مكتبة منصور أرشيف دائم
EN / AR
الكتب 2007

جذور الارهاب فى العقيدة الوهابية السعودية والاخوان المسلمون

تقديم

فى أواخر التسعينيات كان الباحثون عن الرأى الجديد فى الاسلاميات من الصحفيين العرب والأجانب يتصلون بى وينشرون عنى. وكنت أجيبهم  فى موضوعات تخصصى "القرآن الكريم وتراث المسلمين وتاريخهم ". الا ان بعض الاسئلة كانت تدور حول التطرف الدينى المعاصر والوهابية والدولة السعودية. ومع اننى ضحية للنفوذ الوهابى السعودى فى مصر الا أن هذا المجال كان بعيدا عن تخصصى العلمى الذى يتوقف عند نهاية العصر المملوكى وبداية الفتح العثمانى لمصر والمنطقة العربية حوالى 921 بعد الهجرة او 1517 بالميلادى.     

كنت مكتفيا بتخصصى فى تراث المسلمين السنى والصوفى وتاريخ المسلمين فى العصر الوسيط  دون العصر الحديث والمعاصر. وكالعادة وقفت فى منتصف الطريق بين المتخصصين فى التاريخ والمتخصصين فى التراث السنى والصوفى . المؤرخون يرون اننى شيخ عريق فى علوم القرآن والحديث والتفسير والتراث السنى والصوفى . بينما يهاجمنى خصومى من السنية على أننى " بتاع تاريخ وحضارة".                                 

تناسى الجميع ان الباحث فى التاريخ الاسلامى لا بد أن يكون ملما بحقائق الاسلام وتراث المسلمين ومدى التقارب أو الاختلاف بينها وواقع المسلمين فى العصر الذى يبحثه. والذى يبحثمثلا ثورات الخوارج أو الشيعة فى العصر الأموى لا بد له من بحث الاطار الفكرى والعقيدى لحركتهم السياسية ـ هذا مع أن عطاءهم الأيدولوجى لم يكن قد تبلور حينئذ ـ  فمابالك اذا بحث تاريخ الحركات الأخرى فى العصر العباسى وهو عصر تقعيد واكتمال الأيدلوجيات المذهبية والتى كانت المؤثر الحقيقى لتلك   الحركات السياسية.                                                                               

وتناسى الجميع أيضا أن الباحث فى علوم الفقه والحديث والتفسير محتم عليه أن يبحث الأرضية التاريخية التى عاش فيها أولئك الأئمة وأثرت علي عقلياتهم قبل أن يبحث تاريخهم الشخصى ومدارسهم الفكرية وعلاقاتهم بمن حولهم من الحكام والعلماء وحتى العوام. بدون الأرضية التاريخية يظل البحث فىالفقه أو فى التفسير والحديث ناقصا معلقا فى الفضاء بعيدا عن حقائق الواقع المعاش.                      

ولهذا كان لابد من المزج بين التاريخ والأصوليات فى الدراسات والأبحاث الأسلامية كى تتضح كل جوانب الموضوع وابعاده. وهذاما سرت عليه فى رسالتى للدكتوراه والتى كانت تبحث أثر الأيدلوجية الصوفية او التدين الصوفى فى العصر المملوكى بكل نواحيه السياسية والدينية والأخلاقية والأجتماعية والعمرانية والثقافيةوالتعليميةوالأدبية والفكرية والفنية والأقتصادية. وهو أيضا ما تجرى عليه مؤلفاتى والتى تحمل عنوان " دراسة تاريخية أصولية"                          

 وبسبب ذلك النقص المنهجى فى الدراسات الاسلامية ـ التاريخية والأصولية ـ فانها لا تزال تتمتع بجهل فاضح يؤكده انهم يتجاهلون الفارق الأساسى بين الأسلام كدين الاهى  والمسلمين كبشر يخطئون ويصيبون. ولا بد ان يتحمل المسلمون أوزارهم وليس الاسلام مسئولا عن هذه الأوزار لأنه أوامر ونواهى وقيم عليا ينبغى اتباعها والبشر أحرار فى الطاعة أو المعصية ومسئولون عما يفعلون.                                        

 منذ 1987 بعد خروجى من الأزهر وتحررى من قيودهم الفكرية عزمت على أن اتفوق عليهم وعلى الجميع بمؤلفاتى فى تاريخ المسلمين وفى تراثهم بكل تجلياته وفرقه  منذ العصر النبوى الى نهاية العصر المملوكى . وجعلت نفسى حكما قاسيا على نفسى فى هذا التحدى . وقررت فيما بعد نجاحى فى هذا التحدى. وحققت مقالاتى المنشورة ومعاركى شهرة واسعة لى حيث كان يقصدنى الباحثون عن التجديد فى الفكر الاسلامى والذين يريدون رؤى اسلامية مختلفة عن كلام الشيوخ المستهلك والمعاد، والذين يريدون منى الرد على الفتاوى المحنطة والتى لم تعد صالحة للاستهلاك الآدمى .                                                                      

على أن بعضهم كان يرى اننى استطيع أن أتكلم وأفتى فى كل شىء كما يفعل الشيوخ الجهلة الذين يفتون بجهلهم فى كل شىء من نواقض الوضوء وموجبات الغسل والحجاب والنقاب وتخضيب اللحية وتقصير الجلباب الى الدردشة على الانترنت ونقل الأعضاء والاستنساخ والحكم الشرعى للاستنجاء على سطح القمر.! لايستطيع أحدهم أن يقول لا أدرى .                                                        

 سئلت مرارا عن الاخوان المسلمين والوهابية والتنظيمات الارهابية والى أى حد يختلف فكرها أو يتنوع ، والى أى حد يتفق مع جذوره الاولى فى العصور الوسطى. كنت أعتذر عن الاجابة لأن تاريخ العصر الحديث خارج تخصصى . وخجلت من نفسى من تكرار الاعتذار ، وقررت أن أدخل فى تحد آخر هو دراسة الجذور  التاريخية والفكرية لمتطرفى عصرناالبائس.                                                        كان هذا قرارا هائلا لم أجد الوقت لتنفيذه لولا أن أدخلتنى الظروف فيه عنوة.       

 كانت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى جامعة القاهرة تجهز لعقد مؤتمر لبحث "ظاهرة الاسلام السياسى " وكلفت باحثيها بالكتابة فى المحاور المختلفة للموضوع ، ومعظمهم ينتمى للتيار السلفى نفسه ويمثل الجيل الثانى لمثقفى الأخوان المسلمين، وكان المؤتمر فرصتهم لتمرير ايدلوجيتهم باسم الاسلام دون أن يجادلهم أحد فى مدى تعبيرهم عن الاسلام ، وكان الوقت حينئذ معهم باعتبارهم "اسلاميين معتدلين ".                                                                          

 لذا تم تكليف باحثة غير متخصصة فى الاسلاميات لتكتب فى أهم محور وهو " ماهية الحركة الاسلامية وتوصيفها" وفى آخر لحظة اعتذرت الأستاذة . وكان الدكتور سعد الدين ابراهيم هو الذى يدير تلك الجلسة فاقترح عليهم دعوتى لأتكلم عشرة دقائق لمجرد سد الفراغ .                                                               

اتصل بى الدكتور سعد الدين ابراهيم  ـ وقد كنت اعمل وقتها معه فى مركز ابن خلدون ـ وقال : هل تستطيع أن تجهز نفسك للحديث عشرة دقائق عن ماهية الحركة الاسلامية المعاصرة وتوصيفها ؟ قلت له :"  اننى اختلف معكم فى وصفها بالحركة الاسلامية. انها تناقض الاسلام ولا تعبر عنه ، بل لاتعبر عن كل المسلمين ، انها تعبر عن الحركة الوهابية فقط ". قال: اذن أمامك الفرصة الآن لتقنعنا بوجهة نظرك. ونراك غدا على المنصة." قلت " لن احضر لأتكلم فقط ، بل سيكون معى بحث مكتوب اجهزه الليلة وألقيه شفهيا أمامكم غدا ان شاء الله تعالى".        

وهذا ما حدث . قبلت التحدى ـ تحدى نفسى بنفسى ـ وقبيل فجر اليوم التالى كان البحث مكتوبا بخط يدى. وبعد الاستيقاظ فى اليوم التالى ذهبت به الى مقر كلية الأقتصاد والعلوم السياسية حيث مكان عقد المؤتمر وطلبت تصوير عدة نسخ من البحث وتم ذلك . وكانت ندوة رائعة فى عدد الحاضرين ونوعية النقاش . بعدها اعطيت نسخة من البحث للدكتور محمد سيد سليم الأستاذ بالكلية والمشرف على المؤتمر، أثارت اعجابه وأرست صداقة ـ على البعد ـ بيننا أعتز بها . وعلمت أن الكلية قد نشرت البحث أو ملخصا له.ثم  نشر مركز ابن خلدون هذا البحث فى تقريره السنوى ، ونشرته أيضا المجلة الفصلية " الأنسان والتطور "وذلك تحت عنوان " بين التدين النجدى والتدين المصرى"و التى يملكها ويديرها  الدكتوريحيى الرخاوى أحد كبار الطب النفسى فى الشرق الآوسط .

وشجعنى هذا على أن أمضى فى التحدى الى آخره فقررت تأليف كتاب كامل عن المعارضة السنية السعودية فى القرن العشرين. يبحثها اصوليا وتاريخيا : يبدا بالمعارضة التى قام بها الأخوان ــ أولئك الذين اسهموا مع عبد العزيز فى اقامة الدولة السعودية الثالثة ثم ثاروا عليه فأخمد ثورتهم ، ثم حركة المعارضة السلمية لناصر السعيد فى عهد الملك سعود ، وحركة جهيمان العتيبى فى عهد الملك خالد . وأخيرا الحركة المعاصرة التى قامت بها اللجنة الشرعية وانتقلت الى لندن بزعامة المسعرى والفقيه قبل انفصالهما. وهى الحركة التى انجبت اسامة بن لادن.          

أنهيت هذا الكتاب مع نهاية سنة 2000 . ولا يزال مخطوطا .                              

ومن هذا البحث الذى لا يزال مخطوطا إخترت باقة من الفصول لتعطى ملمحا عن جذور الارهاب فى العقيدة الوهابية و كيف زرع السعوديون شجرة الاخوان المسلمين فى مصر.

وصدرت هذه الباقة من الفصول فى بحث تم نشره ضمن كتاب يضم مجموعة من المقالات و الأبحاث تحت عنوان ( أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 كما يراها مفكرون وكتاب عرب ) من إعداد وتقديم الدكتور احمد مطر عن دار الكرمل فى عمان ـ الأردن.

وقد حظى البحث باهتمام الكثيرين فكتب عنه الاستاذ سعد القرش فى وكالة رويتر فى أول مايو 2007 ما يلى :

في حين تعلن السعودية أن تنظيم القاعدة لا يزال يمثل خطرا على أراضيها يشدد الكاتب المصري أحمد صبحي منصور على أن مصدر الخطر يكمن في جذور التيار الوهابي الذي يعتبره مرادفا للتشدد الديني.
ويرى منصور أن "خطورة" التيار الوهابي لا تقتصر على السعودية وحدها بل تمتد إلى مصر التي تعرضت إلى "غزو وهابي" يقول انه وصل بشعبها إلى مرحلة الغيبوبة بعد أن أجهض في رأيه حركة الاصلاح الديني التي بدأت منذ مطلع القرن العشرين.

