوتا بجوار الجامع الأزهر : ( فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع ، وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلى العصر ... وكانت عدتهم خمسة وثلاثين رجلًا .... وانقطعت الخطبة من الأزهر لما استبد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بالسلطنة ...فلم يزل الجامع الأزهر معطلًا من إقامة الجمعة فيه مائة عام من حين استولى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى أن أعيدت الخطبة في أيام الملك الظاهر بيبرس .) قام السلطان الملوكى الظاهر بيبرس بتجديد الجامع الأزهر : ( ..  ثم أنه جدد في أيام الملك الظاهر بيبرس..  لما كانت يوم الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول سنة خمس وستين وستمائة أقيمت الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة... ولما تكمل تجديده تحدث في إقامة جمعة فيه فنودي في المدينة بذلك واستخدم له الفقيه زين الدين خطيبًا وأقيمت الجمعة فيه في اليوم المذكور،  وحضر الأتابك فارس الدين والصاحب بها الدين علي بن حنا وولده الصاحب فخر الدين محمد وجماعة من الأمراء والكبراء وأصناف العالم على اختلافهم وكان يوم جمعة مشهودًا. ولما فرغ من الجمعة جلس الأمير عز الدين الحلي والأتابك والصاحب وقرئ القرآن ودعى للسلطان . .. وأقيمت صلاة الجمعة به واستمرت،  ووجد الناس به رفقًا وراحة لقربه من الحارات البعيدة من الجامع الحاكمي‏. )

 ‏6 ـ جامع الحاكم : قال عنه :( هذا الجامع بني خارج باب الفتوح أحد أبواب القاهرة ، وأول من أسسه أمير المؤمنين العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد ، وخطب فيه وصلى بالناس الجمعة . ثم أكمله ابنه الحاكم بأمر الله ..ويقال له الجامع الأنور‏. وقال في حوادث سنة ثلاث وتسعين و ثلاثمائة : وأمر الحاكم بأمر الله أن يتم بناء الجامع الذي كان الوزير يعقوب بن كلس بدأ في بنيانه عند باب الفتوح ، وعلق على سائر أبوابه ستور ديبقية عملت له وعلق فيه تنانير فضة عدتها أرببع و كثير من قناديل فضة وفرش جميعة بالحصر التي عملت له ونصب فيه المنبر وتكامل فرشه وتعليقه وأذن في ليلة الجمعة سادس شهر رمضان سنة ثلاث وأربعمائة لمن بات في الجامع الأزهر أن يمضوا إليه فمضوا وصار الناس ليلتهم يمشون من كل واحد من الجامعين إلى الآخر بغير مانع لهم ولا اعتراض من أحد من عسس القصر ولا أصحاب الطوف إلى الصبح وصلى فيه الحاكم بأمر الله بالناس صلاة الجمعة وهي أول صلاة أقيمت فيه بعد فراغه‏.)‏

7 ـ جامع راشدة : بدأ بناؤه عام 393 فى خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمى : ( وابتدئ بناء جامع راشدة في سابع عشر ربيع الآخر ، وكان مكانه كنيسة حولها مقابر لليهود والنصارى ، فبني بالطوب ثم هدم وزيد فيه وبنى بالحجر . وأقيمت به الجمعة .. و في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة وفيه يعني شهر رمضان فرش جامع راشدة وتكامل فرشه وتعليق قناديله وما يحتاج إليه،  وركب الحاكم بأمر الله عشية يوم الجمعة الخامس عشر منه وأشرف عليه‏. وفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وفيه يعني شهر رمضان صلى الحاكم بجامعه الذي أنشأه براشدة صلاة الجمعة وخطب‏. ) (وفي شهر رمضان سنة ثلاث وأربعمائة صلى الحاكم في جامع راشدة صلاة الجمعة وعليه عمامة بغير جوهر وسيف محلى بفضة بيضاء دقيقة ، والناس يمشون بركابه من غير أن يمنع أحد منه ، وكان يأخذ قصصهم ( شكاويهم )  ويقف وقوفًا طويلًا لكل منهم . ) 

8 ـ جامع عين بالروضة. (غين ) احد قادة الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله ، وأشهر ضحاياه ، قاسى منه بلاء لا يوصف . يقول عنه المقريزى : (غين أحد خدّام الخليفة الحاكم بأمر اللّه، خلع عليه في تاسع ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة، وقلده سيفًا وأعطاه سجلًا قرىء فإذا فيه أنه لقب بقائد القوّاد ، وأمر أن يُكتب بذلك ويُكاتب به ، وركب وبين يديه عشرة أفراس بسروجها ولجمها . وفي ذي القعدة من السنة المذكورة أنفذ إليه الحاكم خمسة آلف دينار وخمسة وعشرين فرسًا بسروجها ولجمها ، وقلده الشرطتين والحسبة بالقاهرة ومصر والجيزة والنظر في أمور الجميع وأموالهم وأحوالهم كلها، وكتب له سجلًا بذلك قرىء بالجامع العتيق ، فنزل إلى الجامع ومعه سائر العسكر والخلع عليه ، وحُمل على فرسين ، وكان في سجله مراعاة أمر النبيذ وغيره من المسكرات وتتبُع ذلك والتشديد فيه وفي المنع من عمل الفقاع وبيعه ومن كل الملوخيا والسمك الذي لا قشر له والمنع من الملاهي كلها والتقدّم بمنع النساء من حضور الجنائز والمنع من بيع العسل وأن لا يتجاوز في بيعه أكثر من ثلاثة أرطال لمن لا يسبق إليه ظنه أن يتخذ منه مسكرًا فاستمرّ ذلك إلى غرّة صفر سنة أربع وأربعمائة فصُرف عن الشرطتين والحسبة بمظفر الصقليّ‏. فلما كان يوم الإثنين ثامن عشر ربيع الآخر منها أمر بقطع يدي كاتبه أبي القاسم عليّ بن أحمد الجرجانيّ فقطعتا جميعًا، وذلك أنه كان يكتب عند السيدة الشريفة أخت الحاكم فانتقل من خدمتها إلى خدمة غين خوفًا على نفسه من خدمتها ، فسخطت لذلك فبعث إليها يستعطفها ويذكر في رقعته شيئًا وقفت عليه فارتابت منه ، فظنت أن ذلك حيلة عليها ، وأنفذت الرقعة في طيّ رقعتها إلى الحاكم ، فلما وقف عليها اشتدّ غضبه وأمر بقطع يديه جميعًا ، فقطعتا... ثم بعد قطع يديه بخمسة عشر يومًا في ثالث جمادى الأولى قطعت يد غين الأخرى،  وكان قد أمر بقطع يده قبل ذلك بثلاث سنين وشهر ، فصار مقطوع اليدين معًا . ولما قطعت يده حملت في طبق إلى الحاكم فبعث إليه بالأطباء ووصله بألوف من الذهب وعدّة من أسفاط ثياب وعاده جميع أهل الدولة. فلما كان ثالث عشره أمر بقطع لسانه فقطع وحمل إلى الحاكم فسيّر إليه الأطباء ومات بعد ذلك‏.  ) . نعيد التذكير بهذه المآسى لنعرف طبيعة الحكم الذى يؤسس المساجد الشيطانية وبصلاة شيطانية. ونعود الى مسجد المسكين (غين ) . فى مسجد غين كانت فيه الخطبة الى ان اقام الحاكم جامع المقياس : ( ولم تزل الخطبة قائمة فيه إلى أن عمر جامع المقياس فبطلت الخطبة منه ولم تزل الخطبة بطالة منه إلى الدولة الظاهرية. ) أى تم تجديده فى عصر الظاهر بيبرس ، ,اصبحت فيه خطبة الجمعة بالاضافة الى مثيلتها فى جامع القلعة : (   ورسم بإقامة الخطبة فيه مع بقاء الخطبة بجامع القلعة..فأقيمت الخطبة به في سنة ستين وستمائة ، وولي خطابته أقضى القضاة جمال الدين بن الغفاريّ..)   

9 ـ جامع المقس: (  هذا الجامع أنشأه الحاكم بأمر الله على شاطئ النيل بالمقس ) أى مقياس النيل . وكان الى جانبه ( منظرة ) أى حديقة لاستمتاع الخليفة ويشاهد منها الاسطول فى النيل . ثم أنشأ صلاح الدين الأيوبى برجا حربيا ( قلعة المقس ) ضمن سور القاهرة ، مكان منظرة الخلفاء الفاطميين . يقول المقريزى :   ( فلما أمر السلطان صلاح الدين بإدارة السور على مصر والقاهرة تولى ذلك بهاء الدين قراقوش وجعل نهايته التي تلي القاهرة عند المقس وبنى فيه برجًا يشرف على النيل وبنى مسجده جامعًا واتصلت العمارة منه إلى البلد وصار تقام فيه الجمع والجماعات‏. ) وتم تجديد جامع المقس عام 770 فى العصر المملوكى : يقول المقريزى : ( جدد بناء هذا الجامع الوزير الصاحب شمس الدين عبد الله المقسي ،... وجعل عليه أوقافًا لمدرس وخطيب وقومة ومؤذنين وغير ذلك‏.  ) 

10 ـ ونختم بهذا الخبر الطريف : ( وقال جامع السيرة الصلاحية‏:‏ وهذا المقسم على شاطئ النيل يزار وهناك مسجد يتبرك به الأبرار وهو المكان الذي قسمت فيه الغنيمة عند استيلاء الصحابة رضي الله عنهم على مصر ). أى فى المكان الذى كان فيه الصحابة يوزعون المسروقات والمال السُّح والسلب والنهب أقيم عليه مسجد وصار مسجدا مباركا. هذا فى الدين الشيطانى وتواتره وصلاته.

ثانيا :  طقوس صلاة الجمعة الفاطمية (2 )

تحت عنوان : (هيئة صلاة الجمعة في أيام الخلفاء الفاطميين‏) أورد المقريزى معلومات ننقل منها :

1 ـ أسّس الخليفة العزيز بالله جامع الحاكم ، وفى أول خطبة فيه جلب اليه الفقهاء المعينين فى الجامع الأزهر، وسار للجامع الجديد فى موكب : ( وركب لصلاة الجمعة في رمضان سنة ثمانين وثلاثمائة إلى جامعه ، ومعه ابنه منصور ، فجعلت المظلة على منصور ، وسار العزيز بغير مظلة‏.). وكان فى موكبه خمسة آلاف شخص : ( وفي يوم الجمعة غرة رمضان سنة ثمانين وثلاثمائة ركب العزيز بالله إلى جامع القاهرة بالمظلة المذهبة ، وبين يديه نحو خمسة آلاف ماش ، وبيده القضيب وعليه الطيلسان والسيف‏. فخطب وصلى صلاة الجمعة وانصرف ، فأخذ رقاع المتظلمين بيده وقرأ منها عدة في الطريق. وكان يومًا عظيمًا ذكرته الشعراء‏.)  وفى العام التالى كانت حول موكبه مظاهرة من ثلاثة آلاف : ( وخطب فيه  سنة إحدى وثمانين و ثلاثمائة لأربع خلون من شهر رمضان ..وكان في مسيرة بين يديه أكثر من ثلاثة آلاف وعليه طيسان وبيده القضب وفي رجله الحذاء.. )  .

هل كان النبى محمد عليه السلام يسير الى صلاة الجمعة فى موكب ؟ وهل كانوا يلتزمون بالبقاء معه حتى إنتهاء الصلاة ؟ وهل يجرؤون على ترك الخليفة وهو يخطب كما فعلوا مع النبى محمد عليه السلام ؟ . هنا ملمح من الفوارق بين صلاة الجمعة الاسلامية وصلاة الجمعة الشيطانية .

2 ـ المؤرخ إبن الطوير ( عبد السلام القيسرانى ) عاش فى العصر الفاطمي وأدرك العصر الأيوبى ومات عام 617 وقد جاوز 92 عاما ، وله فى تاريخ الدولتين كتاب (نزهة المقلتين فى اخبار الدولتين ) ، وقد ذكر طقوس صلاة الجمعة الفاطمية من واقع المشاهدة والمعاينة والمعاصرة . وقد نقل عنه المؤرخ المسبحى الذى كان من قواد الخليفة الحاكم الفاطمى ، وكتب عدة مؤلفات منها التاريخ الكبير الذى قام المقريزى بتلخيصه فى كتاب (إتّعاظ الحنفاء ) . ، ونقل المقريزى عنهما فيما أسماه (هيئة صلاة الجمعة في أيام الخلفاء الفاطميين ‏).

3 ـ قال المقريزى :

3 / 1 :  (  قال المسبحي‏:‏ قال ابن الطوير‏:‏ إذا انقضى ركوب أول شهر رمضان استراح في أول جمعة فإذا كانت الثانية ركب الخليفة إلى الجامع الأنور الكبير في هيئة المواسم بالمظلة وما تقدم ذكره من الآلات ولباسه فيه ثياب الحرير البيض توقيرًا للصلاة من الذهب والمنديل والطيلسان المقور الشعري . ). الخليفة يستريح فى الجمعة الأولى فى رمضان لأنه يكون قد أقام موكبا بمناسبة أول رمضان . و هذا الموكب يتحلى بالذهب ( توقيرا للصلاة ) التى ليست لرب العزة لأن رب العزة يتوعد الذين يكنزون الذهب والفضة بالعذاب الأليم ( التوبة 34 : 35 )

3 / 2 : ( فيدخل من باب الخطابة والوزير معه بعد أن يتقدمه في أوائل النهار صاحب بيت المال وهو المقدم ذكره في الأستذين وبين يديه الفرش المختصة بالخليفة إذا صار إليه في هذا اليوم وهو محمول بأيديي الفراشين المميزين وهو ملفوف في العراضي الديبيقية فيفرش في المحراب ثلاث طراحات أما سامان أو ديبيقي أبيض أحسن ما يكون من صنفها كل منهما منقوش بالحمرة‏. فتجعل الطراحات متطابقات ويعلق ستران يمنة ويسرة وفي الستر الأيمن كتابة مرقومة بالحرير الأحمر واضحة منقوطة أولها البسملة والفاتحة وسورة الجمعة وفي الستر الأيسر مثل ذلك وسورة ‏"‏ إذا جاءك المنافقون ‏"‏ قد أسبلا وفرشا في التعليق بجانبي المحراب لاصقين بجسمه.  ثم يصعد قاضي القضاة المنبر وفي يده مدخنة لطيفة خيزران يحضرها إليه صاحب بيت المال فيها جمرات ويجعل فيها ند مثلث لا يشم مثله إلا هناك ، فيجز الذروة التي عليها الغشاء كالقبة لجلوس الخليفة للخطابة ، ويكرر ذلك ثلاث دفعات. ) . قبل دخول الخليفة والوزير معه الى مسجد الحاكم ( الأنور ) من الباب الخاص بالخطابة يكون قد سبقهما ـــ ومن أول النهار ــ صاحب بيت المال ومعه الفراشون يحملون الفراش المختص بالخليفة فيفرشونه فى المحراب ، أى يقومون بعمل ديكورات من الأقمشة والستائر الحريرية والذهبية والمزخرفة بالبسملة والفاتحة وسورة ( المنافقون ) . بعد إستكمال الديكورات يصعد قاضى القضاة الى المنبر ومعه مدخنة ( مبخرة ) بعطر أخّاذ مخصوص لهذا الموقف ، ويقوم قاضى القضاة بتبخير المنبر ثلاث مرات لتجهيزه بالرائحة الطيبة ( فى سبيل الخليفة ).!

3 / 3 :( فيأتي الخليفة في هيئة موقرة من الطبل والبوق وحوالي ركابه خارج أصحاب الركاب القراء وهم قراء الحضرة من الجانبين يطربون بالقراءة نوبة بعد نوبة يستفتحون بذلك من ركوبه من الكرسي على ما تقدم طول طريقة إلى قاعة الخطابة من الجامع ثم تحفظ المقصورة من خارجها بترتيب أصحاب الباب واسفهسلار العساكر ومن داخلها إلى آخرها صبيان الخاص وغيرهم ممن يجري مجراهم ومن داخلها من باب خروجه إلى المنبر واحد فواحد فيجلس في القاعة وإن احتاج إلى تجديد وضوء فعل والوزير في مكان آخر. ) . فى طريقه الى الجامع يكون حول الخليفة فى موكبه من الجانبين ( القّرّاء ) اى الذين ينشدون ويتغنٌّون بالقرآن الكريم نوبة بعد نوبة ، يجعلونه لهوا ولعبا فى (سبيل الخليفة وإبتغاء مرضاته ) ، وحول القُرّاء العساكر الراكبون ( أصحاب الركاب ). ويصل الموكب الى الجامع ، حيث يكون الحراس والعسكر يحفظون المقصورة بالمنبر . ويجرى تنظيمهم داخل المسجد . يدخل الخليفة ويجلس فى القاعة بينما يجلس الوزير فى مكان آخر.

3 / 4 : ( فإذا أذن بالجمعة دخل إليه قاضي القضاة فقال له‏:‏ السلام على أمير المؤمنين الشريف القاضي ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمك الله‏. فيخرج ماشيًا وحواليه الأستذون المحنكون والوزير وراءه ومن يليهم من الخواص وبأيديهم الأسلحة من صبيان الخاص وهم أمراء وعليهم هذا الإسم فيصعد المنبر إلى أن يصل إلى الذروة تحت تلك القبة المبخرة فإذا استوى جالسًا والوزير على باب المنبر ووجهه إليه فيشير إليه بالصعود إلى أن يصل إليه فيقبل يديه ورجليه بحيث يراه الناس ثم يزر عليه تلك القبة لأنها كالهودج ثم ينزل مستقبلًا فيقف ضابطًا لباب المنبر فإن لم يكن ثم وزير صاحب سيف زر عليه قاضي القضاة كذلك ووقف صاحب الباب ضابطًا للمنبر‏.). يقدم الوزير طقوس التقديس للخليفة وهو يدعوه لصعود المنبر ليخطب ، فيسير الخليفة ماشيا الى المنبر ومعه قواد عسكره  ، ويقدم الوزير طقوسا أخرى فى تقديس الخليفة وهو على المنبر يراها الناس .

3 / 5 ( فيخطب خطبة قصيرة من مسطورة يحضر إليه من ديوان الإنشاء يقرأ فيها آية من القرآن الكريم ولقد سمعته مرة في خطابته بالجامع الأزهر وقد قرأ في خطبته ‏"‏ رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي علي وعلى والدي ‏"‏ الآية ، ثم يصلي على أبيه وجده يعني بهما محمدًا صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ويعظ الناس وعظًا بليغًا قليل اللفظ . وتشتمل الخطبة على ألفاظ جزلة ، ويذكر من سلف من آبائه حتى يصل إلى نفسه فقال‏ـ  ــ  وأنا أسمعه : " اللهم وأنا عبدك وابن عبدك لاأملك لنفسي ضرًا ولا نفعًا . " ويتوسل بدعوات فخمة تليق بمثله ، ويدعو للوزير إن كان وللجيوش بالنصر والتأليف وللعساكر بالظفر وعلى الكافرين والمخالفين بالهلاك والقهر ثم يختم بقوله " إذكروا الله يذكركم‏.") يخطب الخليفة من ورقة يصلى على أبيه وجده ( النبى محمد بزعمهم ) ويقوم بتقديس أسلافه ونفسه ويدعو لنفسه وجنده بالنصر ، ويدعو على أعدائه بالهزيمة . وابن الطوير الراوى لهذه الطقوس كان حاضرا ، وهو يقول : (  فقال‏ وأنا أسمعه : " اللهم وأنا عبدك وابن عبدك لاأملك لنفسي ضرًا ولا نفعًا . " ويتوسل بدعوات فخمة تليق بمثله.. )

3 / 6 : ( فيطلع إليه من زرّ عليه ويفك ذلك التزرير وينزل القهقرى . وسبب التزرير عليهم قراءتهم من مسطور لا كعادة الخطباء ، فينزل الخليفة ويصير على تلك الطراحات الثلاث في المحراب وحده إمامًا ويقف الوزير وقاضي القضاة صفًا ومن ورائهما الأستاذون المحنكون والأمراء المطوقون وأرباب الرتب من أصحاب السيوف والأقلام والمؤذنون وقوف ، وظهورهم إلى المقصورة لحفظه. فإذا سمع الوزير الخليفة أسمع القاضي فأسمع القاضي المؤذنين وأسمع المؤذنون الناس ، هذا والجامع مشحون بالعالم للصلاة وراء .) أى هناك طقوس أخرى تقوم بها الحاشية عندما ينتهى الخليفة من الخطبة وينزل من المنبر للصلاة ، وهذا لإبهار الناس .

 3 / 7 : ( فيقرأ ما هو مكتوب في الستر الأيمن في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية ما هو مكتوب في الستر الأيسر ، وذلك على طريق التذكار خيفة الإرتجاج) فى الصلاة يؤم الخليفة الناس فيقرأ الآيات المكتوبة عن يمينه فى الركعة الأولى والمكتوبة عن يساره فى الركعة الثانية.

3 / 8 : ( فإذا فرغ خرج الناس وركبوا أولًا فأولًا وعاد طالبًا القصر والوزير وراءه وضربت البوقات والطبول في العود. ) . ثم هناك طقوس وتنظيم فى خروج الناس من الجامع بعد صلاة الجمعة. ويعود الخليفة الى قصره  فى موكب تدق فيه الطبول والأبواق.

3 / 9 : ( فإذا أتت الجمعة الثانية ركب إلى الجامع الأزهر من القشاشين على المنوال الذي ذكرناه والقالب الذي وصفناه. ) أى يتكرر هذا فى الجمعة الثانية من رمضان .

3 / 10 :( فإذا كانت الجمعة الثالثة أعلم بركوبه إلى مصر في جامعها ، فيزين له من باب القصر أهل القاهرة إلى جامع ابن طولون، ويزين له أهل مصر من جامع ابن طولون إلى الجامع بمصر ، يرتب ذلك والي مصر كل أهل معيشة في مكان ، فيظهر المختار من الآلات والستور المثمنات ويهتمون بذلك ثلاثة أيام ولياليهن والوالي مار وعائد بينهم وقد ندب من يحفظ الناس ومتاعهم. ). فى الجمعة الثالثة تُقام الزينة فى ( مصر ) أى الفسطاط والعسكر والقطائع ، من مسجد عمرو بن العاص الى مسجد ابن طولون ، ويشرف الوالى على الزينة وحشد الناس ويستغرق هذا الاستعداد ثلاثة أيام تحت مراعاة الوالى .

3 / 11 :  ( فيركب يوم الجمعة المذكور شاقًا لذلك كله على الشارع الأعظم إلى مسجد عبد الله الخراب اليوم إلى دار الأنماط إلى الجامع بمصر، فيدخل إليه من المعونة ، ومنها باب متصل بقاعة الخطيب بالزي الذي تقدم ذكره في خطبة الجامعين بالقاهرة وعلى ترتيبهما‏. فإذا قضى الصلاة عاد من طريقه بعينها شاقًا بالزينة إلى أن يصل إلى القصر ، ويعطى أرباب المساجد التي يمر عليها كل واحد دينارًا‏. ) . هنا طريق محدد لسير موكب الخليفة وأبواب محددة لدخوله ، وبنفس الزى ونفس الموكب . ويعطى أرباب المساجد التى يمر عليها بموكبه دينارا ـ للتبرك .

أخيرا : هل يجرؤ أحد أن يقول إن صلاة الجمعة هنا هى لوجه الله جل وعلا؟ وهل يجرؤ أحد أن يقول إنه ينطبق عليها قوله جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ ) ﴿٩﴾ الجمعة )

الفصل الثانى عشر : أخيرا : تحريم صلاة الجمعة فى مساجد الضرار

 مقدمة :

1 ـ مسجد الضرار هو الذى يتم إستغلاله سياسيا لتمجيد سلطان قائم أو للثورة عليه ، والذى تُقال فيه أحاديث شيطانية يحرم على المؤمن الإستماع اليها وحضور مجالسها .

2 ـ كان هناك مسجد ضرار أقامه منافقو المدينة ، وامر الله جل وعلا النبى محمدا ألا يحضر فيه .

3 ـ مساجد الضرار التى تاسّست بعد الفتوحات الشيطانية هى الأشد ضرارا من مسجد الضرار الذى أقامه المنافقون فى المدينة فى حياة النبى محمد عليه السلام. لذا فالتحريم أشد فى حضور صلاة الجمعة فى هذه المساجد الشيطانية . يمكن للمؤمن المسلم أن يصلى فيها منفردا الصلوات الخمس معتزلا القائمين على هذا المسجد حين يخشى أن يفوته وقت الصلاة، أما الذهاب الى هذه المساجد والاستماع الى الإفك والبهتان الأحاديث الشيطانية التى صنعها المجرمون فهذا عداء مُعلن لرب العزة ، وقد قال جل وعلا فى أظلم البشر : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴿١٧﴾ يونس ) (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿٢١﴾ الانعام ) (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٤﴾ الانعام ) (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ) 37 ) الاعراف ) (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ﴿٦٨﴾ العنكبوت ) (  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚوَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٧﴾ الصف ) ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّـهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ۚأَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ﴿٣٢﴾ الزمر ). ونعطى بعض التفصيل :

   أولا :

خطبة الجمعة الاسلامية

1 ـ الذى يدخل المسجد لصلاة الجمعة مفترض أن يسمع ذكر الله جل وعلا وعلا وحده ، هذا أذا نودى للصلاة من يوم الجمعة وسمع هذا النداء . قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) الجمعة ). لكنه يسمع خطبة للجمعة تتناقض مع ذكر الله جل وعلا وحده وتعظيمه جل وعلا وحده .

2 ـ خطبة الجمعة فى عهد النبى محمد عليه السلام كانت ذكرا للرحمن جل وعلا بتلاوة النبى للقرآن وهو يخطب . لهذا فلم تكن له خطبة بالمعنى المألوف ، ولهذا أيضا لا توجد خطبة للجمعة منسوبة له عليه السلام ، مع أنه صلى الجمعة أكثر من خمسمائة مرة .             

3 ـ الملفت للنظر انه مع كثرة الأحاديث المنسوبة للنبي محمد فى العصر العباسي والمملوكي فإن النادر نسبة خطيب جمعة له ، ومشهور انه عليه السلام خطب فى مناسبات مختلفة جاءت فى السيرة ، إلا أنه خطب الجمعة أكثر من عشر سنوات اى اكثر من خمسمائة خطبة دون ان تسجل له المصادر التاريخية القديمة ايا من هذه الخطب. والسبب انه عليه السلام كان يخطب فى صلاة الجمعة بقراء القرآن . أى يقرأ فى الخطبة سورة من سور القرآن . وطالما أن القرآن موجود فلا داعى لتسجيل تلك الخطب .

 ثانيا :

خطبة الجمعة الشيطانية فى المساجد الشيطانية

1 ـ :  تحولت خطبة الجمعة الى منشور سياسى فى العصر الأموى ، إستخدمها الأمويون مناسبة اسبوعية فى لعن ( أبى تراب ) ( على بن ابى طالب ). وإستمر إستغلال خطبة الجمعة فى الدعاية العباسية ،ثم فى الدعاية الفاطمية ، وتوارث ( المسلمون ) خطبة للجمعة فيها تقديس السلطان والدعاء على الكافرين وأن ينصر الله عساكر السلطان وأن يهزم الكفار وأن يسبى المسلمون نساءهم ويغنموا أموالهم .!

2 ـ وفى العصر العباسى الثانى تحولت المساجد فى العراق الى مراكز ايدلوجية من السنة الى التشيع ، وكان لها دور فى الاقتتال الطائفى بينهما . وحاليا أصبحت مراكز حربية ومستهدفة من الخصم ، يتم تفجيرها . يُضاف الى هذا رواية أكاذيب ( أحاديث ) مفتراة تنشر الإفك على أنه إسلام تُضل الناس على أن ذلك هو الاسلام .! .

3 ـ هذه المساجد فى عصرنا أكثر ضررا .  لأن الضرر هنا لا يلحق فقط بتشويه الاسلام ونشر الإفك على أنه الاسلام ، ولا يلحق فقط  بتقديس البشر حربا للإسلام وتقديسا للمستبد ( ولى الأمر ) بل يتعداه الى سفك الدماء .

ثالثا:

الفارق بين مسجد الضرار الذى أقامه الصحابة المنافقون فى عصر النبى ومساجد الضرار فى عصرنا :

قال جل وعلا عن مسجد الضرار الذى أقامه الصحابة المنافقون فى المدينة : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)التوبة). هنا نلاحظ :

1 : مسجد الضرار فى المدينة إقتصر على التآمر خفية ، وظل فى الظاهر محافظا على توجهه الاسلامى الى درجة أن النبى كان يذهب اليه يصلى فيه ويقوم فيه . أما مساجد الضرار فى عصرنا فهى ترفع الصوت بالفتنة والإثم والعدوان ، وتجمع الأموال السُّحت .

 2 : لم ينتج عن مسجد الضرار فى المدينة إسالة دماء ، أما مساجد الضرار فى عصرنا فهى مسئولة عن حمامات دم . وحتى من تظاهر منها بالاعتدال فهو ينشر إفك الأحاديث التى تدعو للإرهاب وقتل غير المسلم وقتل ما يجعلونه مرتدا وزنديقا .

 3 : المنافقون ( الصحابة ) كانوا يقسمون كذبا على أنهم ما فعلوا ، والله جل وعلا شهد بأنهم كاذبون . أى هم يعرفون أن ما يفعلون هو خطأ ومخالف للإسلام . أما ائمة مساجد الضرار فى عصرنا فكل منهم يعتقد أن ما يفعله هو صحيح الاسلام .

4 : الله جل وعلا نهى النبى محمدا عليه السلام وقال له : (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً  ). هذا عن مسجد هو أقل ضررا من مساجد الفتنة والضرار فى عصرنا . فماذا عنّا ؟ هل نذهب الى تلك المساجد وخطب الجمعة فيها وندواتها ؟

رابعا :

لا يجوز إسلاميا أن ( نسمع ) خطبا دينية تحوى منكرا من القول وزورا 

الذى لا يعرفه معظم الناس أننا يوم القيامة سنكون مسئولين عما نسمع ، وليس فقط عما ننطق وعما نفعل . قال جل وعلا : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36) الاسراء )  والتطبيق العملى للآية الكريمة جاء تشريعا مسكوتا عنه فى عصرنا . نعطى أمثلة له :

1 ـ كان مشركو قريش يعقدون مجالس للخوض فى آيات الله وكتابه الكريم فتكرر النهى  مرتين للنبى محمد ألا يحضر مجالسهم . قال له ربه جل وعلا :  ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) الزخرف ) (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) المعارج ).

ونسى عليه السلام فتكرر النهى مصحوبا بلمحة تأنيب ، قال له جل وعلا : ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) الانعام ) وجاء الأمر له فى الآية التالية بالاعراض عنهم :( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) الانعام ). أى هو نهى وأمر بألا يحضر مجالس اللغو والخوض فى القرآن الكريم لأن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا .

وإمتثل النبى محمد عليه السلام وأطاع . ولكن فريقا من المؤمنين إعتاد أن يحضر مجالس المنافقين التى تخوض فى آيات الله جل وعلا وكتابه الكريم ، فنزل التأنيب لهم مغلظا مصحوبا بالتهديد ويذكّرهم بما نزل قبل ذلك ، قال جل وعلا لهم فى خطاب مباشر :( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) النساء ) . هذا لأن الله جل وعلا قال : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36) الاسراء )

2 ـ  لا شأن لعائشة بحادث الإفك  كما شرحنا فى كتاب : ( القرآن وكفى ) المنشور هنا . هو يخص مجتمع المدينة فى أول عهده حيث إزدحمت المدينة بالمهاجرين والمهاجرات ، ووقع على الأنصار رجالا ونساءا عبء مساعدة المهاجرين الفقراء والمهاجرات الفقيرات ، فأشاع المنافقون مزاعم تتهم المؤمنات بالزنا . فنرل قوله جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) النور ) . نلاحظ فيما يخص موضوعنا عن مسئولية السمع :

2 / 1 : الاستماع الى مثل هذا الحديث يوجب مسئولية على السامع ، يجب عليه أن ينكر ما سمعه ، قال جل وعلا يلومهم : (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) النور) (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) النور )

2 / 2 : بدون ذلك وبتداول هذا المسموع من الشائعات يكون السامع مشاركا فى الإثم ، وهو إثم عظيم.قال جل وعلا:(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) النور ). مأروع قوله جل وعلا : (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ).!

2 / 3 : ثم يأتى التحذير فى قوله جل وعلا : ( يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) النور ). هذا فى الافتراء على بعض المؤمنات ، فكيف بالإفتراء على الواحد القهار جل وعلا ؟!

2 / 4  ـ الذين يسمعون خطبة الجمعة وما فيها من أفتراء على الله جل وعلا ورسوله ، هل يستطيع أحدهم أن يقف محتجّا على ما يسمع ؟ لقد تحسبوا لذلك مقدما بتأليف حديث يقول : ( إذا قلت لصاحبك والامام يخطب يوم الجمعة : أنصت فقد لغوت . ومن لغا فلا صلاة له ) . خطبة الجمعة فى هذه المساجد لغو غليظ ، ولكنهم أوجبوا سماع هذا اللغو ، وأوجبوا على المستمعين عدم النطق .

3 ـ أتذكر أنه بعد الإفراج عنا من الإعتقال فى مصر عام 1987 عاد بعض أهل القرآن الى الخطبة فى المساجد ، وإلتزم ألا يهاجم الأحاديث حتى لا يعود للسجن ، وإقتصر فى خطبة الجمعة على الهدى القرآنى ، فرفضوه ، وفرضوا عليه أن يخطب بالأحاديث .

3 / 1 : الأحاديث الشيطانية هى دينهم ، وهى البضاعة التى يتقيؤها الخطيب فى صلاة الجمعة وغيرها . وقد قال جل وعلا عنهم يجعلهم أعداء النبى : (  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113 ) الانعام ).

3 / 2 : فى موضوعنا عن السمع نُنبّه على قوله جل وعلا : (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113 ) الانعام ). اى يسمعون لهذه الأحاديث بكل إصغاء ، تصغى اليها ليس فقط أسماعهم بل أفئدتهم ، ثم على أساسها يقترفون الكبائر . من القتل والتفجيرات ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وأن الحور العين تنتظرهم . والعاصى العادى المسالم يجد التشجيع على المعصية بأحاديث الشفاعة والخروج من النار ، أى أن النتيجة أنهم يتشجعون على إقتراف الكبائر بتلك الأحاديث التى يلقيها خطيب الجمعة .