وأعلنت السعودية الجمعة الماضي أنها أحبطت مؤامرة لمهاجمة منشات نفطية وقواعد عسكرية وشخصيات عامة في المملكة واعتقلت 172 شخصا ونقل عن الامير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي قوله إن اعتقال 172 من المشتبه في أنهم متشددون لم يضع نهاية للخطر المرتبط بتنظيم القاعدة في البلاد.
وقتل متشددون اسلاميون في فبراير/شباط الماضي أربعة فرنسيين يعملون ويعيشون في المملكة. وقال متشددون إنهم يريدون طرد الغربيين "الكافرين" من السعودية مهد الاسلام

ويقول مسؤولون إن حوالي 144 أجنبيا وسعوديا بينهم أفراد من قوات الامن و120 متشددا قتلوا في الهجمات والاشتباكات مع الشرطة منذ مايو/ايار 2003 عندما هاجم انتحاريون من القاعدة ثلاثة مجمعات سكنية يقيم بها غربيون في الرياض.
ويقول منصور وهو أزهري متخصص في التاريخ إن الخطورة لا تكمن في الممارسات وحدها بل في دوافعها مضيفا أن الوهابية في أسسها النظرية وتطبيقاتها "أفظع فكر أنتجته الجزيرة العربية وطبقته على غير الوهابيين من المسلمين وغير المسلمين" بعد أن وجد له امتدادا خارج حدود الجزيرة العربية.

ويضيف أن التيار الوهابي "المتزمت" وجد في حركة الاخوان المسلمين أرضا خصبة لافكاره التي وصلت بالشعب المصري إلى "هذه الحالة من الغيبوبة" التي تهدد في رأيه الديمقراطية وحقوق الانسان وتمارس التمييز ضد غير المسلمين.
ويقول منصور في دراسة عنوانها "جذور الارهاب في العقيدة الوهابية" إن صاحب الدعوة الوهابية محمد بن عبد الوهاب (1703-1791) الذي يعتبره سعوديون مصلحا دينيا جعل من اتهام "المسلمين الاخرين بالكفر مبررا دينيا للغزو والتوسع وبذلك قامت الدولة السعودية الاولى (1745-1818)" التي قضى عليها محمد علي ودمر عاصمتها الدرعية بايعاز من الدولة العثمانية.

وتشغل الدراسة 49 صفحة من كتاب "أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 كما يراها مفكرون وكتاب عرب".
والكتاب الذي أصدرته دار الكرمل للنشر والتوزيع في العاصمة الاردنية عمان يقع في 203 صفحات متوسطة القطع ويضم دراسات لعدد من الكتاب العرب وأعده وقدم له أحمد أبو مطر وهو نرويجي من أصل فلسطيني.

ودرس منصور (58 عاما) في الازهر منذ المرحلة الابتدائية وبعد تخرجه عمل مدرسا لمادة التاريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية في جامعة الازهر لكنه تعرض لمضايقات واتهامات أدت إلى فصله بتهمة ما اعتبره مخالفون انكارا للسنة النبوية. وصدرت له كتب منها "حد الردة.. دراسة أصولية تاريخية" و"الصلاة بين القران الكريم والمسلمين" و"مصر في القران الكريم" و"العقائد الدينية في مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف" و"المسلم العاصي.. هل يخرج من النار ليدخل الجنة".

ويستعرض منصور الجذور التاريخية لما يراه الآن ارهابا بانتقاد دوافع المد الاسلامي بعد وفاة النبي محمد والذي نتج عنه "ما يعرف بالفتوحات الاسلامية التي تناقض الاسلام والتي اقتتل بسببها الصحابة. ونتج عن الخلاف السياسي اختلاف في التدين وانقسام المسلمين. ولتبرير الاعتداء ولتسويغه باسم الاسلام افتروا حديثا نسبوه للنبي محمد يقول 'أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله' وجعلوا الاعتداء على الغير جهادا".
ويصل إلى القرن الثامن عشر قائلا إن ابن عبد الوهاب في تحالفه مع محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى أعطاه مبررا لغزو البلاد الاخرى "وقتل أهلها بعد اتهامهم بالكفر واكراههم على قبول الوهابية على أنها الاسلام يجعل من الاخرين ومنهم الشيعة كفارا".

وينقل عن عثمان بن بشر النجدي مؤرخ الدولة السعودية الاولى ومؤلف كتاب "عنوان المجد في تاريخ نجد" أن ابن سعود ارتكب مذبحة في كربلاء عام 1801 وسجل النجدي بفخر تلك المذبحة قائلا " أخذنا كربلاء وذبحنا أهلها وأخذنا أهلها فالحمد لله رب العالمين ولا نعتذر عن ذلك ونقول: وللكافرين أمثالها".
ويقول منصور إن الوهابية تمتد حاليا إلى تنظيمات علنية وسرية في كثير من الدول وإن الإخوان المسلمين "هم الطبعة المصرية من الوهابية النجدية الأعرابية" مشيرا إلى أن ابن عبد الوهاب"أفتى بكراهية الآخر (...) وحكم بكفر الشيعة كلها واعتبر بلادهم بلاد حرب" وأن فتاوى ابن عبد الوهاب تحولت إلى "واقع بالنار والدم" في نهاية القرن العشرين.
ويصف جماعة الإخوان المسلمين في مصر بأنها صناعة وهابية قائلا إن القيادة السعودية في عشرينيات القرن الماضي لخصت رؤيتها في "التمسك بالأيديولوجية الوهابية والتسلل بها إلى مصر لتكون مصر عمقا استراتيجيا. وكانت النتيجة نجاح (مؤسس المملكة الحالية) عبد العزيز آل سعود في تحويل التدين المصري القائم على التسامح حتى في العصور الوسطى إلى تدين وهابي متشدد في عصر حقوق الإنسان".

ويرى مراقبون أن أشكال التدين الذي يعتبرونه شكليا إضافة إلى انتشار الحجاب والنقاب في مصر منذ سبعينيات القرن العشرين له صلة مباشرة بالعمالة التي عادت إلى البلاد حاملة أنماط السلوك في السعودية التي لا تسمح للنساء بكشف وجوههن في الشوارع أو قيادة السيارات.
وشهدت مصر عمليات إرهابية نفذها متشددون إسلاميون ففي عام 1992 اغتيل الكاتب فرج فودة (1946-1992) أمام منزله بالقاهرة على يد شاب أوعز إليه أن فودة مرتد. واتهم الشيخ محمد الغزالي (1917-1996) وهو يصنف ضمن تيار ما يسمى بالاعتدال الإسلامي في شهادته أمام المحكمة الكاتب القتيل بأنه مرتد في إدانة صريحة للضحية.

كما حاول شاب غير متعلم اغتيال الروائي نجيب محفوظ عام 1994 مدفوعا بفتوى أنه مرتد.
ويقول منصور إن الشيخ محمد عبده الذي توفي عام 1905 قاد حركة للإصلاح الديني في مصر "ولم يكن يدري أن حركته سيقوم بإجهاضها تلميذه (محمد) رشيد رضا لصالح السعوديين وأيديولوجيتهم السلفية. تحول التدين السني الصوفي المصري إلى تدين سني وهابي متطرف" واصفا ما حدث بأنه غزو.

وينقل عن مذكرات الدكتور محمد حسين هيكل أنه عرف حسن البنا (1906-1949) مؤسس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 في موسم الحج عام 1936 وأنه "كان وثيق الصلة بالسعودية" مضيفا أنه كان يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة. كما ينقل عن شقيقه جمال البنا أنه كان يخفي مصادر التمويل عن الأعضاء الكبار في مجلس الإرشاد.
ويشير إلى أنه عن طريق الدعم المالي السعودي تمكن البنا الذي كان يعمل مدرسا من إنشاء 50 ألف شعبة للإخوان في عموم مصر وعن طريقها انتقلت الوهابية شرقا وغربا على حد قوله.
ويقول إنه بفضل النفط انتشر الفكر الوهابي "المناقض للإسلام تحت اسم الإسلام في أكبر خديعة تعرض لها المسلمون طوال تاريخهم" محملا الوهابية مسؤولية ما يصفه بتقنين العنف ونشره في العالم.
ويتهم منصور جماعة الإخوان بالتآمر على السعودية التي استضافتهم خلال حكم الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر قائلا إنها اشترطت عليهم ألا يمارسوا العمل السري داخلها لكنهم تخلوا عن وعدهم وأنشأوا حركة معارضة من السعوديين الذين هرب بعضهم إلى الخارج "ومن رحم تلك المعارضة السعودية خرج أسامة بن لادن أكبر إرهابي في هذا العصر".

وقد شجعنى هذا على إصدار هذا البحث الصغير معززا بمقالات اخرى عن الاخوان المسلمين ، ليكون كتابا مكتملا ضمن مشروع النشر الذى يتبناه المركز العالمى للقرآن الكريم ، وموقع أهل القرآن.

والله جل وعلا هو المستعان

د. أحمد صبحى منصور

فرجينياـ الولايات المتحدة

مايو 2007

استهلال

استهلال

يقول تعالى للبشر جميعا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ : الحجرات 13 ) أى انه خلقهم جميعا من أب واحد وأم واحدة ، أى هم أخوة ينتمون لنفس الأب والأم ، وقد جعلهم أجناسا مختلفة وشعوبا مختلفة لا ليتنازعوا ويتقاتلوا ولكن ليتعارفوا ، والتعارف لا يكون الا بالعلاقات السلمية والتلاقى الحضارى وقبول الآخر والاستفادة من تجربته الانسانية وتراثه الحضارى ، والانفتاح على ثقافته والتسامح فى الاختلاف معه ايمانا بأن التنوع مطلوب لازدهار الحضارة العالمية الانسانية، اما من ناحية التدين فان أكرم الناس عند الله تعالى هو الأكثر تقوى ، وليس الاكثر ثروة او جاها او ذكاءا أو علما او حسبا ونسبا اوجمالا أو صحة او شبابا. وهذه التقوى سيكون مرجع الحكم عليها لله تعالى وحده يوم القيامة ، ومن يزعم تزكية نفسه الآن فقد عصى الله تعالى الذى قال (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) النجم 32 )اذن ليس فى الاسلام المقولة الوهابية التراثية التى تقسم العالم الى معسكرين ، وتحتم الجهاد ضد المعسكر الآخر باعتباره ( دار حرب ) فى مقابل ( دار الاسلام )  ، فماذا عن الآخر فى الاسلام فى ضوء ما ذكره القرآن الكريم عن الكفار والمشركين وقتالهم والجهاد ضدهم ؟

الآخر فى الاسلام هو كل معتد ظالم  ، و كل ارهابى يقتل الأبرياء والمسالمين

 هنا نؤكد ما سبق قوله من أن معنى الاسلام فى السلوك هو السلام فى الأرض وهو فى العقيدة الاستسلام والانقياد لله تعالى وحده. المسلم فى العقيدة هو من يسلم لله تعالى وجهه وقلبه وجوارحه ، وذلك هو معنى الاسلام العقيدى القلبى الذى يرجع الحكم فيه لله تعالى وحده يوم القيامة ، و ليس لمخلوق أن يحكم فيه والا كان مدعيا للالوهية متقمصا لدور الله تعالى رب العزة ومالك يوم الدين.المسلم فى السلوك هو كل انسان مسالم لا يعتدى على أحد ولا يسفك دماء الناس ظلما وعدوانا. وهذا هو المجال الذى نستطيع أن نحكم عليه ، فكل  انسان مسالم مأمون الجانب هو مسلم بغض النظر عن عقيدته واتجاهه ومذهبه وفكره ودينه الرسمى.

تشريعات الجهاد فى الاسلام هى لرد العدوان فقط ، والاستعداد للقتال هو لارهاب العدو المعتدى وتخويفه وردعه مقدما حتى لا يقوم بالاعتداء،  أى هى لحقن دماء العدو والدولة المسالمة أيضا ، حتى لا يغتر الخصم الراغب فى الاعتداء على العدوان متشجعا بضعف الدولة المسالمة. ومن هنا فان مصطلح الارهاب فى القرآن الكريم الوارد فى قوله تعالى (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) الأنفال 60 ) يختلف عن  مفهوم الارهاب فى عصرنا الذى يعنى الاعتداء وقتل المدنيين والمسالمين. وقد تكررت بحوث لنا فى هذا الموضوع تثبت ان الاسلام هو دين السلام ، وأن العرب هم الذين انتهكوا تعاليمه السلمية قديما وحديثا. وهم بذلك ينطبق عليهم بسلوكهم مصطلح الكفر والشرك بالمفهوم القرآنى الاسلامى.

 الشرك والكفر بمعنى واحد فى مصطلحات القرآن ، وهما معا لهما معنيان حسب العقيدة والسلوك ، وكلا المعنيين يناقضان معنى الاسلام فى العقيدة والسلوك. 

الكفر ـ أو الشرك ـ فى العقيدةيعنى اتخاذ آلهة أو أولياء مع الله . والتدين العملى للبشر ـ خصوصا المسلمين ـ ممتلىء بتقديس البشر والحجر ، مع اعلانهم أنه لا اله الا الله. ولكن بغض النظر فان كل فريق يعتقد أنه على الحق ويتهم الآخرين بأنهم على الباطل. لذا فمرجع الحكم بين الناس فيما هم فيه مختلفون انما يكون لله تعالى يوم القيامة ، فهو جل وعلا القاضى الأعظم ، وقد اختلف الناس فى ذاته وصفاته ونسبوا له كذا وكذا ، لذا فهو الذى سيحكم فى هذا الأمر ، وليس لأحد أن يتدخل فى هذا الدور الالهى المؤجل الى يوم الدين الا فى معرض النصح والارشاد والعظة طلبا للهداية.

الشرك ـ والكفر ـ بمعناه السلوكىهو الاعتداء والظلم والبغى والطغيان والاجرام ، وهذه كلها مفردات الشرك والكفروالمشركين والكافرين فى القرآن الكريم . هذا الشرك السلوكى نستطيع أن نحكم عليه بسهوله طبقا للأعمال الاجرامية التى يقوم بها المجرم . نحن هنا لا نحكم على قلبه أو على ما يدعيه من عقائد ، وانما نحكم على أفعاله الاجرامية ، على سفكه للدماء وانتهاكه للحرمات ، وافساده فى الأرض ، نحكم على سرقته ونهبه وهتكه للأعراض،وتعذيبه للابرياء. ودائما ما يكون الأبرياء ضحايا لهذا الكافر المشرك بالسلوك .

مشكلتنا ـ كمسلمين ـ أننا نحكم بالعكس تماما. من ينطق بشهادة الاسلام نجعله مسلما مهما ارتكب من جرائم . وقد يكون هناك زعماء مصلحون مسالمون يعملون الصالحات النافعات ينتمون للمسيحيين أو الاسرائيليين أو البوذيين أو العلمانيين ، اولئك هم مسلمون حسب معنى الاسلام السلوكى الذى يعنى السلم ، ولكننا نعتبرهم مشركين كافرين ونحكم على عقائدهم متناسين أن الأولى ان نصلح عقائدنا نحن وهى مليئة بتقديس الأضرحة والأئمة بأكثر مما يفعله غير المسلمين. طبقا للسلوك وحده فكل دعاة السلام فى الأمم المتحدة وخارجها هم أعظم المسلمين وان لم ينطقوا بشهادة الاسلام . غاندى ومارتن لوثر كنج و مانديلا وكل دعاة حقوق الانسان من الغربيين هم المسلمون الحقيقيون فى مجال السلوك.

وطبقا للسلوك وحده فان مجرمى الحرب هم أشد الناس كفرا وظلما وعدوانا ، ليسوا فقط هتلر وموسولينى و ستالين بل يضاف اليهم الخلفاء غير الراشدين الذين اعتدوا وغزوا و استعبدوا الشعوب الأخرى واحتلوا أراضيهم ، ثم من سار على نهجهم مثل آل سعود وطالبان وصدام حسين وابن لادن والظواهرى وبقية سفاكى الدماء الذين حولوا العراق والجزائرالى سلخانة .

ليس فى الاسلام تقسيم العالم الى معسكرين ، وليس من الاسلام الاعتداء على الآخرين واحتلال أراضيهم مثلما فعلت قريش فى دولة الخلفاء الراشدين ودول الخلفاء غير الراشدين . قريش كانت المقصودة بوصف الكفر والشرك حين نزل القرآن ، فقد مارست الكفر والشرك العقيدى بعبادة الأولياء والأوثان على أنها تقربهم الى الله تعالى زلفا. ومارست قريش الكفر السلوكى والشرك السلوكى بمعنى الاعتداء واضطهاد المسلمين المستضعفين واكراههم فى الدين مما اضطرهم الى الهجرة الى الحبشة مرتين ، ثم هاجروا أخيرا الى المدينة. قريش لم تتركهم فى حالهم فتابعتهم بالغزو والقتل والقتال فى وقت صبر المسلمون كعادتهم لأنهم كانوا ممنوعين من رد العدوان. ثم جاءهم الاذن بالقتال فتغير الموقف تدريجيا الى أن صار لصالح المسلمين حربيا ودينيا ، وأصبحت قريش منعزلة فى وقت انتشر فيه الاسلام وأدركت فيه جماهيرالعرب سخافة عبادة الأوثان والقبور، رأت قريش فى النهاية أن مصلحتها تحتم عليها الدخول فى الاسلام فدخلت فيه متأخرا بعد تاريخ طويل من عداء الاسلام. أسلمت قريش قبيل موت النبى ، وبعد موته استعادت سيطرتها على دولة النبى بعد موت النبى ، منتهزة فرصة حرب الردة ، فحوّلت الانتصارعلى  المرتدين الى استمرار فى الغزو فاعتدوا على الروم ومستعمراتهم فى الشام ، وقضوا على الدولة الفارسية ، وبدأ ما يعرف بالفتوحات الاسلامية التى تناقض الاسلام، والتى بسببها اقتتل الصحابة ، ونتج عن الخلاف السياسى اختلاف فى التدين ، وانقسام المسلمين الى أحزاب كل حزب بما لديهم فرحون ، ونسوا تحذير رب العزة من الانقسام الدينى وكونه دليلا على الوقوع فى الشرك العقيدى والشرك السلوكى أيضا (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) (الأنعام 153 ، 159 ) (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)  الروم31 ـ 32  )

 لتبرير الاعتداء ولتسويغه باسم الاسلام افتروا حديثا نسبوه للنبى محمد يقول ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ..) وجعلوا هذا الاعتداء على الغير جهادا . وباعتداء المسلمين على دولة الروم بدأت الحرب بين الامبراطوريتين ، ولكل منهما دين مختلف فى الظاهر ، وان كان نفس التدين فى الواقع ؛ التدين القائم على التسلط والظلم والاعتداء والاكراه فى الدين واستخدام الدين فى ظلم الناس ونشر الفساد فى الأرض. كان هذا هو منطق التدين فى العصور الوسطى ، وبه تم سفك دماء الملايين من الفريقين ، وكل منهم يحسب أنه يحسن صنعا ، وكل منهم يتهم المعسكر الآخر بالكفر ويرى نفسه محتكرا للحق.

ثم صحت أوربا وتخلصت من سيطرة الكنيسة والكهنوت والاكليروس ، وبدأت طريق الاصلاح العلمانى العقلى والاكتشاف العلمى . ثم حاولت مصر أن تنهج نفس الطريق مع بداية القرن التاسع عشر، وحققت خطوات لولا أن عادت خرافات وأساطير وتشريعات العصور الوسطى تحملها الوهابية ودولتها السعودية التى تمثل أردأ فكر أنتجه المسلمون فى القرون الوسطى. وبفضل البترول تم نشر هذا الفكر السلفى المناقض للاسلام تحت اسم الاسلام فى أكبر خديعة تعرض لها المسلمون طوال تاريخهم. وفى اطار هذه الخديعة الكبرى جرى استدعاء كل مظاهر التعصب الدينى واستئصال المخالف فى المذهب وفى الدين وفقا لحد الردة او الجهاد ضد دار الحرب أى الغرب.

وهذه الورقة البحثية تؤصل عقيدة الارهاب لدى الوهابية ، منذ نشأتها فى منطقة نجد وتوسعها باسم الاسلام .

والله تعالى المستعان

أحمد صبحى منصور 

الفصل الاول : منطقة نجد أم المشاكل فى تاريخ المسلمين

لفصل الأول

منطقة "نجد" أم المشاكل فى تاريخ المسلمين

نجد " هى الخصم اللدود للحجاز ، وأعراب "نجد " هم الخصم العتيد لقريش وهى أشهر قبيلة عربية فى التاريخ. والصراع بين نجد والحجاز ، ( أو بين أعراب نجد وقبائلها التى تنتمى الى (ربيعة ) مع قريش التى تنتمى الى  ( مضر ) هو الأساس التاريخى للجزيرة العربية بعد ظهور الاسلام ، بل يمكن قراءة تاريخ المسلمين من خلاله، وقد فازت قريش والحجاز فى معظم مراحل هذا الصراع، فقريش هى التى أنشأت الدول الأموية و العباسية ، والفاطمية، وكل الخلفاء الراشدين وغير الراشدين ينتمون لقريش، وقريش والأشراف هم الذين حكموا الحجاز معظم العصور الوسطى ، بينما كان الثوار على خلفاء قريش هم قبائل نجد ، اما فى شكل قطاع طرق ينهبون قوافل الحجاج  (كراهية فى الحجاز والكعبة والأماكن المقدسة التى أرست مكانة قريش والحجاز ) واما فى شكل دول متحركة تقوم بالقتل وسفك الدماء تحت اطار دينى ، كما حدث فى حركة الزنج والقرامطة قديما ، ثم فى الحركة الوهابية ودولتها السعودية فى العصر الحديث.

الدولة السعودية هى التى حققت الانتصار الأخير على الحجاز ، وعلى الأشراف المنتمين للنبى محمد بالنسب ، وهم أعلى طائفة باقية من قريش حتى الآن.

نعطى الآن بعض التفاصيل ، لنرى تجذر العنف الذى ورثته الوهابية السعودية من وطنها نجد خلال تاريخها الطويل مع الارهاب ، وكيف قننت ومارست الوهابية هذا العنف ، ونشرته فى العالم .

منطقة "نجد" متطرفة فى مناخها شحيحة فى مواردها منعزلة فى صحرائها لا يرى أهلها إلا أنفسهم، ولا يرون فى الأغراب إلا مجرد ضحايا للسلب والنهب حين يمرون على صحراء نجد من العراق إلى الحجاز. فى صحراء نجد القاحلة والواسعة عاش الأعراب على قطع الطريق، وكانت تأتيهم الفرصة الكبرى حين تنشأ فيهم أو تنتشر بينهم دعوة دينية تبرر وتبيح لهم القتل والسلب للآخرين على أنه جهاد. ولذلك كان استحلال الأعراب النجديين لدماء المسلمين المسالمين وأموالهم وأعراضهم فى التاريخ الاسلامى مرتبطا بثورات نجد الدينية، تلك الثورات التى تخصصت فى التدمير وسفك الدماء. وما عدا الثورات ومشروعات الدول الدموية فإن تاريخ نجد العادى مجرد غارات داخلية فيما بينهم أو غارات سنوية عادية على قوافل الحجاج , أى مجرد غارات "علمانية" بدون شعارات دينية. ولكن تلك الغارات المعتادة استلزمت أن تسير قوافل الحجاج فى حماية جيش كامل، لحماية الحجاج من غارات أعراب نجد .

    . ولقد تأثر ابن خلدون بتاريخهم الدموى فقرر فى مقدمته الشهيرة أن الأعراب هم أسرع الناس للخراب، وأنهم يحتاجون إلى دعوة دينية يستطيعون من خلالها استحلال الدماء والأموال والأعراض وإسباغ الشرعية على ثوراتهم واعتدائهم( مقدمة ابن خلدون: 125: 127.)