3 / 3 : ولهذا تجد مجتمعات المحمدين متخمة بالفساد وسفك الدماء ، مع حضور هائل ومكثف للمساجد وخطب الجمعة ، بل أصبح الدعاة والخطباء ينافسون الراقصات ونجوم الفنّ فى الشهرة . يتألقون شهرة وتتضخم أرصدتهم بالأموال السُّحت ، وبنفس القدر يهوى المحمديون من الحضيض الى اسفل سافلين .

4 ـ ويتكرر فى القرآن المجيد وصف الضالين الفاسقين بأنهم ( سمًاعون للكذب )، قال جل وعلا عن بعضهم فى عهد النبى محمد عليه السلام : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) ( 41 ) المائدة ) ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ  ) (42) المائدة ). ( سمّاع ) صيغة مبالغة من إسم الفاعل ( سامع ) . فالكافر مُدمن لسماع الكذب .

5 ـ  منافقو المدينة فى عهد النبى كان لهم ( سمّاعين ) من المؤمنين ، قال جل وعلا  ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) التوبة  ). يهمنا هنا أن قوله جل وعلا : ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) يشمل القائل والسامع .

6 ـ وتوالت الأوامر بالإعراض عن أصحاب الخوض .

6 / 1 :  قال جل وعلا للنبى محمد عن الخائضين من أهل الكتاب : ( قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) الانعام )

6 / 2 : وقال له جل وعلا  فى الإعراض عن المشركين : ( اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ (106) الانعام ) ( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ (199) الاعراف )( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ (94) الحجر ) ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ (30) السجدة ) (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) النجم ). الإعراض عنهم يوجب عدم الاستماع اليهم وعدم حضور مجالسهم ، ومساجدهم وخطبهم وندواتهم .

6 / 3 : وما جاء فى هذا أمرا ونهيا للنبى هو لنا أيضا. ومع هذا فقد جاء للمؤمنين ايضا :

6 / 3 / 1 : جعل رب العزة جل وعلا من أولى صفات المؤمنين المفلحين أنهم : ( وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) المؤمنون ).

6 / 3 / 2 : ، ومن صفات عباد الرحمن : (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (72)  الفرقان ).  ( لا يشهدون الزور ) أى لا يحضرون مجالس يقال فيها زور وبهتان . وافظع البهتان هو الأحاديث الشيطانية .  وحضور خطب الجمعة فى مساجد الضرار هو حضور وشهود للزور .

6 / 3 / 3 : وقال جل وعلا : ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) القصص ) . أى هى قطيعة مرتبطة بقول السلام وتبتعد عن الجهل والجهلاء .

7 ـ فهل بعد هذا نحضر خطب الجمعة لنسمع منكرا من القول وزورا وإفتراءا على الله جل وعلا ورسوله ؟  هى حرية الايمان والكفر . لك أن تقاطع هذه المساجد ، ولك أن تحضرها . ولكن يجب أن تعرف أنك إذا حضرت فستكون مشاركا فيما يقال من إثم ولغو وأفتراء وزور يمتلىء ظلما لرب العالمين جل وعلا . .

الفصل الثالث عشر : إبتداع وظيفة القصص فى المسجد بعد الصلاة

مقدمة

بإستغلال المسجد والصلاة فيه سياسيا تأسست وظيفة (القصص ) فى الدعاية للسلطان القائم ، أو ضده ، نوعا من الحرب الفكرية ، بالاضافة الى تحول المسجد أحيانا الى مركز للقتال أو التخطيط للقتال . وهذا تواتر جديد شيطانى حافظ عليه الأمويون ثم العباسيون . وانتهى فى العصر المملوكى وحلّ محلّه (ميعاد البخارى ) . وظيفة القصص كانت تعدل فى أهميتها وظيفة القضاء ، اى وظيفة دينية ولكن تتبع المسجد . ونعطى تفصيلا :

أولا : قبل العصر الأموى

1 ـ بدأت فى عصر عمر بن الخطاب ، فيقال أن أبا عاصم ( عبدالله بن عمير ) كان أول قاص فى عصر عمر بن الخطاب . " ( ابن سعد 5، 341: 342)  .

2 ـ والسمة الرئيسة التى تجمع كل القصاص هو صناعتهم للأحاديث ، ومثلا يقال عن سلمان بن الأغر ( مولى جهينة ) كان قاصا ، وروى عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة ( ابن سعد 5/ 210) ويقال عن بى الأحوص (كان يحدث فى المسجد ، وكان ثقة وله أحاديث) (ابن سعد 6/126).

3 ـ وهناك خلاف فى بداية القصص . قال المؤرخ القضاعي‏ أنه  لم يقص في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ، وإنما كان القصص في زمن معاوية ‏. وذكر بعضهم أن القصص جاء  في خلافة عثمان بن عفان‏. وهناك خلاف فى أول من قام بالقصص ، قيل هو ‏ تميم الداري‏. وقيل إن عليًا رضي الله عنه قنت فى صلاته فدعا على قوم من أهل حربه فبلغ ذلك معاوية فأمر رجلًا يقص بعد الصبح وبعد المغرب يدعو له ولأهل الشام ، وكان ذلك أول القصص‏. ‏ 

ثانيا : فى العصر الأموى

1 ــ جعل الليث بن سعد نوعين من القصص ‏:‏  قصص العامة وقصص الخاصة ، " فأما قصص العامة فهو الذي يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم ويذكرهم .. وأما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية ولى رجلًا على القصص ، فإذا سلم من صلاة الصبح جلس وذكر الله عز وجل وحمده ومجده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا للخليفة ولأهل ولايته ولحشمه وجنوده ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافة‏. ". والمستفاد من هذا أن معاوية هو الذى جعل القصص وظيفة رسمية .

2 ـ إستغل الأمويون خطبة الجمعة فى الدعاية لهم ، ولم يكتفوا بذلك بل أنشأوا إلى جانب وظيفة الوالى والقاضى وصاحب الخراج وقائد العسكر وظيفة أخرى فى كل الولايات هى القصص. وكان أحيانا يتولى القصص والقضاء شخص واحد مما يدل على أهمية وظيفة القصص فى ذلك الوقت . وكان القاصّ يجلس فى المسجد بعد الصلاة يقصّ على الناس أخبار السابقين ويعظهم ويخلط كلامه بأحاديث مخترعة وروايات مختلفة ومن خلال السيطرة على السامعين يدعو للسلطة الأموية ، ولا ينسى أن يختم حديثه بلعن أبى تراب ( على بن أبى طالب ) . وكانت الروايات فى معظمها يخترعها الراوى نفسه . ولكى يجذب القاص  إهتمام العامة كان يكثر من الخرافات وينسب قصصه للنبى محمد عليه السلام والأنبياء السابقين.  ولأن العصر الأموى هو عصر الروايات الشفهية فقد تم تداول هذ القصص عبر الأجيال ونما وتكاثر إلى أن أتيح له التدوين فى العصر العباسى على أنه أحاديث نبوية أو قصص الأنبياء وعليه قام ما يسمى علوم الحديث والتفسير . ودعاة تنقية التراث فى عصرنا يطلقون على بعض هذه القصص إسم إسرائيليات نظرا لأنهم اكتشفوا أخيرا تشابها بين تلك الروايات وما جاء فى المصادر التراثية السابقة لأهل الكتاب . 

 3 ـ ومن مشاهير القصاصين فى العصر الأموى أبوهريرة وهو أيضا أشهر من إخترع الأحاديث ، وقد إنضم الى الأمويين وكان واليا لهم على المدينة . ومن تلامذته عبد الرحمن ابن حجيزة (ت 83) وقد اجتمعت له فى مصر فى الدولة الأموية ثلاث وظائف هى القضاء و القصص و بيت المال ، وكان يأخذ رزقه من القضاء  مائتي دينار ، وعطاؤه مائتا دينار ، وجائزته مائتا دينار .. الخ ( تاريخ المنتظم لابن الجوزي 6/253 : 254) .

4 ـ وقد قابل المعارضون للدولة الأموية قصصها الرسمي بقصص أخر ، وبذلك تحول القصص الى حرب فكرية اسلحتها الروايات و الحكايات والأحاديث. وأشهر معارضى الدولة الأموية سعيد بن جبير ـ والذى قتله الحجاج سنة 94 ــ كان من أشهر القصاص وأشهر الفقهاء أيضا . كان يقصّ كل يوم لأصحابه فى المسجد مرتين. بعد صلاة الفجر ، وبعد صلاة العصر (ابن سعد 6/ 180) ورفيقه ابراهيم التيمي كان أيضا من ضحايا الحجاج ، وكان من القصاص أيضا. قيل فيه :" إنى أحسبه يطلب بقصصه وجه الله" ، وحين بدأ ابراهيم التيمي بالقصص أخرجه ابوه من المنزل خوفا من الحجاج (ابن سعد 6/200).

واشتهر المرجئة كطائفة سياسية وفكرية فى العصر الأموي ، توسطوا بين الشيعة والأمويين  ، وكان منهم من احترف القصص ، مثل ذر بن عبد الله ، قيل عنه "من أبلغ الناس فى القصص ، وكان مرجئا ، وخرج مع القراء ( الفقهاء) مع ابن الأشعث فى الثورة على الحجاج . وشارك فى هذه الثورة سعيد بن جبير ، وهناك ايضا عمرو بن ذر وكان قاصا مرجئا أيضا ( ابن سعد 6/205 ، 252).

5 ـ وبسبب الاختلافات المذهبية والسياسية فقد تنوعت المواقف من القصص و القصاص . فيقال فى مدح صالح المرى أنه (كان اذا قص فى المسجد ازدحم الناس للصلاة والجلوس اليه)( ابن سعد 7/2/39). بينما كان سالم مولى عمر بن الخطاب (لايشهد قاصّ جماعة ولا غيره ..) ( ابن سعد 5/148) هذا فى الوقت الذى استمع فيه عبد الله بن عمر الى أحد القصاص وهو عبيد بن عمير فدمعت عيناه ( ابن سعد 4/119، 124). وبعضهم كان ينصح بمجالسة القصاص غير ابي الأحوص ، ولا تجلسوا شقيقا ، وليس بأبي وائل ولا سعد بن عبيدة) وقد مات السلمى فى خلافة عبد الملك بن مروان (ابن سعد 6/120).

ثالثا: قصاصون عاشوا العصرين الأموى والعباسى

1 ـ وبعض القصاصين أدرك الدولتين الأموية و العباسية مثل الجعفى الذى كان امام مسجد جعفى مدة ستين عاما . واحترف القصص فيه ، ومات فى خلافة ابي جعفر المنصور ( ابن سعد 6/254). على أن اشهرهم الأوزاعى والأعمش .

2 ـ الأوزاعى ( 88 : 157 ) كان مقربا من الأمويين ونجح بدهائه فى أن يحظى فى عهد العباسيين حين إخترع لهم حديث الردة ليبرر قتلهم الأمويين ، والتفاصيل فى كتابنا عن ( حد الردة ).

2 / 1 : إشتهر الأوزاعى فقيها وقصّاصا بسبب جرأته الفائقة فى الكذب ، والعوام تصغى الى زخرف القول أو المزخرف بالمبالغات ( ألأنعام ـ 113 )،

2 / 2 وإشتهر من قصص الأوزاعى ما رواه ابن الجوزى فى المنتظم عن قول الأوزاعى

2 / 2 / 1 :(  رأيت رب العزة في المنام فقال لي‏:‏ يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف تنهى عن المنكر ؟ قلت‏:‏ بفضلك يا رب. فقلت‏:‏ يا رب أمتني على الإسلام فقال‏:‏ وعلى السنة ‏.‏)

2 / 2 / 2 :( .. الأوزاعي قال‏:‏ أردت بيت المقدس فرافقت يهوديًا فلما صرنا إلى طبرية نزل فاستخرج ضفدعًا فشد في عنقه خيطًا فصار خنزيرًا فقال‏:‏ حتى أذهب فأبيعه من هؤلاء النصارى فذهب فباعه وجاء بطعام ثم ركبنا فما سرنا غير بعيد حتى جاء القوم في الطلب فقال لي‏:‏ أحسبه صار في أيديهم ضفدعًا ‏.‏قال‏:‏ فحانت مني التفاتة فإذا بدنه بناحية ورأسه بناحية فوقفت وجاء القوم فلما نظروا إليه فزعوا ورجعوا عنه ‏.‏قال‏:‏ فقال لي الرأس‏:‏ رجعوا ؟ قلت‏:‏ نعم قال‏:‏ فالتأم الرأس إلى البدن وركب وركبنا فقلت‏:‏ لا أرافقك أبدًا ..)

3 ـ الأعمش ( سليمان بن مهران : 61 : 148 ) كان أخطر الدعاة للعباسيين يؤلف لهم الأحاديث وينشرها فى مجالس قصصه ضمن خرافات شيّقة عن السابقين ، صارت أساسا فى كتب الحديث والتفسير والتاريخ للأنبياء والسيرة ، وهى أحاديث كاذبة تنسب علم الغيب للنبى محمد عليه السلام بالتناقض مع القرآن الكريم . ونعطى نماذج منها نقلا عن تاريخ المنتظم لابن الجوزى :

3 / 1 : فى الدعاية للعباسيين :

3 / 1 / 1 : ( ...عنالأعمش عن عطية عن ابي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يخرج منا رجل انقطاع من الزمن وظهور من الفتن يسمى السفاح يكون عطاؤه للمال حثيًا‏.‏ ) هذا عن السفاح اول الخلفاء العباسيين .

3 / 1 / 2 : ( .. عنالأعمش عن الضحاك بن مزاحم عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال‏:‏‏"‏منا السفاح والمنصور والمهدي‏"‏‏.‏ )

3 / 2 : خرافات الأعمش عن خلق الشمس والقمر والنجوم : (حدثناالأعمش.. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لما ابرم اللّه عز وجل خلقه فلم يبق غيرادم خلق شمسين من نور عرشه فاما ما كان في سابق علمه ان يطمسها ويحولها قمرًا فانه خلقها دون الشمس في الضوء ولوتركها شمسين لم يعرف الليل من النهار ولكان الصائم لا يدري الى متى يصوم فارسل جبريل فامر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات فمحا عنه الضوء وبقي فيه النور وخلق للشمس عجلة لها ثلثمائة وستون عروة ووكل بها ثلاثمائة وستين ملكًا قد يعلق كل ملك بعروة واذا اراد ان يري العباد اية خرت الشمس عن عجلتها فوقعت في بحر وتسجد الشمس تحت العرش بمقدار الليل ثم تؤمر بالطلوع فاذا ما دنت القيامة جعلت الشمس ثم يتبعها القمر ثم يطلعان من المغرب ثم يعود الى ما خلق اللّه ‏"‏‏.‏ )

4 : خرافات الأعمش عن قصص السابقين :

4 / 1 : عن إبنى آدم ( حدثناالأعمش .. ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تقتل نفس ظلمًا الا كان على ابن ادم الأول كفل من دمها ‏"‏ لانه كان اول من سن القتل‏.‏ ) قال ابن الجوزى عن هذا الحديث الكاذب : (اخرجاه في الصحيحين‏.‏ ) فماذا عن قاعدة ( ألّا تزر وازرة وزر أخرى ) ؟!

4 / 2 : عن يونس والحوت : (   .. حدثنا الأعمش .. لما التقم الحوت يونس نبذة الى قرار الأرضين فسمع تسبيح الحصى في الحماة فذلك الذي نابه‏.‏ )

4 / 3 : عن قارون وكنوزه : (   وروى الأعمش .. قال‏:‏ كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود كل مفتاح مثل الإصبع كل مفتاح على خزانة على حدة فاذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلًا‏.‏)

4 / 4 : عن الكفل : ( اخبرناالأعمش ... قال‏:‏ لقد سمعت عن رسول الله صلى الله علية وسلم ..‏ كان الكفل من بني اسرائيل لا يتورع من ذنب فاتته امراة فاعطاها ستين دينارا على ان يطاها فلما قعد منها مقعد الرجل من امراته ارعدت وبكت فمال‏:‏ ما يبكيك اكرهتك‏.‏ قالت‏:‏ لا ولكن هذا عمل لم اعمله قط وانما حملني على ذلك الحاجة قال‏:‏ فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ثم نزل فقال‏:‏ اذهبي والدنانير لك ثم قال‏:‏ واللة لا يعصي اللة الكفل ابدًا فمات من ليلته فاصبح مكتوبًا على بابه قد غفر اللّه للكفل ‏"‏)

5 :  حظيت خرافات الأعمش بالتقدير والتقديس ، وملأ الطبرى بها مقدمة تاريخه ، وكذلك فعل ابن الجوزى ، وتأسست بها أساطير الدين السُّنّى . يروى ابن الجوزى فى تاريخ  المنتظم 8 /عام 170 أن الخليفة الرشيد ( وكان الرشيد معظمًا للسنة شديد النفور من البدع ‏.‏) ويؤكد هذا بقصة أن أحدهم كان يقرأ حديث الأعمش فى مجلس للرشيد : ( ..‏ قال محمدبن حازم‏:‏ كنت اقرا حديث الأعمش ..  على امير المؤمنين هارون فكلما قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ صلى الله على سيدي ومولاي، حتى ذكرت التقاء ادم وموسى ، فقال عمه‏:‏ يا محمد اين التقيا؟  فغضب هارون الرشيد وقال‏:‏ من طرح اليك هذا ، وأمر به فحبس ، ) أى لأنه تساءل : أين التقى موسى بآدم حبسه الرشيد .  هذا لأن القصص كان وظيفة دينية مرتبطة بالصلاة وبالمسجد .

الفصل الرابع عشر : من القصاص الى ميعاد البخارى

 مقدمة

1 ـ من مجالس القصص تأسست معالم الدين السُّنّى بالذات ، الأقاصيص كانت تٌنسب أحاديث للنبى محمد بعد موته ، وتم تدوينها على أنها دين ووحى إلاهى ، وتفرعت الى تفسير وحديث وعلوم قرآن وتشريعات وقصص عن الأنبياء السابقين والأمم السابقة ، وما جاء فى القرآن الكريم عن خلق السماوات والأرض وقصص السابقين علقوا عليه بخرافات القصاصين . كان هذا فى العصر العباسى . فى العصر المملوكى إنتهى دور القصاصين وتوقف دور القصاصين الدعائى والسياسى . وتوقف الابتكار فى تأسيس الأديان الأرضية بعد أن إستقرت دعائمها فى العصر العباسى ، لم يعد أمام فقهاء العصر المملوكى سوى الرقص على ما قاله السابقون . لذا تحول الفقهاء العباسيون الى إئمة مقدسين فى العصر المملوكى من ائمة الحديث والفقه ( ابو حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل والبخارى ومسلم ..الخ ) وترسخت المذاهب الفقهية الأربعة وتأسس القضاء بين الناس على المذاهب الأربعة ، والويل لمن ينتقد أو يعترض على الأئمة . وحظى البخارى بالذات بتقديس أعظم . وتحولت مجالس القصص فى المسجد الى ما يعرف بميعاد البخارى.

2 ـ ونعطى تفصيلا : 

أولا :  قيمة البخارى في العصر المملوكى :

1 ـ ( صحيح البخارى ) كان ــ ولا يزال ــــ الكتاب المقدس للشريعة السنية للعصر المملوكى ،  ( صحيح البخارى ) هو مجرّد( صنم فكرى ) فى علاقته بتطبيق الشريعة السّنية فى العصر المملوكى الذى كان يتم بقضاة القضاة الأربعة، والذين لم يتقيّدوا بنصوص البخارى ، بل حتى لم يتقيّدوا بنصوص مذاهبهم فالحكم كان بالهوى وبالرشوة وبالفساد وبرضا السلطان وأهوائه . والقاضى يقوم بدورين : التشريع ، أى يصيغ الحكم ، والقضاء أى يقضى به . وليس للبخارى شأن فيما يحكم به . وحتى لو أرادوا التقيد بما فى البخارى فهو فى نهاية الأمر يعبّر عن ظروف عصره فى الدولة العباسية فى القرن الثالث الهجرى ، وهى ليست نفس ظروف العصر المملوكى وسلاطينه وثقافته ومفاهيمه . و( صحيح البخارى ) هو أيضا مجرّد صنم فكرى بالنسبة للدراسات التى أقيمت حوله فى العصر المملوكى أو عصرنا البائس . فالذين يهيمون فى البخارى تقديسا من العوام وفقهاء العوام لا يفقهون شيئا فى كتاب البخارى، هو مجرد تقديس دون علم أو عقل شأن المعتاد لدى المشركين .

2 ــ لم تكن لكتاب البخارى كل هذه القدسية فى العصر العباسى فقد تعرّض البخارى للنقد والاستدراك عليه ، وتابع أئمة الحديث التأليف بعده مخالفين له فى إثبات حديث أو نفيه. ولو كان البخارى هو القول الفصل فى الدين السّنى لما جرؤ أحد على التأليف بعده، ولكن تكاثرت مؤلفات العصر العباسى فى الحديث منفصلة عن البخارى مستقلة عنه .

3 ــ إختلف الوضع فى العصرين المملوكى والعثمانى، حيث تكاثر( المريدون ) حول صنم البخارى يطوفون حوله تقديسا وتمجيدا وشرحا وتفسيرا وترتيلا ، و تمت إضافة صنم البخارى الى أصنام صوفية أخرى حجرية من القبور المقدسة ، أو بتعبير آخر كان هناك ( صحيح البخارى أو ضريح البخارى ) جنبا الى جنب مع آلاف الأضرحة والقبور المقدسة ، وحول ضريح البخارى والأضرحة الأخرى يطوف المجاذيب والمريدون تقديسا وتبركا بطرق مختلفة ، ولكن تتفق كلها فى غياب العقل وعداء الله جلّ وعلا ورسوله عليه السلام.

4 ـ تضاءل فى العصر المملوكى الفارق بين ( العالم المحقّق ) مثل إبن حجر العسقلانى والعينى و السخاوى وبين أوباش ومجاذيب الصوفية فيما يخص تقديس البشر؛ هذا يقدّس كتابا ( صحيح البخارى ) وذاك يقدّس وليا صوفيا حيّا أو مقبورا ، والفريقان معا فقدا العقل والايمان بالاسلام وحتى بكرامة الانسان التى تجعله أفضل من الحيوان . السبب أنّ سيطرة التصوف بدءا من القرن السابع الهجرى الثالث عشر الميلادى هبطت بمستوى الفقهاء السنيين الى مرتبة التقليد ، وجعلت السّنة تابعة للتصوف ، وفق هذا المزيج المشوّة المسمى بالتصوف السنى ، والذى يحصر السّنّة فى العبادات والتطبيق المظهرى الأحوال الشخصية للقضاة المذاهب الأربعة وتقديس أئمة الحديث ( خصوصا البخارى ) وأئمة المذاهب ، مقابل التسليم للتصوف وكراماته وأوليائه وخرافاته . هذا التسليم أوالتقليد قام بتحويل (تقدير) أئمة الحديث والفقه الى (تقديس)، برعاية التصوف ، الذى خصّ البخارى بالذات لأن كتابه تضمن بعض الأحاديث التى تعلى وتقدّس الأولياء الصوفية مثل حديث ( من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب ) وهو الحديث الذى يسوّغ عقيدة الاتحاد الصوفية ( كنت يده التى يبطش بها ..الخ ). وإذا كان مألوفا فى هذا العصر تقديس البشر والحجر وتأليه المجانين ( المجاذيب ) فمن الأسهل تقديس الأئمة السابقين ، حيث غاب العقل فى أجازة مفتوحة مفسحا الطريق لأن تتحول الخرافات الى كرامات .

5 ــ ومن الطبيعى بعدئذ أن يقام إحتفال يستمر شهر رمضان ـ ليس لتلاوة القرآن الذى نزل فى رمضان ، ولكن لترتيل البخارى والتبارى فى حفظ واستظهار ما فيه من أحاديث بمتونها وسندها . ومثل تعاملهم مع القرآن بالتفسير فقد وضعوا فى العصر المملوكى شروحا وتفاسير للبخارى إزدادت بمرور الزمن، حيث دارت الحركة ( العلمية ) حول صحيح أو ضريح البخارى،. ويطول بنا إستعراض المؤلفات فى هذا المضمار ، ولكن نعطى أمثلة سريعة :

5 / 1 : فالمؤرخ المحدّث الفقيه الحافظ قاضى القضاة شهاب الدين إبن حجر ( 773 : 852 ) كتب ( فتح البارى فى شرح صحيح البخارى) فى 15 جزءا ، وقد ظلّ يؤلفه 20 عاما، وله أيضا ( تغليق التعليق فى وصل معلقات البخارى.) .

5 / 2 :  ومثله القاضى بدر الدين العينى (  762: 855 ): كتب ( عمدة القارى فى شرح صحيح البخارى ) وأيضا استغرق العيني في تأليفه عشرين سنة.

  .5 / 3 : شهاب الدين القسطلانى الذى شهد عصر قايتباى ومات بعد عامين من سقوط الدولة المملوكية ( 851 : 923  ) له كتاب :( إرشاد السارى فى شرح صحيح البخارى ).

5 / 4 : والمؤرخ المحدّث الحافظ  شمس الدين السّخاوى ( ت902 هـ) ، وله فى ميعاد البخارى كتاب:( تحفة السامع والقاري بختم صحيح الجامع ).

5 / 5 :وكتاب السخاوي هذا يعتبر من أهمّ المصنفات المعروفة بكتب الختم فى موضوعنا عن :( ميعاد البخارى) ، ومنها العناوين الآتية :( مجالس في ختم صحيح البخاري)( كتاب تحفة القارئ عند ختم صحيح البخاري)( بداية القارئ في ختم صحيح البخاري ) و( شرح ختم صحيح البخاري).

5 / 6 :أمّا بقية الكتب التى عكفت على صحيح البخارى نفسه فى العصر المملوكى  فهى كارثة مؤلمة يطول حصر عددها .

5 / 7 : ولكنّ الذى ننبّه له هنا أن كل هذا التأليف لا يعدو أن يكون تهريجا وتهجيصا، فقد تغافل الجميع فى رقصهم المحموم حول صنم البخارى عمّا جاء فيه من طعن فى رب العزة والرسول عليه السلام والقرآن ودين الاسلام. وبعض(المحققين) كانت سقطته أكبر من بقية (المغفلين)،   فأولئك ( المحققون) بذلوا جهدهم فى التأويل والتلفيق والتعليل واللّف والدوران سترا لعورات البخارى وتعصبا له ضد رب العزة والرسول عليه السلام .

6 ـ والطريف أننا حين بدأنا فضح البخارى فى ندواتنا ومؤلفاتنا بعد قراءة متعمقة له فوجئنا بأن أكثر الناس تعصبا للبخارى فى ( الأزهر ) وخارجه لا يعرفون عنه شيئا ، بل المضحك أنهم أيضا فوجئوا بما نستشهد به من أحاديث البخارى التى تطعن فى الاسلام ورب العزّة جل وعلا ورسول الاسلام عليه السلام،وكان تعبيرهم عن هذه المفاجأة إضطهادا وسبّا وشتما لا يزال ينهال علينا. ومن يشاهد برنامجنا ( فضح السلفية ) الذى يستعرض فضائح وآثام البخارى يتأكّد من هذا ، ويستغرب كيف لم يلتفت الى هذه الفضائح البخارية أولئك الذين أنفقوا أعمارهم فى العصرين المملوكى عاكفين حول البخارى تقديسا وترتيلا وتأليفا. وهذا يؤكّد أن تقديس البشر والحجر يضع حجابا على العقل فيجعل الانسان يفقد التمييز ، بل يجعله فى مرتبة أقلّ من الحيوان . وصدق الله جل وعلا : (أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ( الفرقان )

7 ــ هذه مقدمة لملمح هام من ملامح عصر قايتباى ، وهو ( ميعاد البخارى ). 

ميعاد البخارى فى عصر قايتباى كما جاء فى ( إنباء الهصر ) لابن الصيرفى

1 ــ كان ميعاد البخارى أحد المناسبات الدينية في أيام قايتباى وفي المقابل لم يكن هناك ميعاد لقراءة القرآن الكريم أو احتفال بأى كيفية بختمة كما كانوا يفعلون عند ختم البخارى. ولم يكن الاهتمام بتلاوة البخارى وختمه مقصوراً على السلطة المملوكية بل تعداه إلى العلماء، وأولئك العلماء كان منهم أصحاب سلطة ونفوذ مثل الشيخ كمال الدين النويرى ت873 الذى كان يعقد ختماً للبخاري على حسابه الخاص، يقول عنه ابن الصيرفي : ( قرئ عليه صحيح البخارى في الأشهر الحرم، وكان يختم البخارى بالأزهر، ويصنع يوم الختم أموراً كثيرة من الخلع والإحسان للطلبة خارجاً عن المأكل والمشرب ، وكذلك كان يفعل بمكة.) .

2 ــ والآخرون من العلماء كان لهم ارتباط آخر بالبخارى، وكان إرتباطا نفعيا ماديا يمثل لهم مورداً اقتصادياً ثابتاً يتمثل في (صُرّة البخارى) أو المنحة التى يأخذونها كل عام بسبب حضورهم ميعاد البخارى وختم البخاري، فالشيخ برهان الدين الحلبي ت875 ( رتّبوا له ( أى جعلوا له راتبا ) في الميعاد البخارى صُرّة بألف درهم في كل سنة، وكان السلطان يحسن إليه بالذهب وبإهدائه الكتب مثل كتاب البخارى). وحين مات ابن التنسي في شوال 875 توارث العلماء مناصبه وكان منها (صُرّته في البخارى )،يقول مؤرخنا:( فأخذ صُرّته في البخارى عمر بن موسى اللقانى ، وقيل أن ابن اللقاني أخذ الجوالى أى المرتبات والشيخ عباس المغربي المالكي أخذ صُرّة البخارى.). لذلك كان يقول ابن الصيرفي يعبر عن حزن العلماء في شعبان 875 :( كان القصر بطالاً من الخدمة ولم يُقرأ البخارى )، أى تعطل ميعاد البخارى وقتها فأصبح القصر السلطانى بطالاً.

3 ــ وبعض مشاهير القرن التاسع كان له ( منصب ورزق وصرة في البخارى.). فابن الحفار الواعظ ت 876 أشهر القراء والمنشدين في عصره ( كان مرصداً لإنشاد المديح في ختم البخاري عند شيخ الإسلام ابن حجر) العسقلانى . والبقاعي أحد علماء الحديث وخصم الصوفية اللدود قال عنه مؤرخنا أن القاضى ابن حجر العسقلانى رقّاه حتى جعله قارئ البخارى في القصر بقلعة الجبل بحضور السلطان في دولة الظاهر جقمق وكان يثني على قراءته وفصاحته.

بداية الاحتفال بميعاد البخارى:

1 ــ وقد بدأ الاحتفال بميعاد البخاري لأول مرة في سلطنة الأشرف شعبان، وذلك يوم الاثنين أول رمضان 775 ، ويقول المقريزي في تاريخ ذلك اليوم : ( وفيه استجد السلطان عنده بالقصر من قلعة الجبل قراءة كتاب صحيح البخارى في كل يوم من أيام شهر رمضان بحضرة جماعة القضاة ومشايخ العلم تبركاً بقراءته لما نزل بالناس من الغلاء، فاستمر ذلك وتناول قراءته شهاب الدين أحمد إبن العرياني وزين الدين عبد الرحيم العراقي لمعرفتهما علم الحديث، فكان كل واحد يقرأ يوماً.).

2 ـ ثم حدث تطور في طقوس ميعاد البخارى، شرحها المقريزي في أحداث شهر شعبان 827هـ يقول : ( وفيه ابتدئ بقراءة صحيح البخارى بين يدى السلطان، وحضر القضاة ومشايخ العلم .) إلى أن يقول: ( وكانت العادة من أيام الأشرف شعبان أن يبدأ بقراءة البخارى أول يوم شهر رمضان.. ويختم في سابع عشرينه ويخلع على قاضى القضاة ويركب بغلة رائعة تخرج له من الاسطبل السلطانى،)

خناقات في ميعاد البخاري:

1 ـ نستكمل ما قاله المقريزى : ( ... ولم يزل الأمر على هذا حتى تسلطن المؤيد شيخ فابتدأ القراءة من أول شهر شعبان إلى سابع عشرين من شهر رمضان، وطلب قضاة القضاة الأربع ومشايخ العلم وتحرر عدة من الطلبة يحضرون أيضاَ فكانت تحدث بينهم بحوث يسيء بعضهم فيها إساءات منكرة، فجرى السلطان الأشرف برسباى على هذا واستجد حضور المباشرين وكثر الجمع وصار المجلس جميعه صياحاً ومخاصمات يسخر منها الأمراء وأتباعهم.) . أى تحوّل الحفل الى تهريج وتهجيص يعبّر عن مضمون البخارى ، ثم ما لبث التهريج والتهجيص فى عصر الأشرف برسباى أن تحول فى عصر قايتباى الى خصام وخناقات بين ( الشيوخ والفقهاء و العلماء ).  

2 ـ  وإنتقد شيخ المؤرخين المصريين المقريزي فى تاريخ (السلوك) ما كان يحدث في ختم البخارى فيقول عن أحداث الأربعاء 23 رمضان 841 :( ختمت قراءة صحيح البخارى بين يدى السلطان بقلعة الجبل، وقد حضر قضاة القضاة الأربع وعدة من مشايخ العلم وجماعة من الطلبة كما جرت العادة من أيام المؤيد شيخ،) ويقول المقريزي منتقدا ما كان يحدث:( وهو منكر في صورة معروف ، ومعصية في زى طاعة ، وذلك أنه يتصدى للقراءة من لا عهد له بممارسة العلم ، لكنه يصحّح ما يقرأه ، فيكثر لحنه وتصحيفه وخطؤه وتحريفه، هذا ومن حضر لا ينصتون لسماعه، بل دأبهم دائماً أن يأخذوا في البحث عن مسألة يطول صياحهم فيها حتى يفضى بهم الحال إلى الإساءات التى تؤول إلى أشد العداوات وربما كفّر بعضهم بعضاً ، وصاروا ضحكة لمن عساه يحضرهم من الأمراء والمماليك.).