    وهنا نعطى محطات سريعة نقرأ فيها التاريخ الإسلامى بايجاز "قراءة جغرافية" أو "قراءة نجدية ":

  1. فى "نجد" بدأ التطرف مبكراً حين كانت المركز الأساسى لحركة الردة، ففى سهل حنيفة ظهر مسيلمة الكذاب وتحالفت معه سجاح التميمية، ولنتذكر أنه فى نفس سهل حنيفة ولد وعاش محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة الوهابية فيما بعد. ولقد وصف القرآن الكريم معظم الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً (التوبة: 97) وقد خضع الأعراب لقوة المسلمين وسالموها، مع أن الإسلام لم يدخل قلوبهم بعد (الحجرات: 14) فلما توفى النبى محمد عليه السلام وتولى أبو بكر تمردوا على الدولة فى حركة حربية هادرة مركزها "نجد" وهاجموا المدينة، فليس صحيحاً أن أبا بكر حارب المرتدين، وإنما الصحيح أن المرتدين هم الذين حاربوا أبا بكر والمسلمين. وبعد إخماد حركة الردة بصعوبة بالغة رأى أبو بكر أن يتخلص من بأس الأعراب النجديين بتصدير قوتهم الحربية إلى الخارج شمال نجد , فكانت حركة الفتوحات العربية إلى شمال نجد فى العراق أولاً، ثم الشام وإيران . وتكونت جيوش الفتوحات من أغلبية من الأعراب (المرتدين سابقاً) وقيادة من الأمويين القرشيين (المعاندين سابقاً) ذلك أن الأمويين رأوا أن مصلحتهم السياسية والاجتماعية تحتم عليهم الدخول فى الدين الجديد، وسارعوا بتقدم الصفوف الأولى فى الفتوحات بما لديهم من خبرة حربية ومعرفة بطرق التجارة وصلات وثيقة بالقبائل العربية فى الشام وعلى الطرق التجارية. وانتهت الفتوحات وقد أصبح الأمويون يحكمون الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا باسم الإسلام، وفى خلافة عثمان سيطروا عليه، ومن خلاله انتقموا من أعدائهم السابقين فى الإسلام، مثل عمار وابن مسعود، وكان من السهل أن يمر ذلك كله عادياً لولا أن الأمويين فى خلافة عثمان اصطدموا بأعراب نجد فكانت الفتنة الكبرى، تلك الفتنة التى لازلنا نسيرفى نفقها المظلم حتى الآن.
  1. كانت قضية "السواد" هى بداية الفتنة الكبرى . والسواد هى الأرض الزراعية الواقعة بين نجد والعراق، وكان أعراب نجد يتطلعون إلى امتلاك "السواد" لأنها الأقرب إلى موطنهم وحيث كانوا يغيرون عليه قبل الإسلام ويحلمون بامتلاكه، ولكن الأمويين لم يسمحوا لهم بذلك واعتبروا "السواد" "بستان قريش"، فاشتعلت الثورة، وقتل ثوار نجد عثمان بعد أن حاصروه، ونصبوا "علياً" خليفة، واشتعلت الحروب الأهلية، وفيها كان أعراب نجد هم عماد جيش على، ثم ما لبثوا أن خرجوا عليه وقتلوه وأصبح اسمهم الخوارج.

وبهذا تحول الاعراب النجديون من مسلمين في عهد النبي - كيدا فى قريش ـ الي مرتدين عن الاسلام ـ بعد دخول قريش فيه ، ثم مسلمين للمرة الثانية بعد أن هزمتهم قريش ،ثم الي فاتحين فى عصر أبى بكر وعمر تحت امرة قريش، ثم الي ثوريين علي عثمان حين انحاز الى القرشيين الأمويين وفضّلهم فى الأموال على بقية المسلمين ،ثم الي خارجين علي عليّ بن أبى طالب . كل ذلك التقلب حدث فيما بين موت النبي (11هـ،سنة 632م )الي مقتل علي علي ايديهم (40هـ،661)أي خلال اقل من ثلاثين عاما .واصطبغت حركتهم بالعنف المرتبط بتفسير ديني، يسري هذا علي قبولهم المتحمس للاسلام في عهد النبي ،ثم خروجهم عليه في حركة الردة تحت زعامة مدعي النبوة ،ثم انغماسهم في الفتوحات علي انها جهاد يغنمون منه النصر والشهادة والغنائم في الدنيا و الاخرة ،ثم حين ثاروا علي عثمان رفعوا لواء العدل ،وحين رفع الامويين المصاحف علي اسنة الرماح في موقعة صفين خداعا ارغموا عليا علي الموافقة علي التحكيم لكتاب الله ،ثم حين ظهر ان التحكيم خدعة خرجوا علي علي لأنه وافق علي التحكيم واتهموه بالكفر ثم قتلوه.

بعدها تفرق أعراب نجد تحت اسم الخوارج وأخذوا يرفعون لواء الحاكمية "لا حكم إلا لله" ويقتلون المسلمين المسالمين فى العراق وإيران، فالخوارج استباحوا قتل المسلمين ، يقول الملطى (377 هـ) عن الطائفة الأولى منهم، إنهم كانوا يخرجون بسيوفهم فى الأسواق حين يجتمع الناس على غفلة فينادون "لا حكم إلا لله"، ويقتلون الناس بلا تمييز(الملطى: التنبيه والرد: 47 تحقيق زاهد الكوثرى )

وهذا شبيه بما يفعله المتطرفون من تدمير المقاهى والشوارع لقتل الناس كيفما اتفق وحجتهم "الحاكمية" اى "لا حكم الا لله " نفس مقولة الحاكمية الأولى من الخوارج.

وأرهقوا الدولة الأموية بثوراتهم مما ساعد فى سقوط الأمويين سريعاً أمام العباسيين، وخفت صوت الخوارج بعدهم.ولكن بعد أن أرسوا عمليا مبدأ الحاكمية. صحيح ان ثقافتهم البسيطة لم تسمح لهم بتقعيده وتنظيره ولكنهم طبقوه عمليا ودمويا على المسلمين غير المحاربين فى الأسواق والتجمعات السكنية بعد اصدار قرار نجدى باستحلال دماء كل المخالفين لهم فى المذهب والعقيدة. والاستحلال هو المبدأ النجدى الأصيل فى التعامل مع الاخر ، فهم يستحلون دمه وماله وعرضه حين يغيرون عليه فى غاراتهم العادية – العلمانية – بدون الحاجة لفتوى أو مسوغ دينى، أما حين تقوم فيهم دعوة دينية فانه يجرى تبريرنفس الاستحلال وانواعه بفتاوى وأحاديث منها " جعل رزقى تحت ظل رمحى"

  1. وعاد عرب نجد للثورة مرة أخرى فى العصر العباسى بعد أن ملوا من الإغارة الروتينية على الحجاج، ووجدوا الغطاء الدينى فى دعوة المغامر على بن محمد فاتبعوه، مع أغلبية من الرقيق الزنوج فيما عرف بثورة الزنج التى خربت جنوب العراق طوال خمس عشر سنة (255-270) هـ الى أن تم اخمادها بصعوبة بالغة. وفى حركة الزنج قتل الثائرون ثلاثين ألفاً حين استولوا على مدينة الأبلة فى العراق سنة 256 هـ، وفى العام التالى دخل البصرة زعيم الزنج بعد أن أعطى أهلها الأمان، ولكنه نكث بعهده فقتل أهلها وسبى نساءها وأطفالها وأحرق مسجدها الجامع، وكان من بين سباياه نساء من الأشراف، وقد فرقهن على عسكره من الزنوج، وكانت السبايا العلويات تباع الشريفة منهن فى معسكره بدرهمين وثلاثة، وحين استجارت به إحداهن ليعتقها أو ينقذها من ظلم سيدها الزنجى قال لها: "هو مولاك وأولى بك من غيره".( تاريخ الطبرى: 9، 472، 481، والمسعودى: مروج الذهب 4 : 146 ).

ثم ما لبث أعراب نجد أن اشتعلت ثورتهم هادرة تحت اسم القرامطة ودعوة يختلط فيها التشيع بغيره، وامتدت غاراتهم إلى العراق والشام والحدود المصرية، ولم تنج الكعبة من تدميرهم، وقد سبقوا المغول فى سياسة الأرض المحروقة، أو إبادة كل الأحياء فى المدن التى يستولون عليها، وقد شهد المؤرخ الطبرى جانباً من فظائعهم وسجلها فى الجزء العاشر والأخير من تاريخه فيما بين (286-302) هـ واستمرت فظائعهم بعد الطبرى بقرنين تقريباً حتى تغلب عليهم أعراب المنتفق. وكان القرامطة أكثر وحشية فى استباحة الدماء والأعراض، ومن موقع المعاصرة والمشاهدة روى الطبرى بعض أخبار زعيمهم ، منها أنه خصص غلاماً عنده لقتل الأسرى المسلمين، وأنه استأصل أهل حماة ومعرة النعمان وقتل فيهما النساء والأطفال، ثم سار بعلبك قتل عامة أهلها، وسار إلى سلمية وأعطاهم الأمان ففتحوا له الأبواب فقتل من بها من بنى هاشم ثم اختتم بقتل أهل البلد أجمعين بما فيهم صبيان الكتاتيب، ثم خرج عن المدينة وليس فيها عين تطرف، ونشر الخراب والدماء فى القرى المحيطة. أما ما فعله فى الكعبة وقتل الحجاج فيها وإلقاء الجثث فى زمزم، واقتلاع الحجر الأسود، فذلك ما استفاضت فيه الأخبار، وهذه الوحشية فى قتل الأبرياء كانت تقوم على منهج فكرى أشار إليه النويرى فى حديثه عن التربية الفكرية لشباب القرامطة، كما أشار إليها الطبرى فى قصة واقعية لشاب اقتنع بالدين القرامطى وهجر أمه وأسرته مقتنعاً بالدين الجديد معتقداً استحلال الدماء.  (أخبار القرامطة فى تاريخ الطبرى: 10، 71، 77، 86، 94، 99، 107، 115، 116، 121، 128، 130، 135، 148، وفى نهاية الأرب للنويرى 25، 195: 227 وما بعدها.)

4- وبعد القرامطة عاد أعراب نجد إلى ما اعتادوه من قطع الطريق على الحجاج والاقتتال فيما بينهم، إلى أن ظهر فيهم محمد بن عبد الوهاب بدعوته الدينية وتحالف مع ابن سعود، وكان أهم بند فى التحالف بينهما (الدم الدم، الهدم الهدم)، وأعطاه ابن عبد الوهاب تشريع الاستحلال بعد أن اتهم كل المسلمين الآخرين بالكفر وجعل ذلك الاتهام مبررا دينياً للغزو والتوسع، وبذلك قامت الدولة السعودية الأولى، ونشرت السلب والنهب وسفك الدماء فى الجزيرة العربية وحول الخليج وفى العراق والشام، إلى أن اضطرت الدولة العثمانية للاستعانة بواليها على مصر "محمد على باشا" فقضى على الدولة السعودية ودمر عاصمتها "الدرعية" سنة 1818 م.

ولا تختلف مذابح الخوارج والزنج والقرامطة – وقادتهم من أعراب نجد أساسا- عن المذابح التى قام بها النجديون الوهابيون السعوديون فى تأسيس الدولة السعودية الأولى ، والدولة السعودية الثالثة الحالية، وقد  وصلت تلك المذابح الى العراق والشام والبيت الحرام وسائر مدن الحجاز ، وكان أكثر الضحايا من النساء والأطفال والشيوخ.