3 ــ إزداد الأمر سوءا فى عصر قايتباى ولكنّ مؤرخنا ابن الصيرفي لم يكن على مستوى المقريزي في ثقافته ولا في نقده وجرأته، لذا كان يشير إلى بعض المساوئ من طرف خفي، فإذا كان المقريزي قد وصف ما كان يحدث من خصومات بين المشايخ أثناء قراءة البخاري فإن مؤرخنا يشير إلى أحداث مماثلة ولكن بصورة عرضية كأن يقول عن قاضى قضاة الحنفية إبراهيم الديري ت876  ، أنّه بعد عزله كان يحضر مجلس البخارى بالقلعة بصفته شيخ الخانقاه المؤيديه ويجلس تحت قاضى الحنابلة، وأنّه بحث مرة في مجلس البخاري بالقلعة بحضور السلطان الظاهر خشقدم مسألة مع شيخ الإسلام الكافيجي فقطعه الكافيجي أى غلبه ( وقهره بحضور الجمع الغفير.). فهنا إشارة الى مشاجرة بين شيخين كبيرين ( الديرى والكافيجى )، ولكن تم التعمية علي تفصيلاتها وما دار فيها من شجار وتنابز بالألقاب حرصا من إبن الصيرفى على مكانة شيخه الكافيجى. 

مراسيم ميعاد البخاري في عصر قايتباى:

1 ــ كانت العادة أن يجتمع بالقلعة طائفة من القرّاء والفقهاء لقراءة وترتيل البخارى كل ليلة الى أن يتم ختم البخارى ، فيقام له حفل الختم في رمضان. ويبدأ برجب أو شعبان، وفي حفل الختام يخلع السلطان على القضاة والمشايخ والفقهاء والقراء، وكانت العادة أن تبدأ القراءة بالقلعة ثم يكون حفل الختم بالقصر الكبير.

2 ــ ونورد بعض ما جاء بتاريخ الهصر : في يوم الأربعاء 3 رجب 875 يقول مؤرخنا: ( كان ابتداء قراءة البخاري بقلعة الجبل عند السلطان بالقصر، وصعد قضاة القضاة والمشايخ على العادة.) . وفي يوم الأربعاء 4 شعبان 876 يقول : ( كانت الخدمة بالقصر السلطانى بقلعة الجبل وابتدئ بقراءة البخاري به.).وفي يوم الأربعاء 28 رمضان 876 قال : ( ختم البخاري بقلعة الجبل بالقصر الكبير على العادة وحضره القضاة.). وقبل ذلك بعام بالضبط: الأربعاء 28 رمضان 875 يقول : ( ختم البخارى بقلعة الجبل بحضور السلطان وكان مجلساً حافلاً بالقضاة الأربعة، خلا الحنفي لضعفه، والعلماء والفضلاء والطلبة والأمراء والرؤوس والنواب والخاصكية وأصحاب والوظائف.)

3 ــ ونعود إلى حفل ختم البخاري يوم الأربعاء 28 رمضان 876، حيث أورد ابن الصيرفي بعض التفصيلات الهامة في ذلك المجلس، ذلك أن ختم البخارى 876 شهد تعيين الشيخ سعدى قاضياَ، وأعلن ذلك إبن مزهر كاتب السر بعد أن شاور السلطان في ذلك الحفل، يقول ابن الصيرفي في أنه تشاور ابن مزهر مع السلطان في عاشر شعبان على الشيخ بدر الدين السعدي أن يكون حاكماً إلى أن يحضر ابن مفلح قاضى دمشق، ثم جاء أول ختم البخارى في 28 رمضان فأعلن السلطان ذلك التعيين في حضور الجميع.يقول مؤرخنا:( ولما حضروا الختم ، وفرقت أجزاء البخاري ، وحضر السلطان ، وقرأ القارئ الذى هو الإمام البرهان الكركي وحضره والده فجلس فوق الشيخ قاسم الحنفي تحت الشيخ تقي الدين الحصنى، والحصنى تحت الحنفي،) وهذا يعنى الترتيب الرسمى للجلوس حسب منازل القوم،(وحضر السعدي فلم يجد له مكاناً يجلس فيه من الزحمة فجلس خلف الحلقة.).وانتهى الختم بإعلان تولى السعدى لهذه الوظيفة،وكانت مفاجأة للسعدى نفسه.

4 ــ والمهم أن ختم البخارى كان مناسبة لقضاة الشرع في اجتماعهم بالسلطان، وفيه أحيانا كانت تصدر قرارات التعيين لأن البخاري هو ( قُدس الأقداس ) لذلك العهد الفاسد البائس .

الهوامش

الهصر: 102، 195، 277، 243، 464، 508.

 السلوك المقريزي: 3/1/223، 4/2/667، 4/2/1031: 1032.

الهصر: 448، 240، 400، 413، 263: 264، 414: 415.

الفصل الخامس عشر : ( مساجد الله جل وعلا ) : ماهية المسجد الاسلامى

مقدمة : سال ابنى الحبيب د عثمان محمد على المشرف على موقع أهل القرآن أن أكتب مقالا عن ماهية المسجد الاسلامى . واستجيب لطلبه بهذا المقال ، وأجعله فى صيغة سؤال وجواب .

 س 1 ـ هل هناك فى الاسلام ( جامع ) بمعنى  مسجد ؟

مصطلح ( جامع ) جاء وصفا لرب العزة جل وعلا الذى سيجمع الناس يوم القيامة أو يوم الجمع ، قال جل وعلا : (إِنَّ اللَّـهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴿١٤٠﴾النساء ) ويقول المؤمنون : ( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿٩﴾ آل عمران ).

س 2 ـ ولكن كلمة ( جامع) جاءت أيضا فى سورة النور .!

نعم. قال جل وعلا فى موشوع الشورى أو الديمقراطية المباشرة (  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ) (٦٤﴾ النور)، أى لم يرد وصف الجامع للمسجد ، هو وصف لإجتماع جامع .

س 3 : ما السبب فى تسمية المسجد بالجامع ؟

تكاثر إنشاء المساجد لأغراض سياسية ومذهبية ودينية. المسجد الكبير الذى يصلون فيه صلاة الجمعة والذى يجتمع فيه كثرة كاثرة من الناس أطلقوا عليه اسم ( الجامع ) .

س 4 ـ ولكن مذكور فى القرآن الكريم اسماء لبيوت العبادة من صوامع وبيع فى الآية 40 من سورة الحج .!

قال جل وعلا : ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّـهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّـهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾ الحج ). هذه الآية الكريمة عن حصانة بيوت العبادة للناس بغض النظر عن دينهم إن كان إسلاما صحيحا أو كفرا . فى تشريع الاسلام التأكيد على حرية الدين وعدم الإكراه فى الدين لأن للدين يوما هو يوم الدين أو الحساب. والمقصد التشريعى للقتال فى الاسلام هو أن يكون الدين كله لله جل وعلا أى مؤجلا الحكم فيه الى يوم الدين ، قال جل وعلا : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّـهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿١٩٣﴾البقرة ) (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّـهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّـهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴿٣٩﴾) الانفال ).

س 5 ـ هناك ايضا بيوت الله جل وعلا . ما هو الفارق بين بيوت العبادة لله جل وعلا والمساجد ؟

تأتى البيوت بمعنى المساجد الاسلامية فى قوله جل وعلا : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) ﴿٨٧﴾  يونس ). هذه البيوت التى أُقيمت فيها الصلاة خوف فرعون كانت مساجد . والله جل وعلا وصف المساجد الاسلامية فى أى زمان ومكان فى قوله جل وعلا : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّـهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴿٣٦﴾  رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴿٣٧﴾لِيَجْزِيَهُمُ اللَّـهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّـهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٨﴾ النور ).

س 6 :المفهوم هنا أن روّاد هذه المساجد هم رجال . فأين النساء فى التعبد فى المساجد ؟

كلمة ( رجال ) هنا تعنى مترجلين ، مثل قوله جل وعلا عن من يقصد الحج من الذكور والإناث :  ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ الحج ).

س 7 : هذا عن المساجد العادية بيوت العبادة. فماذا عن المسجد الحرام ؟

يطلق عليه وحده المسجد الحرام، قال جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٥﴾ الحج )، وأيضا (البيت الحرام ) ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّـهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّـهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴿١٥٨﴾ البقرة ) ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴿٩٦﴾ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗوَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٩٧﴾ آل عمران) (  جَعَلَ اللَّـهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ  ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّـهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴿٩٧﴾ المائدة )( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿١٢٥﴾ البقرة).

س 8 : ( المسجد ) بالمفرد يكون عن البيت الحرام أو المسجد الحرام و ( مساجد ) بالجمع عن المساجد الأخرى . هل هناك فوارق أخرى ؟

( مسجد ) بالمفرد تُطلق أيضا على غير المسجد الحرام ، يعنى إن كان مسجدا للضلال مسجد ضرار أو مسجدا للإسلام مؤسسا على التقوى ، قال جل وعلا : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٠٧﴾ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚلَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ ) ﴿١٠٨﴾ التوبة ) . ولكن المسجد الحرم تأتى أوصافه المتفردة من الحج اليه ، قال جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٥﴾ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿٢٦﴾ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ الحج )، والاتجاه اليه فى الصلاة  ، قال جل وعلا : ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) ﴿١٥٠﴾ البقرة).

س 8 : مفهوم أن الكفر والشرك فى العبادة وفى القلب يعنى الايمان بالله جل وعلا والايمان بأولياء وآلهة معه ، وعبادة الله جل وعلا وتقديس وعبادة أولياء وآلهة معه. وهذا يتجسّد فى المساجد . فيها مساجد يعبد فيها الناس الله جل وعلا ويعبدون غيره ، يذكرون فيها الله جل وعلا ويذكرون غيره ، يدعون الله فيها جل وعلا ويتوسلون بغيره.هذه المساجد (المختلطة ) كيف تكلم عنها رب العزة جل وعلا فى القرآن الكريم ؟

فى قصة أهل الكهف وعند العثور عليهم قرر الملأ أن يقيموا فوقهم مسجدا للتبرك بهم ، قال جل وعلا : ( وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ۖ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ۖرَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ﴿٢١﴾ الكهف ). وفى هذه المساجد يذكرون الله جل وعلا ويذكرون غيره ، ويرفضون ذكر الله جل وعلا وحده ، وحين بدأ النبى محمد عليه السلام يدعوهم الى أن تكون المساجد فى مكة لله جل وعلا وحده ثاروا عليه وكادوا يفتكون به ، جاء هذا فى قوله جل وعلا : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّـهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا ﴿١٨﴾ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّـهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴿١٩﴾ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا  ﴿٢٠﴾ الجن )

س 9 : هل هناك فوارق أخرى بين مساجد الاسلام ومساجد الشرك والكفر ؟

نعم ، قال جل وعلا : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّـهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ۚ أُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴿١٧﴾ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّـهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿١٨﴾التوبة ). المشركون يتصورون عمارة المسجد بالزخرفة وبالبناء الفخم يتقربون بهذا الله والى آلهتهم ويتصورون أن الله جل وعلا يرضى هذا . هذا التعمير المادى أو العمارة المادية لا أهمية لها عند رب العزة جل وعلا. الذى يرضيه جل وعلا تعمير القلوب بالتقوى .

س 10 : هذا عن الكفر فى العبادة وفى القلب . فماذا عن المسجد لدى الكافرين بالسلوك ، بالاعتداء والإكراه فى الدين وإتّخاذ المسجد للتآمر ، وهذا هو حال المساجد فى عصرنا ؟

ذكرها رب العزة جل وعلا ، وهى نوعان :

1 ـ نوع يعبر عن الكفر المتعدى الصريح ،ومنه إرهاب المؤمنين ومنعهم من دخول المساجد إلا إذا ذكروا فيها غير الله جل وعلا ، أى يمنعون أن تكون المساجد لذكر الله جل وعلا وحده ، وهذا ما جاء فى قوله جل وعلا : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١١٤﴾ البقرة ). وقد عانيت مع أهل القرآن من هذا فى مصر . ومنه أيضا ما فعلته قريش حين أخرجت المؤمنين من ديارهم ، وهذا ما جاءت الاشارة اليه فى قوله جل وعلا فى تشريع القتال الدفاعى : ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّـهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّـهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾ الحج ).

2 ـ النوع الثانى: هو الذى يقوم به المنافقون حين يستخدمون المساجد فى التآمر ،قال جل وعلا : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٠٧﴾ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚلَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴿١٠٨﴾ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠٩﴾ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١١٠﴾ التوبة ).

س 11 : ولكن هذا النوع إنتهى واصبح تاريخا ماضيا ، لأنه حدث فى عهد النبى محمد عليه السلام ، ونهاه الله جل وعلا أن يعود اليه ويقوم فيه .

فى نفس السياق إشارة بإستعمال الفعل المضارع عن تكرار نفس العمل ، قى قوله جل وعلا : ( لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١١٠﴾ التوبة ). وقبلها مقارنة بين المسجد الاسلامى ومسجد الضرار فى قوله جل وعلا : (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠٩﴾ التوبة ). هذه قاعدة سارية فى الفارق بين مسجد الاسلام ومسجد الضرار . وأعتبره آية ( إعجازا ) تاريخيا لأن الأغلبية الساحقة من مساجد اليوم هى مساجد ضرار ، يدعون فيها غير الله جل وعلا ، ويقدسون فيها غير الله جل وعلا وينشرون فيها أحاديث شيطانية تنشر الكفر والتفريق والفتن . 

س 12 : نصل الى الأهم : مواصفات المسجد الاسلامى .!

هى واضحة من الآيات السابقة . أن يكون المسجد لذكر الله جل وعلا وحده ، الأذان بالصلاة يكون بإسمه جل وعلا وحده دون ذكر النبى محمد أو أى بشر ، وفيه شهادة الاسلام الواحدة ( لا إله إلا الله ) ثم تكون فيه الصلاة لله جل وعلا وحده بذكره فيها وحده تطبيقا لقوله جل وعلا : (  إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾ طه )، وان يكون فيها التوسل بالله جل وعلا وحده والدعاء اليه وحده ، قال جل وعلا : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّـهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا ﴿١٨﴾ الجن ). بإختصار أن يكون المسجد خالصا لرب العزة جل وعلا يكون فيه إخلاص الدين لله جل وعلا وحده ، قال جل وعلا :( وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )( ٢٩﴾  الاعراف ).

س 12 : ماذا عن النساء ؟

صلاة الجمعة فرض على الرجال والنساء ، لو كانت مقصورة على الرجال ما خاطب الله جل وعلا بها عموم المؤمنين ، قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٩﴾ الجمعة ) الصلاة اليومية فرض على عموم المؤمنين . والاعتكاف فى المساجد ليلا ونهارا هو للمؤمنين والمؤمنات ، ولكن يحرم على الزوجين المباشرة الجنسية وقت الاعتكاف فى المسجد ، قال جل وعلا : ( وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٨٧﴾ البقرة ). ويجب على الرجال والنساء التزين عند الذهاب الى المسجد ، قال جل وعلا : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) ﴿٣١﴾ الاعراف )

س 13 : هل يجوز تسمية المسجد فى الاسلام بأسماء أشخاص أو بأسماء مدن ؟

. المسجد فى الاسلام لا يجوز تسميته بإسم مخلوق من البشر ، لا تقول مسجد فلان . لك أن تقول مدرسة فلان أو شارع فلان أو مستشفى فلان .. لكن بيت الله جل وعلا يكون منسوبا اليه جل وعلا أو لإسم من أسمائه الحسنى ( مسجد الرحمن ، مسجد الرحيم  ، مسجد الصمد مسجد الفاطر ) أو لكتابه الكريم ( مسجد الفرقان ، مسجد القرآن )..

س 14 : هل يجوز أن تكون للمسجد مهام أخرى مثل التعليم والتداوى ، لأن المساجد اليوم أصبحت مؤسسات فيها دروس خصوصية وفيها مستشفيات ودور للرعاية الاجتماعية ؟

المساجد هى لعبادة الله جل وعلا دون أى عمل إقتصادى أو نفعى . لنتذكر قوله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٩﴾ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّـهِ وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٠﴾ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّـهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّـهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّـهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١﴾ الجمعة ). هذا فصل تام بين دور المسجد التعبدى وما فى الدنيا من تجارة أو لهو. ولنتذكر أن مساجد الضلال والضرار يتخذونها لممارسة اللغو واللهو واللعب والتغنى بالقرآن الكريم .

س 15 : ماذا عن إقامة عمل خيرى داخل المسجد ؟

هذا يشغل الناس عن التعبد فى المسجد بذكر الله جل وعلا. يمكن أن تكون لهذه الأنشطة الخيرية مؤسساتها المنفصلة والمستقلة .                                

س 16 : ماذا عن تحفيظ القرآن الكريم فى المسجد ودراسته وتدبره ؟

تدخل ضمن أنواع الذكر فى المسجد. لا تنس أن من أسماء القرآن : ( الذكر ) وأن التدبر ودراسة القرآن عبادة .

س 17 : ولكن التجارة وتبادل المنافع جائزة فى الحج عند المسجد الحرام

البيت الحرام فى واد ليس فيه زرع ، قال جل وعلا : (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴿٣٧﴾ ابراهيم )  ويُجبى اليه ثمرات كل شىء ، وهذا مما إمتنّ الله به جل وعلا على قريش ، قال جل وعلا : (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا ) ﴿٥٧﴾ القصص ) . أى يأتى الناس بالأنعام وغيرها لتباع فى مكة ، ومن ضمنها حيوانات الهدى التى يتقرب الحجاج بذبحها . الله جل وعلا قال عن الأنعام : ( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٥﴾ النحل ). ومن منافعها فى الحج الى البيت الحرام قوله جل وعلا : ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨﴾ ) ،  ( لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴿٣٣﴾ الحج ). هذا خاص بالحج للبيت الحرام .

الفصل السادس عشر : من التواتر الشيطانى : إبتداع وإستمرار صلاة العيدين

مقدمة :

مصطلح ( عيد ) لم يأت عن الصلاة مطلقا . حين طلب الحواريون من عيسى عليه السلام مائدة من السماء دعا ربه جل وعلا فقال : (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّـهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١٤﴾ المائدة ). ومع انها آية ( معجزة ) هائلة فلم تتحول الى مناسبة دينية ، أى لم تصبح عيدا يحتفل الحواريون بذكراه شكرا لرب العزة جل وعلا ، بل تم تناسيه .

ليس فى دين الله جل وعلا أعياد . الأعياد توجد فى حياة البشر الاجتماعية ، ولا بأس فى هذا . ولكن أن تصبح الأعياد دينا فهذا ملمح من ملامح الأديان الأرضية القائمة على اللهو واللعب ، وتتكاثر فيها أعياد للآلهة وغيرها . العبادات الاسلامية تقوم على الخشوع والتضرع والإخبات . ولكن تحكم الخلفاء والسلاطين فى الحياة الدينية والمساجد والصلاة ، أعطاهم الفرصة لتحويل الدين الى لهو ولعب وإحتفالات بمثل ما كان سائدا فى البيئات النهرية من قبل. لذا أضافوا الى صلاتهم الشيطانية صلوات فى مناسبات ، أهمها صلاة العيدين وما تبعها من من ( المولد النبوى ) تقليدا لعيد الميلاد المجيد وموالد الأولياء متابعة لأعياد القديسين ..الخ.. . ونعطى عن صلاة العيد لمحة تاريخية .  

 البداية

1 ـ إخترعوا حديثا رواه ابن سعد فى الطبقات الكبرى يزعم  : ( أن بلال كان "يحمل العنزة بين يدي رسول الله يوم العيد والاستسقاء.." (ابن سعد 7/2/112). ومع هذا فلم ترد فى الطبقات الكبرى لابن سعد تفصيلات عن كيفية صلاة العيد فى عهد النبوة ، وان تكاثرت الأخبار عنها فى الكتب الفقهية تحمل الكثير من التنظير.

2 ـ الذى جاء فى المصادر التاريخية يفيد بأن الأمويين هم الذين احتفلوا بصلاة العيد وجعلوا لها آذانا وخطبة مثل صلاة الجمعة ، وكان الغرض سياسيا ، بالطبع ، خاصة وهم الذين كانوا يتهاونون فى الصلاة المفروضة الواجبة، ولا يهتمون فى صلاة الجمعة الا بالتطويل فى الخطبة التى حولوها الى منشور سياسي دعائي. تقول الروايات ان زياد بن ابيه حاكم العراق فى عهد معاوية هو أول من جلس على المنبر فى العيدين وجعل لهما آذانا (الوافي بالوفيات 15 /13) ، وهناك رواية أخرى تقول ان بشر بن مروان – أخ عبد الملك بن مروان – حاكم العراق هو أول من أحدث الآذان للعيد فى الكوفة : "فأكبر الناس ذلك وأعظموه " أى احتجوا عليه ، وقد توفى بشر بن مروان سنة 75  هـ ( الوافى بالوفيات 10/153) ، يعزز ذلك رأى ابن ابي شيبة الذى يقول : أول من أحدث الآذان في عيدي الفطر والأضحى بنو مروان ، عبد الملك أو أحد من أولاده (السيوطي تاريخ الخلفاء 248).

وهناك آراء أخرى تقول انه معاوية اول من أحدث الآذان فى العيد وينسب هذا الرأى لسعيد بن المسيب ، ورأى آخر منسوب للزهري يقول : أول من أحدث الخطبة فى صلاة العيد هو معاوية " (السيوطي ك نفس المرجع 317) . فى كل الأحوال فإنهم إخترعوا العيد وصلاة العيد وجعلوها صلاة عامة فى المسجد وجعلوها كصلاة الجمعة فى الآذان وفى الخطبة .

3 ـ واشتهر عمر بن عبد العزيز بطقوس خاصة فى صلاة العيد . فكان فى عيد الفطر يدعو أصحابه صباحا ليفطر معهم بتمر من "صدقة رسول الله" أو "كان يأكل شيئا قبل ان يغدوا الى صلاة العيد" وكان يمشى الى المصلى ثم يصعد الى المنبر فيكبر سبع تكبيرات تترى ، ثم يخطب خطبة خفيفة ، ثم يكبر فى الثانية خمسا ، ثم يخطب خطبة أخف من الأخرى ، يقول الرواي : رأيته أتي بكبش فى المصلاة . فذبحه بيده ، ثم أمر بقسمته و لم يحمل الى منزله منه شيئ " ويقول آخر " سمعت عمر بن عبد العزيز يجهر بالتكبير حتي يسمع آخر الناس ، مع الأولى سبعا ثم يقرأ ، وفى الآخرة خمسا ثم يقرأ فى الأولى ( ق و القرآن المجيد) ، وفى الثانية "اقتربت الساعة وانشق القمر )، وكان يدعو من كل تكبيرتين بحمد الله ويكبر وصلي على النبي (ابن سعد 5/267) .

4 ـ وبمجيء الدولة العباسية قامت بتغيير جزئي فيما ابتدعته الأمويون فى صلاة العيد.

فى موسوعة "نهاية الأرب" فى الجزء الثاني والعشرين وفى الحديث عن ظهور الدعوة العباسية فى خراسان سنة 129 يذكر النويري انه بعد تجمع أنصار الدعوة العباسية وحلول عبد الفطر أمر أبو مسم الخراساني (قائد الجيش الذى دمر فيما بعد الدولة الأموية)  سليمان إبن كثير رئيس الدعاة السريين ان يصلي به وبالشيعة (ومصطلح الشيعة فى ذلك الوقت كان يعني اتباع الدعوة للرضى من آل محمد ، وكان مفهوما انه من ذرية على ابن ابي طالب ، ولم يكن يعرف احد من الشيعة ان الأمر قد تحول لذرية ابن عباس)، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير آذان ولا إقامة . وأمره ايضا ان يكبر ست تكبيرات تباعا. ثم يقرأ ويركع بالسابعة . ويكبر فى الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا ، ثم يقرأ ويركع بالسادسة ، ويفتتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن / وكان بنوا أمية يكبرون وفى الأولى أربع تكبيرات وفى الثانية ثلاثا. (نهاية الأرب 22/20). المفهوم من هذه الرواية ان كبير الدعاة : سليمان ابن كثير تلقى أوامر من القائد العسكري والسياسي للحركة العباسية بكيفية صلاة العيد وعدد التكبيرات وموقع الخطبة ، بما يخالف "السنة الأموية". و "السنة الأموية" نفسها اختلفت مع نفسها ، اذ كان عمر بن عبد العزيز يكبر ( اي يقول الله اكبر) سبع مرات فى الركعة الأولى ، وخمس تكبيرات فى الثانية ، ثم نزل التخفيض بعده فأصبحت أربع تكبيرات فى الأولى وثلاثا فى الثانية .

5 ـ وحين تولى الخليفة المعتضد العباسي سنة 240 صلي بالناس صلاة عيد الأضحى فكبر فى الأولى ستا وفى الثانية واحدة . ولم تسمع منه الخطبة (تاريخ الخلفاء للسيوطي 590)

ونرجع للسيوطي فى تاريخه ( تاريخ الخلفاء) لنراه يسجل ان صلاة العيد أقيمت لأول مرة فى جامع مصر (الفسطاط) سنة 302 ولم يكن يصلي فيها العيد قبلها، وحدث ان خطب العيد الشيخ على بن شيخه ، وفى هذه الخطبة الأولى للعيد فى مصر حدث خطأ هائل لأن الخطيب قرأ قوله تعالى "اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون" فقال " ولا تموتن الا وانتم مشركون" (تاريخ الخلفاء 607). اى ان مصر بعد الفتح لم تعرف صلاة العيد فى عصر الخلفاء الراشدين او الامويين او العصر العباسي الأول.

 إزدهار صلاة العيدين فى العصر الفاطمى

1 ـ تحولت الحياة الاجتماعية والدينية الى إحتفالات ومواكب لتقديس الخليفة الفاطمى ، كانت هناك ما يعرف بالأعياد الاسلامية ( عيد الفطر وعيد الأضحى ) وأعياد شيعية مثل عاشوراء ، وقبطية وفرعونية ، وبهذا إجتذب الفاطميون المصريين الٌباط فدخلوا فى الدين الشيعى أفواجا ، إذ كانت تلك الأعياد مواسم لاظهار كرم الخليفة مع رعاياه .

يقول المقريزى فى الخطط عن موسم عيد الفطر‏:‏ ( وكان لهم في موسم عيد الفطر عدة وجوه من الخيرات منها‏:‏ تفرقة الفطرة وتفرقة الكسوة وعمل السماط وركوب الخليفة لصلاة العيد وقد تقدم ذكر ذلك كله فيما سبق‏.) ( عيد النحر‏:‏ فيه تفرقة الرسوم من الذهب والفضة وتفرقة الكسوة لأرباب الخدم من أهل السيف والقلم وفيه ركوب الخليفة لصلاة العيد وفيه تفرقة الأضاحي كما مر ذلك مبينًا في موضعه من هذا الكتاب‏.).

2 ـ ومما سجله المقريزى نعطى لمحة عن احتفالات بعيد الفطر :
شوال 361هـ: كانت أول خطبة عيد للمعز الفاطمي في القاهرة عاصمته الجديدة .

شوال 364هـ : ركب المعز الفاطمي لصلاة عيد الفطر علي العادة ، وورد عليه الخبر بأن جنوده قد انتصروا علي الروم في الشام فسر المعز بذلك ، وتصدق على الفقراء...

 شوال 381هـ: صلي الخليفة الفاطمي العزيز بالله بن المعز صلاة عيد الفطر وخطب علي العادة .وأهدت إليه امرأة أسدا كانت قد ربته وأرضعته فكان حجمه كالكبش الكبير .

 شوال386هـ : فرشوا سرير الذهب للخليفة ( الطفل ) الحاكم بأمر الله الفاطمي بن العزيز بالله وكان قد تقلد الخلافة في 28 رمضان ، وخرج الخليفة الجديد في عيد الفطر راكبا فرسا أدهم وقد تعمم بالجواهر وتقلد السيف ، وفي ركابه حسين بن عبد الرحمن الرابض وبرجوان ، وقام له الناس وقبلوا الأرض أمامه ، وتكلم ابن عمار عن الخليفة ( الطفل ) فقال للقاضي ابن النعمان : مولانا يأمرك بالخروج إلي المصلي لتصلي العيد بالناس وإقامة الدعوة لأمير المؤمنين، فنهض القاضي قائما وقلده برجوان سيفا محلي بالذهب، ومضي القاضى فصلي الناس وأقام الدعوة للخليفة الحاكم . ثم نصب السرير المذهب في صفة الإيوان ونصب السماط للطعام وكان من فضة ، وجلس الخليفة ( الطفل ) علي السماط وحضر المدعوون فأكلوا .

 شوال 387هـ: صلي الحاكم عيد الفطر وخطب العيد ، وأحضروا له امرأة من الأقزام من الشام في علبة ، طولها ذراع واحد ، وهى من غير ذراع ، ومعها أخ لها في قد الرجال من حيث الطول ، فأنزلت بالقصر وصرفوا لها ولمن معها الرواتب ، وقطع لها في وقت واحد مائة ثوب من الحرير ، وكانت مليحة الكلام نظيفة . ولبثت بضعة وثلاثين يوما وماتت .. فكانت لها جنازة عظيمة .

شوال 395هـ: كانت أوامر الحاكم المتناقضة قد كثرت في ذلك العام وأحدثت أثرا سيئا . وفي عيد الفطر ركب الحاكم للصلاة وعليه ثوب أصفر وعلي رأسه منديل وقد غطي نصف وجهه الأسفل والجوهر بين عينيه ، وكان بين يديه ستة أفراس بسروج مرصعة بالجواهر وستة فيلة وخمس زرافات ، فصلي بالناس العيد ، وخطب فيهم فلعن في خطبته خصومه والمرجفين به .

شوال 402 هـ: شدد الحاكم أوامره في منع بيع الملوخية والسمك الذي لا قشر له ( القراميط ) ومنع الناس من الاجتماع في المآتم والسير فى الجنائز ، وأحرق الزبيب والشطرنج وجمع الصيادين وحلّفهم ألا يصطادوا سمكا بغير قشر ومن فعل ذلك ضربت عنقه، وتوالي إحراق الزبيب عدة أيام،وأحرقوا منه 2840 قطعة وبلغت تكاليف حرقها خمسة آلاف دينار . 

شوال 403 هـ: قبله جاءت أوامر جديدة للحاكم تمنع تقبيل الأرض بين يديه والانتهاء عن أخلاق أهل الشرك من السجود لغير الله ، وألا يصلوا عليه في المكاتبة و المخاطبة .ثم صلي الجمعة في رمضان في جامع عمرو بالفسطاط ، وهو مركز لأهل السنة، والحاكم كان أول من صلي فيه من الخلفاء الفاطميين وكثرت إعطاياته للناس. وحين جاء عيد الفطر ركب ليصلي بغير ما تعود من الزينة والمواكب .

شوال 404هـ : استمر الحاكم في سياسته الجديدة فركب لصلاة الجمعة قبل عيد الفطر فازدحم عليه الناس فوقف لهم وحادثهم وضاحكهم وأعطاهم الكثير. وفي عيد الفطر ركب للصلاة بغير زى الخلافة ، ولم يعمل سماط في القصر لكبار الناس ، ومنع النساء من الخروج ..

شوال 415 هـ: ركب الخليفة الجديد الظاهر  لصلاة العيد في عساكره وبين يديه فيل وزرافات وأعلام مذهبة بقصب وفضة والطبول تضرب والخيول  أمامه ، وجميع القواد أمامه في السلاح ، وعليه ثوب خز وفي يده القضيب ، وعليه السيف ومعه الرمح ، وعلي رأسه المظلة المذهبة يحملها خادمه مظفر وبين يديه الخدم السودان وعليهم أصناف المذهبات .ووصل بهذه الزينة و المواكب إلي الجامع الأزهر فصلي العيد ورقي المنبر ، وخطب ثم نزل ، وعاد إلي قصره وأقيم السماط فأكل أهل الدولة ..

الفصل السابع عشر : لمحة عن الاحتفال بالعيدين فى العصر المملوكى

 1 ــ ويصف ابن الصيرفى بعض مظاهر الاحتفال الرسمي بعيد الفطر 876، يقول عنه: ( أهلّ بيوم الأربعاء ، ويوافقه من أيام الشهور القبطية خمس عشر برمهات، وهذا أول يوم من الربيع. فيه صعد قضاة القضاة إلى السلطان فصلوا صلاة العيد بالإيوان الذى جدّده بالقرب من باب القصر . وكنت في خدمة قاضى القضاة الحنفي . ودخلت القصر، فحضر السلطان، وكان له موكب عظيم، الجاويشية تزعق والأوزان تضرب، والنشابه السلطانية والصنوج وأمثال ذلك، والعسكر والأمراء الأكابر خلفه ، وهم الأمير جانبك قلقسيز أمير سلاح والأمير لاجين أمير مجلس والأمير جانبك بن ططخ الفقيه أمير أخور والأمير تمر حاجب الحجاب، والأمراء أزدمر الطويل والأمير قراجا الطويل والأمير قانصوه المحمودى والأمير سودون، وبقية العسكر . والأمراء يقبلون يد السلطان ، وأمير جندار وأمير داودار ثانى يمسكانهم حتى يقبلوا يد السلطان. ودخل قضاة القضاة بعد لبس خلعهم وهنّوه فقام لهم، ولم يقم لأحد من الترك (المماليك) في هذا المجلس سوى للأمير جانبك الإينالى الشرفي الشهير بقلقسيز نصف قومة. ودخل المباشرون وبقية العسكر فهنّوه وقبّلوا الأرض وباسوا يده ، وانصرفوا على ذلك . والله مالك الممالك.).

وواضح مما سبق أن السلطان جعل لعيد الفطر احتفالاً موسيقياً عسكرياً، وإن لم يخل من تقديس فرضته الطقوس المملوكية وباركته الشريعة السّنية في تقبيل الأرض بين يدى السلطان، أى كانوا يسجدون سجوداَ كاملاً أمام السلطان، وقد كان ذلك يحدث دائماً وفي أثناء المناسبات الدينية وبعد أن سجدوا لله تعالى في صلاة العيد، جاءوا ليسجدوا للسلطان ويقبلوا الأرض بين يديه، وأحيط ذلك بطقوس مملوكية حربية من دق الصاجات والطبول وصراخ الجاويشية لترتجف القلوب وهى تدخل ذلك الإيوان الجديد الذى بناه السلطان.

2 ـــ وكان ذلك يحدث بالطبع في صلاة عيد الأضحى، إلا أن عيد الأضحى تميز بأنه عيد الأضحية ، حيث يقوم السلطان بذبح الأضاحي وتوزيعها على أرباب المناصب وبعض فقراء القاهرة، وكان الرؤساء والأمراء يقلدون السلطان في ذلك. وفي عيد الأضحى 873 كان السلطان في فارسكور، فلم يتم توزيع الأضاحي في القاهرة بسبب غياب السلطان ، وكان ذلك من أسباب الهم والغم في القاهرة، يقول مؤرخنا يعبر عن حزنه وحزن الآخرين: ( هذا والناس بالقاهرة في أمر مريج وقلق عظيم لعظم الغلاء ومخافة السبل والطرقات ، والمصيبة العظمي حزنهم على من مات لهم بالطاعون قبل تاريخه، والزيادة على ذلك قطع ( أى منع ) أضاحى الناس لسفر السلطان لأن المباشرون قطعوا ( منعوا ) غالب الأضحية، ولم يفرق أحد في هذه السنة من الرؤساء والأمراء شيئاً من الأضاحي اقتداءاً بغيبة لسلطان نصره الله، وكان هذا العيد أشبه شيء بالمأتم لما طرق الخلق من الحزن والكآبة وقبض الخاطر، وافتقر بسبب هذا الغلاء خلائق من الأعيان وغيرهم لطول مكثه. ). أى لأنّ السلطان بالديار المصرية أى بالأقاليم فلم يجد ابن الصيرفي في العيد إلا مأتماً لأن السلطان غائب وأضحياته ضاعت فضاعت بهجة العيد.

3 ـ وفي عيد الأضحى 875 فرّق السلطان الأضحية على المستحقين من أرباب الوظائف، وخلع السلطان على ناظر الخاص الذى قام بتفرقة الأضحية، ( وشكر الناس ودعوا للسلطان بسبب ذلك.). وفي عيد الأضحى 875 سافر الأمير قانصوه الخسيف من القاهرة، ويعلق مؤرخنا على ذلك فيقول: ( كأنه هرب من تفرقة الأضحية، وفرق السلطان نصره الله، الأضحية على المماليك السلطانية وغيرهم ، فجزاه الله خيراً.).  وفي عيد الأضحى 885 فرّق السلطان الأضاحي، يقول مؤرخنا : ( وذبح فيه السلطان. ونحر ذبائح عظيمة وفرّق فيه من قبله أضاحي من أول هذا الشهر بجمل من الأموال ، ولم يعط المباشرون فيه لأحد عادته كما رسم لهم. )، أى أن السلطان كان يوكل للمباشرين تفرقة الأضاحى، ويقوم المباشرون باختلاس الأضحية وحرمان المستحقين . وهى عادة مصرية سيئة.

الدعم لا يصل إلى مستحقيه: ويقول مؤرخنا يعطي تفصيلات أكثر:( وفُرّقت أضحية السلطان ــ نصره الله ـــ في هذه السنة بحضوره في الحوش السلطانى على الخاص والعام ، من أمير المؤمنين ( الخليفة العباسى الذى كان يقيم فى القاهرة ) دام شرفه ، وقضاة القضاة ، حتى إلى اليتيم والأرملة والضعيف والفقير والفقية والعاجز والمسكين . وذلك بوصية السلطان في ذلك. ).  وهذا كلام جميل يطمئننا على أن الفقراء أكلوا لحماً فى ذلك العيد، ولكن لا يلبث مؤرخنا أن يناقض نفسه فيقول : ( غير أن الفقهاء والفقراء يقاسون من ديوان الخاص من الشدائد والتعب أمراً عظيماً، وذاك أن المتكلم في هذه السنة في وظيفة الخاص وكيل السلطان علاء الدين إبن الصابوني رسم له السلطان أن لا يعوّق أحداً، فصاروا يأخذون الوصول،ثم يأخذون خط ابن الصابوني ثم يتوجهون إلى الصيرفي فلا يعطيهم إلا فلوساً. وأما أصحاب الجاه الأقوياء فيأخذون ذهباً وفضة وغنماَ، بل ويرسلون إلى بيتهم من غير مطالبة . ). كانوا يصرفون الدعم في وصل أو بطاقة يتسلمها أحدهم وعليها توقيع وكيل السلطان ابن الصابوني، ويذهب بالوصل إلى الموظف المختص بالصرف، فإذا كان صاحب الوصل فقيراً صرف له قليلاً من الفلوس، أما إذا كان من أصحاب الجاه وذوى النفوذ أخذ بذلك الوصل الذهب والفضة والغنم، بل أرسلوه إلى بيته بدون أن يحضر إلى الصرّاف.إنّها (الدولة العميقة) فى مصر!.العميقة العريقة فى فسادها وتسلّطها وتحكم كبار موظفيها فى الشعب المسكين. ومن سنّتها أن يذهب الدعم إلى غير مستحقيه.

أخيرا

ومع ذلك فإن هذه البدعة ( صلاة العيد ) لا تزال فريضة مرعية الجانب لصلتها بالاستغلال السياسي .. ويحرص الفرعون المصري على حضور صلاة العيدين ، وفى المقابل فإن أتباع التيار الديني الوهابي السياسي ( الاخوان المسلمين) يحرصون من جانبهم على تأدية صلاة العيد ، ولأنهم خارج السلطة فإنهم يحرصون على تأدية صلاة العيد فى الخلاء ، لاستعراض القوة ولجذب الانتباه ، ونشر النفوذ وكسب المزيد من الاتباع..

الفصل الثامن عشر : التواتر الشيطانى فى صلاة الجنازة : لمحة تاريخية

أولا :

1 ـ من العادات البشرية ما يعرف بتأبين الميت قبل دفنه .

2 : وإسلاميا فالصلاة على الميت هى مجرد الوقوف على قبرة والدعاء له .الصلاة ( على ) الميت هى دعاء له بعد الدفن قبره، وليست لها كيفية معينة . مجرد الوقوف بخشوع ثم الدعاء للميت أن يرحمه الله جل وعلا.هذا الدعاء لا يفيد الميت لأن منزلته قد تحددت فعلا وتم تبشيره بالجنة أو النار حسب عمله وإيمانه .هذه الصلاة يكتسب ثوابها من يصليها فى دعائه لله جل وعلا.

3 ـ وكان النبى محمد عليه السلام يدعو لكل من مات فى عهده من أهل المدينة ، ونهاه الله تعالى عن أن يقوم داعيا مصليا على بعض المنافقين المعروفين لديه والذين قال الله تعالى أنه لن يغفر لهم ، لأنهم سيظلون على كفرهم إلى الموت . ونتتبع موضوعهم قرآنيا .

3 / 1 : قال جل وعلا عن أولئك المنافقين بالذات : ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّـهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴿٧٩﴾ التوبة ) أى لم يقتصروا فقط على الامتناع عن الانفاق التطوعى فى سبيل الجهاد بل كانوا يسخرون من المتبرعين المؤمنين سواء كانوا فقراء أو أغنياء .

3 / 2 : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٨٠﴾ التوبة ) . أى لا فائدة من أن يستغفر لهم النبى محمد عليه السلام لأنهم كفروا وسيظلون على كفرهم حتى موتهم ، هكذا اخبر عالم الغيب جل وعلا.

3 / 3 : ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّـهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴿٨١﴾ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٢﴾ فَإِن رَّجَعَكَ اللَّـهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖإِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴿٨٣﴾ التوبة ). هم فرحوا بتخلفهم عن القتال الدفاعى فكان جزاؤهم منعهم من الاشتراك مستقبلا فى العمل الدفاعى ، ثم الجزاء الآخر هو منع النبى من أن يقوم على قبر أحدهم داعيا مستغفرا له ، قال جل وعلا :( وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨٤﴾ التوبة )

ثانيا :

1 ـ الطقوس فيما يعرف بصلاة الجنازة وطقوس الجنازة نفسها هى عادات اجتماعية متوارثة متواترة فى الأديان الأرضية بما فيها كلمات التلقين ، وهم يفترضون ان الميت حىُّ فى قبره يسمعهم ويتعلم منهم ، وهم يلقنونه أو ( يغششونه ) فى الامتحان عندما يأتى لامتحانه الاستاذ (منكر) والأخ ( نكير ) ، وبعدها يكون القبر بزعمهم حفرة من حفر النار او روضة من رياض الجنة. ولا عزاء لمن يسقط فى البحر غريقا ..( طُظّ ) فيه . طقوس الجنازة تختلف فى طرافتها وخرافاتها  لدى كل الشعوب والثقافات والأديان الأرضية ، ولكنها أكثر إضحاكا عند المحمديين والأقباط المصريين ، لأنها متوارثة لديهم من عصر الاعتقاد فى ايزيس واوزوريس . وانتشرت من مصر الفرعونية الى ما حولها .

2 ـ فى تاريخ المسلمين صنعوا حديثا نسبوه للنبى محمد عليه السلام أنه قال فى جنازة حبيب بن معلمه النهرى " صلوا على أخيكم واجتهدوا فى الدعاء له ، وليكن من دعائكم له : اللهم اغفرلهذه النفس الحنيفية المسلمة واجعلها من الذين تابوا واتبعوا سبيلك وقها عذاب الجحيم " ( ابن سعد 7 ، 2 ، 155 ) . وقالوا أن سورة ( يـــس ) إذا قرئت عند المريض ى احتضاره خفف الله بها عنه ( ابن سعد 7 ، 2 ، 154 ). هذا كله تشريع يتبع دينا ارضيا يحول الموروثات الاجتماعية الى دين . وينضح بالكذب والافتراء .

3 ـ ولهذا تحتضن الكنائس ومساجد المحمديين صلاة الجنازة ، ويكون عقاب المغضوب عليه فى الكنيسة حرمانه عند موته من خدمات الجنازة فى الكنيسة ، ,اذكر إن القس ابراهيم عبد السيد كان أكبر معارض للبابا شنودة ، وحين مات حرمه البابا شنودة من خدمات الكنيسة ، وحضرت هذه الماساة بنفسى متعجبا كيف يسمحون لشخص أن يتحكم فى أتباعه فى حياته وفى موته .!! . وهو نفس الشىء تقريبا فى كهنوت المحمديين فى حرمان من يخرج عن دينهم من الدفن فى ( مقابر المسلمين ). كل هذا هجص فى هجص فى هجص . فالنفس عند الموت تعود الى برزخها الذى أتت منه ، ويبقى الجسد الميت جيفة نتنة يجب دفنها وتغيبها فى جوف الأرض لتحلل بعيدا عن الناس إكراما لمن كان صاحب هذه الجثة.

ثالثا : لمحة عن طقوس الجنازة فى مصر العصر المملوكى :

 المؤرخ ابن الصيرفى سجل أحداث عصره فىة سلطنة قايتباى فى كتابه (إنباء الهصر بأبناء العصر ) ونقتطف منه ما سجله عن مشاهداته فى بعض الجنازات نضعه تحت عناوين :

الجنازة الحافلة والجنازة ب ( الفقيرى )

1 ـ إذا كان من الأعيان كانت جنازته حافلة يحضرها قضاة القضاة وأعيان الموظفين والأمراء وربما السلطان نفسه:

1 / 1 : يقول مؤرخنا يصف جنازة القاضى برهان الدين (في 9 محرم 876) ( كانت له جنازة حافلة حضرها قضاة القضاة ومشايخ الإسلام وأعيان الرؤساء والمباشرون، ومشى غالبهم في الجنازة من المؤيدية (أى الخانقاة المؤيدية وكان شيخاً لها) إلى سبيل المؤمني، وركب السطان ونزل إليه حتى صلى عليه، وتقدم للصلاة عليه قاضى القضاة ولى الدين أحمد الأسيوطى الشافعي. ).

1 / 2 : وفي جنازة الأمير سيف الدين يشبك 876 : ( حضر السلطان إلى سبيل المؤمني وصلى عليه هو والأمراء الموجودون والأكابر والأعيان والقضاة ومشايخ الإسلام.).

1 / 3 : وحدث نفس الشيء في وفاة خوند مغل وخوند فاطمة بنت الظاهر ططر، بل حتى في وفاة ابن الأتابكي أزبك ، وهو طفل عمره سنتان، فقد كان من الحاضرين القضاة والمشايخ والأمراء والأعيان، يقول مؤرخنا:( وكانت له جنازة حافلة)، وكيف لا؟ وأبوه الأتابك قائد الجيش المملوكى وجده لأمه الظاهر جقمق. أى ( إبن أكابر)، أو بتعبير العصر المملوكى وعصرنا :( إبن ناس ).

2 : وقد يكون المتوفى سيء الحظ مغضوباً عليه قبل وفاته مثل ابن الكويز الذى كان له جنازة بالفقيرى على حد قول ابن الصيرفي.أى مغموسة بالفقر ..والفقير مُهان فى حياته وفى جنازته .

خطبة نفاق وأكاذيب فى تأبين الميت

1 ـ وبعد الصلاة على المتوفي يتطوع أحدهم ويرتجل خطبة يثني فيها على المتوفي ويشيد بمحاسنه حتى لو كان من أفجر الناس، وغالباً ما يكون أرباب المناصب كذلك، ولكنهم في العادة يريدون الاستحواذ على الآخرة كما استحوذوا على الدنيا.

2 ـ في جنازة القاضى  (الفاسد ) برهان الدين، وقف كاتب السر بعد الصلاة عليه وأثني عليه خيراً، يقول مؤرخناً يصف ما حدث: ( وشكر رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصاري كاتب السر حفظه الله على المسلمين بين يدى السلطان ، وأثنى عليه بحضور السلطان وقضاة القضاة ومشايخ الإسلام ووصفه بالعفة والديانة والنظر السديد في الأمور.). مع أن هذا القاضى المتوفى كان نموذجاً فريداً للغدر والنذالة، فقد غدر بأخيه قاضى القضاة سعد الديرى الحنفي حين كان كاتب السر للسلطان خشقدم، ولكن صاحبنا نسى أفضال أخيه عليه وصعد للسلطان يخبره بأن أخاه ذهل وعجز عن القضاء، ووعد بدفع رشوة قدرها ثمانية آلاف دينار عجّل منها بخمسة ليعزل السلطان أخاه ويوليه مكانه، وتم له ما أراد، يقول مؤرخنا ابن الصيرفى :( فحصل لأخيه منه حصر زائد.). وبعد أن مات ذلك القاضى النذل تناسوا أفعاله الذميمة ووصفوه في جنازته بالعفة والديانة والنظر السديد. والمضحك أن كاتب السر كان يعرف نذالته وفساده وكان يتحدث عنه بهذه الشهادة الزور أمام أولئك الذين يعرفونه، ومنهم مؤرخنا ابن الصيرفي الذى نستقي منه تلك المعلومات. فتلك سنتهم القائمة على الكذب والتزوير مع معرفتهم بأنه كذب وتزوير . يتطوعون بالشهادات الزور أمام رب العزة عند موت أحدهم فيكذبون فى وصفه طبقا للسّنة الكاذبة التى تزعم أحاديثها أن الثناء على الميت من أسباب دخول الجنة مهما فعل. والمثل الشعبي في العصر المملوكي يعكس هذه الثقافة حين كان يقول ساخرا : ( بعد ما راح المقبرة بقي في حنكه سكرة ). ولعل ذلك المثل البليغ قد صيغ ليعبر عن ذلك النفاق الدينى الاجتماعى.

 3 ــ وأصبحت عبارة : ( وأثنوا عليه خيرا ) تأتى مرادفة لتفصيلات وقائع الجنازة:

3 / 1 : ففي وصف جنازة الأمير سيف الدين يشبك، يقول مؤرخنا: ( فحضر السلطان إلى سبيل المؤمني وصلّى عليه هو والأمراء الموجودون والأكابر والأعيان والخاصكية وقضاة القضاة ومشايخ الإسلام ، وأثنوا عليه خيراً. ).

3 / 2 :ويقول عن جنازة الشيخ أحمد بن مظفر 876 ( وممن حضر جنازته ودفنه شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائي وأثنوا عليه خيراً.).

3 / 3 : ويقول عن ابن إمام الكاملية ت876 : ( كانت له جنازة حافلة وأثنوا عليه خيراً ) ، وعن ابن الميقاتي: (كان له مشهد عظيم وأثنوا عليه ثناءاً حسناً.).

3 / 4، وعن ابن قمر: ( وكانت له جنازة شهدها الفضلاء والطلبة وأثنوا عليه خيراً .).

3 / 5 : وعن شمس الدين الأمشاطي: ( وكانت جنازة حافلة مشهودة حضرها الفضلاء والعلماء والمشايخ والأعيان وكثر الثناء عليه ).

3 / 6 : وعن الشيخ سراج الدين العبادي شيخ الشافعية: ("كان له جنازة عظيمة حضرها قضاة القضاة ومشايخ العلماء والطلبة والفقهاء والمباشرون والأعيان وبعض الأمراء، وكثر الثناء عليه والترحم والذكر الجميل.).

4 ـ  ولو صدّقنا أنّ كل أولئك كانوا يستحقّون الثناء الجميل لكان علينا أن نرفض معظم ما قاله ابن الصيرفى فى أحداث عصره وأفعال أهل عصره التى جمعت كل الجرائم والموبقات والفساد. ومن الواضح أن المتخصّصين فى التزوير من علماء الدين والقضاة كانوا هم الذين يقومون بمهمة قول الثناء  الحسن وذكر محاسن الموتي، أى يبدأ أحدهم حياته بالنفاق والزور، ثم تشيعه فى دفنه عبارات النفاق والزور.

أماكن الصلاة على الميت فى القاهرة المملوكية :

 وكان يتم الصلاة على الميت في سبيل المؤمني أو في مصلى باب النصر، ويتم دفن الميت في تربة أسلافه. ولكن فى ظروف الوباء وتزايد الموتى تتكاثر أماكن الصلاة على الموتى . حتى تصل الى 17 مصلى . وننقل من ابن الصيرفى :

1 ـ فى شهر رجب انتشر الطاعون بالقاهرة. وكان مؤرخنا ابن الصيرفي يتبع الإحصاءات الرسمية بأعداد الموتى من الطاعون. في يوم الأربعاء 18 رجب وصل عدد من يموت بالقاهرة المحروسة إلى واحد وستين نفراً.. ثم وصل يوم الجمعة 20 رجب إلى مائة نفر، ويقول مؤرخنا ( فإن المائة التى ذكروها عن القاهرة كلها جاءه عدة من يموت وصلى عليه ) ويذكر أنّ من تمت صلاة الجنازة عليه بباب النصر أكثر من خمسين نفراً.

2 ـ  وبمرور أيام شهر رجب انتشر الطاعون بالقاهرة. وكان مؤرخنا ابن الصيرفي يتبع الإحصاءات الرسمية بأعداد الموتى من الطاعون. في يوم الأربعاء 18 رجب وصل عدد من يموت بالقاهرة المحروسة إلى واحد وستين نفراً.. ثم وصل يوم الجمعة 20 رجب إلى مائة نفر، ويقول مؤرخنا ( فإن المائة التى ذكروها عن القاهرة كلها جاءه عدة من يموت وصلى عليه ) ويذكر أنّ من تمت صلاة الجنازة عليه بباب النصر أكثر من خمسين نفراً ، ( فما بالك ببقية المصلات التى بالقاهرة فإن عدتها سبع عشرة مصلاة وبهذا المقتضى لا نعتمد على ضبطهم . ). وهذه لفتة تضاف إلى رصيد الدقة والتحرى من جانب ابن الصيرفي. وكان ابن الصيرفي يأخذ إحصاءاته الرسمية من ديوان المواريث الحشرية،ويرى أنه لا ينبئ عن العدد الحقيقي للأموات.

3 ـ ثم هلّ شهر شعبان وقد فشا الطاعون بالقاهرة ومصر وبولاق.. وقد ذكر مؤرخنا بعض الإحصاءات:

3 / 1 : ففي أحداث الجمعة 5 شعبان : ( وصل عدد الأموات بمصلي باب النصر والبياطرة إلى مائتى نفر بباب النصر مائة وثلاثون، والبياطرة سبعون، وقس على هذا ما بقي من المصلات بالقاهرة وهى خمس عشرة مصلاة.).

3 / 2 : وفي يوم الثلاثاء 19 شعبان مات جماعة من العسكر المملوكي المسافر لحرب شاه سوار، ماتوا بالطاعون قبل السفر، ووصل عدد الأموات بمصلى باب النصر أكثر من 230، وبمصلى البياطرة أكثر من 130، يقول مؤرخنا : ( وقس على ذلك باقى المصلات.).

3 / 3 : وفي يوم الأحد 21 شعبان بلغ عدد الموتى الذين صلوا عليهم بمصلى باب النصر 441، يقول مؤرخنا: ( وقس على هذا بقية المصلات التى بالقاهرة وظواهرها، والناس يقطعون ويجزمون بأن من يصلى عليه بمصلى باب النصر من الأموات يكون أكثر عشر من يموت بالقاهرة ، فعلى هذا يكون عدد من يموت بالقاهرة وظواهرها في كل يوم أربعة آلاف إنسان وأربعمائة إنسان، ومعظم الطاعون الأن بأسفل مصر من جهة الحسينية وغيرها إلى بين القصرين، ومن جامع باب زويلة الطاعون أخف مما تتقدم.) .

3 / 4 :  وفي يوم السبت 27 شعبان أول فصل الربيع بلغ عدد الموتى الذين صلى عليهم بمصلى باب النصر 407، وفي مصلى البياطرة 215، ومصلى المؤمني185.

3 / 5 : وفي يوم الاثنين 29 شعبان توفي بالطاعون طفل للسلطان السابق خشقدم وكان في السادسة من عمره.، ذكروه لأنه ابن السلطان ..أما الباقون فهم مجرد أعداد بلا أوصاف وأسماء .

 الفصل التاسع عشر : التواتر الشيطانى فى : إبتداع صلاة السنن بديلا عن النوافل

أولا : صلاة النوافل الاسلامية :-

1 ـ النافلة تعنى الزيادة . وقد وهب الله جل وعلا لابراهيم ابنه البكرى إسماعيل ثم وهب له زيادة أو نافلة ابنه الآخر اسحاق ثم عاش ابراهيم حتى رأى حفيده يعقوب . قال جل وعلا : (  وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖوَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ﴿٧٢﴾ ) الأنبياء ) .

الزيادة فى العبادة أى فى العبادة المفروضة تأتى بمعنى النافلة ، وجاء فى سياق قيام الليل فى سورة الإسراء (  أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴿٧٨﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ﴿٧٩﴾).

أنواع عبادة النوافل

1 ـ تلاوة القرآن وتأويله فى بداية ما نزل من القرآن الكريم : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ المزمل )

2 ـ  : الاستغفار : (  كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿١٨﴾ الذاريات   )

3: التسبيح : (  وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴿٣٩﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴿٤٠﴾  ق ) (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴿٤٨﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴿٤٩﴾ الطور ) (فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴿١٣٠﴾ طه )

4 : الدعاء : (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ) (١٦﴾السجدة )

5 : الصلاة : (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ )ِ ﴿٩﴾ الزمر )

6 : التفكر فى عظمة الخالق جل وعلا والتوسل اليه بالدعاء : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٠﴾ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿١٩١﴾ آل عمران ) .

توقيت عبادة النوافل

هى تختلف عن الصلوات الخمس المفروضة المحددة بالتوقيت . عبادة النوافل فيها الاختيار للمتعبد حسب ظروفه . يتضح هذا فى قوله جل وعلا : (  فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴿٣٩﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴿٤٠﴾  ق ) (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴿٤٨﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴿٤٩﴾ الطور ) (فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴿١٣٠﴾ طه ) ( أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴿٧٨﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ﴿٧٩﴾ الاسراء).

من حيث الشكل والكيفية :

فى أى وضع ، قال جل وعلا :( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ﴿١٩١﴾ آل عمران )

من حيث المدة والاستطاعة :

1 :الأكثر : (  كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿١٨﴾ الذاريات   ) (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) ﴿٩﴾ الزمر )(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ المزمل )

2 ـ التوسط والتيسير : (  إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّـهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّـهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ )﴿٢٠﴾ المزمل ) ( تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ) ﴿١٦﴾السجدة )  .

ثانيا : قيام الليل وصلاة النوافل بين التواتر الاسلامى والتواتر الشيطانى

1 ـ ذكر الله جل وعلا السابقين إيمانا وعملا من الصحابة ، ونعتقد أنهم كانوا يقومون الليل عبادة وخشوعا لرب العزة جل وعلا وبالتالى فلم يكن لديهم وقت للإنغماس فى الحروب والفتن والصراع السياسى . لانعزالهم عن المجال العام الذى شغله الخلفاء الفاسقون وأتباعهم وخصومهم فقد أهمل التاريخ ذكر أولئك الصحابة السابقين الأبرار .

2 ـ وفى تاريخ الصحابة والتابعين منهم من كان يقضى ليله يقرأ القرآن ويصلى ثم يتفانى فى قتل الأبرياء ، وقد تخصص الخوارج فى هذا. كانوا معروفين بلقب ( القّرّاء ) وبسمات السجود فى وجوهمم كما كانوا معروفين أيضا بتطرفهم ووحشيتهم فى قتل الأبرياء . جعلوا من تطرفهم فى العبادة وسيلة لتطرفهم فى القتال. أى إستمر التواتر وقتها من حيث الشكل مع إختلاف الثمرة والنتيجة .

3 ـ وفيما بعد تحول الكفر السلوكى الذى وقع فيه الصحابة والتابعون ( من الغزو والحروب الأهلية ) الى كفر قلبى تمثل فى تقديس وعبادة النبى محمد ومن اسموهم بالخلفاء الراشدين ثم الأئمة والأولياء . وبهذا تحولت عبادة قيام الليل الى ما أسمون بصلاة السُنّة ، ثم جاء دين التصوف بالانحلال الخلقى فجعل من قيام الليل مناسبة للفجور ، كما جعل مواسم دينية وأماكن دينية للفجور فى الموالد . ونعطى لمحة تاريخية :

ثالثا :صلاة السنن فى الدين السُّنّى فى لمحة تاريخية

1 ـ تعبيرا عن عبادتهم للنبى محمد أقحموا إسمه فيما يسمى بالتحيات فى الصلاة ، وفى الأذان ، ثم إخترعوا صلاة زائدة له سمُّها صلاة ( السُّنّة ) أو ( صلاة السُّنن ). وتوارث المحمديون حتى اليوم تلك الصلاة الزائدة ، فأنت تصلى الظهر وتصلى قبله ركعتين " سنة " وتصلى بعده ركعتين " سنة " ، وهناك صلاة لتحية المسجد كما لو كان المسجد فى حدّ ذاته إلاها تجب تحيته والصلاة له. ويعتبر المحمديون أن صلاة الفرض هى لله جل وعلا أما صلاة السنة فهى للنبى وفق عبادتهم للنبى محمد .

2 ـ على أنهم فى البداية أطلقوا على الصلاة الزائدة مصطلح النافلة ، وصنعوا فى ذلك حديثا ذكره ابن سعد فى الطبقات الكبرى ، نسبوها لصحابى اسموه ( يزيد بن الأسود ) يزعم أنه " صلينا مع النبى الفجر فى مسجد منى فى حجة الوداع ، فلما قضى الصلاة التفت فإذا هو برجلين لم يصليا ، فسألهما : ما منعكما أن تصليا معنا ؟ قالا : يا رسول الله صلينا فى رحالنا ، قال : إذا جئتم والأمام يصلى فصلّوا معه فإنها لكم نافلة " ( ابن سعد 5 / 378 ) .

3 ـ ثم جاءت روايات أخرى عن الصلاة الزائدة بدون تحديد مسمى لها ، روى ابن سعد عن  عبدالرحمن بن زيد " لقد خرجنا مع على وهو يريد مسكن فصلى ركعتين بين الجسر والقنطرة " ( ابن سعد 6 ، 159 ) .ورواية تقول : ( وكان أبو المليح يداوم على الصلاة بين المغرب والعشاء بجانب المنبر وقد توفى سنة 181 ( ابن سعد 7 ، 2 ، 182 ) .

 4 ـ وبدأت مبكرا روايات مصنوعة فى مناقب المشاهير من الصحابة والتابعين تضخّم من صلاتهم وعباداتهم ، وبالتالى تكون زائدة على الصلوات الخمس المفروضة ، وعهدنا بأولئك الصحابة والتابعين المشهورين الذين إحتفى بهم التاريخ أنهم إنشغلوا بالفتوحات والفتن والانغماس فى السياسة ، لكن العصر العباسى كافأهم بهذه الروايات التى تشيد بمناقبهم ، هذا فى الوقت الذى لا نعرف شيئا عن السابقين من الصحابة الذين لم يلتفت اليهم التاريخ بينما اشاد بهم رب العزة جل وعلا فى سور الحشر والأحزاب والتوبة . ونعطى أمثلة :

4 / 1 : يروى ابن سعد  أن الأحنف بن قيس زعيم بنى تميم وأحد رءوس الفتنة فى بداية العصر الأموى : ( كان يقضى الليل فى الصلاة أو " كانت عامة صلاة الأحنف فى الليل " ( ابن سعد 7 ، 67 )

4 / 2 :  أما عن ابن عون فقد( كان له سبع من القرآن يقرأه كل ليلة فإذالم يقرأ بالليل أتمه بالنهار ) ( ابن سعد 7 ، 2 ، 28 ).

4 / 3 : وأن أبا صخر الأيلى كان يجمع بين الصلاة والبكاء ليلا : ( كان يصلى الليل أجمع ويبكى ).  ( ابن سعد 7 ، 2 ، 206 ) .

4 / 4 : وأن عمار بن ياسر ( كان يوتر من أول الليل ثم ينام فإذا استيقظ صلى ركعتين إلى ما شاء الله ( ابن سعد 7 ، 108 : 109 ) وقالوا مبالغات أخرى عن عبد الله بن الزبير وهو من الشخصيات الوضيعة فى عصره .

4 / 5 : وبعضهم كان يحلو له المبيت فى المسجد ، وفى مسجد الكوفة المليئة بالنفاق والمؤامرات إمتلأ مسجدها بمن سموأ انفسهم متهجدين بالليل ، وقد دخل شبيب الخارجى إلى مسجد الكوفة حين أغار على الكوفة ليلا فقتل المتهدجين ، فترك الناس التهدج فى المسجد من ليلتئذ . ( ابن سعد 6 ، 243 ). ماذا عليهم لو تهجدوا فى بيوتهم ؟

4 / 6 : ثم ظهر فى العصر العباسى متعبدون متطرفون هم ( البكاءون ) قيلت فيهم أعاجيب كاذبة مختلطة بأساطير المنامات والمعجزات ( الكرامات ) ، وملأ ابن الجوزى تاريخه ( المنتظم ) بهؤلاء المرائين ، وقد عرضنا لهم فى بحث منشور فى موقعنا فى قسم الدراسات التاريخية .

رابعا : أشهر صلاة السُّنن :

صلاة الضحى :

1 ـ فى مقابل إماتة الأمويين الصلاة وتأخيرها زايد عليهم المعارضون بالصلاة فى مواقيتها بل والتزم بعضهم بتأدية صلاة جديدة ابتدعوها وهى صلاة الضحى . ولم يرحب الأمويون بهذه الصلاة الجديدة ، فقد روى أن سويد بن غفلة كان يؤذن بالهاجرة فسمعه الحجاج وهو بالدير فقال أتونى بهذا المؤذن . فجىء به فقال له : ما حملك على الصلاة بالهاجرة ؟ فقال صليتها مع أبى بكر وعمر ، فقال : لا تؤذن لقومك ولا تؤمهم .( ابن سعد ، 45 : 46 )

والواضح أنه نسب صلاة الضحى لأبى بكر وعمر ليتخلص من بطش الحجاج .

وقد صيغت روايات عن صلاة الضحى فى عهد عمر للرد على إحتجاج الأمويون . روى ابن سعد أن عمر قال : عباد الله أضحوا لصلاة الضحى " ( ابن سعد 6 ، 108 ). ورفعوا حديثا مصنوعا للنبى محمد عليه السلام ، زعموا أن أبا عسيب مولى النبى محمد كان يصلى الضحى قائما فحجز مكان يصلى فيه قاعدا ( ابن سعد 7 ، 42 ) . والواضح أنها محاولة لنسبة صلاة الضحى إلى شخص قريب جدا من النبى ولكن الرواية تثير تساؤلا إذا كان هذا الرجل يصلى الضحى قاعدا بعد عجزه فكيف بالصلوات الأخرى ؟ هل كان يصليها أيضا قاعدا بعد عجزه ؟ وعلى كل حال فإن هذاه الرواية لم تفلح فى خلق إجماع على تأدية هذه الصلاة فقد كان علقمة بن قيس ( لا يغتسل فى السفر يوم الجمعة ولا يصلى الضحى ) " ابن سعد 6 ،  58

صلاة التراويح :

1 ـ زعموا أها بدأت فى خلافة عمر ، يقول ابن إياس الهذلى : كنا نقوم فى عهد عمر بن الخطاب فرقا فى المسجد فى رمضان من هنا وهناك فكان الناس يميلون إلى أحسنهم صوتا ، فقال عمر : أراهم قد اتخذوا القرآن أغانى ، أما والله لئن إستطعتم لأغيرن هذا فلم يمكث إلا ثلاث ليا حتى أمر أبى كعب فصلى بهم ثم قام فى أخر الصفوف فقال : لئن كانت هذه بدعة فنعم البدعة هى ( ابن سعد 5 ، 42 ) . وزعموا أنه فى خلافة على بن أبى طالب ، أمر شريحا أن يصلى بالناس فى رمضان ، يعنى قيام الليل  ( ابن سعد 6 ، 95 ) .

2 ـ وأطلقوا عليها صلاة التراويح . ومصطلح التراويح يفيد الراحة بين كل صلاة وصلاة . فيروى عن عبدالرحمن بن الأسود الذى شهد حياة السيدة عائشة أنه كان يصلى بقومه فى رمضان أثنتى عشرة ترويحة ، ويصلى لنفسه بين كل ترويحتين إثنى عشر ركعة ، ويقرأ بهم ثلث القرآن ، وكان يقوم بهم ليلة الفطر ، ويقول أنها ليلة عبد ( ابن سعد 6 ، 203 ) .