ولا تختلف هذه المدرسة الفكرية التى كان يعدها القرامطة لغسيل مخ الشباب عن الاعداد الفكرى الذى كان فقهاء الوهابية يعدونه لشباب الأعراب النجديين فى العقد الثانى من القرن العشرين والذى يتحول به الشاب الاعرابى الى مقاتل عنيد يرى الجهاد فى استحلال قتل كل من ليس وهابيا، وعن طريق هذا الاعداد الثقافى تكون "الاخوان " جنود عبد العزيز آل سعود الأشداء الذين أسسوا الدولة السعودية الحالية، وكانت سمعتهم فى القتل والتدمير ترعب قرى الشام والعراق، كما لايختلف عن الاعداد الثقافى الذى تقوم به جماعات الاخوان وبقية التنظيمات العلنية والسرية فى تاريخنا المعاصر والذى يجعل الشاب المصرى المسالم يستسهل تفجير الشوارع والمبانى معتقداً أن ذلك جهاد فى سبيل الله. كما لا يختلف ذلك عن الوحشية الهائلة التى يتعامل بها المتطرفون فى الجزائر مع أبناء الشعب المسالم من نساء وأطفال، وما حركة طالبان عن ذلك ببعيدة، فهم الذين تشربوا الفكر السلفى.

الدولة الوهابية السعودية الأولى( 1745 الى 1818 ) 

ونعطى بعض التفاصيل التاريخية بسرعة:

  • قامت الدولة السعودية الأولى بناء على التحالف بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود صاحب الدرعية ، وهى مدينة منسية فى صحراء نجد. تم هذا التحالف عام 1158 هجرية ( 1745 )، وبه أعطى ابن عبد الوهاب للأميرالسعودى مسوغا شرعيا لغزو البلاد الأخرى واحتلالها وقتل أهلها بعد اتهامهم بالكفر واكراههم على قبول الوهابية ـ على أنها الاسلام، زاعما ان هذا هو الجهاد الذى كان يفعله النبى محمد عليه السلام .

بهذا التحالف قامت الدولة السعودية الأولى فيما بين ( 1745 الى 1818 )، وقتلت مئات الألوف من السكان المسالمين فى الجزيرة العربية والعراق والشام .بدأ السعوديون باحتلال نجد كلها ثم ضم الأحساء وتوسعوا فى غاراتهم لتصل الى قطر والبحرين والكويت وعمان ، ثم ضموا الحجاز ، وحاربوا اليمن ، وتطلعوا لاحتلال العراق والشام، وأدى توسعهم هذا المرتبط بالمذابح والتدمير الى اضطرار الدولة العثمانية للاستعانة بواليها القوى فى مصر ( محمد على باشا) الذى أرسل حملتين الى الحجاز لاستعادته من السعوديين الوهابيين سنة 1811 واستمرت الحرب بينه وبينهم الى أن تم تدمير الدرعية العاصمة السعودية سنة 1818.

  • سالت دماء المسلمين المسالمين أنهارا فى تلك الغارات السعودية الوهابية التى ارتكبتها الدولة السعودية الأولى. ونكتفى بما قاله مؤرخ الدولة السعودية الأولى (عثمان بن بشر النجدى ) فى كتابه ( عنوان المجد فى تاريخ نجد ) عن مذبحة كربلاء فى أحداث سنة 1216 هجرية : ( وفيها سار سعود ( يقصد سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود )  بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وباديها .. وقصد أرض كربلاء، وذلك فى ذى القعدة ، فحشد عليها المسلمون  وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة وقتلوا غالب أهلها فى الأسواق والبيوت، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين، وأخذوا ما فى القبة وما حولها واخذوا النصبة التى وضعوها على القبر وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت والجواهر وأخذوا جميع ما وجدوا فى البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة، وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر  ..) وأدت وحشية السعوديين الوهابيين فى مذبحة كربلاء الى فزع أهل العراق وموت حاكم العراق سليمان باشا كمدا فى نفس السنة ( 1216 هجرية 1801)وتهديد شاه ايران بغزو العراق لحماية الأماكن الشيعية المقدسة فيه ، ولم يمنع ذلك من استمرار الغارات السعودية الوهابية فى العراق فتحول على ايديهم الى فوضى ودمار. والمؤرخ عثمان بن بشر النجدى رد على انتقاد المسلمين لما فعله الوهابيون بأهل كربلاء فقال مفتخرا :( وقولك اننا أخذنا كربلاء وذبحنا أهلها وأخذنا أهلها فالحمد لله رب العالمين، ولا نعتذر عن ذلك ونقول : وللكافرين أمثالها " ويقول فى موضع آخر : ( وأقمنا بها عشرة أيام وذبحنا ودمرنا ما بلغك علمه ) التعليل هنا واضح ؛ انه اعتبرالوهابيين هم وحدهم المسلمين ، وكان دائما يصفهم وحدهم بهذا الوصف بينما يجعل الآخرين ومنهم الشيعة كفارا ويستحل قتلهم جميعا وسلب أموالهم طبقا لما قرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب فى رسائله.

ويصف نفس المؤرخ موقعة أخرى كان الضحايا فيها من أعراب بنى خالد حيث فاجأهم نفس الأمير سعود بالهجوم وهم يسقون دوابهم على عين ماء فى منطقة الجهرة، وذلك عام 1207 هجرية، يقول ابن بشر فى نفس الكتاب : ( فنهض عليهم المسلمون فرسانا وركبانا فلم يثبتوا لهم ساعة واحدة ، فانهزم بنو خالد .. فتبعهم المسلمون فى ساقتهم يقتلون ويغنمون ، واستأصلوا تلك الجموع قتلا ونهبا .. ) 

الدولة السعودية الثانية(1821-1889)م

استراح العالم الاسلامى بالقضاء العسكرى على الدولة السعودية. ولكن مواجهة الدولة الايديولوجية لا يتم بمجرد القضاء عليها عسكريا اذ لا بد من مواجهتها فكريا من داخل الدين نفسه ، وهذا ما لم يفعله محمد على باشا والدولة العثمانية ، بل هذا ما لم يفعله عبد الناصر فى معركته مع الاخوان المسلمين ، وهم الطبعة المصرية من الوهابية النجدية الاعرابية.

ترتب على هذا النقص فى المواجهة الفكرية للوهابية أن ازداد انتشار الوهابية واكتسبت فى غياب الدولة السعودية قوة أكثر خصوصا وان الوهابيين كانت حجتهم قوية ضد الصوفية والشيعة فى تقديسهم الأضرحة وتأليههم الموتى . لقد عاشت الدولة السعودية الأولى حوالى قرن من الزمان (1745-1818)م، ولذلك فإنه لم يكن منتظراً أن تنتهى الدعوة الوهابية بعد سقوط دولتها السعودية الأولى وتدمير عاصمتها الدرعية، وقتل حاكمها فى الأستانة. فقد استطاع زخم هذه الدعوة أن يعطى لأهل نجد تميزاً على غيرهم، إذ اعتبروا غيرهم من المسلمين كفاراً يعبدون الأضرحة والأوثان، لذا كان سهلاً أن تستطيع الدعوة الوهابية أن تقيم الدولة السعودية الثانية سريعاً ، ولكن تصارع الأمراء السعوديين جعل هذه الدولة الثانية محدودة الأثر وأسقطها فى النهاية. 
 

تأسيس الدولة السعودية الُثالثة الراهنة( 1902 ـ 1925 ) بجهود الاخوان النجديين: 

باختصار شديد : تمكن الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود (المشهور تاريخيا بابن سعود) من اقامة الدولة السعودية الثالثة والتى لا تزال تعيش حتى عصرنا الراهن تنشر مذهبها الوهابى فى كل انحاء العالم على أنه الاسلام ، وتنشر معه الارهاب باسم الاسلام. واجه عبد العزيز صعوبات ضخمة فى استرجاع ملك آبائه بعد استيلائه على الرياض سنة 1902، فعمل على توطين  شباب البدو فى مستعمرات أو (هجر ) كان أهمها الارطاوية ، الغطغط. وفيها يقوم المعلمون الوهابيون بتلقينهم الوهابية على أنها الاسلام ، وكان سهلا عليهم اقناع البدو النجديين بالوهابية ، ليس فقط فى أن جذورها تركزت فى الصحراء النجدية وغيرها ، ولكن لأن الوهابية تعطى لأولئك البدو المحاربين فرصة الاستمرار فى حياتهم العادية القائمة على السلب والنهب والقتل وقطع الطريق ولكن بتشريع اسلامى ، يجعل القتل جهادا وسلب أموال الغير غنائم ، ثم يعدهم بالجنة اذا قتلوا فى الجهاد.

بالأخوان استطاع عبد العزيز ضم الاحساء ، و فتح حائل و شمر وهزيمة آل الرشيد ، الاستيلاء علي عسير ، الاستيلاء علي الحجاز ، مع استمرار الهجوم على الكويت ، والعراق، وشرق الأردن.

ولكن بدأت معارضة الأخوان النجديين مبكرا لعبد العزيز، فالخلاف احتدم بينهما حول فتح حائل سنة 1915 ، ثم حول البطالة والعمل فعقد مؤتمر العلماء سنة 1919، مؤتمرالارطاوية 1924 لتصفية الخلافات ، الا أنها شبت ثانيا أثناء فتح الحجاز بسبب المذابح التى ارتكبها الاخوان فى الطائف .

بعد ضم الحجاز قام عبد العزيز بإرجاع الإخوان الي نجد بسبب رعب الحجازيين منهم. ودخل عبد العزيز فى محاولات أخيرة لرأب الصدع بينه وبينهم فعقدت عدة مؤتمرات :مؤتمر الارطاوية :في ديسمبر 1926,ومؤتمر الرياض :يناير 1927، ثم الجمعية العمومية أو المؤتمر العام في الرياض 5/11/1928 .

بعد فشل المؤتمرات تحتمت المواجهة العسكرية بين عبد العزيز و"اخوانه النجديين" فى معركة السبلة ، وكانت بداية النهاية للاخوان النجديين فيما بين 1928 الى 1929 .

انتهى دور الاخوان النجديين فى تدعيم  دولة ابن سعود ، دون أن يعرفوا أن زعيمهم الداهية قد خطط الى احالتهم للاستيداع مبكرا بعد أن فتح الحجاز بسيوفهم سنة 1925 ، اذ فكر فى تكوين اخوان جدد فى مصر هم الاخوان المسلمون ، لينشروا الفكر الوهابى وليكونوا أكثر دهاء من الآخوان البدو النجديين المشهورين بالجلافة والغلظة والصراحة.

جذور فكر الارهاب لدى الاخوان النجديين

نتوقف بالفصيل هنا مع تجذير فكر الارهاب لدى الاخوان النجديين وفق ما تعلموه على يد شيوخ الوهابية، ويمكن ايجاز هذه الاسس في العناصر آلاتية :كراهية الاخر ،تكفيره ،استحلال دمه وماله .

كراهية الاخر :

يتحدث القرآن عن كراهية المشركين المعتدين الذين اخرجوا المسلمين من ديارهم واموالهم وأذوهم وقاتلوهم بسبب انهم اختاروا دينا غير دين الاجداد (البقرة :217)(التوبة 15:8،24:23) (الانفال 30،40:38)(المجادلة 22:20)(الممتحنة 9:8)أي ان مقياس الكراهية هو الاعتداء والظلم، أي ان المشرك الذي لا يعتدي ولا يظلم فلا مجال لكراهيته او الاعتداء عليه، وبالتالي فان القتال هو لرد الاعتداء بمثله ،وليس للاعتداء علي المسالمين (البقرة 190،194)وعلي هذا الاساس سارت سيرة النبي الحقيقية فى القرآن الكريم اذا قرأناه بمصطلحاته قراءة موضوعية.

اما السيرة التي دونها العصر العباسي فهي تعكس تصورهم للنبي من واقع فكر الدولة الدينية. ووصل هذا التصور بالتطور والتواتر الي ابن عبد الوهاب عبر الفقه السنى المتعصب الذى أرساه ابن حنبل فى القرن الثالث الهجرى ، ثم ابن تيمية فى القرن الثامن الهجرى.ورث ابن عبد الوهاب هذا الفقه المتشدد وصبغه بالطبيعة النجدية فأصبحت الوهابية فى أسسها النظرية وتطبيقاتها العملية أفظع فكر أنتجته الجزيرة العربية وطبقته على غير الوهابيين من المسلمين وغير المسلمين.