3 ـ  واستمرت صلاة التراويح فى المساجد حتى الآن . ولا يزال يتم فى الريف قيام الليل بإستئجار قارىء للقرآن يقوم بختم القرآن طيلة ليالى رمضان يهب الثواب لمن مات من أهل المنزل الذى يستأجره ... بزعمهم .

صلاة ليلة النصف من شعبان

1 ـ نشر التصوف الانحلال الخلقى فى العصر المملوكى ، وعززه بأحاديث ، ومنها ما أضفاه المتصوفة من أفضال كثيرة على ليلة النصف من شعبان :. ( ابن أجا : تاريخ يشبك 235 )  وقد جعلوا لها صلاة خاصة يقرأ فيها (قل هو الله أحد) ألف مرة لأنها مائة ركعة في كل ركعة عشر مرات ، يقول أبو شامة فى كتابه ( الباعث فى الانكار على الحوادث : (وهى صلاة طويلة مستثقلة لم يأت فيها خبر ولا أثر إلا ضعيف موضوع). وذكر الأحاديث الموضوعة في ليلة النصف من شعبان وقال عن الوضاعين من الصوفية (وكلفوا عباد الله بالأحاديث الموضوعة فوق طاقتهم). وفي الوقت الذى تقاعس فيه العوام عن الصلاة المفروضة هرعوا إلى صلاة النصف من شعبان استجابة للأشياخ الصوفية ودعايتهم وعبادة منهم للتشريع الصوفي الذى يكلفهم فوق ما يطيقون.  

2 ـ يقول أبو شامة عن تلك الصلاة ( وللعوام بها افتنان عظيم والتزم بسببها كثرة الوقيد (الإضاءة) في جميع مساجد البلاد التى تصلي فيها ، ويستمر ذلك كله ويجري فيه الفسوق والعصيان واختلاط الرجال بالنساء). ( الباعث فى الإنكار على الحوادث :  9، 24 ، 29 )

3 ـ أى هو قيام الليل لممارسة الفسوق فى المساجد . وإذا عرف السبب بطل العجب فالعامة تسمع وتطيع لمن ييسر لها سبل الإنحراف ..



[1]
المدخل جـ2 /11.

[2] المدخل جـ2/11.

[3] إحياء جـ2/299.

[4] تاريخ ابن الفراتجـ9/1/25.

[5] النجوم الزاهرة جـ15/530.

[6] النجوم الزاهرة جـ6/159.- تا ريخ ابن إياس جـ2/368 تحقيق أحمد مصطفى

[7] تيمور .الأمثال الشعبية 294.

[8] شعلان الشعب المصرى في أمثاله 170.

[9] تيمور الأمثال الشعبية 140.

[10] تيمور. الأمثال الشعبية 315.

الباب الرابع : تحريف التواتر فى الصلاة بين الفقه والحديث :

 ( مقدمة )

أولا :

كتب الحديث ليست مصدرا لتعلم الصلاة  

1 ـ هب أنك مطالب بالبحث عن الصلاة وكل ما يتعلق بها فى كتب الأحاديث المختلفة ، وأن ذلك فرض دينى لا بد منه على كل مسلم عالما كان أم جاهلا قارئا كان أم أميا ، شابا أم شيخا ذكرا أم أنثى. هل يستطيع كل فرد عمل ذلك ؟

هب أن كل تلك الكتب ـ التى لا نهاية لصفحاتها ولا نهاية لاختلافاتها وتناقضاتها ـ  كانت جزءا من الدين ونحن مأمورون بقراءتها وتلاوتها ودراستها كالقرآن الكريم ، من يستطيع اداء هذا الواجب الدينى وتلك الفريضة؟

2 ـ  الرحمةالالهية اقتضت أن يكون لك كتاب إلهى واحد ميسر للذكر مفصل كامل تام حتى لا  تضيع بين اسفار البشر الكاذبه المختلفة المتناقضة . ولأنه لا إله الا الله الواحد فليس الا كتاب واحد هو القرآن، اذا اتخذت معه كتبا أخرى فقد جعلت مؤلفى هذه الكتب آلهة مع الله ، وجعلت شخصياتهم فوق النقد وفوق الخطأ ، وتناسيت انهم بشر سيتعرضون للحساب مثلى ومثلك أمام الواحد القهار جل وعلا.

3 ـ لقد ظل خاتم النبيين متمسكا بكتاب الله وحده متبعا لوحى الله وحده ، ثم دخل المسلمون عصر الفتنة ولم يخرجوا منه حتى الأن ؛ ولابد للفتنة من دستور ينشر الخلاف والتفرق فاخترعت أحاديث منسوبه للنبى راجت فى عصر الفتنة الكبرى ، ثم ازداد إنتشارها بمرور الزمن إلى أن تم تدوينها منذ القرن الثالث الهجرى وأصبحت  الدستور الحقيقى الذى يتمسك به المحمديون حتى الآن، بل على أساسه يتهمون القرآن بأنه ناقص مجمل ولا يكفى وحده فى بيان الدين . والحجة المفضله لديهم هى أن القرآن ليس فيه عدد ركعات الصلاة ومواقيتها ... وأن الاحاديث هى التى ذكرت ذلك كله .

4 ـ وهذة الحجة المضحكة يقولها الكثيرون من الجهلة محترفى العلم ومن محترفى التدين بل يقولها من لم تعرف قدماه مسجدا للصلا"> 1 ـ وفى صفحة واحدة يقول البخاري "كان النبي يتوضأ عند كل صلاة" وبعدها مباشرة حديث يناقضه "إن النبي صلى المغرب ولم يتوضأ" (البخاري: الجزء الأول ص 62).
2 ـ وتأتى أحاديث كثيرة تحض على سرعة التبكير بالذهاب لصلاة الجمعة، وتملأ هذه الأحاديث صفحات من البخاري ثم يتبعها حديث ينقضها جميعاً يقول "إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".. (البخاري: الجزء الثاني ص 3، 4، 8، 9)

3 ـ وروايات متناقضة في صلاة الكسوف تملأ صفحات وقد يخرج منها القارئ بتصميم على ألا يصلى الكسوف أبداً (البخاري: الجزء الثاني ص 42: 50)

4 ـ وأحاديث تحذر من المرور بين يدى المصلى وتأمر المصلى أن يخرج من صلاته ليقاتل ذلك المسلم الذى مر أمامه لأنه شيطان "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله إنما هو شيطان" "لو يعلم المار بين يدى المصلى ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه". وفى نفس الصفحة أحاديث تبيح ذلك منسوبة لعائشة "لقد رأيت النبي يصلى وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة على السرير" "كنت أنام بين يدى رسول الله ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما" ثم حديث ابن عباس "أقبلت راكباً على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله يصلى بمنى إلى غير جدار فمررت بين يدى بعض الصف وأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصف فلم ينكر ذلك علىّ أحد" وأحاديث أخرى تجعل الحمير والخراف والنساء تمر أمام النبي وهو يصلى، فأيهما نصدق؟ (البخاري: الجزء الأول ص 128: 129، الجزء الأول ص 29، ص 126).
5 ـ  وهناك أحاديث تأمر المرأة بأن تصلى وهى حائض وأحاديث أخرى تنهى عن ذلك (البخاري: الجزء الأول ص 81، 84، 85، 86).

6 ـ وأحاديث تأمر بالصلاة بعد الصبح وبعد العصر وأحاديث تنهى عن ذلك (البخاري: الجزء الأول ص 143: 145).

7 ـ وأحاديث تثبت أن النبي كان يصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين في غير السفر وفى غير الخوف منها: "خرج علينا رسول الله بالهاجرة فأتى بوضوء فجعل الناس يأخذون منه فضل وضوئه فيتمسحون به فصلى النبي الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة" "أن النبي صلى بهم البطحاء وبين يديه عنزة الظهر ركعتين والعصر ركعتين يمر بين يديه المرأة والحمار" (البخاري: الجزء الأول ص 57، ص 126).
8 ـ وأحاديث أخرى تقول أن النبي كان يصلى الصبح أربع ركعات "أن رسول الله رأى رجلاً وقد أقيمت الصلاة يصلى ركعتين فلما انصرف رسول الله لاث به الناس وقال له رسول الله: الصبح أربعاً الصبح أربعاً" (البخاري: الجزء الأول ص 159: 160).

9 ـ من يؤمن بالبخارى ويجعله مصدرا للصلاة سيخرج من قراءة البخارى بالشك العظيم فى الصلاة ، بل ربما فى الشك فى الاسلام نفسه .
ومع هذا يجعلون البخاري وكتب الاحاديث مصدرا للمعرفة بالصلاة وكيفيتها ، ولم يتساءل احدهم كيف كان المسلمون يصلون قبل مولد البخاري ؟

ونكتفى بذلك حرصا على صحة بعض الناس .

ثالثا :

الفقهاء والتشكيك فى الصلاة :.

1 ـ الفاتحة كانت بداية الصلاة التى تعلمها إبراهيم واسماعيل ونزلت فى القرآن كما نزلت فى سائر الوحى لجميع الانبياء بكل اللغات . و الفاتحة عند الاسرائيليين  بنفس المعنى والتشابه بين الالفاظ العربية والعبرية واضح فيها .وبعد الفتوحات العربية تعلمت البلاد المفتوحة الصلاة وقراءة الفاتحة باللغة العربية . ثم كانت روايات الأحاديث الضالة التى  تشكك فى الصلاة وعلى أساسها دارعلم الفقه واختلافاته حول الصلاة التى  لم تعرف إختلافا قبل ظهور اولئك الفقهاء .

2 ـ واختلافات الفقهاء حول الصلاة كثيره إلا إننا نكتفى منها ببعضها - حرصا منا كالعادة على صحة بعض الناس .

2 / 1 : ينقل ابن كثير فى تفسيره للفاتحة إختلاف الفقهاء فى قراءة الفاتحة فى الصلاة هل يجب قراءتها ام لا يقول " فعند ابى حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم أنها لا تتعين بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه فى الصلاة "  " والقول الثانى انه تتعين قراءة الفاتحة ففى الصلاة ولا تجزىء الصلاة بدونها وهو قول بقية الائمة ......"  

2 / 2 : ثم اختلفوا فى قراءتها فى كل ركعة " فذهب الشافعى وجماعة من أهل العلم أنه يجب قراءتها فى كل ركعة وقال أخرون أنه تجب قراءتها فى معظم الركعات وقال الحسن واكثر البصريين : انه  تجب قراءتها فى ركعة واحدة من الصلوات " وقال ابو حنيفة واصحابه والثورى والأوزاعى : لا تتعين قراءتها بل لو قرا بغيرها أجزأه"

2 / 3 : ثم اختلفوا فى "هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم فى صلاة الجماعة ؟ فقال بعضهم أنه  تجب على المأموم قراءة الفاتحة كما يجب على الإمام . وقال بعضهم لا يجب على المأموم قرأءة الفاتحة او غيرها . وقال أخرون بوجوب قراءة المأموم فى السرية ولا يجب عليه الجهر. ولكل فريق فى الآراء السابقة إحتجاج بأحاديث متعارضة .

3 ـ ومن حسن الحظ أن هذه الآراء بقيت فى بطون الكتب بعيدا عن أغلبية الناس .فظلت مجرد آراء للفقهاء نصبوا من أنفسهم مشرعين فى دين الله جل وعلا. ولكن بعض الأحاديث انتشرت بين الناس جميعا لأنه كان يرويها القصّاص الذين كانت تعينهم الدولة أو كانوا يتطوعون بهذا العمل لنشر ايدلوجية ما أو عقيدة ما . كانت تلك الأقاصيص والحكايات تقال للناس فى المساجد بعد الصلاة فاستهوت عواطفهم واستولت على مشاعرهم، ولأن لبعضها دخلا بالصلاة فقد أصاب الصلاة منها تحريف لا يزال مع شديد الأسف ساريا حتى الان ، ونقصد بذلك أحاديث المعراج وصيغة التحيات .

 الفصل الأول : مالك بن أنس ( 93 ">1 ـ : هذا يعنى أنه كان يكتب ويتكلم من دماغه ، ولا ينقل من كتاب سابق أو كتب سابقة . وبالتالى : كيف يمكنه بالذاكرة تجميع أكثر من ألف إسناد مختلف ، كل واحد منها لحديث من تلك الأحاديث التى فاقت الألف حديث ؟ كيف له أن يملى من ذاكرته أكثر من ألف إسناد مختلف يقول فى كل واحد منها ( أخبرنا فلان عن فلان عن فلان ) أو ( حدثنى فلان عن فلان عن فلان ) مع إختلافات فى تلك الإسنادات ؟ لا يمكن أن يحفظ فى ذاكرته كل هذه العنعنات . أى مستحيل أن تكون تلك العنعنات صحيحة ، بل هى بالقطع مصنوعة . يؤكد هذا أنه فى وقته كان يتكلم عن رواة ماتوا من قبل ، ماتوا دون أن يعرف أحدهم ما أسنده اليه مالك من أحاديث . أى زعم مالك بعد موت هؤلاء الناس جيلا بعد جيل أن فلانا قال لفلان الذى قال لفلان الذى قال لفلان الذى قال أن النبى أو الصحابى قال كذا. وهؤلاء الأشخاص كلهم ماتوا جيلا بعد جيل دون أن يعلم أحدهم  شيئا عن مستقبل سيأتى فيه مالك ويزعم أقوالا ينسبها اليه .

2 ـ  يؤكد هذا قولهم ان مالك جمع الموطأ فى اربعين عاما ، وأنه فى البداية كان يحوى تسعة آلاف حديث ، ثم لم يزل ينتقى منه حتى رجع الى سبعمائة . هذا مع أن أشهر نُسختين للموطا في كل منها يوجد أكثر من ألف حديث وليس 700  . الموطأ رواية يحيى بن يحيى فيها 1861 حديثا ، آخرها الآتى : (  1861 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ ‏"‏ ‏.) .   

أما الموطأ رواية محمد بن الحسن الشيبانى فيحوى 1008 حديثا ، آخرها هو ( أخبرنا مالك ، حدثنا عبد الله بن دينار ، أن عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله (ص ) قال : إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كما بين صلاة العصر الى مغرب الشمس ، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل إستعمل عاملا فقال ..الخ ) : ( موطأ مالك : رواية محمد بن الحسن الشيبانى ( 132 189 ). ط 2 ، تحقيق : د عبد الوهاب عبد اللطيف . المكتبة العلمية )

3 ـ وننصح من يريد بالرجوع الى موطأ مالك ليراجع الأسانيد المختلفة لكل الأحاديث .

 4 ـ نعيد الـتأكيد على أن مالك أملى أسانيد الموطا كلها من دماغه ، صنعها بنفسه ، إذ يستحيل على الذاكرة البشرية أن تعى هذا كله وتحفظه .

ثانيا : هناك أكثر من 20 نسخة مختلفة من الموطأ

1 ـ مالك أملى الموطأ على أكثر من عشرين شخصا فى أوقات مختلفة وكل منهم كتب نسخة من الموطأ مختلفة عن غيره ، وكل منهم كتب ما قال إنه سمعه من مالك ، وبعضهم أملى ما سمعه من مالك على غيره ، مثل يحيى بن يحيى ، فجزء من الموطأ المنسوب اليه رواه عن آخر عن مالك وجزء نقله من مالك . ولهذا توجد نسخ مختلفة من الموطا فى عدد الأحاديث وفى الاسناد وفى متن الحديث . أى أننا أمام رجل يتكلم من ذاكرته لكل واحد من تلاميذه ، ويتكلم من ذاكرته بأسانيد مختلفة ، وبمتون احاديث مختلفة وفى أوقات مختلفة . هذا على فرض أن كل واحد ممن كتب الموطأ كان صادقا فى نقله عن مالك .

2 ـ واشهر نسخ الموطأ :

2 / 1 : الموطأ : رواية محمد بن الحسن الشيبانى تلميذ أبى حنيفة ، والذى تنكب طريق أبى حنيفة فعمل قاضيا فى الدولة العباسية ، وكان يروى أحاديث مالك فى الموطأ ويقول رأيه هو ، وأحيانا ينسب أحاديث لشيخه أبى حنيفة .

2 / 2 : الموطأ رواية يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملل المصمودى الأمازيغى ( توفى عام 234 ) ، وقد روى يحيى الموطأ عن بعض الرواة ، ثم إرتحل بنفسه الى المدينة فلقى مالك قبيل موت مالك عام 179 ، فسمع من مالك معظم الموطأ . وإشتهرت رواية يحيى للموطأ لأنه هو الذى نشر مذهب مالك فى الاندلس وشمال أفريقيا .

2 / 3 : وهناك روايات أخرى للموطأ أقل شهرة ، منها موطأ : ( ابن وهب الفهرى ت 197  ) ( ابن القاسم ت 191 ) ( معن بن عيسى 198  ) ( القعنبى ت 221  ) (  التنيسى ت 218 يحيى بن بكير المصرى ت 231  ) ( سعيد بن عفير ت 226 ) ..الخ ..

ثالثا : مالك يزعم كذبا أنه لقى ابن شهاب الزهرى وروى عنه الحديث :

1 ـ ابن شهاب الزهرى أشهر المصادر المذكورة فى الموطأ .ومالك يزعم فى الموطأ انه روى عنه وأنه كان يسأله ويأخذ عنه الأحكام . وهذا كذب فاضح . لأن الزهرى : مولود عام 58 ، ثم رحل لدمشق فى حدود عام 80 ،ومات عام 124 . بينما ( مالك : مولود عام 93 ) بعد أن غادر ابن شهاب الزهرى المدينة بثلاثة عشر عاما ، ولم يفارق مالك المدينة ومات بها عام  179 ، ولم يأت ابن شهاب الزهرى المدينة مطلقا بعد أن غادرها لأنه تفرغ لتربية أبناء وأحفاد الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان . أى أنه وقت مولد مالك فى المدينة عام 93 كان الزهرى قد ترك المدينة تماما ، وعاش معتكفا فى قصر الخلافة الأموية بدمشق يخدم الخليفة عبد الملك وأولاده وأحفاده ، وإنه أثناء انشغال الزهرى بخدمة الأمويين فى دمشق كانت ولادة مالك فى المدينة عام 93  وحياته فيها بعيدا عن الزهرى الى أن مات الزهرى عام 124 .   فأين التقيا ؟ 

2 ـ كان مالك يكذب فى كل رواياته التى كتبها فى العصر العباسى بعد موت الزهرى فى العصر الأموى زاعما بالكذب أنه سمعها من الزهرى وغيره .  

رابعا : مالك يزعم كذبا أن ابن شهاب الزهرى روى عن النبى عليه السلام

1 ـ من السهل ملاحظة كثرة الأحاديث التى زعم مالك أنه رواها وسمعها من ابن شهاب الزهرى ، ولكن هناك ملاحظة أخرى دقيقة وخطيرة ، وهى أن مالك يزعم كذبا أن ابن شهاب الزهرى روى الحديث عن النبى  مباشرة، بما يعنى أن ابن شهاب الزهرى عاش مع النبى وروى عنه ، هذا مع أن ابن شهاب الزهرى مولود فى العصر الأموى فى عام 58 ، فكيف عاش مع النبى عليه السلام .

2 ـ ونستشهد بحديثين فى موطأ مالك برواية يحيى بن يحيى : ( 433 - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ‏.‏ ) ( 1506 - حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ‏.‏ أَنَّ رَجُلاً اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَ ‏.‏ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِاعْتِرَافِهِ عَلَى نَفْسِهِ . ).

والحديث الأخير فى أكذوبة ( حد الرجم ) ورد أيضا فى الموطأ برواية الشيبانى تحت رقم  692 : ( اخبرنا مالك ، اخبرنا ابن شهاب ان رجلا اعترف علي نفسه بالزنا علي عهد رسول الله ( ص) وشهد علي نفسه اربع شهادات ، فأمر به فحد . قال ابن شهاب : فمن اجل ذلك يؤخذ المرء باعترافه علي نفسه ؟ ). ناقشنا من قبل ( أُكذوبة الرجم فى الأحاديث ) وكيف إخترعها مالك وهو أول من إفترى هذه الأكذوبة القاتلة ، وسار على سنّته الشافعى وابن حنبل والبخارى  وبقية أئمة الدين السُّنّى . وبسبهم كان ـ ولا يزال تنفيذ الرجم ظلما وعدوانا. ويتحمل الامام مالك مسئولية هذا الإفك .

أخيرا

 ولأن دين السُّنّة ـ مثل غيره من الأديان الأرضية ـ مؤسس على الكذب ، فقد تباروا فى تقديس الموطأ . قال الشافعى : ( ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله، أصح من كتاب مالك". وقال البخاري عن الموطأ: "من أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر". ) . وإذا كان هذا صحيحا فلماذا لم يكتفوا بالموطأ ؟ لماذا كتبوا بعده مؤلفاتهم يختلفون فيها مع موطأ مالك ؟ 

الفصل الثانى: التواتر الشيطانى فى تبديل التشهد بالتحيات ( 1 )

 مقدمة :

كثير من خرافات الصلاة التى إبتدعها مالك ومن جاء بعده من الفقهاء تناساها الناس ولم تتواتر بعدهم مثل الأوقات المكروه فيها الصلاة ، وخرافات الاستغناء عن الفاتحة فى الصلاة. ولكن هناك خرافات فى الصلاة إبتدعها مالك واستمرت تتواتر بعده وتتمثل فى اسطورة التحيات بديلا عن التشهد وقصر الصلاة وجمعها فى السفر العادى والصلوات التى جعلوها سُنّة  كالعيدين والأضحى ، وصلاة الجنازة. ونعرض لها من الناحية التشريعية الشيطانية . ونبدأ بالتشهد الاسلامى الذى أبدلوه بالتحيات الشيطانية .

أولا : التشهد الاسلامى

1 ـ التشهد كما يدل معناه إقرار بالعبودية لله وحده لا شريك له فى نهاية الصلاة . وكانت الصيغة القرآنية فيه قوله تعالى " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) آل عمران 18" . ومهم أن بعدها يقول رب العزة جل وعلا : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) أى إن هذا التشهد أصل الاسلام دين رب العالمين ويقال فى الصلاة ، وهذا هو التواتر الاسلامى فى التشهد الاسلامى فى الصلاة . ولكن يحدث إختلاف بعد نزول الوحى الالهى بالعلم ، فلا يلبث أن يبغى الوحى الشيطانى على دين رب العالمين ، فى تتابع بين التواتر الاسلامى والتواتر الشيطانى الباغى ، يقول جل وعلا : ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) وبعدها يقول جل وعلا عمّن يرفض صيغة التشهد الاسلامية : ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) . وأتباع الوحى الشيطانى الذين يبدلون نعمة الله كفرا سيجادلون فى الحق الذى تبيّن ، وهذا ما أنبأ به رب العزة جل وعلا مقدما وأنزل مقدما الرد عليهم : ( فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) آل عمران 19 ـ 20 ). إن أسلموا وجوههم وقلوبهم لرب العزة مرتضين بالتشهد الاسلامى فقد إهتدوا ، وإن تولوا معرضين فليس على خاتم النبيين سوى البلاغ.

2 ـ هذه الآيات تنبىء مسبقا عن خلل سيقع بعد نزول القرآن واكتماله يتمثل فى استبدال الصيغة العظمى للتشهد براويات مختلفة هزيلة صيغت كلها فى العصر العباسى عصر التدوين والتأثر بالاسرائيليات وأساطير المعراج والتشيع والتصوف أو ما سماه رب العزة "العلم الباغى"، وهو نفس ما وقع فيه أهل الكتاب من قبل حين اتخذوا الكتاب مهجورا فوقعوا فى الاختلاف (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ). تكررت نفس القصة بعد نزول القرآن الكريم آخر الكتب الالهية .

3 ـ  وقد يقول قائل أن التشهد إقرار بأنه لا إله إلا الله وللمؤمن أن يختار الصيغة التى يريدها . وهكذا اختلف العلماء ولم يروا بأسا فى تعدد الصيغ . ونقول ان المؤمن يكتفى بالصيغة العظمى للتشهد التى جاءت فى سورة آل عمران "اية18"  إذا عرفها ، ويصح أن يقول ( أشهد أنه لا إله إلا الله ) ويؤكد شهادته أنه ( لا إله إلا الله ) بأى لفظ . أما أن يخترع كلاما فيه ذكر لغير الله جل وعلا فهذا يناقض كون الصلاة لذكر الله جل وعلا وحده وتعظيمه جل وعلا وحده وتقديسه وحده.

4 ـ على أن صيغة التشهد التى جاءت فى هذه الآية الكريمة( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) لم يقدرها المسلمون حق قدرها. أنها شهادة رب العزة بذاته على أنه لا اله الا هو، ويشهد معه الملائكة وأولو العلم القائمون بالقسط . وهى الآية القرأنية الوحيدة التى تكررت فيها لا اله الا الله مرتين برغم قصرها .وهى للتأكيد على ان للاسلام شهادة واحدة هى لا اله الا الله ، ومن قالها وأقرّ بها فقد آمن ضمنيا وصراحة بكل رسل الله تعالى لا يفرق بين أحد من رسله. والتشهد بهذا المعنى يحقق معنى أن تكون الصلاة لله تعالى وحده لاتقديس ولا ذكر فيها لغيره جل وعلا مصداقا لقوله تعالى (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي )(طه  14 ) 

5 ـ ويلفت النظر أن شهادة رب العزة بذاته على أنه لا إله إلا هو ـ والتى لم يقدرها المسلمون حق قدرها ــ   قد جاءت فى مواضع أخرى فى القرآن الكريم بالاضافة الى سورة آل عمران عن التشهد كما سبق بيانه.

5 / 1 : فى سورة الأنعام المكية يؤكد الله تعالى شهادته ـ وهى أعظم شهادة ـ على أن القرآن الكريم وحى من الله تعالى ، كما يؤكد فى شهادته جل وعلا أنه لا اله الا هو وأنه تعالى برىء من المشركين ، يقول تعالى (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) الأنعام 19 )

5 / 2 : وفى سورة النساء المدنية تأتى  شهادة الرحمن عن القرآن الكريم . وهو ـ اى القرآن أيضا ـ ما لم يقدره المسلمون حق قدره ، بدليل اضطرارنا لتأليف هذا الكتاب للدفاع عن القرآن ضد من يتهم كتاب الله تعالى العزيز بأنه مفرّط وغامض وناقص . يقول تعالى (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) النساء 166 ) فالملائكة تشهد مع الله تعالى أنه جل وعلا قد أنزل القرآن بعلمه وكفى بالله تعالى شهيدا لمن يقدر الله تعالى حق قدره.

5 / 2 / 1 : ومعنى أنه جل وعلا أنزل القرآن بعلمه أنه لم يخطىء ولم يكذب حين قال انه ما فرّط فى الكتاب من شىء ، وأنه نزّل الكتاب تبيانا لكل شىء، وأنه جاء بالتفصيلات عن علم مصداقا لقوله تعالى (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ألأعراف 52 ). ولكن هذا الكتاب الالهى الذى فصّله رب العزة جل وعلا عن علم  هدى ورحمة ــ لا يهتدى به المحمديون إذ لا ينال رحمته الا المؤمنون. بل لا يفهم تفصيلاته ويدرك أسرارها ومنهجها ودقة بيانها وروعة اعجازها الا المؤمنون العلماء، يقول تعالى (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) فصلت 2 ، 3 ).

5 / 2 / 2 : والمؤمن الذى يكتفى بالقرآن الكريم كتابا هو الذى يقدر شهادة الله تعالى حق قدرها ، ويكتفى بالله تعالى شهيدا ، اقرأ فى ذلك قوله تعالى (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) فالقرآن رحمة وذكرى للمؤمنين فقط ، وهم الذين يكتفون به كتابا ليس لهم غيره فى الاسلام، وليس لهم غير رب العزة الاها ، ولذا يكتفون به شهيدا (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) العنكبوت 51 ـ 52 ).

6 ـ من هنا نعرف السياق الموضوعى القرآنى الذى تأتى فيه آية التشهد (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) آل عمران 18 ) ، فهل بعد هذا نسقطها ونستبدل بها أقاويل بشرية لا أصل لها و مختلفة الصيغ ، وتحوى تقديسا وذكرا لغير الله جل وعلا؟ وهى بذلك تتناقض أساسا مع معنى الصلاة فى القرآن الكريم والتى هى لذكر الله جل وعلا وحده ؟ .

ثانيا : بين التشهد والتحيات فى لمحة تاريخية

1 ـ بدأت القصة مع تقديس النبى محمد والذى بدأ به مالك وسجله فى الموطأ حين جعل المدينة حرنا يضاهىء الحرم المكى ، وتقديس المسجد الذى فى المدينة ليكون حرما تُشدُّ اليه الرحال. ثم شاعت أساطير المعراج فأبطل الصيغة الاسلامية للتشهد فى القرآن " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) آل عمران 18"  وأحل محلها خرافة التحيات . وقد دخل فى الاسلام بعض مثقفى أهل الكتاب  فأضافوا للتشهد القرآنى دعاءا قرآنيا ذكر القرآن أن الحواريين كانوا يقولونه أمام عيسى حين قالوا : ( وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) آل عمران 52-). ولا تزال هذه الآية تقال فى التشهد حتى الأن تبعا لما تعلمه الخلف من السلف الذين اسلموا منذ عهد الفتوحات . إلا أن شيوع أساطير المعراج أحل محلها " التحيات المباركات .......... الخ " ثم زحزح أية " رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " إلى ما بعد "التحيات المباركات "

2 ـ فى العصر العباسى عصر العلم الباغى والإختلافات فى الدين انتشرت صيغ مختلفة للتحيات تم تدوينها منسوبة إلى أعلام الصحابه الذين ماتوا من قبل دون أن يدروا شيئا عما فعله المفترون من رواة العصر العباسى . ولأنها افتراءات ألصقوها بدين الله تعالى فلا بد أن يلحقها الاختلاف المشار اليه فى الآية الكريمة(( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) . 

3 ـ والمحمديون الآن يتمسكون بتواتر التحيات الشيطانية ، ويؤمنون أنها من صميم الصلاة ، ولكنها لم تكن كذلك فى أوائل القرن الثالث الهجرى. ففى عصر المأمون العباسي أرسل 50 ألف درهم الى الفقيه أبو عبد الله الأنصارى ليوزعها على فقراء البصرة، فنازعه فيها هلال ابن مسلم، وأراد ان يقسمها على فقراء اصحابه ، فقال الأنصارى لهلال : كيف تتشهد ؟ فقال هلال : أومثلى يسأل عن التشهد ؟ ! فتشهد على حديث ابن مسعود ، فقال له الأنصارى من حدثك بهذا ؟ ومن أين يثبت عندك ؟ فبقى هلال لم يجب ، فقال له الانصارى ، تصلى كل يوم وليلة خمس صلوات وتردد هذا الكلام وانت لا تدري من رواه عن نبيك ؟ قد باعد الله بينك وبين الفقه ، فقسمها الانصارى على اصحابه ، ومات الانصارى سنة 215 هجريا ( المنتظم ج 10 ، 272) . هذه الرواية ذكرها ابن الجوزى الفقيه المحدّث المؤرخ ، ويستفاد منها إختلافا بين أئمة الحديث والفقه فى العصر العباسى الأول ، وهو إختلاف أخبر به مقدما رب العزة جل وعلا عن الذين ينبذون التشهد الاسلامى ويستبدلونه بأقاويل يختلفون فيها..

4 ـ فى هوجة صناعة الأحاديث تتابعت صناعة التحيات بعد مالك خلال العصر العباسى الذى ترعرعت فيه ديانات المسلمين الأرضية ، وتتابعت الزيادات والاختلافات في التحيات منسوبة الى الصحابة الى أن وصلت الينا بالتواتر الشيطانى ضمن ما وجدنا عليه آباءنا مخالفا للقرآن الكريم . والله جل وعلا أوجب على المؤمنين الاحتكام الى القرآن الكريم في كل التواتر الشيطانى لنتعرف على الذى يخالف منه القرآن الكريم. وهنا الفيصل : فالكافرون بالقرآن يتمسكون بما وجدوا عليه آباءهم والمتمسكون بالقرآن الكريم ينحازون الى القرآن ويرفضون ما وجدوا عليه آباءهم .

5 ـ ونقول : إن الله جل وعلا قال عن التشهد : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) ثم قال عن اهل الكتاب الذين تفرقوا وهجروا الاسلام بغيا : ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) آل عمران ). وبالتالى فأنت بين أمرين : إما أن تكون من أولى العلم القائلين بالتشهد القرآنى  منتميا لدين الاسلام دين الله جل وعلا ، وإما أن تكون مع الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا وأحزابا ؟ وأنت وما تختار لنفسك . هل تختار رب العزة جل وعلا أم تختار التحيات ؟ وهل كان النبى محمد عليه السلانم يقرأ التحيات فى صلاته متبعا مالك بن أنس وغيره أم كان متبعا للقرآن الكريم وحده .! ؟

أحسن الحديث

يقول جل وعلا عن أهل النار : (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) الزخرف  ).

ودائما : صدق الله العظيم .!!

التواتر الشيطانى فى تبديل التشهد بالتحيات (2 )

هجص مالك فى إختراع ( التحيات ) بديلا عن ( التشهد ):   

مقدمة:

1 ـ كان مالك بن أنس الرائد فى التواتر الشيطانى ، أعاد تواتر الجاهلية فى تغيير ملة ابراهيم ، ليس فقط فى تقديس البشر ( محمد ) وتقديس الحجر ( المسجد فى المدينة ) بل أيضا فى الصلاة وعبادات شتى. إلا إنه الذى إخترع الإسناد ، أى يزعم أن أكاذيبه سمعها من فلان الذى سمعها من فلان ثم من فلان ، وتنتهى النسبة الى النبى محمد ليجعل أكاذيبه دينا .

2 ـ ومع هذا فإن مالك قد إتخذ القرآن مهجورا ، فهو قلما يستشهد فى ( الموطّأ ) بآية قرآنية ، وبدلا من القرآن الحكيم حشد روايات نسب بعضها للنبى محمد عليه السلام ونسب البعض الآخر للصحابة والتابعين ، لذا لا ننتظر من مالك أن يُلقى بالا لآية التشهد ، ويكفى أنه هو أول من إخترع هجص ما يسمى بالتحيات بديلا عن آية التشهد : (  شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) آل عمران 18 ) ،مع أنه جعل العنوان ( باب التشهد فى الصلاة ) مما يرجح إصراره على تكذيب آية التشهد.  ونقلها عنه تلامذته بالتحريف والتخريف والاختلاف .

ونستشهد بأهم رواة الموطأ : رواية يحيى ثم رواية الشيبانى . ونناقشهما .

أولا :

 هجص مالك فى ( التشهد ) . فى رواية الموطأ ( يحيى بن يحيى )   :

( 13 - باب التَّشَهُّدِ فِي الصَّلاَةِ :

  203  -:حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ يَقُولُ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ‏.‏ )

ملاحظة :

يروى هنا عن ابن شهاب الزهرى ، وقلنا إنه لم ير ولم يلق ابن شهاب. أى إن مالك هنا كذّاب أفّاك.

204  ـــ :  وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ بِاسْمِ اللَّهِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ السَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ شَهِدْتُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ شَهِدْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ‏.‏ يَقُولُ هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ وَيَدْعُو إِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ بِمَا بَدَا لَهُ فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ تَشَهَّدَ كَذَلِكَ أَيْضًا إِلاَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّشَهُّدَ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا بَدَا لَهُ فَإِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ قَالَ السَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ‏.‏ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الإِمَامِ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ عَنْ يَسَارِهِ رَدَّ عَلَيْهِ ‏.‏)

ملاحظة : مالك هنا يروى عن ( نافع ) مولى عبد الله بن عمر. معنى أن مالك يروى عن نافع أن مالك كان شابا طالبا للعلم . ولكن مالك مولود عام 93 هجرية ، بينما مات نافع عام 95 . أى كان مالك صبيا رضيعا حين مات نافع فكيف يروى عن نافع ؟ . مالك هنا كذّاب أفّاك.

205 ــــ :  وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ إِذَا تَشَهَّدَتِ التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ‏.‏ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ‏.‏ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ‏.‏

ملاحظة :

مالك يزعم هنا أنه يروى عن عبد الرحمن بن القاسم حفيد أبى بكر ، وفى الحديث التالى يزعم أنه روى عن يحيى عن القاسم والد عبد الرحمن . إذا كان يروى عن ابن القاسم ــ وهو الأصل فى الرواية عن أبيه ــ فلا حاجة لأن يروى عن آخر ( يحيى بن سعيد الأنصارى ) يزعم هذا الآخر أنه سمع من القاسم. ولكن هذا ما حدث فى الحديث التالى :

206   ـــ : وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ تَقُولُ إِذَا تَشَهَّدَتِ التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ‏.‏

207   ـــ :  وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ وَنَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ، دَخَلَ مَعَ الإِمَامِ فِي الصَّلاَةِ وَقَدْ سَبَقَهُ الإِمَامُ بِرَكْعَةٍ أَيَتَشَهَّدُ مَعَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَالأَرْبَعِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وِتْرًا فَقَالاَ لِيَتَشَهَّدْ مَعَهُ ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا ‏.‏ )

ملاحظة

مالك يزعم انه سأل ابن شهاب ونافعا ( معا ) . أى إن مالك هنا كذّاب أفّاك.

ثانيا :

تحليل عام لهجص مالك فى ( التشهد ) . فى رواية الموطأ ( يحيى بن يحيى )

1 ـــ من حيث الاسناد: ـ روى حديثين عن ابن شهاب الزهرى ونافع ولم يرهما ولم يقابلهما أصلا . كما أنه روى حديثا منسوبا لعائشة بنفس الصيغة مع إختلاف الرواة . وقد أشرنا من قبل الى إستحالة أن تعى الذاكرة البشرية مئات العنعنات وتحفظها بلا نسيان . وهذا يؤكد أنه مجرد إفتراء وإنتحال وكذب وتزوير.

2 ـ من حيث المتن : فقد روى صيغا مختلفة للتحيات ، نسبها للصحابة ، بما يعنى أنها لم تكن معروفة فى عصر النبوة ، وأن كل من أراد أن يخترع تشريعا للتحيات فلا بأس . حتى أن عمر كان يعلم الناس التحيات ومع ذلك فإن ابن عمر لم يأبه بصيغة التحيات التى إخترعها أبوه .

ثالثا :

هجص مالك فى ( التشهد ) . فى رواية الموطأ ( محمد بن الحسن الشيبانى )

145 ـ : أخبرنا مالك ، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة أَنَّهَا كَانَتْ تشهد فتقول : التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَاشهد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ‏.‏ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ‏.‏ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ‏.‏

146 ــ : أَخبرنا مالك عن ابن شِهَابٍ الزهرى ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ يَقُولُ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ‏.‏

147 ــ : أخبرنا  مَالِكٍ، أخبرنا نَافِعٍ، عن ابْنَ عُمَرَ، أنه كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ بِاسْمِ اللَّهِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ السَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ شَهِدْتُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ شَهِدْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ‏.‏ يَقُولُ هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ وَيَدْعُو إِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ بِمَا بَدَا لَهُ فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ تَشَهَّدَ كَذَلِكَ أَيْضًا إِلاَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّشَهُّدَ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا بَدَا لَهُ فَإِذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ قَالَ السَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ‏.‏ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ عَنْيَمِينِهِ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَى الإِمَامِ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ عَنْ يَسَارِهِ رَدَّ عَلَيْهِ ‏.‏

قال محمد : التشهد الذى ذكر كله حسن ،وليس يشبه تشهد عبد الله بن مسعود . وعندنا تشهده لأنه رواه عن رسول الله (ص ) ، وعليه العامة عندنا .

148 : أخبرنا محل بن محرز الضبى عن شقيق بن سلمة بن وائل الأسدى ، عن عبد الله بن مسعود قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله ( ص ) قلنا : السلام على الله . فقضى رسول الله ( ص ) صلاته ذات يوم ثم أقبل علينا فقال : لا تقولوا السلام على الله ، فإن الله عز وجل هو السلام ، ولكن قولوا : التحيات لله والصلوات الطيبات ، السلام عليك ايها النبى ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . قال محمد : وكان عبد الله بن مسعود يكره ان يُزاد فيه حرف أو ينقص منه حرف . )

رابعا :

تحليل هجص مالك فى ( التشهد ) . فى رواية الموطأ ( محمد بن الحسن الشيبانى )

1 ـ إتفق  محمد بن الحسن الشيبانى  مع رواية يحيى فى ثلاثة أحاديث فقط ، ( عمر وابن عمر وعائشة ) وقال أنها أحاديث حسنة : (قال محمد : التشهد الذى ذكر كله حسن  )، ولاحظ انها كلها غير منسوبة للنبى ، فتطوع هو بصناعة حديث عن الصحابى عبد الله بن مسعود عن النبى محمد عليه السلام . وبهذا رفع الشيبانى حديثه المفترى فوق إفتراء شيخه مالك ، وعزّز ذلك بقوله : (وكان عبد الله بن مسعود يكره ان يُزاد فيه حرف أو ينقص منه حرف.) أى إعتبره قرآنا .!!،وهو لا يختلف عن هجص مالك ، بل هو أرذل من هجص مالك .

2 ـ وهجص الشيبانى فى حديثه مرذول ساقط  ، لأنه ينسب للنبى هذا الهجص وليس للصحابة ، ولأنه يزعم أن النبى علمهم أن يقولوا له فى صلاتهم : ( السلام عليك ايها النبى ورحمة الله وبركاته )، ثم يجعل هذا الهجص المرذول المكذوب مقدسا لا يقبل الزيادة أو النقص لأن ابن مسعود كان يكره أن يُزاد فيه حرف أو يُنقص منه حرف . فهل قال له ابن مسعود هذا ؟ توفى ابن مسعود عام 32 ، أما الشيبانى الكذاب فهو مولود بعدها بمائة عام فقط ، أى عام 132 ..!ُ

أخيرا :

هل يؤخذ دين الله جل وعلا من هؤلاء الأفّاكين الكذابين المختلفين مع بعضهم البعض ؟

التواتر الشيطانى فى تبديل التشهد بالتحيات (3 ) إختلافات صيغ التحيات الشيطانية فى العصر العباسى

مقدمة

1 : فى العصر العباسى عصر العلم الباغى والإختلافات فى الدين انتشرت صيغ مختلفة للتحيات الشيطانية تم تدوينها منسوبة إلى أعلام الصحابه الذين ماتوا من قبل دون أن يدروا شيئا عما فعله المفترون من رواة العصر العباسى . وهى إفتراءات شيطانية ألصقوها بدين الله تعالى تخالف التشهد الاسلامى فى الصلاة الذى ذكره رب العزة جل وعلا : (شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١٨﴾ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ۗ ) لذلك فلا بد أن يلحقها الاختلاف المشار اليه فى الآية الكريمة :  ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّـهِ فَإِنَّ اللَّـهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٩﴾ آل عمران )

أولا :

اختلافات صيغ التحيات الشيطانية من واقع كتب الاحاديث :

1 ـ تشهد ابن مسعود : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، واشهد أن لا إله إلا الله واشهد إن محمد عبده ورسوله .

2 ـ تشهد ابن عباس : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، اشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا رسول الله .

3 ـ تشهد عمر بن الخطاب :التحيات الزكيات لله الطيبات، الصلوات لله.

4 ـ تشهد أبى سعيد الخدرى :. التحيات الصلوات الطيبات ، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله

5 ـ تشهد جابر :. باسم الله وبالله التحيات الصلوات ..... الخ .

6 ـ تشهد عائشة :. التحيات الطيبات الزكيات لله ........ الخ.

7 ـ تشهد أبى موسى الاشعرى :. التحيات الطيبات الصلوات لله وحده لا شريك له ..... الخ

تشهد سمرة بن جندب :. التحيات الطيبات والصلوات والملك له .... الخ .

ثانيا :

الصلاة على النبى فى تحياتهم الشيطانية

1 ـ صيغة الصلاة على النبى وآله إنما وضعت للرد على ما أحدثة الأمويون فى سب على وآل البيت فى صلاة الجمعة ؛ حين جعلوا لعن على وآل البيت من شعائر خطبة الجمعة كما سبق بيانه .

2 ـ وإذا كان الأمويون يلعنون عليا وآله تحقيرا فقد إستبدل العصر العباسى هذا بالتحيات الشيطانية التى تقدّس محمدا وآله وتجعل هذا فى داخل الصلاة نفسها.

3 ـ إذ أنهم يفهمون الصلاة على النبى ليس بالمعنى القرآنى وهو التمسك بالقرآن الكريم الذى هو الصلة الباقية بين المؤمن وخاتم النبيين ـ عليهم السلام ـ بعد موته ، ولكنهم يفهمون الصلاة على النبى على أنها تقديس له وذكر له يقولونه فى الصلاة بطريقة التحيات الشيطانية ، وهم بذلك يكفرون بقوله جل وعلا عن ذكره جل وعلا وحده فى الصلاة: : (إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾ طه  ) .

ثالثا :

إختلافهم فى وجوب الصلاة على النبى فى تحياتهم الشيطانية

وكالعادة فى كل ملامح الدين الأرضى إختلفوا . اختلف أئمة الفقه فى وجوب الصلاة على النبى فى التحيات الشيطانية . وهذه الإختلافات فى صيغ التحيات الشيطانية عندهم يجعلونها تحت عنوان التشهد ، وهم الذين اضاعوا التشهد الاسلامى بتحياتهم الشيطانية .

ونعرض لبعض إختلافاتهم فى الصلاة على النبى :

1 ـ ابو حنيفة وأصحابه لا يوجبونها وأما الشافعى فقد جعلها شرطا [1].

2 ـ وبعدهم بنحو ثلاثة قرون اختراع النووى صيغة للصلاة على النبى لتقال فى التشهد أوردها فى كتابه المنشورات[2] .

3 ـ وجاء فى سبل السلام للصنعانى أنه  قيل للشافعى " كيف صرت إلى حديث ابن عباس فى التشهد قال : لما رايته واسعا وسمعته عن ابن عباس صحيحا كان عندى أجمع وأكثر  لفظا من غيره فأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح "[3]

وبين الشافعى وابن عباس ما يقترب من قرن ونصف القرن فكيف سمعه عنه صحيحا ؟ وما هو معيار الصّحة عند الشافعى وهو كذّاب عريق ؟.

4 ـ وورد أن النسائى روى حديثا ينسبه إلى ابن مسعود يزعم أن ابن مسعود قال: "كنا نقول قبل ان يفرض علينا التشهد : السلام على الله السلام على جبريل وميكائيل فقال رسول الله لا تقولوا هذا ولكن قولوا التحيات ........ الخ " . النسائى الأعجمى التركمستانى المتوفى عام 303 هجرية ما هى علاقته بالصحابة ؟ بل هو يكتشف ما لم يعرفه الأئمة السنيون قبله من مالك الى الشافعى وابن حنبل والبخارى ومسلم ..

5 ـ وقالوا ان الحنفية والنخعى وطاووس يرون أنه لا يدعو فى الصلاة إلا بما يوجد فى القرآن فقط .

6 ـ وجاء فى ( بلوغ المرام ) لابن حجر العسقلانى حديث ( متفق عليه ) على حد قولهم يقول :" اذا تشهد احدكم  فليستعذ بالله من أربع فيقول اللهم أنى أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال "[4] .

ونسأل : متى وكيف حدث الاتفاق على هذا الحديث ؟ وإذا إتفقوا عليه فلماذا تكاثرت الأحاديث الأخرى المخالفة له ؟

7 ـ وكالعادة يختلفون دون محاولة لترجيح صيغة على أخرى. وبدأ بهذا إمامهم مالك بن أنس رائد الإفتراء والإفك . فالذى كتب موطأ مالك يذكر الأحاديث المختلفة فى التحيات الشيطانية دون أدنى محاولة لترجيح صيغة على أخرى او تفصيل رواية  على رواية ؛

يقول فى باب التشهد فى الصلاة أن عائشة كانت تتشهد فتقول " التحيات الطيبات الصلوات الزكيات لله اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاتة والسلام علينا وعلى عبادنا الصالحين السلام عليكم " وبعده يذكر ان عمر كان يعلم الناس التشهد على المنبر - أى تشريع جديد فى الصلاة فى خلافة عمر فيقول لهم " قولوا التحيات لله الزكيات لله الطيبات الصلوات لله ، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله ....

وفى الحديث التالى يذكرالامام مالك أن عبد الله بن عمر لم يلتزم بالصيغة التى قالها ابوه فيروى مالك أن ابن عمر كان يتشهد فيقول : بسم الله ، التحيات لله، الصلوات لله ، الزكيات لله، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، شهدت أن لا إله إلا الله وشهدت أن محمدا رسول الله ) .

 ثم يروى تشهد عبد الله بن مسعود " التحيات لله والصلوات الطيبات ، السلام عليك أيها النبى ....... الخ"[5]

الفصل الثالث : كافر بالله جل وعلا من يقول التحيات الشيطانية فى صلاته

مقدمة :

1 ـ دخل الموظف الصغير على رئيسه فى العمل أراد أن يحييه فقال له: " مساء الفُلّ. " رئيسه فى العمل إعتبر هذه التحية إساءة فعاقبه . تخيل لو دخل جندى على قائد المعسكر وحيّاه قائلا : ( يا ميت مسا على الناس الكويسة ) ؟ تخيل لو دخل شخص على ( جلالة الملك ) وحياه قائلا : " صباح الورد ". تتنوع التحيات بين البشر ، ولكنها تخضع لتقاليد إجتماعية وسياسية وبروتوكولية ، فالتحيات من الأدنى الأعلى تختلف عن التحيات من الأدنى الى الأعلى . هذا مع أن البشر كلهم متساوون من حيث أنهم مخلوقات الخالق جل وعلا .

2 ـ (التحيات ) التى يقولها المحمديون فى الصلاة خطابا لرب العزة جل وعلا هى كفر هائل وإهانة للعزيز الجبار سبحانه وتعالى ، لأن المؤمن حين يخاطب ربه جل وعلا لا يخاطبه بالتحية التى يقولها البشر فيما بينهم ولكن يخاطب ربه جل وعلا بالتسبيح والحمد ، خصوصا إذا كان فى صلاته .

3 ـ التحيات يقولها البشر للبشر وتقولها الملائكة للبشر . وهم جميعا مخلوقات خلقها الخالق جل وعلا. أيضا فالله جل وعلا وهو ( الأعلى ) يخطب البشر بالتحيات . أى التحيات يقولها (الأعلى ) جل وعلا للمخلوقات ، وتقولها المخلوقات الناطقة لبعضها البعض ، ولكن يكون كفرا أن تخاطب المخلوقات ربها بالتحيات . فكل المخلوقات تسبح بحمد الرحمن جل وعلا وإن كنا لا نفقه تسبيحهم.

ونعطى بعض التفصيلات :

أولا : فى الدنيا :

التحيات والسلامات لا تقال فى خطاب رب العزة سبحانه وتعالى ، بل تُقال بين المخلوقات فى الدنيا:

1  : فالواجب القاء التحية، يقولها المؤمنون لبعضهم البعض . يقول جل وعلا : ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً). النور 61) ، فالتحية يقولها القادمون على أصحاب البيت .

 2 : والردّ علي التحية بالمثل أو بما هو أفضل منها . يقول جل وعلا : ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ). النساء 86) . المعنى هنا أن أى تحية تقال للمؤمن فعليه أن يرد عليها بمثلها أو بأحسن منها ، أفضل التحية هى بالسلام ، والسلام هو الاسلام السلوكى فى التعامل بين الناس . ولكن يمكن أن تُقال أى تحية بأى صيغة وبأى لسان أو بالإشارة ، ويجب على المؤمن ردها بمثلها أو بأحسن منها .

3 : وامر الله جل وعلا النبى محمدا عليه السلام أن يحيى المؤمنين بالسلام إذا جاءوه ، قال جل وعلا : ( وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ) ﴿٥٤﴾ الانعام )، فالتحية يقولها صاحب البيت للقادمين عليه .

4 : والملائكة التى تجسدت فى هيئة بشر ودخلوا على ابراهيم عليه السلام ، ألقوا عليه التحية بالسلام فرد عليهم التحية بأحسن منها ، قال جل وعلا : ( وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴿٦٩﴾ هود ). قالوا له ( سلاما ) أى ( نسلم سلاما ) كلمة ( سلاما ) هنا مفعول به لفعل محذوف هو ( نسلّم ) . والفعل موقوت بزمنه ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا . وجاء الرد من ابراهيم ( سلام ) ، اى جملة إسمية من مبتدأ هو ( سلام ) وخبر محذوف هو ( عليكم ). والجملة الاسمية تفيد الثبوت والدوام. هنا رد عليهم السلام بأحسن منه.! هذا من أسرار الإعجاز القرآنى فى الفصاحة والبلاغة.

5  : بل إن المؤمن المُسلم المُسالم يقول التحية بالسلام فى مواجهة الكافرين . قال جل وعلا فى التعامل مع الكافرين المعاندين :

5 / 1 : (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلَاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿٨٨﴾ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ )﴿٨٩﴾ الزخرف ). الصفح عنهم مرتبط بالسلام عليهم.

5 / 2 ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ) (٥٥﴾ القصص ) . يردون على الجاهلين اصحاب اللغو بالسلام عليهم  .

5 / 3 : يقول جل وعلا عن عباد الرحمن : (وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴿٦٣﴾  الفرقان ) يردون على الجاهلين اصحاب اللغو بالسلام عليهم  .

5 / 4 : وابراهيم عليه السلام حين إعتزل أباه الكافر حياه بالسلام : ( قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ) ﴿٤٧﴾ مريم ). يرد على أبيه الكافر بالسلام عليه .

ثانيا  : فى الجنة :

التحيات والسلامات لا تقال فى خطاب رب العزة سبحانه وتعالى ، بل تُقال بين المخلوقات ، فى الآخرة تحية بالسلام لأهل الجنة ، فهى دار السلام للمتقين .

1 ـ قال عنها جل وعلا :

1 / 1  : ( وَاللَّـهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ ) ﴿٢٥﴾ يونس )

1 / 2   : (  لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ) ﴿١٢٧﴾ الانعام ).

2   : والذىن يموتون متقين تبشرهم ملائكة الموت بالتحية بالسلام وتبشرهم بالجنة دار السلام ، قال جل وعلا : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣٢﴾ النحل )

3 : وهناك ملائكة فى إستقبالهم عند دخول الجنة تحييهم بالسلام . قال جل وعلا :

3 / 1 ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴿٧٣﴾ الزمر)

3 / 2 : ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٤٥﴾ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴿٤٦﴾ الحجر )

3 / 3 : ( ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴿٣٤﴾ ق )

4 : وملائكة الجنة يحيّون المؤمنين داخل الجنة بالتحية والسلام ، يقول جل وعلا : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ).الرعد 23-).

 5 :  وعموما لا يسمع أهل الجنة فيها إلا التحية والسلام . يقول جل وعلا :

5 / 1 : (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ) الواقعة 25 ، 26 )

5 / 2 :  ( لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ) ﴿٦٢﴾ مريم )

5 / 3 : ( وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ) إبراهيم23" ) .

5 / 4 : (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا )الفرقان 75 ).

ثالثا: تحية الله لأهل الجنة :

التحية من الله جل وعلا الأعلى  للأدنى وليس العكس مطلقا،  فالله تعالى ـ وهو الأعلى ـ يحيّى المؤمنين ويسلم عليهم وهم فى الجنة . يقول جل وعلا :

1 :  (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) يس 56 : 58 ) أى يلقى السلام عليهم رب العزة جل وعلا.

2 : وأيضا بمجرد ان يلقوا الله تعالى يتلقون تحيته. يقول جل وعلا : ( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا). الاحزاب 44" ).

رابعا :

هذا بينما يكون خطابهم لله فى الجنة بالحمد والتسبيح وليس بالتحية والسلام ، يقول جل وعلا عن أهل الجنة :

1 ـ (  دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) . يونس10).

2 ـ هذه الآية الكريمة هى فصل الخطاب فى الموضوع ، فهم حين يخاطبون الله يقولون سبحانك اللهم والحمد رب العالمين ويكون الخطاب لرب العزة جل وعلا دعاء للمولى عز وجل مقترنا بالتسبيح والحمد ؛ أما حديثهم مع بعضهم أو مع الملائكة فهو التحية والسلام .

خامسا :

إن مناجاة الله جل وعلا لا تكون الا بالتسبيح والتحميد والتمجيد.

1 :  فالملائكة خاطبت رب العزة  سبحانه وتعالى : ( قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . البقرة 23 ) .

2 :  وعيسى حين سيقول له ربه جل وعلا : ( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ )   يبادر بالقول : ( قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ). المائدة 116"

3 ــ إن ما عدا الله سبحانه وتعالى ملتزم بصيغة واحدة فى خطاب الله هى التسبيح والتحميد والتمجيد :

3 / 1 : فكل ما عدا الله يسبح لله سبحانه وتعالى . يقول جل وعلا : ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًاتُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) . الإسراء 43-)

 3 / 2 : وقد ابتدأت سور قرآنية بالأمر بالتسبيح أو الاخبار عنه :

3 / 2 / 1 : فى سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) وسورة الحشر (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ).

3 / 2 / 2 :وسورة الصّف (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيز"> 4 ـ هذا ملمح من كفر المحمديين الذين لم يقدروا الله جل وعلا حق قدره . قال جل وعلا :

4 / 1 : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿٧٣﴾ مَا قَدَرُوا اللَّـهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٧٤﴾ الحج  )

4 / 2 : (وَمَا قَدَرُوا اللَّـهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٧﴾ الزمر )

أخيرا

المحمديون بالتحيات الشيطانية متمسكون ، ولا يزالون عن كيفية الصلاة من القرآن يتساءلون ، وهم برب العزة وبكتابه كافرون . وهم عن التذكرة القرآنية معرضون .

أحسن الحديث :

قال جل وعلا : ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴿٤٩﴾ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ﴿٥٠﴾ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴿٥١﴾ المدثر ).

ودائما : صدق الله العظيم.!!

الفصل الرابع  : تعقيبات وردود على مقال (كافر بالله جل وعلا من يقول التحيات الشيطانية فى صلاته )

تعقيبات وردود على مقال (كافر بالله جل وعلا من يقول التحيات الشيطانية فى صلاته ) 

نذكر التعقيبات ونرد عليها :

مراد الخولى :

 ( لم أهضم التشهد بسهولة ) : ( دايما كان عندى لخبطة من التشهد لان النبى غير محتاج لدعائى لانه سيدخل الجنة. ونفس الشيء مع أل ابراهيم كنت أقول لنفسى وانا مالى بهم. انا اللى محتاج المغفرة لو كان فى أي أمل فى دخول الجنة! هذا الكلام عندما كنت سنيا. ثم عندما عرض علي الافكار القرءانية وبالذات "اقم الصلاة لذكرى" أصبحت التشهد فى خبر كان.).

أقول :

كنتُ متمسكا بها. أذكر أننى سمعت مصليا لا يقرؤها فألححت عليه أن يقولها ، وإستأتُ منه. ثم بعدها تذكرت أننا تعلمنا فى الثانوى الأزهرى أنه يمكن الاستعاضة عن التحيات ببعض آيات القرآن . ثم بعدها لاحظت الفارق بين كلمة التشهد و التحيات. وبدأ فى قلبى الشّك. بالمناسبة لا بد أن تجعل كلمة التحيات فى تعليقك بدلا من كلمة التشهد . 

سعيد على : ( سمع الله لمن حمده !) : ( الصلاة هي ذكر لله جل و علا من دخولها و حتى الإنتهاء منها من ( الله أكبر ) إلى ( السلام ) و بداية كل حركة فيها بـ ( الله أكبر ) . و لا يستريح قلبي لعبارة ( سمع الله لمن حمده ) !! فهل استبدلها بـ ( الله أكبر ) ؟ . لا سيما و أن قصة ( سمع الله لمن حمده ) لا يمكن أن أصدقها و أؤمن بها !!!).

أقول :

القاعدة أن التواتر المرفوض هو ما يخالف القرآن الكريم لأن القرآن الكريم حكمُّ  على ما توارثناه وعلى التواتر. (سمع الله لمن حمده ) متسقة مع الصلاة، لأن الصلاة تبدأ بالفاتحة وحمد الله جل وعلا رب العالمين. ويتوالى فيها تسبيح الرحمن وحمده . وكل ذلك ذكر للرحمن جل وعلا وحده.

بن ليفانت :

( تساؤلات حول التحية ) : ( السلام عليكم . عندي تساؤلات عما جاء في مقالكم:
أولا الآية (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴿النساء: ٨٦﴾) توجه الكلام بشكل عمومي على الناس (الذين يقرؤون هذه الآية) ولا تحدد مصدرا للتحية، بمعنا أيّا كان المصدر.
ثانيا الآيات (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴿٥٥﴾ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴿٥٦﴾ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ﴿٥٧﴾ سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ﴿يسن ٥٨﴾) تعني وكما ذكرتم أن التحية من الله لأهل الجنة. فلماذا لا يكون الرد على هذه التحية بمثلها بناء على ما جاء في آية النساء 86، وهي ،كما ذكرت، عامة؟
ثالثا الآية (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّـهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿يونس: ١٠﴾) تتكلم عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم أصحاب الجنة، وعن دعواهم وتحيتهم هناك. الآية تنقسم إلى ثلاث فقرات، جميعها تحتوي (لغويا) على الفاعل أو المتكلم (صاحب الجنة)، والفعل (التحية والدعوى) والمفول به أو الموجه له الكلام، وهو في الفقرة الاولى والثالثة واضح بالنص (الله تعالى)، فلماذا لا تكون الفقرة الثانية، التي تحتوي على التحية بالسلام، موجهة أيضا إلى الله رب العالمين؟ ).

وأقول :

أولا وثانيا :

1 ـ البشر يتعاملون مع الرحمن بالعبادة ، وهذا ينفى المساواة بين العابد والمعبود . ويسرى هذا حتى على الضمائر ، فى ضمير الملكية تقول : بيتى قلمى أى أنت تملك بيتك وقلمك . ولكن عندما تقول ( ربى ) فإن ربك جل وعلا هو الذى يملكك وأنت مملوك له جل وعلا. . وحين تقول لشخص : إعطنى كذا يكون هذا أمرا أو طلبا. ولكن حين تقول لربك جل وعلا : ( إعطنى ) فهذا يكون عبادة ( دعاء ) بتضرع ورجاء وتذلل .

2 ـ الآية ( 86 ) من سورة النساء فيها تشريع مُلزم برد التحية بمثلها أو بأحسن منها . هى تشريع للبشر وليست تعاملا بين الناس ورب الناس .

3 ـ التشريع المُلزم للبشر هو تسبيح الله جل وعلا وحمده . وليس التحية . وقد أوضحنا هذا.

ثالثا :  الآية (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّـهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿يونس: ١٠﴾) تنقسم قسمين فقط من حيث الموضوع : الدعاء : سبحانك اللهم ، والحمد لله رب العالمين . القسم الآخر : تحيتهم بالسلام . وقد تتبعنا التحية بالسلام ومراحلها .

احمد المئذنى :

( عندي بعض التساؤلات هنا لو تكرمت ...) ( مقال خطير جدا من حيث الجدية والتساؤل في الكم الهائل من التراث المحمدي ولدى قرائتي اتتني بعض الاسئلة لو تكرمت علينا في اجابتها
1 ـ انا مقتنع تماما ان الصلاة المحمدية هي بلا معنى نهائي وحشو وحتى شرك بالله ... الخ 
2- هناك بعض الباحثين الذين يقولون ان السلام الى اليمين واليسار على الملائكة لختام الصلاة ليس له داعي ؟؟ فما هو رايك ؟؟ وهو موضوع مهم ؟
3 ـ - لاحظت ان الله تعالى يأمرنا في قوله { قل } اي امر ان نذكر آية محددة في الصلاة معه فهل يمكن وضعها هنا في ختام الصلاة بعد السجود الاخير :- (  وَقُلِ  الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ  وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا)
4 ـ - ان السلام على الملكين هو ايضا اشراك لاحد مع الله نعالى في ذكر غيره كما في الصلاة الابراهيمية او التشهد كما في سؤالي اعلاه .

5 ـ  ان عدد الركعات او السجدات هل هو محصور كما قرره الحديث ام يمكن للمصلي السجود حسب التقرب الذي يراه مناسبا ؟؟ ما رايك في هذا 
6 ـ  لا شك ان فاتحة الكتاب هي من السور المتكاملة التي فيها دعاء لله وحمد له 
7 ـ  في موضوع آخر ايضا هام واعذرني اذا تطرقت الى امور متعلقة يالصلاة وليست بالتشهد حتى نثري البحث ككل ان المؤمنين ممكن ان يقوموا باكثر من صلاة على وضوء واحد بينما القرآن ينص على ان كل اقامة لصلاة يجب عليها اداء الوضوء : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) اي اذا قمتم باي حال عليكم الوضوء ام لا ... ؟
8 ـ - اخيرا هل يجب على المصلي التوقف بعد اداء 2 ركعة للاستراحة والتشهد طالمتا نتكلم هنا عن عدم صلتها بذكر الله اساسا ؟؟؟ وبالتالي تكون القضية ذكر صافي لله بعدد يقدره المصلي حسب راحته ؟؟ طبعا لانقول العشرات ولكن الشيء المنطقي الذي يصبغ القنوت والخشوع الذي ضاع من اكثر المصلين اثناء الصلاة ؟؟؟ . واشكركم مرة اخرى لاتاحة الفرصة لنا بالتواصل معكم في هذا الامر الهام )

وأقول :

2 ، 4 ـ موضوع السلام فى نهاية الصلاة كتبنا فيه مقالا يؤكد انه لا يتعارض مع القرآن الكريم .  3 ـ للمؤمن فى صلاته أن يسبح الله جل وعلا ويحمده بما جاء فى القرآن الكريم . المهم الخشوع . و بالاضافة الى الفاتحة أنا أختار بدايات سور الأنعام والكهف وسبأ وفاطر . وبدايات سور ( الملك ) و (الفرقان ) .   وأقرأ مع التشهد ( ألاية 18 من سورة آل عمران ) آية الكرسى ( البقرة  255) وأواخر سورة الحشر (  22 ـ ) هنا يكون الاجتهاد داخل الصلاة وليس بالهوى والتغيير والتبديل .

5 ـ الركعات والركوع والسجود محدد . نحن لا نصلى كما يحلو لنا وحسب هوانا بل طاعة للرحمن وشرعه جل وعلا.  وهناك النوافل لمن يريد الزيادة .

7 : قلنا إن الوضوء ليس لكل صلاة بدليل ذكر نواقض الوضوء .

8 ـ نكرر أن المؤمن يعبد الله جل وعلا بما أمر وليس بما يهوى.

اسامة قفيشة : ( هل الذكر المقصود هو مجرد لفظ الأسماء !) ( إن كان كذلك فحين نقول ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ ) هو ذكرٌ لمحمد , و قولنا ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) فهو ذكرٌ لأبي لهب , أنا أرى بأن إنكار التشهد بالتحيات ليس لمجرد ذكر محمد باسمه عليه السلام , و لكن لأن صيغة تلك التحيات لم ترد في ذكر الله جل وعلا الذي أمرنا سبحانه و تعالى بأن نقيم الصلاة به حين أمرنا سبحانه في قوله ( أقم الصلاة لذكري ) , مع التنويه هنا بأن ( أقم الصلاة لذكري ) جاءت لموسى عليه السلام , أي أنها جاءت من خلال القصص القرآني الذي لا يعتبر تشريعاً . ).

وأقول :

1 ـ ( ذكر الله ) جل وعلا يعنى تعظيمه وحده ، ودون ذكر لمخلوق معه على سبيل التعظيم والتقديس . 

 1 ـ ذكر غير الله جل وعلا مع الله يعنى :

1 / 1 : منع ذكر إسمه جل وعلا . قال جل وعلا : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١١٤) البقرة). هذه مساجد الله جل وعلا ويجب أن تكون لذكر الله جل وعلا وحده. المشركون يذكرون اسم الله ويذكرون غيره معه. هذا منع لذكر الله ، إذا لا يُذكر معه غيره .

1 / 2 : شأن المشركين رفض ذكر إسم الله جل وعلا وحده . قال جل وعلا :

1 / 2 / 1 : (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ﴿٤٦﴾ للاسراء )

1 / 2 / 2 : (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿٤٥﴾ الزمر ).