أفتي ابن عبد الوهاب بكراهية الاخر ليس فقط من المسيحيين واليهود وقد جعلهم "كفارا " مستحقين للقتل والقتال ،ولكن أيضا غير الوهابيين من المسلمين ،أي ممن اسماهم المشركين ،داخل الجزيرة العربية وخارجها، من الصوفية والشيعة ، وعلي هذا الاساس كان فهمه لآيات القرآن التي تتحدث عن المشركين ،فلم ير في المشركين الا مخالفيه في المذهب والعقيدة ،يقول ابن عبد الوهاب (ان الانسان لا يستقيم له اسلام ولو وحد الله وترك الشرك الا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض )   ]الشيخ محمد بن عبد الوهاب :كتاب كشف الشبهات ،و13 رسالة اخري .القاهرة .الطبعة الرابعة /1399.نشر قصي محب الدين الخطيب .رسالة ستة مواضع منقولة من السيرة 28 ]

ويربط بين الكراهية والتكفير للاخرين فيقول (فالله الله يا اخواني تمسكوا باصل دينكم واوله واخره واسه ورأسه شهادة ان لا الاه الا الله واعرفوا معناها ،واحبوها واحبوا اهلها واحبوا اخوانكم ،ولو كانوا بعيدين ،واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوا من احبهم او جادل عنهم، او لم يكفرهم او قال :ما كلفني الله بهم ،فقد كذب هذا علي الله وافتري ،فقد كلفه الله تعالي بهم، وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم،ولو كانوا اخوانهم واولادهم، فالله الله تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئا ،اللهم توفنا مسلمين ) [ رسالة تفسير كلمة التوحيد :35].

ويؤكد نفس المعني في الربط بين الكراهية والتكفير للاخر ،فيقول (فاذا قيل لك ايش دينك؟ فقل ديني الاسلام واصله وقواعده امران :الاول الامر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض علي ذلك والموالاة فيه ،وتكفير من تركه ،والثاني الانذار عن الشرك في عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله ) [ رسالة تلقين اصول العقيدة للعامة :41]ويقول (ان من وحد الله وعبد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ) [  رسالة ثلاث مسائل :42]

وقال عن معني "اكفروا  بالطاغوت"(ان تعتقد بطلان عبادة غير الله ،وتبغضها وتكفر اهلها وتعاديها )وقال عن معني الايمان (ان تعتقد ان الله هو الاله المعبود وحده دون سواه وتخلص جميع انواع العبادة كلها لله ،وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص وتواليهم ،وتبغض اهل الشرك وتعاديهم ) [ رسالة معني الطاغوت :43].والموالاة في تشريع القرآن تأتي بمعنى التحالف الحربي عندما يعتدي المشركون علي المسلمين المسالمين وليس بالاعتداء علي المسالمين المختلفين في العقيدة ، ولكن أخذ ابن عبد الوهاب بالتراكم الفقهي فدعا الي كراهية الاخر المختلف معه في العقيدة والمذهب حتي ولو كان مسالما .

وقد نفذ الاخوان هذه التعليمات بدقة ،اذ كانوا لا يسلمون علي غير الوهابيين ولا يردون عليهم السلام …

التكفير للآخر :

حكم عبد الوهاب بكفر الشيعة كلها ،واعتبر بلادهم بلاد حرب ، وقال(وان كلهم يشهدون ان لا اله الا الله وان محمد رسول الله ويصلون الجمعة والجماعة ،فلما اظهروا مخالفة الشريعة في اشياء دون ما نحن فيه اجمع العماء علي كفرهم وقتالهم وان بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتي استنقذوا ما بايديهم من بلاد المسلمين ) [ رسالة كشف الشبهات :12].

وحكم بتكفير الجميع بمجرد كلمة ،مثل ابن تيمية ،يقول (ان الانسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعزر بالجهل وقد يقولها وهو يظن انها تقربة لله كما يظن المشركون ) واستدل علي ما قاله السابقون في بيان حكم المرتد والمسلم الذي يكفر بعد اسلامه ،ثم ذكر انواعا كثيرة يترتب عليها الكفر واستحلال الدم والمال ،منها اشياء يسيرة عند من يفعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه او كلمة يذكرها علي وجه المزاح  [- كشف الشبهات :5،12.] .

واتجه ابن عبد الوهاب الي اهل عصره ليحكم بكفرهم ويؤكد علي انهم اشد كفرا من الكفار السابقين يقول(ان شرك الجاهلين السابقين اخف من شرك اهل زماننا بأمرين ،احدهما:ان الاولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والاولياء والاوثان مع الله الا في الرخاء واما في الشدة فيخلصون له الدعاء ..الامر الثاني :ان الاولين يدعون مع الله اناسا مقربين عند الله اما انبياء واما اولياء واما ملائكة ،او يدعون احجارا او اشجارا مطيعة لله ليست عاصية ،واهل زماننا يدعون مع الله اناسا افسق الناس) [ كشف الشبهات :10، رسالة تفسير كلمة التوحيد 35، رسالة اربع قواعد للدين 39] .

واحتج علي علماء عصره الذين يسمون البدو مسلمين ويقولون بحرمة دمائهم واموالهم مع ان اولئك العلماء حسبما يقول عبد الوهاب يقرون بأن البدو تركوا الاسلام وانكروا البعث ويستهزئون ممن يؤمن بالبعث ، ويقول عبد الوهاب علي علماء عصره (ومع كل هذا يصرح هؤلاء الشياطين المردة الجهلة ان البدو اسلموا ولو جري منهم كل ذلك، لأنهم يقولون لا اله الا الله )ثم يقارن بينهم وبين المرتدين في خلافة ابي بكر ،ويجعل بدو عصره اكثر كفرا من المرتدين السابقين،ثم يقول عن العلماء (ثم يفتي هؤلاء المردة الجهال ان هؤلاء البدو مسلمون ولو صرحوا بذلك كله طالما قالوا لا اله الا الله ، سبحانك هذا بهتان عظيم) [رسالة اربعة قواعد من الدين تميز بين المؤمنين والمشركين :37،38].

استحلال دم الآخر وماله ونسائه :

ويرتبط التكفير باستحلال الدم والمال في فكر الشيخ ابن عبد الوهاب ، ويربط في اسلوبه بين كلمتي (الكفار )ووصف (الذين قاتلهم رسول الله ) ليجعل الكفر مرتبطا باستحلال الدم ،وليفسر غزوات النبي بأنها كانت للاكراه في الدين واجبار المشركين علي الدخول في الاسلام خلافا لحقائق الاسلام التي سبق بيانها..

ونعطي بعض امثلة لما تناثر بين سطور الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الربط بين الكفار واستحلال دمائهم:

(القاعدة الاولي )من اربعة قواعد تميز بين المؤمنين والمشركين يقول عنها ابن عبد الوهاب (ان تعلم ان الكفار الذين قاتلهم رسول الله كانوا مقرين بان الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ..وما ادخلهم ذلك الي الاسلام )والقاعدة الثالثة (ان النبي –ص- ظهر علي اناس متفرقين في عبادتهم …وقاتلهم النبي –ص- وما فرق بينهم …) [ رسالة اربعة قواعد من الدين تميز بين المؤمنين والمشركين :37،38].

واستدل بقوله تعالي ( وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )وفهم معني الفتنة بالمفهوم التراثي السياسي الذي يعني الحروب والثورات ،مع ان معني فتنة في القرآن هي الاضطهاد في الدين فيما يخص علاقة الناس ببعضهم البعض ،كقوله تعالي عن المشركين الذين كانوا يضطهدون المؤمنين ويقاتلونهم ليجبروهم علي الرجوع الي عبادة الاسلاف (والفتنة اكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتي يردوكم عن دينكم ان استطاعوا:البقرة 217)وقوله تعالي عن تعذيب وحرق اصحاب الاخدود(ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم .:البروج10) وكقول بعض المنافقين للنبي يطلب منه  ان يأذن له بالتخلف عن المسير للجهاد الدفاعي ولا يجبره عليه(ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ،الا في الفتنة سقطوا :التوبة 49)أي ائذن لي ولا ترغمني علي الخروج ،والفتنة في تعامل الله تعالي مع الناس هي الاختبار والامتحان ولذلك سقط المنافقون في امتحان الايمان فقال تعالي عنهم (الا في الفتنة سقطوا)وقال عن الابتلاء بالخير والشر (ونبلوكم بالخير والشر فتنة والينا ترجعون :الانبياء 35).

ونعود الي ابن عبد الوهاب وهو يفهم الآية فهما تراثيا عكس مفهومها القرآني، فالاية (وقاتلوهم …)تجعل المقصد الاصلي من القتال هو منع الاضطهاد في الدين حتي يكون الناس احرارا في اعتناق ما يشاءون بلا ضغط او ارغام، وبهذا يتحقق الابتلاء والاختبار الذي خلقنا الله تعالي من اجله ويكون الدين علاقة خاصة بين العبد وربه، وهو وحده الذي يحاسب الناس علي اختيارهم الحر يوم القيامة او يوم الدين ،وهذا معني (ويكون الدين كله لله )اما الفهم التراثي السائد فهو الامر بالقتال للمشركين المخالفين في المذهب او الدين حتي ولو كانوا مسالمين لمنع العصيان والثورة ، وفي الحقيقة يكون الدين حينئذ لاصحاب السلطان الذين يستخدمون الدين او المذهب لتأكيد سلطانهم وليس لله تعالي الذي خلق الناس احرارا في اعتقادهم ليكونوا مسئولين امامه يوم القيامة علي اختيارهم .

ونتابع الشيخ ابن عبد الوهاب وهو يعلق علي احد القضايا فيقول (فمن هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي ان المشركين الذين قاتلهم الرسول –ص- يدعون الله تعالي ويدعون غيره في الرخاء )ويقول( اذا تحققت ان الذين قاتلهم رسول الله اصح عقولا واخف شركا من هؤلاء ) [ رسالة كشف الشبهات :10،11.وانظر ايضا 3،4،6،10].ويقول في تفسير كلمة التوحيد (ان تعرف ان الكفار الذين قاتلهم رسول الله وقتلهم واباح اموالهم واستحل نساءهم كانوا مقرين لله سبحانه وتعالي بتوحيد الربوبية وهو انه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الامور الا الله )..ومع هذا فلم يدخلهم ذلك في الاسلام ولم يحرم دماءهم ولا اموالهم ولكن الذي كفرهم واحل دماءهم هو انهم لم يشهدوا بتوحيد الالوهية ..الي ان يقول ..(وتمام هذا ان نعرف ان المشركين الذين قاتلهم رسول الله كانوا يدعون الصالحين فكفروا بهذا ..وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله ) [ -رسالة تفسير كلمة التوحيد :34.].

واستدل ايضا بحرب الردة التي حدثت في خلاف ابي بكر وقد دارت اهم معاركها في نجد .وكان يقارن بين اولئك المرتدين والبدو في عصره وموطنه .ويجعل اهل عصره اشد كفرا من المرتدين ومشركي العرب الجاهليين  [- رسالة ستة مواضع منقولة من السيرة النبوية :31،32]وبالتالي يستحقون القتل والقتال .ويقول ان الرجل اذا صدق رسول الله في شئ وكذبه في شئ فهو كافر وكذلك كمن امن ببعض القرآن وكفر ببعضه ،ومن اقر بذلك كله وجحد البعض فقد كفر بالاجماع ،وحل دمه وماله، ومن صدق الرسول في كل شئ وانكر وجوب الصلاة فهو كافر حلال الدم بالاجماع .ومن رفع رجلا الي مرتبة النبي كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة  [رسالة كشف الشبهات:12:11].