2 ـ الله جل وعلا أورد ذكر بعض البشر بأسمائهم :

2 / 1 : منهم متقون مدحهم رب العزة جل وعلا . قال جل وعلا : قال جل وعلا : (  وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴿١٦﴾ مريم (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ﴿٤١﴾ مريم ) (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ﴿٥١﴾ مريم  ) (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚإِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ﴿٥٤﴾ مريم ) (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ﴿٥٦﴾ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴿٥٧﴾ مريم ) (اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴿١٧﴾ ص ) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾ ص ) (  وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ﴿٤٥﴾ ص ) (  وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ﴿٤٨﴾ ص )

2 / 2 : هنا ذكرهم بمدحهم وليس تقديسهم . لأن ذكر الله جل وعلا يكون بعبادته ، قال جل وعلا : (وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٠﴾ الجمعة ) (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ﴿٨﴾ رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴿٩﴾ المزمل ) (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٢٥﴾ الانسان )  (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ﴿٢٠٥﴾ الاعراف   )

2 / 3 : وهناك بشر كافرون مذكورون بالاسم ، مثل والد ابراهيم آزر : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٧٤﴾ الانعام ) ، ومثل الطغاة  فى هذه الآية الكريمة : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿٢٣﴾ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٢٤) غافر ). هنا ذكرهم ليس بالمدح بل بالذم. 

2 / 4 : بالنسبة للعرب قوم النبى محمد عليه السلام فقد قال جل وعلا يخاطبهم : (   لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖأَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٠﴾ الانبياء ). يعنى جاء فى القرآن الكريم ذكرهم. وتكرر وصفهم بالكفر والشرك والاجرام . ومن أوصافهم قوله جل وعلا عنهم فى الدنيا : (  وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ﴿٦٦﴾ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٦٧﴾ الانعام ) ، وعن الآخرة سيتبرأ منهم الرسول : (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴿٣٠﴾ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ﴿٣١﴾ الفرقان ) . هنا ذكرهم ليس بالمدح بل بالذم.

3 ـ أى إن معنى الذكر يختلف حسب السياق . يكون عبادة وتضرعا وتقديسا للرحمن جل وعلا. ويكون مدحا منه جل وعلا للمتقين ، ويكون ذما وتحقيرا للضالين . وإستشهدنا بأشخاص بأسمائهم .

4 ـ الصلاة هى ذكر لله جل وعلا وحده ، وهى ذكر منظّم بالركعات والقيام والركوع والسجود والتشهد ، وبهذا الذكر تتجدد صلة المؤمن بربه جل وعلا ، وهو حين ( يذكر )ربه جل وعلا خاشعا  (يتذكره ) ربه جل وعلا برحمته ، لذا فالمؤمن يستعين ( على كل شىء ) بالصبر والصلاة ، قال جل وعلا يربط بين الصلاة والذكر ( ذكره جل وعلا وحده ) : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿١٥٢﴾يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٣﴾ البقرة ) .

وهو نفس ما جاء لبنى اسرائيل . قال لهم جل وعلا : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣﴾  أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٤٤﴾ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾ البقرة )

الفصل الخامس : التواتر الشيطانى فى قصر الصلاة وجمعها 

مقدمة

1 ـ عام 1984 حين كنت ضمن قادة جماعة دعوة الحق الاسلامية مصلحا فى الدين السنى أعلنت أنه لا قصر فى الصلاة فى السفر العادى. وحدث أن جاء أحد كبار الدعاة المخضرمين الى المركز العام للجماعة فى مسجدها بالدقى ، وهو من طنطا ، وقام يؤم الناس فى صلاة الظهر ، فصلّى الظهر ركعتين ثم توقف على عادة السنيين وقال لمن خلفه على عادة السنيين : " أتمُّوا صلاتكم فإنّا على سفر" . فقاطعه بواب المسجد وقال له : ( الدكتور أحمد صبحى منصور قال " إنه لا قصر إلا فى صلاة الخوف ." ). وكانت مشكلة.!!2 ـ لا يزال السنيون يصلون صلاة السُّنن بزعمهم عبادة وتقديسا لالههم المصنوع الذى سموه محمدا ، ثم يقصرون فى صلوات الفرض . وحتى لو كانت صلاة السُنّة عندهم من ( الكماليات ) أو ليست فرضا ، فكيف يحافظون عليها ويقصرون فى صلاة الفرض ؟ كيف يصلى أحدهم سُنّة الظهر ثم يقصر فى صلاة الظهر بزعم أنه على سفر. أليس هذا نوعا فريدا من الخبل العقلى ؟

3 ـ نتوقف فى لمحة عن هذا الخبل العقلى المناقض للاسلام .

أولا :التواتر الاسلامى هو  قصر الصلاة فى الخوف فقط ، ولا جمع بين الصلوات :1 ـ  القصر فى الصلاة لا يكون إلا فى حالة الخوف واحتمال الموت . قال جل وعلا : (  وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ، وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا  ) . النساء 100؛101". ومعناه أن المهاجر أو المجاهد يكون عليه جناح ومؤاخذة إذا قصر من الصلاة إن لم يكن فى حالة خوف من الفتنة تستوجب أن يصلى صلاة الخوف ،  ومعناه بالتالى أن المسافر سفرا عاديا لا شأن له على الإطلاق بقصر الصلاة .ومفهوم أن تشريع صلاة الخوف ـ فى القتال والمطاردة ـ نزل مفصلا لقوم يعرفون الصلاة المتوارثة من ملة ابراهيم ، ولكن ظروف الهجرة والحرب والمطاردة إستلزمت تشريعا جديدا فى قصر الصلاة، ويكفى أنه بعد توضيح هذا التشريع الجديد قال جل وعلا عن حالة القتال والمطاردة بعدها : (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104)  النساء  ).

2 ـ ليس هناك قصر للصلاة فى السفر ، ولكن قد تستجد ظروف لا تمكن المؤمن من أداء الصلاة بكيفيتها من ركوع وسجود ، وهو يخاف أن يضيع وقت الصلاة ، كمن يركب سيارة أو طائرة ويتعذر عليه الوقوف والركوع والسجود ، أو يكون فى طابور انتظار طويل يقضى مصلحة له ، أو فى حالة حرب من حركة وكرّ وفرّ ، وتستمر حالته هذه بحيث يضيع منه وقت صلاة الظهر او العصر مثلا . هنا يمكن أن يصلى كيفما اتفق ، راجلا مترجلا أو راكبا أو جالسا حتى لا يضيع منه وقت الصلاة . وفى هذا يقول جل وعلا :( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) البقرة ).

3 ـ  لا وجود فى الاسلام للجمع بين الصلاتين . إن الصلاة علينا مفروضة فى أوقاتها الخمس المعروفة : (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً (103) النساء ) ، وطبقا للمقصد الاسلامى التشريعى فى التخفيف ورفع الحرج يمكن للمؤمن أن يصلى فى كل حال ، يصلى وقت الصلاة المفروضة قائما أو ماشيا أو نائما ، ولو بلسانه وعينيه عند المرض بشرط إستحضار الخشوع ما أمكن ، وعليه ، فلا حاجة للجمع بين الظهر والعصر مثلا .

4 ـ الأساس هو ( الخشوع فى الصلاة ) و ( المحافظة عليها) بمعنى (إقامة الصلاة ) قلبيا وسلوكيا بأن تتقى الله جل وعلا فلا تقع فى فحشاء ولا منكر ولا ظلم بين أوقات الصلاة ، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) العنكبوت  ) ولأن المؤمن يجب أن يطيع قول ربه جل وعلا : (  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) النحل ) .  أى أن مدار فريضة الصلاة أن تخشع وقت الصلاة ، وأن تتقى الله جل وعلا فيما بين الصلوات . وقد جاء هذان معا فى أوائل سورة المؤمنون  عن صفات المؤمنين المفلحين أصحاب النعيم .

ثانيا :  البداية التاريخية للتواتر الشيطانى فى القصر والجمع

1 ـ سبق أن خلفاء بنى أمية فى تهاونهم فى الصلاة كانوا يؤخرونها أو بالتعبير السائد عنهم أنهم ( قد أماتوها بالتأخير ) (السيوطى : تاريخ الخلفاء 395 ). وقد مدحوا الخليفة سليمان بن عبد الملك أنه أقلع عن هذا فى خلافته القصيرة وتبعه عمر بن عبد العزيز ، ثم عاد بنو أمية الى تأخير الصلاة ، وإشتهر بهذا الحجاج فى تأخيره صلاة الجمعة بسبب تطويله الخطبة . 

2 ـ ولا يقال بأن تأخير الأمويين فى الصلاة وإماتتهم لها – بالتعبير التراثى – قد انتقلت إلى متحف التاريخ مع الدولة الأموية إذ أن العصر العباسى ــ وهو عصر التقعيد والتشريع للدين الأرضى السائد ـ مالبث أن جعل تلك السنة الأموية السيئة شريعة سنية تحمل إسما أخر هو قصر الصلاة وجمعها وتأخيرها . 

3 ـ وكالعادة اختلفوا ، بعضهم إخترع لهذه الفرية الكثير من الأحاديث والروايات ولم يقتنع الأخرون بهذه المقوله فواجهوهم بأحاديث أخرى . ونقل المؤرخ ابن سعد فى الطبقات الكبرى هذا وذاك .

3 / 1 :  يروى ابن سعد عن بعضهم قوله " صليت مع عمر بن الخطاب فكان يجمع المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين " الطبقات الكبرى 6، 107 ، أى يصلى ويقصر أى يستعمل قصر الصلاة مع الجمع والتأخير .

3 / 2 : ويروى عن أخر أن عمر بن عبدالعزيز فى خلافته كان إذا أتم الصلاة جمع بالناس وإذا صلى ركعتين لم يجمع . ( 5، 261 ) أى إذا كان قصر بالصلاة لم يجمع ، وإذا جمع بين الصلوات فإنه يقصرها . أى يصليها قصرا . أى أنه لا يجمع بين القصر فى الصلاة وجمع الصلاة وتأخيرها فإذا استعمل أحدهما لا يستعمل الأخرى . وهنا تعارض بين ما كان يفعله عمر بن الخطاب وما فعله عمر بن عبدالعزيز.

3 / 3 :  وهناك روايات أخرى عن صحابه وتابعين كانوا يقصرون الصلاة فى السفر . يروى ابن سعد أن عمر بن الخطاب خرج إلى الجباية فى الشام فى صفر 16 هــ فأقام بهاعشرين ليلة يقصر الصلاة ( ابن سعد 3 ، 203 ) .

3 / 4 : ورواية أخرى تزعم أن عليا بن أبى طالب قصر صلاة الجمعة . ولا يعرف أحدهم كيف يقصر صلاة الجمعة وهى مجرد ركعتين ، تقول الرواية لصاحبها الحارث بن توب " صلى بنا علىُّ الجمعة فلما سلم قام فقال : عباد الله أتموا الصلاة ، ُثم قام فدخل )( الطبقات الكبرى 6 ، 168 ) .

3 / 5 :  وروى ابن سعد أن عبدالله بن عمر أقام باذربيجان ستة أشهر حبسه فيها الثلج فكان يقصر الصلاة ( الطبقات الكبرى 4، 119 ) كما يروى ان الشعبى – من كبار التابعين – مكث فى خرسان عشرة أشهر لا يزيد عن ركعتين أى يقصر كل صلاة رباعية ( الطبقات 6، 173 ) .

3 / 6 : وفى مواجهة تلك الروايات يذكر ابن سعد فى نفس الكتاب رواية واحدة تهدمها جميعا ، يقول " هبط الكوفة ثلاثمائه من أمن أصحاب الشجرة وسبعون من أهل بدر ، لانعلم أحد منهم قصر " الطبقات الكبرى 6،4 .

4 ـ وفى الجمع بين الصلاتين – كالجمع بين الظهر والعصر أو الجمع بين المغرب والعشاء أو تأخيرهما تأتى روايات متعارضة .

4 / 1 : تقول رواية ان على بن الحسين ( زين العابدين ) كان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فى السفر ويقول : كان رسول الله يفعل ذلك وهو غير عجل ولا خائف ( الطبقات 5، 163 ) .

4 / 2 : ثم فى رواية أخرى مناقضة يقول فيها أبو إسحاق السبيعى " كنا فى زمن معاوية بخرسان لا نجمع " ( الطبقات الكبرى 6،219 ) .

5 ـ هذه الروايات المتناقضة ليست سوى مجرد جدل فقهى يناقض القرآن الكريم . هجروا القرآن الكريم وإفتروا أحاديث وإختلفوا ـ كالعادة ـ فيها، واستندوها إلى صحابه وتابعين ماتوا من قبل العصر العباسى .

6 ـ مالك بن أنس هو رائد كل هذا الإفتراء والهجص ، وتابعه أخرون أهمهم الشافعى والبخارى. والموضوع طويل نكتفى بلمحة عنه.

ثالثا : نماذج من إختلافات موطأ مالك :

 1 ـ ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ إِلَى خَيْبَرَ فَيَقْصُرُ الصَّلاَةَ. ) (  وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ فِي مَسِيرِهِ الْيَوْمَ التَّامَّ ‏.  ). هو نفس الشخص ( ابن عمر ) مع إختلاف فى مسافة القصر فى السفر . ـ  ( ــ وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا تُقْصَرُ إِلَىَّ فِيهِ الصَّلاَةُ ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ لاَ يَقْصُرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ الصَّلاَةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ وَلاَ يُتِمُّ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ أَوْ يُقَارِبُ ذَلِكَ ‏.‏ ) تقدير آخر مختلف فى مسافة القصر .

ابن عمر يقصر هناك ولا يقصر هنا

( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الْبَرِيدَ فَلاَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ ‏.‏ ) . ابن عمر لا يقصر أصلا.!!

القصر فى الصبح فقط :!!

 ـ (  وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ لاَ يَزِيدُ عَلَى الإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ إِلاَّ فِي الصُّبْحِ فَإِنَّهُ كَانَ يُنَادِي فِيهَا وَيُقِيمُ وَكَانَ يَقُولُ إِنَّمَا الأَذَانُ لِلإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ  ) فى الجميع حتى فى الأذان .

ـ (  وَحَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ أَبَاهُ، قَالَ لَهُ إِذَا كُنْتَ فِي سَفَرٍ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَذِّنَ وَتُقِيمَ فَعَلْتَ وَإِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ وَلاَ تُؤَذِّنْ ‏.‏ قَالَ يَحْيَى سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ لاَ بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ وَهُوَ رَاكِبٌ . ).

نلاحظ أن مالك بن أنس أسند دور البطولة فى فيلم قصر الصلاة وجمعها لابن عمر . ويزعم مالك أنه سمع هذا من نافع مولى ابن عمر. وقلنا من قبل أنه لم ير ولم يسمع ولم يقابل نافع مولى عبد الله بن عمر . مالك لا يرفع هذه الأحاديث للنبى ، وأنه يقتصر على ابن عمر الذى كان طفلا حين مات النبى عليه السلام، أى إن مالك اعجوبة فى الكذب.

ولكن من جاء بعده تفوق عليه ، إذ قاموا بإختراع أحاديث لم يقلها مالك وصنعوا لها أسانيد جديدة ، ورفعوا بعضها للنبى محمد. وهذا ما فعله الشافعى والبخارى وغيرهما . نعطى لمحة عن أكاذيب البخارى فى قصر الصلاة وجمعها:

رابعا : تناقضات البخارى

1 ـ جعل النبى يقصر تسعة عشر يوما : ( حدثنا أبو موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عونة، عن عاصم وحصين، عن عكرنة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قالأقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا.)

2 ـ ثم حديث آخر يجعل النبى يقصر عشرة أيام فقط :

 حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا يحيى بن أبي إسحق قال: سمعت أنسا يقول: خرجنا مع النبي النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا.

3 ـ ثم حديث يجعله يوما وليلة فقط :وسمى النبي النبي صلى الله عليه وسلم يوما وليلة سفرا. وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربع برد، وهي ستة عشر فرسخا.

4 ـ ثم إختلافات فى القصر فى الحج فى ( منى ) : 

4 / 1 : حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن عبيد الله قال: أخبرني نافع، عن عبد الله رضي الله عنه قال: صليت مع النبي النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وأبي بكر وعمر، ومع عثمان صدرا من إمارته، ثم أتمها.

4 / 2 :  حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة: أنبأنا أبو إسحق قال: سمعت حارثة بن وهب قالصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم، آمن ما كان، بمنى ركعتين.

4 / 3 :  حدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الواحد، عن الأعمش قال: حدثنا إبراهيم قال: سمعت عبد الرحمن بن يزييد يقولصلى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات، فقيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر رضي الله عنه بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الظاب رضي الله عنه بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات متقبلتان.

4 / 4 : حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن المننكدر وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس رضي الله عنه قال: صليت الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين.

5 ـ ثم أحاديث أخرى مختلفة عن عبد الله بن عمر :

5 / 1 : رأيت رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم إذا أعجله السير في السفر، يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء.

5 / 2 : قال سالم: وكان عبد الله ( ابن عمر ) يفعله إذا أعجله السير.

5 / 3 : وزاد الليث قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب( الزهرى ) ، قال سالم: كان ابن عمر رضي الله عنهما يجمع بين المغرب والعشاءبالمزدلفة. قال: سالم: وأخر ابن عمر المغرب، وكان استصرخ على إمرأته صفية بنت أبي عبيد، فقلت له: الصلاة، فقال: سر، فقلت: الصلاة، فقال: سر، حتى سار ميلين أو ثلاثة، ثم نزل فصلى، ثم قال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إذا أعجله السير.

5 / 4 : وقال عبد الله (ابن عمر ) : رأيت النبي النبي صلى الله عليه وسلم إذا أعجله السير يؤخر المغرب فيصليها ثلاثا، ثم يسلم، ثم قلما يلبث حتى يقيم العشاء، فيصليها ركعتين، ثم يسلم، ولا يسبح بعد العشاء، حتى يقوم من جوف الليل.

6 ــ ثم هذا الحديث المضحك الذى إخترعه البخارى :

 حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالتالصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر.قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان.

ومعناه أن الصلاة فرضت ناقصة مثنى مثنى وكان المسلمون وقتها فى حال ترحال وسفر ثم إذا استقروا فى الحضر زادت فى الحضر وبقيت مثنى مثنى على المسافر كما كانت أولا .

والواقع التاريخى يقول أن المسلمين كانوا مستقرين فى مكة ثم فى المدينة . لم يكونوا فى حالة ترحال مستمر فى تيه الصحراء ثم استقروا فى النهاية كما يوحى بذلك الحديث السابق. الاستثناء فى حالة الاستقرار هذه حدثت فى الهجرة. ولذا نزل تشريع قصر الصلاة ليعالج هذه الحالة الاستثنائية الطارئة فى السفر للهجرة أو الجهاد . والواقع القرآنى يقول " وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ )  أى من الصلاة المعروفة الكامله يكون القصر ، فالأصل أن الصلاة كامله كما أن الاصل هو الإستقرار فى الحضر وليس الترحال والسفر .. 

أخيرا

فى كل هذا الهجص والإفتراء لا تستطيع أن تخرج بتشريع واحد متفق عليه فى زعمهم قصر الصلاة فى السفر وجمعها .

الفصل السادس : التواتر الشيطانى فى إختراع صلاة العيدين : أولا : مالك بن أنس ، الرائد الشيطانى

 أولا :

ليس فى الاسلام فريضة الاحتفال بالأعياد   

1 ـ (المسلم ) العادى لا يصلى الفرائض الخمس يوميا ـ فى الأغلب ـ ولكنه قلما تفوته صلاة العيد لأن صلاة العيد أضحت عادة إجتماعية لازمة . هوايضا يصوم رمضان مع كونه لايصلى غالبا ، لأن الصوم فى رمضان قد تحول الى عادة إجتماعية مرتبطة بذكريات لها عبق خاص ، فهو يصوم بحكم العادة ، وبعد الصيام يصلى العيد فرحا بحكم العادة ايضا . ولقد تحول الحج الى مناسبة يعقبها صلاة عيد بحكم العادة ، وفيه الناس يذبحون ( الهدى ) فى بيوتهم كما لو كانوا فى الاحرام فى البيت الحرام . بل وفى صلاة العيدين يكبرون تكبيرات الاحرام كما لو كانوا فى مناسك الحج .

2 ـ أغلب (العبادات ) فى بلاد ( المسلمين ) اصبحت (عادات) إجتماعية ، يؤدونها ( جماعيا ) كما وجدوا عليها آباءهم ، وغالبا بلا تقوى . غاب الخشوع والتقوى فى صومهم رمضان ، فتحول رمضان الى شهر الامتلاء والسهر حتى الصباح وتمضية وقت الصيام فى كسل وفى قرف . (العادة ) تقتل الاخلاص فى ( العبادة )، وتجعل أداءها روتينيا بلا إحساس بالتقوى . هذا مع العبادات التى فرضها رب العزة جل وعلا كالصلاة والصوم . ولكن عندما يبتدعون عبادة ترتبط بمواسم إجتماعية تراهم يمارسونها ( جماعيا ) بشغف وإهتمام . هذا هو الفارق بين التكاسل والتهاون فى أداء الصلوات الخمس والشغف فى صلاة العيد ، وهو نفس الفارق بين الصوم فى رمضان ( المفروض ) وصوم عاشوراء و صوم (الستة البيض ) المحببة للنساء .!!.

ثانيا :

جعل العيد دينا هو وقوع فى الشرك والكفر

1 ـ لك أن تصلى نافلة ولكن دون أن تجعل هذا شعائر دينية تخترع لها أحاديث . لك أن تصلى نافلة الوتر وغير الوتر ، وأن تصلى بقدر ما تستطيع ، ولك أن تصوم أى يوم فى غير رمضان ، ( حتى أيام الأعياد وما يُعرف بيوم الوقفة )،ولكن لا بد أن تضع فى حُسبانك أنها نوافل ( تتقرب ) بها لرب العزة لتكون يوم القيامة من ( السابقين المقربين ).

2 ـ  المشكلة فى أن الابتداع فى الدين يوقع فى الشرك والكفر العقيدى . وهذا يستلزم توضيحا .

من ( المباح ) أن تحتفل بأى عيد شئت ؛عيد ميلادك وعيد ميلاد خالتك وعيد الثورة وعيد الربيع وعيد الاستقلال ..الخ . لكن يتحول هذا ( المباح ) الى وقوع فى الشرك إذا جعلته دينا تعتقد أنك بذلك تتقرب به الى الله جل وعلا زلفى . أنت بهذا تقع تحت طائلة قول رب العزة جل وعلا : ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) الشورى ) . هذا هو الشرك العلمى بإتباع أحاديث شيطانية تبتدع فى دين الله جل وعلا عبادات ما أنزل الله جل وعلا بها من سلطان . ثم ، إذا أقمت ( عيدأ ) أى إحتفالا دينيا على ذكرى ( ولىّ ) أو على قبر مقدس ( كالموالد ) فقد وقعت فى الشرك العملى ، وهو عادة سيئة للبشر ، وقد تحولت الموالد والاحتفالات الدينية حول الأوثان والقبور المقدسة الى مناسبات إجتماعية يكون فيها التعارف وتكون فيها المودة . ولقد قالها ابراهيم عليه السلام لقومه من آلاف الأعوام : (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25)العنكبوت ) .

 3 ـ هناك إرتباط إجتماعى شديد بصلاة العيد، يؤكده ذكريات صلاة العيد من الطفولة،وتغلغلها فى الحياة الاجتماعية الى درجة أن أصبحت متاحة للإستغلال السياسى وأن تتحول الى مظاهرة سياسية ومظهر للتسلط وإظهار القوة كما يفعل السلفيون الوهابيون الآن .  ولكن هذا كله لا يجعلها فريضة دينية ، ولا يستطيع أى فقيه من فقهاء الأديان الأرضية أن يقول إنها فريضة . غاية ما يستطيع أن يقول أنها (ٍ سُنّة مؤكدة ) ، وهذا مصطلح فقهى إخترعه أرباب الدين السُّنّى لتأكيد بعض تشريعاتهم الأرضية ومنحها صُدقية .

4 ـ إن مصطلح العيد قد جاء مرة وحيدة فى القرآن الكريم : ( قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ (115) المائدة ). لو كان (العيد ) شرعة إسلامية لنزل هذا فى القرآن فريضة يجب أداؤها . ولكن المرة الوحيدة الى ذكر فيها رب العزة مصطلح العيد كان فى قصص عيسى عليه السلام ،نفهم منها أن كلمة العيد لا شأن لها بالصلاة أو التعبد ، بل مجرد إحتفال بمائدة طعام تنزل من السماء إستجابة لدعوة نبى ، ومشروطة بعذاب أليم لو عصوا بعدها .

ثالثا :

لمحة عن تاريخ (الأعياد )

1 ـ ولقد تكاثرت الأعياد الدينية فى الأديان المسيحية الأرضية . وبدأ الأمر لدى (المسلمين) بعيدى الفطر والأضحى فيما قرره مالك فى المدينة ، حيث كانت الحياة بسيطة ، ثم عرفوا الترف فى العصر العباسى الثانى الذى شهد ظهور أئمة الدين السُّنّى من البخارى ومسلم ، وشهد أيضا تسيد الأديان الأرضية من سُنّة وتشيع وظهور التصوف ، فتكاثرت الأعياد الدينية ولم تعد قاصرة على عيدى الفطر والأضحى . وتفنن  الشيعة ــ  بالذات ــ فى إختراع صنوف من الأعياد ، تسلل بعضها الى السنيين مثل الاحتفال بعاشوراء ( 10 محرم ).  

2 ـ وفى مصر أحدثت الدولة الفاطمية بدعة الموالد والأعياد وشاركت فيها رسميا وجعلتها عنصرا أساسيا في الحياة الدينية ضمن سياستها في الدعاية لعقيدتها الشيعية وتقربا  للمصريين من مسلمين وأقباط . وتنوعت الأعياد الفاطمية بين أعياد شيعية مثل عيد الغدير وعاشوراء وليالي الوقود في رجب وشعبان وأعياد قبطية مثل ميلاد المسيح والغطاس وخميس العهد والنوروز وأعياد مصرية مثل فتح الخليج واحتفالات بمناسبات (إسلامية) مثل غرة رمضان والسحور , واحتفالات سياسة مثل عيد النصر الذي عمله الخليفة الحافظ بمناسبة خروجه من محبسه بالإضافة إلى موالد الخلفاء والأئمة ومولد النبي . وقد أسهب المقريزي في وصف احتفالاتهم بهذه  الأعياد . ولا ننسى أن المصريين دخلوا أفواجا  فيما حسبوه إسلاما فى العصر الفاطمى . ولا تزال الشعائر الدينية الاحتفالية المصرية تحمل وزر هذا التشيع حتى الآن .

3 ـ  وانتهى دين التشيع فى مصر وحلّ محله دين التصوف السُّنّى ، وبرزت إحتفالات دينية وضعية أخرى، منها عيد 27 رجب بزعم أنه وقت الاسراء والمعراج . وهذا نفيناه فى بحث منشور هنا عن أن ليلة الاسراء هى ليلة القدر . ومنها الاحتفال بعيد النصف من شعبان ، وكان مشهورا فى العصر المملوكى ، وفيه ارتبط (الانتحال بالانحلال ). يتجمع الناس للصلوات رجالا ونساءا فى ضوء المصابيح ، وبين الظلال وفى الزحام ينتشر الزنا والشذوذ الجنسى . وقد عرضنا للإنحلال الخلقى فى العصر المملوكى بتأثير التصوف فى مقالات كتاب منشور هنا، وكانت تزدهر فى الموالد وفى المؤسسات الدينية. يهمنا هنا جانب الانتحال ، فقد أضفى المتصوفة مناقب كثيرة على ليلة النصف من شعبان ، وجعلوا لها صلاة خاصة يقرأ فيها (قل هو الله أحد) ألف مرة لأنها مائة ركعة في كل ركعة عشر مرات ، يقول أبو شامة فى كتابه ( الباعث ) (وهى صلاة طويلة مستثقلة لم يأت فيها خبر ولا أثر إلا ضعيف موضوع). وذكر الأحاديث الموضوعة في ليلة النصف من شعبان وقال عن الوضاعين من الصوفية (وكلفوا عباد الله بالأحاديث الموضوعة فوق طاقتهم).

7 ـ كل هذا الهجص بدأه مالك فى الموطأ ، ثم تابعه البخارى ومسلم .

رابعا :

فى موطأ مالك ( رواية يحيى ):

أحاديث تنفى صلاة العيد  وأخرى تثبتها  :                                             

1 ـ  ( حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ، وَاحِدٍ، مِنْ عُلَمَائِهِمْ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ فِي عِيدِ الْفِطْرِ وَلاَ فِي الأَضْحَى نِدَاءٌ وَلاَ إِقَامَةٌ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَوْمِ ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لاَ اخْتِلاَفَ فِيهَا عِنْدَنَا ‏.‏ ) .

مالك ( سمع ) من السابقين ( أى هو دين يقوم على السماع ) أنه لم تكن فى العيدين أذان ولا إقامة للصلاة . ويقول أنها هى السُّنّة التى لا إختلاف فيها عندهم . مالك هنا لم يذكر صراحة كلمة الصلاة فى العيدين، مكتفيا بأنه لم تكن فيها أذان ولا إقامة . والاقامة للصلاة فى المصطلح السُّنّى تعنى أداء الصلاة ، وهذا ما يقوله المؤذن عندهم قبيل الصلاة (أقم الصلاة ). هنا ينفى مالك صلاة العيدين ، ويقول :( وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لاَ اخْتِلاَفَ فِيهَا عِنْدَنَا ‏.‏ ). وعليه فليس فى العيدين صلاة .!.

ثم يناقض مالك نفسه فيثبت صلاة العيد فى موضع آخر فيقول : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ مَضَتِ السُّنَّةُ الَّتِي لاَ اخْتِلاَفَ فِيهَا عِنْدَنَا فِي وَقْتِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى أَنَّ الإِمَامَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ مُصَلاَّهُ وَقَدْ حَلَّتِ الصَّلاَةُ ‏.‏ قَالَ يَحْيَى وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى مَعَ الإِمَامِ هَلْ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ فَقَالَ لاَ يَنْصَرِفُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الإِمَامُ ‏.‏ )

2  ـ حديث لابن عمر أنه لم يكن يصلى العيد : (  حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاَةِ وَلاَ بَعْدَهَا ‏.‏ ) . وحديث آخر لابن عمر نفسه أنه كان يصلى العيد :( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى ‏.‏ ). وقلنا إن مالك لم يلق ولم ير ولم يسمع (نافع ) مولى ابن عمر.  (مالك ) كذّاب بتقدير إمتياز مع مرتبة القرف.!!

 3 ـ وأحاديث تزعم أن النبى كان يصلى العيدين بالناس : (  - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ‏.‏ ) ، وأن الخلفاء بعده كانوا يصلونها ( -وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانَا يَفْعَلاَنِ ذَلِكَ ‏.‏ ) (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ ‏.‏ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ وَقَالَ إِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْهَا وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ ‏.‏ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ - فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ ‏.‏ ) . وقلنا إن مالك لم يلق ولم ير ولم يسمع إبن شهاب الزهرى. (مالك ) كذّاب بتقدير إمتياز مع مرتبة القرف.!!

وحديث آخر أن عمر بن الخطاب لم يكن يعرف ما كان النبى يقرأ به فى صلاة العيدين ، فسأل رجلا عن ذلك : (  -حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ فَقَالَ كَانَ يَقْرَأُ بِـ ‏{‏ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ‏}‏ وَ ‏{‏اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ‏}‏‏.‏ ). فكيف كان عمر يصلى العيد مع النبى سنينا ثم لا يعرف بما كان يقرأ فى الصلاة ؟. (مالك ) كذّاب بتقدير إمتياز مع مرتبة القرف.!!

 خامسا :

أحاديث ( مالكية ) فى تشريع صلاة العيدين منسوبة للصحابة والتابعين

مالك يجعل عمل أهل المدينة من الصحابة والتابعين مصدرا تشريعيا . وهذا منتظر من ( مالك ) الذى هو (مالك ) الدين المالكى المتعصب لموطنه المدينة . وهو يضيف رأيه أحيانا بإعتباره (مالك ) هذا الدين الأرضى . ونستشهد بما قاله :

1 ـ ( حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ )‏. هل عروة بن الزبير مصدر تشريعى ؟.

 2 ـ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُؤْمَرُونَ بِالأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ وَلاَ أَرَى ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فِي الأَضْحَى ‏.‏ ). إختلاف فى الأكل قبل الذهاب لصلاة عيد الفطر. وقلنا إن مالك لم يلق ولم ير ولم يسمع إبن شهاب الزهرى. (مالك ) كذّاب بتقدير إمتياز مع مرتبة القرف.!!

3 ـ (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ شَهِدْتُ الأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الآخِرَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَجَدَ النَّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا مِنَ الصَّلاَةِ يَوْمَ الْعِيدِ إِنَّهُ لاَ يَرَى عَلَيْهِ صَلاَةً فِي الْمُصَلَّى وَلاَ فِي بَيْتِهِ وَإِنَّهُ إِنْ صَلَّى فِي الْمُصَلَّى أَوْ فِي بَيْتِهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا وَيُكَبِّرُ سَبْعًا فِي الأُولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ‏.‏). هل أبو هريرة مصدر تشريعى ؟ . ثم هنا إختلاف فى صلاة العيد فى البيت أو فى المنزل.

4 ـ (وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، كَانَ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ‏.‏ ). من أبلغ مالك أن سعيد بن المسيب قال هذا ؟ وهل سعيد بن المسيب مصدر تشريعى ؟

 5 ـ ( حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّ أَبَاهُ الْقَاسِمَ، كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ، إِلَى الْمُصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ‏.‏ ). هل هذا القاسم مصدر تشريعى ؟

6 ـ ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ) ‏.‏  هل عروة بن الزبير مصدر تشريعى ؟.

الفصل السابع : التواتر الشيطانى فى تشريع صلاة العيدين بعد مالك بن أنس : هجص صلاة العيدين فى البخارى ومسلم

مقدمة :  

بدأ مالك التشريع لصلاة العيدين ، وبعده بقرن تقريبا تكاثرت التشريعات فى طقوس صلاة العيدين ، وذكرها البخارى ومسلم . ونضع لها عناوين توجز موضوعها :

أولا :

التجمل للعيد 

  (حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر قال: أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق، فأخذها فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، اتبع هذه تجمل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما هذه لباس من لا خلاق له). فلبث عمر ما شاء الله أن يلبث، ثم أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة ديباج، فأقبل بها عمر، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنك قلت: (إنما هذه لباس من لاخلاق له). وأرسلت إلي بهذه الجبة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تبيعها، أو تصيب بها حاجتك.). يهمنا أن هذا الحديث يزعم أن عمر إشترى جُبّة من حرير ليتزين بها النبى فى العيد وعند إستقبال الوفود.   