وبالتطبيق العملي لهذه الفتاوي فان الحكم عام باستحلال قتل الجميع وسلب اموالهم وانتهاك اعراضهم –الجميع ما عدا اتباع محمد بن عبد الوهاب طالما لم يختلفوا فيما بينهم ،فاذا اختلفوا وعارض بعضهم بعضا فان تلك الفتاوي ستجد مجال عملها فيما بينهم .

علي ان هذه الفتاوي اتت اكلها في عصر الدولة السعودية الاولي وبها تحول الغزو الي جهاد اسلامي بناءعلي تكفير اصحاب البلاد المجاورة واستحلال دمائهم واموالهم واوطانهم، ثم اعاد عبد العزيز زخم الفكر الوهابي حين انشأ علي اساسه الاخوان في القري او الهجر، حيث كانوا ينقطعون للعبادة والتدريب الحربي وحفظ مؤلفات ابن عبد الوهاب والاستماع الي دروس المطوعة ،وهم فقهاء نصف اميين تلقوا العلم علي ايدي علماء لا يسمع عنهم احد خارج الجزيرة العربية، ولكن اولئك العلماء هم الذين كونوا الايدولوجية الفكرية للاخوان ،وجعلوا فتاوي محمد بن عبد الوهاب تتحول الي واقع بالنار والدم في العقدين الثاني والثالث للقرن العشرين .

مظاهر لانعكاس فكر ابن عبد الوهاب علي الخلافات بين الاخوان وابن سعود:

التحالف بين العلماء والاخوان :

ونسترجع بعض القضايا الاساسية التي تحولت الي مشاكل بينه وبين الاخوان ،وفيها نري فكر ابن عبد الوهاب حاضرا ينطق به الاخوان في مؤتمر العلماء الذي ناقش بأمر عبد العزيز خمسة قضايا او مشكلات، كلها تعبر عن العقلية السائدة ،ونسترجع تلك المشكلات الخمس:

هل يطلق الكفر علي البدو والمسلمين الثابتين علي دينهم القائمين بأوامر الله ونواهيه؟ والواضح هنا ان الاخوان يحكمون بكفر الوهابيين الاخرين الذين يؤيدون عبد العزيز ودولته ولكن لم يقوموا بالهجرة الي الهجر او المستوطنات الجديدة- ومعني هذا ان محنة التكفير امتدت لتشمل حتي الاخوة في المذهب وفي الخندق الدفاعي ذاته ،بسبب انهم لم يهاجروا مثل الاخوان الي القري الجديدة .ومن الطبيعي ان الاخوان احتاروا في فهم ادلة محمد بن عبد الوهاب الذي يستخدم ايات القرآن وفق نظريته في التكفير والاستحلال.وايات القرآن تتحدث عن مؤمنين يعانون الاضطهاد في بلد ظالم يقولون تحت وطأة العذاب (ربنا اخرجنا من هذه القرية الظالم اهلها :النساء 75) هنا تكون الهجرة واجبة علي المستطيع، والله تعالي يعفو عن العاجزين عن الهجرة (النساء 98)اما ان يهاجر بعض الناس دون ان يظلمهم احد ولكن لكي يتدربوا علي القتال والغزو وكراهية الاخرين والاستعداد لحربهم بعد تكفيرهم، فلا شأن لهم بالهجرة النبوية، وهجرة المسلمين الذين كانوا مضطهدين في مكة .لقد دعا ابن عبد الوهاب للهجرة وفهم منها المطوعة او فقهاء الهجر ان من لم يهاجر فهو كافر حتي لو كان من الوهابيين فاصبحت مشكلة .

واضيفت لها مشكلة اخري وهي خاصة بارتداء الزي المعتاد للاخوان ،وهو زي الامام محمد ابن عبد الوهاب وهو العمامة دون العقال المعتاد ،ولأنهم اعتبروا انفسهم وحدهم المسلمين فقد اصبح سهلا اتهام غيرهم ممن لا يرتدي العمامة الوهابية بأنه كافر حتي لو كان يعتقد مثل اعتقاد الاخوان .وبالتالي فاذا كان الوهابيون الاخرون خارج نطاق الاخوان متهمين بالكفر مرشحين للاعتداء عليهم وعدم اكل ذبائحهم.. فكيف بالاخرين ؟ ولخطورة هذا التساؤل في التأسيس لحرب اهلية بين الاخوان وبقية الوهابيين فان مؤتمر العلماء واجه القضية بكل حسم، خصوصا وان اولئك العلماء كان معظمهم من الحضر وممن لا يقيمون في الهجر، ولذلك افتي العلماء بما يقرب التكفير لمن يكفر الاخوة الوهابيين ،وجعلت للمعاداة والموالاة مرجعية موحدة هي الولاية السياسية والولاية الشرعية .أي ان عبد العزيز وعلماءه فقط هم الذين يحددو‍‍‍ن الكفار المرشحين للاعتداء عليهم في الدنيا والمرشحين ايضا عندهم للدخول في النار في الاخرة ‍‍‍‍..‍‍‍‍ طالما ان بأيديهم مقياس الشريعة الالهية ..وهنا وقف العلماء في صف ابن سعود ،وكان حججهم سياسية اكثر منها فقهية مع ان ظاهر المشاكل كان فقهيا اكثر منه سياسيا .

2-وبالتالي اسفر مؤتمر العلماء عن منع الاحتكاك بين الاخوان وبقية الوهابيين ،ولم يعد للاخوان استطالة علي الاخرين من الوهابيين .

وبعد عودتهم محبطين الي نجد بعد نجاحهم في ضم الحجاز الي املاك عبد العزيز هدد زعيمهم فيصل الدويش باستعمال السيف ضد عبد العزيز اذا سار في نفس طريق الشريف حسين ،وفي العام التالي 1927 وجهوا ثمانية انتقادات اخري موجهه له شخصيا .وايضا نجد فيها ملامح الفقه الوهابي الذي تعلموه في الهجر ونستعرض تلك الانتقادات :

نقموا عليه ارسال ولده سعود الي مصر وهي بلاد الشرك وارسال ولده فيصل الي لندن وهي بلاد الكفر. أي لابد من مقاطعة المشركين والكفار واظهار العداوة والبغضاء لهم طبقا لما نادي به عبد الوهاب، وبالتالي فلا يصح ان يأتي المحمل المصري من بلد الشرك –بلد المقوقس –الي الحرم وهو مسلح ومصحوب بالات اللهو والمجون (الانتقاد الثاني )وايضا لا يصح استيراد المخترعات الحديثة الاتية من بلاد الشرك مثل السيارات والتلغرافات والتليفونات لأنها من السحر المحرم (الانتقاد الثالث ).اما (الانتقاد الرابع )فهو طلب لتفسير منع التجارة مع الكويت ،(فان كانوا مسلمين تعاملنا معهم وان كانوا مشركين حاربناهم) أي اما واما ..وليس هناك حل وسط ان كانوا مسلمين تعاملنا معهم وان كانوا مشركين حاربناهم .اما ابيض واما اسود ،اما مسلم علي نفس عقيدتنا ومذهبنا وملبسنا فيكون مثلنا ،واما ان يكون غير ذلك فنقاتله .وهي المعادلة الطبيعية لفكر التكفير والاستحلال .وجاء(الانتقاد الخامس) يستنكر القوانين الوضعية الخاصة بالمكوس والضرائب التي لم يعرفها العصر العباسي وما بعده اذن فهي ليست من الشريعة، وكان( الانتقاد السادس ) يستنكر السكوت علي الشيعة (الكفرة )وعدم ادخالهم (بالقوة والاكراه )في دين الجماعة ،أي ان المذهب والتدين الوهابي هو دين الجماعة ،ويستنكر (الانتقاد السابع )السماح للبدو في العراق وشرق الاردن بالرعي في مراعي المسلمين (أي الوهابيين )مع ان هذه المراعي كلأ مباح علي جانبي الحدود ترعاه مواشي المسلمين الوهابيين وغير الوهابيين منذ قرون .وجاء التساؤل الاخير عن هدم القبور... والاتهامات هنا تخص عبد العزيز وحده وسياسته ولا شأن للعلماء بها مثل الاتهامات السابقة التي كانت تطول الوهابيين خارج نطاق الاخوان .ولذلك وجد العلماء فرصتهم لاستنطاق الشيخ ابن عبد الوهاب بعد وفاته ، خصوصا وقد كان من بين هؤلاء العلماء الخمسة عشر مجموعة لا بأس بها من آل الشيخ ، وبالتالي لابد لفكر الشيخ ان يكون حاضرا بحذافيره ،وهم ورثة ذلك العلم والقائمون علي حفظه وتستعرض فتاويهم ورودهم :-

فقد توقفوا عن الافتاء في موضوع التلغراف ،ولم يقولوا بأنه مباح او انه محرم لأنه ما قرءوا عنه حكما في فقه ابن حنبل وابن تيمية وابن عبد الوهاب ولأنهم ايضا لم يقفوا علي حقيقته ..وذلك اقرار صريح بالعجز عن الاجتهاد في ابسط المسائل .وافتوا لابن سعود بهدم القبور المقدسة موافقين لرأي الاخوان، ووافقوهم ايضا في وقف القوانين الحديثة ولا حكم الا للشرع المطهر (الحنبلي ) أي التطرف في تقديس اراء ابن حنبل بل التطرف في احتكار الاراء الاخري المخالفة ووافقوهم ايضا في منع الحجاج المصريين من الدخول بالسلاح ومنع المحمل ومنع اظهار الشرك وجميع المنكرات، وزايد العلماء علي الاخوان في هذه المسألة مما يعد موافقة من العلماء علي موقف الاخوان من حادث المحمل المصري قبلها، ويبدو الامر كما لو ان ثمة اتفاقا بين العلماء والاخوان علي اثارة هذه المشاكل فالاخوان، يتساءلون عن معني السكوت عن الشيعة في الاحساء والقطيف والتغاضي عن ادخالهم في دين الجماعة ،وتأتي اجابة العلماء غاية في التطرف كأنما كانت تنتظر وترجو مثل هذا التساؤل لتوضح للامام ابن سعود ما يجب عمله ،تقول الفتوي (واما الرافضة أي الشيعة-فافتينا الامام ان يلزمهم البيعة علي الاسلام –أي يجبرهم علي اعتناق الوهابية (ويمنعهم من اظهار شعائر دينهم الباطل )أي اكراه لهم علي ترك معتقدهم ،ووصف له بالبطلان وهم –أي الشيعة –يحتفظون للوهابية بنفس الوصف ولكن صاحب القوة هو الاعلي صوت ونفوذا .ثم تستطرد الفتوي لتزيد وتؤكد بصيغة الإلزام ليس للشيعة وحدهم بل للامام ابن سعود ايضا (وعلي الامام ان يلزم نائبه عن الاحساء ان يحضرهم عند الشيخ ابن بشر ويبايعوه علي دين الله ورسوله،وترك دعاء الصالحين من اهل البيت وغيرهم وعلي ترك سائر البدع ،من اجتماعهم علي مآتمهم  ( يوم عاشوراء ،ذكري استشهاد الحسين ) وغيرها مما يقيمون به شعائر مذهبهم الباطل .. ونلاحظ هنا الحرص علي ان تكون مكانة  ابن بشر الفقيه اعلي من مكانة امير الاحساء ،وهو عبد الله بن جلوي  ابن عم الملك واهم من اقام معه دعائم الدولة الوليدة، ومبعث هذا الحرص هو الايحاء بتكاسل ابن جلوي عن اكراه واضطهاد الشيعة في الاحساء. وقد كان ابن جلوي مشهورا بقسوته مع قبائل العجمان المتحفزة للثورة كما كان حازما مع الاخوان، ولم يكن يمكن احدا منهم علي ان يمارس نفوذا في الاحساء ، وبالتالي عاش الشيعة في امن تحت ولا يته عليهم ، ومن هنا تمتع ابن جلوي بكراهية العلماء والاخوان معا، واظهر موقفهم منه مدي الوحدة الفكرية والسياسية بينهم ،حيث يجتمعون معا حول فكر ابن عبد الوهاب الذي افتي بتكفير الشيعة وقاسي منهم الكثير في البصرة والعراق ثم قاسي الشيعة من الدولة السعودية الكثير والكثير في الجزيرة العربية وفي العراق .