ثانيا :

 جدل حول خطبة العيد : هل هى قبل صلاة العيد أم بعدها :

1 ـ يبدو أن جدلا شبّ بين صُنّاع الدين السُّنّى حول خطبة العيد هل تسبق الصلاة كما فى خطبة الجمعة التى تسبق صلاة الجمعة، أم على العكس من ذلك ، وقد حرص البخارى على أن تتأخر الخطبة بعد الصلاة ، بمعنى أن يبدأوا بالصلاة ثم يخطب الامام . يروى البخارى :

 (  حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: أخبرني زيد، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شييء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم: فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف.قال أبو سعيد: فلم يزال الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة، في أضحى أو الفطر، فلما أتينا المصلى، إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرقيه فبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة.) ذكره ( مسلم  ) في أوائل كتاب صلاة العيدين .  فى هذا الحديث الزعم بأن النبى كان يأتى يوم العيد فيصلى صلاة العيد أولا ، ثم يقوم خطيبا فى الناس . ثم ينصرف . وفى الجزء الآخر من الحديث يذكر أبو سعيد الخدرى أن مروان بن الحكم ( فى خلافة معاوية وحين كان واليا على المدينة ) قام بتغيير ذلك فخطب قبل الصلاة ، فأنكر عليه أبو سعيد الخدرى.

2 ـ وحرص البخارى فى احاديث مختلفة على أن يضع بين السطور عبارة تفيد أن صلاة العيد تسبق خطبة العيد .منها :

2/ 1 ـ ( وعن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قام فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناس بعد ... )

 2 / 2  ـ  ( حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس قيل له: أشهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى، ثم خطب، )

2 / 3  ـ  (حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا أني، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الأضحى والفطر، ثم يخطب بعد الصلاة.) . ذكره ( مسلم ) في أوائل كتاب صلاة العيدين .  

2 / 4 ـ  (حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا هشام: أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة.). ذكره ( مسلم ) في أوائل كتاب صلاة العيدين .

2 / 5 ـ  ( حدثنا يعقوب بن ابراهيم قال: حدثنا أسامة قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، يصلون العيدين قبل الخطبة.)

2 / 6 ــ (قال ابن جريج: وأخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهدت الفطر مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، يصلونها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد ..). ( ابن جريج : هو مولى أبوه نصرانى اسمه : جورج . ( George   ) . أصبح ابن جريج ( تصغير جورج ) من صُنّاع الدين السُّنّى . زبإسناد مختلف وبعض الاختلافات فى المتن أورد البخارى نفس الحديث عن ابن جورج الصغير ( جريج ) فى : (  باب: الخطبة بعد العيد.) ( حدثنا أبو عاصم قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس قال: شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكاهم كانوا يصلون قبل الخطبة.)

ثالثا:

عدم الأذان وعدم الاقامة :

 ( وأخبرني عطاء: أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير، في أول ما بويع له: إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر، إنما الخطبة بعد الصلاة. - وأخبرني عطاء، عن ابن عباس، وعن جابر بن عبد الله قالا : لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. )

رابعا :

الامام المسلح فى العيد

-(باب: الصلاة إلى الحربة يوم العيد.) (  حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تركز الحربة قدامه، يوم الفطر والنحر، ثم يصلي.)  ( باب: حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد. - حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا أبو عمرو قال : أخبرني نافع، عن ابن عمر قال:  كان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو إلى المصلى، والعنزة بين يديه تحمل، وتنصب بالمصلى بين يديه، فيصلي إليها.) . جعلوا النبى يضع السلاح أمامه فى المحراب وهو يصلى العيدين .

خامسا :

بعد الصلاة : السير فى طريق مخالف

 ( باب: من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد.) (  حدثنا محمد قال: أخبرنا أبو تميلة، يحيى بن واضح، عن فليح بن سلمان، عن سعيد بن الحارث، عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان يوم عيد، خالف الطريق.) .  لماذا .. يا هذا ؟؟

سادسا :

 قضاء صلاة العيد

-باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وكذلك النساء، ومن كان في البيوت والقرى.-لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا عيدنا أهل الإسلام ) ( وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية، فجمع أهله وبنيه، وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم. وقال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد، يصلون ركعتين، كما يصنع الإمام. وقال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين).  المشرعون هنا بعض الصحابة (  أنس بن مالك ) وبعض التابعين ( عكرمة )

سابعا :

لا صلاة قبل صلاة العيد ولا بعدها  

1 ـ (باب: الصلاة قبل العيد وبعدها.) ( -وقال أبو المعلى: سمعت سعيدا، عن ابن عباس: كره الصلاة قبل العيد.) ( حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال: حدثني عدي بن ثابت قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر، فصلى ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها، ومعه بلال.)

2 ـ وفى اسناد آخر ومتن مختلف يزعم البخارى :(  حدثنا سلمان بن حرب قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفطر ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلهن يلقين، تلقي المرأة خرصها وسخابها.)

ثامنا :

  فى صلاة العيد فى غير المسجد  

(باب: العلم الذي بالمصلى.) ( حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس قيل له: أشهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى، ثم خطب.. ).

تاسعا :

  مشاركة النساء فى صلاة العيد

-تحت عنوان : (باب: شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين، ويعتزلن المصلى.) يفترى البخارى :

(  حدثنا محمد، هو ابن سلام، قال: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن حفصة قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فقدمت امرأة، فنزلت قصر بني خلف، فحدثت عن أختها، وكان زوج أختها غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنتي عشرة، وكانت أختي معه في ست، قالت: كنا نداوي الكلمى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبي صلى الله عليه وسلم: أعلى إحدانا بأس، إذا لم يكن لها جلباب، أن لا نخرج؟ قال: (لتلبسها صاحبتها من جلبابها، ولتشهد الخير، ودعوة المسلمين). فلما قدمت أم عطية، سألتها: أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بأبي، نعم، وكانت لا تذكره إلا قالت بأبي، سمعت يقول: (يخرج العواتق، وذوات الخدور، أو العواتق ذوات الخدور، والحيض، وليشهدن الخير، ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحيض المصلى). قالت حفصة: فقلت: الحيض؟ فقالت: أليس تشهد عرفة، كذا وكذا.). ذكره ( مسلم  ) في العيدين، باب: ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى . هنا حفصة أم المؤمنين تسأل أم عطية عن حديث للنبى .!! أى إن الست أم عطية هى الأعلم من أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب .

2 ـ وكرر البخارى هذا الحديث بأسناد آخر وباختلاف فى المتن وتحت عنوان آخر : ( باب: إذا لم يكن لها جلباب في العيد.)

 (  حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين قالت: كنا نمنع جوارينا أن يخرجن يوم العيد، فجاءت امرأة، فنزلت قصر بني خلف، فأتيتها، فحدثت أن زوج أختها غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة غزوة، فكانت أختها معه في ست غزوات، فقالت: فكنا نقوم على المرضى ونداوي الكلمى، فقالت: يا رسول الله، على إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلبات أن لاتخرج؟ فقال: (لتلبسها صاحبيها من جلبابها، فليشهدن الخير ودعوة المؤمنين). قالت حفصة: فلما قدمت أم عطية أتيتها فسألتها: أسمعت في كذا وكذا؟ قالت: نعم بأبي، وقلما ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم إلا قالت بأبي، قال: (ليخرجن العواتق ذوات الخدور، أو قال: العواتق وذوات الخدور - شك أيوب - والحيض، ويعتزل الحيض المصلى، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين). قالت: فقلت لها: آلحيض؟ قالت: نعم، أليس الحائض تشهد عرفات، وتشهد كذا وتشهد كذا.).

3 ـ وكرره البخارى بإيجاز ودون ذكر لحفصة : (  حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم، عن محمد، عن أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين، وذوات الخدور، فيشهدان جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن مصلاهن، قالت امرأة: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: (لتلبسها صاحبتها من جلبابها)  (حدثنا محمد: حدثنا عمر بن حفص قال: حدثنا أبي، عن عاصم، عن حفصة، عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى تخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته.)

عاشرا :

الغناء فى العيد

 (حدثنا أحمد قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرنا عمرو: أن محمد بن عبد الرحمن الأسدي حدثه، عن عروة، عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان، تغنيان بغناء بعاث: فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهزني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله عليه السلام فقال: (دعهما). فلما غفل غمزتهما فخرجتا.وكان يوم عيد، يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وإما قال: (تشتهين تنظرين). فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: (دونكم يا بني أرفدة). حتى إذا مللت، قال: (حسبك). قلت: نعم، قال: (فاذهبي) .) ذكره ( مسلم  ) في العيدين، باب: الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه .).   (حدثنا عبيد بن اسماعيل قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل أبو بكر، وعندي جاريتين من جواري الأنصار، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا. ) . حديث سخيف مع شهرته .  

الحادى عشر :

التسول فى العيد

كرر البخارى حديثا بروايات مختلفة وأسانيد مختلفة يزعم فيها أن النبى عليه السلام كان يستجدى الصدقة من النساء يوم العيد ، وهذا مع مخالفته لتشريع الزكاة المالية فى القرآن الكريم فإنه لا يليق بالنبى محمد عليه السلام . ولكنه (البخارى ..! ) ، يزعم :

1 ـ ( حدثنا عمرو بن عباس قال: حدثنا عبد الرحمن: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن قال: سمعت ابن عباس قال:خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر أو أضحى، فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء، فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة.)

2 ـ (  وعن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قام فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناس بعد، فلما فرغ نبي الله صلى الله عليه وسلم نزل، فأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه، يلقي فيه النساء صدقة. قلت لعطاء: أترى حقا على الإمام الآن أن يأتي النساء فيذكرهن حين يفرغ؟ قال: إن ذلك لحق عليهم، وما لهم أن لا تفعلوا.). ذكره ( مسلم  ) في أوائل كتاب صلاة العيدين .

3 ـ ( حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن سفيان قال: حدثني عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس قيل له: أشهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى، ثم خطب، ثم أتى النساء، ومعه بلال، فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة، فرأيتهن يهوين بأيديهن، يقذفنه في ثوب بلال، ثم انطلق هو وبلال إلى بيته.)

4 ـ (  حدثني إسحق بن إبراهيم بن نصر قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: سمعته يقول: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر فصلى، فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء، فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه، يلقي فيه النساء الصدقة.قلت لعطاء: زكاة يوم الفطر؟ قال: لا، ولكن صدقة يتصدقن حينئذ، تلقي فتخها، ويلقين. قلت: أترى حقا على الإمام ذلك يأتهن ويذكرهن؟ قال: إنه لحق عليهم، وما لهم لا يفعلونه؟ )

 ( قال ابن جريج: وأخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهدت الفطر مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، يصلونها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد، خرج النبي صلى الله عليه وسلم، كأني أنظر إليه حين يجلس بيده، ثم أقبل يشقهم، حتى جاء النساء معه بلال، فقال: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنكالآية، ثم قال حين فرغ منها: (آنتن على ذلك). قالت امرأة واحدة منهن، لم يجبه غيرها: نعم. لا يدري حسن من هي، قال: (فتصدقن). فبسط بلال ثوبه، ثم قال: (هلم، لكن فداء أبي وأمي). فيلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال.). ذكره ( مسلم  ) في أول كتاب الصلاة العيدين .

ثانى عشر

هجص متناقض وغير مفهوم فى تشريع صلاة العيد :

(باب: شهرا عيد لا ينقصان.) ( -قال أبو عبد الله: قال إسحق: وإن كان ناقصا فهو تمام. وقال محمد: لا يجتمعان كلاهما ناقص.)

( حدثنا مسدد: حدثنا معتمر قال: سمعت إسحق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحدثني مسدد: حدثنا معتمر، عن خالد الحذاء قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه رضي الله عنه،  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان وذو الحجة.)  ذكره (مسلم ) في الصيام، باب: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: شهرا عيد لا ينقصان،  ( باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نكتب ولا نحسب .)-

 ( حدثنا آدم: حدثنا شعبة: حدثنا الأسود بن قيس: حدثنا سعيد بن عمرو: أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما،  عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا هكذا). يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين ).

الفصل الثامن : التواتر الشيطانى فى تشريع صلاة الجنازة : هجص ( موطأ مالك ) نموذجا

مقدمة :

1 ـ قبل نزول القرآن وفى كل المجتمعات البشرية ، وبعد نزول القرآن وفى كل المجتمعات البشرية يقوم الناس بتشييع الجنازات وتلاوة عبارات دينية وممارسة طقوس دينية . هى تقاليد وعادات ، ولكن أئمة الهجص فى كل كهنوت دينى يجعلون هذا دينا ، ليجعلوا لنفسهم وظيفة ومكانة ، ثم يقومون بتعقيد مراسيم الجنازات وطقوسها ، ثم إذا إشتد تحكمهم فى الحياة الدينية للمجتمع فرضوا لأنفسهم الوصاية ليس فقط على الأحياء بل على الأموات . فإذا كان الفرد مغضوبا عليه من الكهنوت حكموا عليه بالحرمان من الطقوس التى يعملونها على جثته ، وحكموا عليه بعدم الدفن فى مقابرهم ، وبالتالى ـ طبقا لخرافاتهم المقدسة أو هجصهم المقدس ـ يكون المغضوب عليه محروما من دخول الملكوت أو من دخول الجنة .

2 ـ لم يكن الكهنوت السُّنّى فى عنفوانه فى عصر ( مالك ) . بل كان فى بدايته ، وهو المؤسس ، والذى سار على سُنّته اللاحقون من الشافعى الى البخارى ..الخ . وكان ( مالك ) يعتبر ( عمل أهل المدينة ) المصدر الأساس عنده فى التشريع . لذا كان يفترى الأحاديث ولا ينسبها فقط للنبى بعد موت النبى بثلاثة اجيال ، بل ينسب بعضها أيضا الى بعض الصحابة ( أبو هريرة مثلا ) والى التابعين ( سعيد بن المسيب مثلا ) والى تابعى التابعين ( ابن شهاب الزهرى)، وقلنا من قبل إنه نسب معظم مروياته الى ابن شهاب الزهرى مع إنه لم يلق ولم ير الزهرى طيلة حياته ، وهو يروى عن نافع ، ولم ير نافع ولم يلقه.

3 ـ وقلنا ـ ونقول ـ أن مالك بن أنس كان كذابا فى نسبة ما قاله للنبى والصحابة والتابعين وتابعى التابعين . ولكنه كان صادقا فى التعبير عن دينه الأرضى الذى يملكه أصحابه ويقولون فيه بأهوائهم كيف شاءوا . وهو أيضا صادق فى التعبير عن ثقافة عصره ، لهذا تقبل الناس أكاذيبه بقبول حسن، وبنوا عليها لأنها تعبر بصدق عن ثقافتهم المُناقضة للاسلام العظيم.

3 ـ ونستكمل عرض بعض هجص مالك فى الجنازة

أولا : تشييع الجنازة :

1 ـ يأتى مالك بأحاديث تؤكد أن النبى وكبار أصحابه كانوا يقومون بتشييع الجنازات . وفى (  باب الْمَشْىِ أَمَامَ الْجَنَازَةِ ) يقول : ( حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ وَالْخُلَفَاءُ هَلُمَّ جَرًّا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏.‏ ) ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ رِبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقْدُمُ النَّاسَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ فِي جَنَازَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ‏.‏) ( وَحَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ مَا رَأَيْتُ أَبِي قَطُّ فِي جَنَازَةٍ إِلاَّ أَمَامَهَا - قَالَ - ثُمَّ يَأْتِي الْبَقِيعَ فَيَجْلِسُ حَتَّى يَمُرُّوا عَلَيْهِ ‏.‏ ). ثم يفترى مالك أن ابن شهاب الزهرى أفتى بأن من الخطأ المشى خلف الجنازة :  (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ الْمَشْىُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ مِنْ خَطَإِ السُّنَّةِ ‏.‏ ) ، أى سُنّة خاطئة المشى خلف الجنازة . ثم يأتى فى (  - باب الْوُقُوفِ لِلْجَنَائِزِ وَالْجُلُوسِ عَلَى الْمَقَابِرِ ) بأحاديث : (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ يَتَوَسَّدُ الْقُبُورَ وَيَضْطَجِعُ عَلَيْهَا ‏.‏ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنِ الْقُعُودِ عَلَى الْقُبُورِ فِيمَا نُرَى لِلْمَذَاهِبِ ‏.‏ ) (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، يَقُولُ كُنَّا نَشْهَدُ الْجَنَائِزَ فَمَا يَجْلِسُ آخِرُ النَّاسِ حَتَّى يُؤْذَنُوا ‏.‏ ) .

ويبدو أن قد ظهرت عادة هى تشييع الجنازة بإشعال النيران أو إيقاد المصابيح ، وتصدى مالك لهذه الظاهرة ، فروى تحت  : (باب النَّهْىِ عَنْ أَنْ تُتْبَعَ الْجَنَازَةُ بِنَارٍ : (  - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ لأَهْلِهَا أَجْمِرُوا ثِيَابِي إِذَا مِتُّ ثُمَّ حَنِّطُونِي وَلاَ تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِي حِنَاطًا وَلاَ تَتْبَعُونِي بِنَارٍ ‏.‏ ) (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُتْبَعَ، بَعْدَ مَوْتِهِ بِنَارٍ ‏.‏ قَالَ يَحْيَى سَمِعْتُ مَالِكًا يَكْرَهُ ذَلِكَ ‏.‏ )

والمستفاد مما سبق وجوب تشييع الجنازة على الجميع .

2 ـ ولكن يأتى مالك بأحاديث أخرى نفهم منها أن النبى كانت تمر عليه الجنازة فيتكلم معلقا دون المشاركة فيها ، يقول : (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ ‏:‏ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ ‏:‏ ‏"‏ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ ‏"‏ ‏.‏ قَالُوا ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ قَالَ ‏:‏ ‏"‏ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ‏"‏ ‏.‏ ) (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَمُرَّ بِجَنَازَتِهِ ‏:‏ ‏"‏ ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بِشَىْءٍ ‏"‏ ‏.‏ )

3 ـ ثم يتصدى أبو هريرة بتشريع طريف ظريف ـ وأبو هريرة كان خفيف الدم ظريفا يهزأ به الناس  ـ وتشريع أبى هريرة هو الاسراع بالجنازة والتعليل فى داخل الحديث :  (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ ‏:‏ أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ أَوْ شَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ ‏.‏ )

ثانيا : الصلاة على الميت فى الاسلام

1 ـ فى الاسلام : الصلاة ( على ) الميت تعنى الدعاء له بالرحمة ، يستوى إن كان هذا الدعاء على قبره ـ فى أو قت بعد دفنه أو عند دفنه ، أو كان الدعاء له بالرحمة فى أى مكان . ولقد نهى الله جل وعلا النبى عن الصلاة على من مات من بعض المنافقين ، ول أن يقوم على قبر أحدهم داعيا له بالرحمة ، قال جل وعلا : ( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) التوبة ). ويشبه هذا موقف النبى صالح من كفار قومه ثمود  الذين أهلكتهم الصيحة فلم يصل عليهم داعيا بالرحمة ، بل عبّر عن أسفه وهو يقف أمام جثثهم  : ( فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) الاعراف )، وحدث نفس الحال فيما بعد مع النبى شعيب وقومه ( مدين ) : (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)  الاعراف  ) .

2 ـ وفى كل الأحوال فإن الدعاء للميت هو مجرد تكريم له ، مثل المعتاد فى تأبين الموتى . ولكن هذا الدعاء لا يفيد الميت بشىء ، لأنه قد تم قفل كتاب أعماله ، فليس له أو عليه إلا سعيه حين كان حيا يسعى فى الأرض ، ثم هذا العمل سيكون مرئيا للجميع : (  وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)  النجم ) . سعينا ونحن احياء يتم تسجيله أولا بأول ، ويأتى كل منا يحمله فى كتاب أعماله (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) الاسراء ). لا ينفع الميت أى دعاء . الدعاء ينفع الداعى فقط . حين تدعو لوالديك بعد وفاتهما فهذا الدعاء يفيدك أنت ، ولا يفيدهما . يفيدك أنت لأنك مأمور بالدعاء لك ولغيرك . وحين تدعو فأنت تنفذ أوامر الله جل وعلا . وهو جل وعلا يستجيب لدعائك بمعرفته جل وعلا .  

ثالثا : الصلاة على الميت فى دين ( مالك )

 قام ( مالك) بتحويل هذا الدعاء العادى الى تشريع مختلف فيه، نوجزه فى الآتى :

المكان :

1 ـ يروى مالك : (  - باب جَامِعِ الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ : حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا، هُرَيْرَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَيَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ‏.‏ ) . المكان هنا فى  ( المدينة) ،  لم يقل ( المسجد ) ولم يقل ( البقيع أو المقبرة).

2 ـ ثم تأتى أحاديث بالصلاة على الميت فى المسجد : (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ صُلِّيَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْمَسْجِدِ ‏.‏ ) ، والمصلاة (  - باب التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ :  - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ‏.‏ ) (باب الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ فِي الْمَسْجِدِ : (  - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ مَاتَ لِتَدْعُوَ لَهُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ مَا أَسْرَعَ النَّاسَ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ ‏.‏ )

3 ـ ثم أحاديث أخرى فى الصلاة على الميت فى المقبرة ( البقيع ) : (  - باب الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ إِلَى الإِسْفَارِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى الاِصْفِرَارِ : وَحَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حُوَيْطِبٍ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، تُوُفِّيَتْ - وَطَارِقٌ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ - فَأُتِيَ بِجَنَازَتِهَا بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ فَوُضِعَتْ بِالْبَقِيعِ ‏.‏ قَالَ وَكَانَ طَارِقٌ يُغَلِّسُ بِالصُّبْحِ ‏.‏ قَالَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ لأَهْلِهَا إِمَّا أَنْ تُصَلُّوا عَلَى جَنَازَتِكُمُ الآنَ وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ ‏.‏ ) (  - وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ، أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَقُولُ ‏:‏ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجَ - قَالَتْ - فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي بَرِيرَةَ تَتْبَعُهُ، فَتَبِعَتْهُ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ فَأَخْبَرَتْنِي، فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ‏:‏ ‏"‏ إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ لأُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ ‏"‏ ‏.‏ ) . وبالصلاة على قبر الميت : (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ مِسْكِينَةً مَرِضَتْ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - بِمَرَضِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُ الْمَسَاكِينَ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إِذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي بِهَا ‏"‏ ‏.‏ فَخُرِجَ بِجَنَازَتِهَا لَيْلاً فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهَا فَقَالَ ‏"‏ أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي بِهَا ‏"‏ ‏.‏ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَرِهْنَا أَنْ نُخْرِجَكَ لَيْلاً وَنُوقِظَكَ ‏.‏ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ‏.‏ )

التوقيت

 إختلاف يظهر فى هذين الحديثين : (  - باب الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بَعْدَ الصُّبْحِ إِلَى الإِسْفَارِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى الاِصْفِرَارِ : وَحَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حُوَيْطِبٍ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، تُوُفِّيَتْ - وَطَارِقٌ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ - فَأُتِيَ بِجَنَازَتِهَا بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ فَوُضِعَتْ بِالْبَقِيعِ ‏.‏ قَالَ وَكَانَ طَارِقٌ يُغَلِّسُ بِالصُّبْحِ ‏.‏ قَالَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ لأَهْلِهَا إِمَّا أَنْ تُصَلُّوا عَلَى جَنَازَتِكُمُ الآنَ وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ ‏.‏ ) (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ يُصَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ إِذَا صُلِّيَتَا لِوَقْتِهِمَا ‏.‏ )

الكيفية

1 ـ فى التسليم (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ يُسَلِّمُ حَتَّى يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ ‏.‏ ). هذا عن ابن عمر فماذا عن الآخرين ؟

2 ـ فى الطهارة : ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ لاَ يُصَلِّي الرَّجُلُ عَلَى الْجَنَازَةِ إِلاَّ وَهُوَ طَاهِرٌ ‏.‏ ) هذا عن ابن عمر فماذا عن الآخرين ؟

3 ـ فى التكبير (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ، يُدْرِكُ بَعْضَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ وَيَفُوتُهُ بَعْضُهُ فَقَالَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ ‏.‏ ) . لم يقل عدد التكبيرات . تركها مفتوحة يثشرّع فيها اللاحقون حسب الهوى . وهذا تشريع ابن شهاب الزهرى ، ينسبه اليه مالك زاعما أنه سأله . ومالك لم يلق ابن شهاب الزهرى أصلا .

4 ـ فى كيفية الدعاء : هذا تشريع أبى هريرة : ( باب مَا يَقُولُ الْمُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ : (  - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ كَيْفَ تُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَا لَعَمْرُ اللَّهِ، أُخْبِرُكَ أَتَّبِعُهَا، مِنْ أَهْلِهَا فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرْتُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ وَصَلَّيْتُ عَلَى نَبِيِّهِ ثُمَّ أَقُولُ اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ ‏.‏ ) . ثم هذا تشريع آخر مختلف لأبى هريرة : (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، يَقُولُ صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ‏.‏ )

5 ـ عن قراءة القرآن . هنا تشريع ابن عمر :(  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ لاَ يَقْرَأُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَازَةِ ‏.‏ ) . فماذا عن الآخرين ؟

6 ـ وقد أصبح الزنا ظاهرة فاشية بسبب خروج الرجال للغزو والفتوحات ، وتكاثر اللُقطاء وأبناء الزنا ، وتمتعوا بالاحتقار ، وفى التشريع السُّنّى عوقب ابن الزنا بجريمة أبويه ـ مع أن التشريع الاسلام يؤكد على أنه لا تزر وازرة وزر أخرى . ويبدو أنه ثار جدل فى عصر مالك حول الصلاة على الميت إذا كان ابن زنا أو على والدته الزانية ، فوضع مالك رأيه فى هذا الحديث : ( قَالَ يَحْيَى سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَا وَأُمِّهِ ‏.‏ )

رابعا : العزاء :

1 ـ مزاعم مفتراة بالغفران مقدما لأهل الميت مهما إرتكبوا من كبائر : ( باب الْحِسْبَةِ فِي الْمُصِيبَةِ : (  - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ لاَ يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ‏"‏ ‏.‏ ) (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ السَّلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ لاَ يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إِلاَّ كَانُوا جُنَّةً مِنَ النَّارِ ‏"‏ ‏.‏ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوِ اثْنَانِ قَالَ ‏"‏ أَوِ اثْنَانِ ‏"‏ ‏.‏ ) (  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ، سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ مَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصَابُ فِي وَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ ‏")‏ ‏.‏ 2 ـ ومنها أن النبى نفسه مات أولاده :(  - باب جَامِعِ الْحِسْبَةِ فِي الْمُصِيبَةِ :  - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ لِيُعَزِّ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِمُ الْمُصِيبَةُ بِي ‏")‏ ‏.‏

3 ـ ثم مكافأة مضحكة لمن مات عنها زوجها ، أن تقول بعض العبارات فتتزوج بعده :(  - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَقَالَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ ‏"‏ ‏.‏ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ ذَلِكَ ثُمَّ قُلْتُ وَمَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ فَأَعْقَبَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم فَتَزَوَّجَهَا ‏.‏ ).

4 ـ ثم قصة درامية فى التعزية عن إمرأة إسرائيلية وعابد إسرائيلى : ( وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ قَالَ هَلَكَتِ امْرَأَةٌ لِي فَأَتَانِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ يُعَزِّينِي بِهَا فَقَالَ إِنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ فَقِيهٌ عَالِمٌ عَابِدٌ مُجْتَهِدٌ وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ - وَكَانَ بِهَا مُعْجَبًا وَلَهَا مُحِبًّا - فَمَاتَتْ فَوَجَدَ عَلَيْهَا وَجْدًا شَدِيدًا وَلَقِيَ عَلَيْهَا أَسَفًا حَتَّى خَلاَ فِي بَيْتٍ وَغَلَّقَ عَلَى نَفْسِهِ وَاحْتَجَبَ مِنَ النَّاسِ فَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَإِنَّ امْرَأَةً سَمِعَتْ بِهِ فَجَاءَتْهُ فَقَالَتْ إِنَّ لِي إِلَيْهِ حَاجَةً أَسْتَفْتِيهِ فِيهَا لَيْسَ يُجْزِينِي فِيهَا إِلاَّ مُشَافَهَتُهُ فَذَهَبَ النَّاسُ وَلَزِمَتْ بَابَهُ وَقَالَتْ مَا لِي مِنْهُ بُدٌّ ‏.‏ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ إِنَّ هَا هُنَا امْرَأَةً أَرَادَتْ أَنْ تَسْتَفْتِيَكَ وَقَالَتْ إِنْ أَرَدْتُ إِلاَّ مُشَافَهَتَهُ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ وَهِيَ لاَ تُفَارِقُ الْبَابَ ‏.‏ فَقَالَ ائْذَنُوا لَهَا ‏.‏ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ إِنِّي جِئْتُكَ أَسْتَفْتِيكَ فِي أَمْرٍ ‏.‏ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَتْ إِنِّي اسْتَعَرْتُ مِنْ جَارَةٍ لِي حَلْيًا فَكُنْتُ أَلْبَسُهُ وَأُعِيرُهُ زَمَانًا ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَىَّ فِيهِ أَفَأُؤَدِّيهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ نَعَمْ وَاللَّهِ ‏.‏ فَقَالَتْ إِنَّهُ قَدْ مَكَثَ عِنْدِي زَمَانًا ‏.‏ فَقَالَ ذَلِكَ أَحَقُّ لِرَدِّكِ إِيَّاهُ إِلَيْهِمْ حِينَ أَعَارُوكِيهِ زَمَانًا ‏.‏ فَقَالَتْ أَىْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَفَتَأْسَفُ عَلَى مَا أَعَارَكَ اللَّهُ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْكَ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ فَأَبْصَرَ مَا كَانَ فِيهِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهَا ‏.‏ ) 

الخاتمة

أولا :

1 ـ داعشى يُصلّى ثم يذبح الأبرياء ويغتصب النساء . تقرأ له قوله جل وعلا : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ )﴿٣٨﴾ الانعام ) ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ﴿٨٩﴾ النحل ). يرد مكذبا رب العزة جل وعلا : وأين نجد ركعات الصلاة ومواقيتها ؟

2 ـ شيخ يُصلّى ثم يُفتى بجواز جهاد المناكحة ويتحدث عن لذّة المجاهدين فى ذبح الأبرياء . تقرأ له قوله جل وعلا : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ )﴿٣٨﴾ الانعام ) ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) ﴿٨٩﴾ النحل ). يرد مكذبا رب العزة جل وعلا : وأين نجد ركعات الصلاة ومواقيتها ؟

3 ـ شيخ من الكهنوت يُصلّى وهو يعبد الحاكم المتألّه المستبد :( ولى الأمر ) يُفتى لولى الأمر بما يهوى ، ويتناقض فى فتاويه حسب تناقض ولى الأمر فى هواه. يبيح لولى الأمر القتل والنهب والفساد . تقرأ له قوله جل وعلا : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ )﴿٣٨﴾ الانعام ) ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ )﴿٨٩﴾ النحل ). يرد مكذبا رب العزة جل وعلا : وأين نجد ركعات الصلاة ومواقيتها ؟

ثانيا :

1 ـ هم لا يعرفون أن الصلاة التى توارثناها اليوم هى نفس الصلاة المتواترة من حيث الشكل وعدد الركعات والمواقيت ، ما عدا استبدال التشهد بالتحيات وأن يكون  قصر الصلاة  فى السفر فقط . أما الأفظع فأنها أصبحت :

1 / 1 : صلاة شيطانية تأمر بالفحشاء والمنكر من القتل والسلب والنهب والاغتصاب .

1 / 2 : مطية للإستغلال السياسى من تقديس الحاكم فى صلاة وخطبة الجمعة الى إستخدامها وسيلة للوصول الى السلطة والخروج على الحاكم .

1 / 3 : أبرز ملمح فى تقديس البشر والوقوع فى الشرك وتقديس النبى محمد وغيره، مما أعاد الثقافة القرشية التى سادت قبل نزول القرآن ، ثم عادت وسادت بعده أيضا.

2 ـ وهنا يصبح التساؤل المعاند عن عدد ركعات الصلاة  وكيفيتها :

2 / 1 : مبنيا على جهل وعلى تكذيب لرب العزة الذى أكّد كمال القرآن فى بيانه لما يحتاج الى بيان وفى عدم تفريطه لما يكون تركه تفريطا.

2 / 2 :  مؤكدا على إعجاز القرآن فى الحديث عن الكافرين الذين يسعون فى آيات الله جل وعلا معاندين . 

2 / 3 : منطبقا الآن على المحمديين ، وتعبيرا عن أزمة عقيدية لديهم ، وتعبيرا حيا على تناقضهم مع القرآن الكريم فى حياتهم الدينية. فالشيطان خدعهم وأضل منهم اجيالا وأجيالا فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات . جعلهم يؤدون الصلاة شكليا دون أن يقيموها فى قلوبهم وفى جوارحهم  تقوى وعملا صالحا تبتعد بهم  عن المعاصى . بل إن صلاتهم الشكلية تحرّضهم على التطرف فى العصيان . وهو ما يتجلى الآن ، حيث يقترن التدين المظهرى السطحى وإمتلاء المساجد بالناس مع التطرف فى الفساد والانحلال .

 أخيرا

هنا نفهم لماذا يضل المحمديون بصلواتهم الشيطانية ، يخسرون الدنيا والآخرة وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعا.



[1]
ابو رية :اضواء على السنة 58 . دار المعارف الطبقة الخامسة

[2]النووى : يحيى بن شرف تحقيق عبد القادر عطا : 36

[3]  سيل السلام 1؛336 ؛335

[4]بلوغ المرام لابن حجر :78.

[5]الموطأ 68 : 69. الطبقة الثانية