وجاءت قصة المعارضة الاخوانية لتعيد فصلا من فصول الاضطهاد الديني في العصور الوسطي، ولا تكتفي فتاوي العلماء بما قالته عن الشيعة ،بل تضيف إليه برنامجا كاملا لمحو التشيع واحلال الوهابية محله ،تقول الفتوي (ويمنعون من زيارة المشاهد –أي القبور المقدسة –كذلك يلزمون بالاجتماع علي الصلوات الخمس هم وغيرهم في المساجد) أي منعهم من دخول مساجدهم ،والزامهم بدخول المساجد السنية الحنبلية الوهابية ،(ويرتب فيهم ائمة ومؤذنون ونواب من اهل السنة )أي وبالتالي منع شيوخهم من الصلاة معهم ،او الاجتماع بهم ،وتقول الفتوي بتعليمهم كتب ابن عبد الوهاب( ويلزمون بتعليم ثلاثة الاصول ،وكذلك ان كان لهم محال مبنية لاقامة البدع تهدم )أي هدم مساجدهم ومقدساتهم لأنها بدعة لدي التدين الوهابي، فماذا اذا مارسوا نفس البدع في المساجد السنية والوهابية ،وكأن الفتوي تتحفز للرد علي هذا السؤال فتقول مباشرة (ويمنعون من اقامة البدع في المساجد وغيرها ) أي حتي في البيوت حتي لو اضطروا لممارسة طقوسهم خفية. فما الحكم اذا رفض بعض الشيعة ذلك الاكراه في الدين ،تسرع الفتوي بالاجابة وتقول (ومن ابي قبول ذلك ينفي من بلاد المسلمين )أي ان الاحساء اصبحت بلادا للمسلمين أي الوهابيين والاخوان، واهل الاحساء وسكانها الاصليون اذا لم يقبلوا ان يكونوا وهابيين فليتركوا بلادهم التي لم تعد بلادهم .

وتنظر الفتوي بعين الرعاية ايضا الي شيعة القطيف ،ويوجب العلماء علي الامام عبد العزيز ان ينفذ نفس الاوامر والنواهي الصادرة بحق الاحساء علي شيعة القطيف ،تقول الفتوي المباركة (واما الرافضة "الشيعة" من اهل القطيف :فيلزم الامام –ايده الله –الشيخ ابن بشر ان يسافر اليهم ويلزمهم بما ذكرنا .) أي ان العلماء يلزمون عبد العزيز ،والشيخ ابن بشر يلزم شيعة القطيف .

أي ان اولئك العلماء هم اصحاب الولاية الحقيقية حتي علي السلطان القائم ، تماما كما يقول الشيعة في ولاية الفقيه علي الحاكم السياسي .

وتتعرض الفتاوي الي نقطة اخري لم ترد في اسئلة الاخوان ،وان كان لا مانع من التكليف بها وهي (البوادي والقري )التي دخلت في ولاية المسلمين :فأفتينا الامام ان يبعث لهم دعاة ومعلمين ،ويلزم (الامام)نوابه –أي الامراء –في كل ناحية بمساعدة المذكورين علي الزامهم بشرائع الاسلام ، ومنعهم من المحرمات )وهذه الناحية الجديدة التي افتي فيها العلماء دون ان يستفتيهم فيها احد تعطي للعلماء وظائف جديدة ،ونفوذا سياسيا في المناطق المفتوحة يزيد علي نفوذ الامراء فيها . وتقول الفتوي عن رافضة او شيعة العراق (واما رافضة العراق الذين انتشروا وخالطوا بادية المسلمين فافتينا الامام بكفهم عن الدخول في مراتع المسلمين أراضيهم) وعن المكوس قالوا (انها من المحرمات الظاهرة ،فان تركها فهو الواجب عليه ،وان امتنع فلا يجوز شق عصا طاعة المسلمين والخروج عن طاعته من اجلها ) (واما الجهاد فهو مخول الي نظر الامام .وعليه ان يراعي ما هو اصلح للاسلام و المسلمين علي حسب ما تقتضيه الشريعة الغراء ).

ويلاحظ ان الفتاوي تجاهلت احراج الملك عبد العزيز في الرد علي الانتقاد الموجه إليه بخصوص ارسال ابنه الي مصر وابنه الاخر الي لندن .كما تجاهلت الاجابة الصريحة علي الموقف من اهل الكويت ،اهم مسلمون تجوز التجارة معهم ام كفار يجب قتالهم ،واجابت الفتوي اجابة عامة عن تخويل الامام ابن سعود في موضوع الجهاد علي ان يعمل حسب الشريعة ،أي حسب رأي العلماء .

وبالتالي يضعون انفسهم في موقع السلطة بقدر ما يستطيعون .

ومع ذلك فان معظم الفتوي كانت في صالح الاخوان وخصومتهم مع الملك .ويقول مستشار الملك عبد العزيز حافظ وهبة (ازاء هذه الفتوى اضطر الملك الي عدم قبول المحمل ، كما اضطر الي هدم مسجد حمزة وتعطيل التلغراف اللاسلكي ،فعمل بذلك علي تلافي الفتنة او تأجيل وقتها ) [ - حافظ وهبة :الجزيرة العربية في القرن العشرين :293:291]

ويلاحظ ان هناك بين كلمات حافظ وهبة كلاما مسكوتا عنه حمل الملك علي ان يضطر علي فعل اشياء لا يرضي عنها حتي يتلافي الفتنة او يؤجل وقتها .وربما كان ذلك الاضطرار بناء علي نصيحة من مستشاره المؤرخ حافظ وهبة ،ولكن المؤكد –الذي سيظهر فيما بعد –ان الملك عبد العزيز لم ينس هذا الموقف للعلماء ، وربما ادرك انهم يلعبون معا من خلف ظهره، خصوصا وانه بعد المؤتمر هاجم فيصل الدويش زعيم الاخوان ( النجديين ) قلعة (بسية) فى العراق وقتل كل من فيها استنادا الي فتوي اولئك العلماء بمنع شيعة العراق من الدخول في مراعي المسلمين .

واستفحل تمرد فيصل الدويش حتي انه رفض استدعاء عبد العزيز له واشتدت دعاية الاخوان ضده ،ومحتمل جدا ان يكون قد شارك فيها المطوعة في الهجر ،لأن اتهاماتهم لعبد العزيز منذ ذلك الوقت كانت تقترب من تكفيره بحجة انه تحالف مع الانجليز علي حساب التزامه الاسلامي حسبما يعتقدون .

*وفي المؤتمر العام للرياض في 5/11/1928 كان واضحا ان عبد العزيز قد حاول ما امكن السيطرة علي علمائه ليقفوا الي جانبه بعدما تبين خطورة الموقف .ولكونهم في قبضته وقد اصبحت المسألة حياة او موت فان موقف العلماء اصبح اقرب الي مهادنة عبد العزيز،ولذلك كان كلامهم بمثابة تبرير او اعتذار لما سبق منهم من التلويح باتهامه بالكفر اذ اقسموا انهم لم يكتشفوا قط أي فتور في غيرة ابن سعود علي الدين ، وان كان قد اخطأ فلا بأس اذ لا يعطي هذا الخطأ المبرر لأحد ان يدير ظهره للملك ،وحتي لا يتهمهم احد بالخوف من عبد العزيز –ومن الواضح فعلا انهم كانوا خائفين– فانهم اكدوا علي انهم لا يتحدثون خوفا من عبد العزيز ولكن للنصح والارشاد .

وادرك ممثلو الاخوان تراجع العلماء في المؤتمر فاصروا علي احراجهم بطرح نفس الاسئلة التي يعرفون مسبقا رأي العلماء فيها وانه مخالف لرأي عبد العزيز وموافق لرأي الاخوان حيث يؤمن الفريقان (العلماء والاخوان )بنفس الفكر الذي كتبه الشيخ ابن عبد الوهاب دون تجديد .وهكذا طرحوا اسئلة للعلماء واقسموا علي اتباع ما يقوله العلماء : وهي حكم الاسلام في التلغراف ،الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتساهل عبد العزيز فيه ،موضوع القلاع ومنع الاخوان من الجهاد .والملاحظ ان كل تلك  القضايا قد تمت صياغتها باسلوب فقهي ديني لمزيد من احراج العلماء ،كقولهم" وقف الناس عن القيام بالجهاد ولماذا اوقف نشر كلمة الله ."

وهذه المسائل الاربعة هي تقريبا فحوى مؤتمر الارطاوية في ديسمبر 1926 ،والتي رد عليها العلماء في مؤتمر يناير 1927 بما يرضي الاخوان وبما يزايد علي عبد العزيز ومطالب الاخوان معه .

فعلي سبيل المثال الزم العلماء عبد العزيز باتخاذ موقف حاسم ضد الشيعة في الاحساء وفصلوا فيما يجب عليه ان يفعله بما يعطي لهم سلطة تفوق السلطة السياسية لابن جلوي حاكم الاحساء وربما تفوق سلطة عبد العزيز نفسه .وجاء الاخوان في المؤتمر العام التالي ليذكروا العلماء بنفس الموضوع تحت مصطلح ديني لا يجادل فيه احد وهو "حض القرآن الكريم عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر" ومدي تساهل عبد العزيز في هذا الموضوع الذي كان يشكل احد اهم بنود التحالف بين محمد بن عبد الوهاب والامير محمد بن سعود .والامر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني لديهم تنفيذ الاجراءات التي الزم بها العلماء عبد العزيز في المؤتمر الماضي ،ولم يتم تنفيذ شيئ منها نظرا لان ابن جلوي يحمي الشيعة في الاحساء بقدر ما يمنع الاخوان من التسلط في ولايته .وطلب عبد العزيز رأي العلماء في الرد علي تلك المشكلات ، فجاءت فتواهم اكثر تقدمية في موضوع التلغراف ، فبعد ان كانوا قد توقفوا في حكمهم بدون تحريم او اباحة ، نجدهم في المؤتمر العام يكررون نفس موقفهم مع اضافة موجهة للاخوان تقول "طالما لا يستطيع المعارض ان يقدم دليلا شرعيا علي حرمتها فانهم لا يرون حرجا في استعمالها) أي القوا بالكرة في ملعب الاخوان .

ورد عبد العزيز بالنيابة عن العلماء في موضوع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بانه ارسل الدعاة واذا كان هناك تقصير من المسئولين فعليهم ابلاغه به ، وقال ان القلاع انشئت بسبب غارات فيصل الدويش وخوفا من الاخوان وبمعني اخر انها حصون دفاعية وليست للهجوم علي الاخوان بل خوفا من هجوم الاخوان .واصر الاخوان علي رأيهم في القلاع ، وصمموا علي استفتاء العلماء فيها، فجاءت فتوي العلماء مؤيدة للاخوان، فاضطر عبد العزيز للموافقة. وفي موضوع الجهاد اوغزو البلاد المجاورة اجتمع عبد العزيز بخمسين منهم اجتماعا خاصا لاقناعهم، ورغم الاقتناع الظاهري فان المؤتمر كان في الحقيقة تميهدا لتحول المعارضة السياسية الي تمرد عسكري حسمته معركة السبلة .

وفي هذا التحول اسهمت الهجر وفقهاؤها بدور كبير في الدعاية المضادة لابن سعود وحشد انصار للاخوان، واكد الدويش علي موضوع الغزو والجهاد ليزيد في احراج عبد العزيز ،وليتهمه بالكفر تأسيسا علي اتهامه بالتحالف مع الانجليز، او انه باع نفسه اليهم ،ويقول له (ولكنك الان تعاملنا بالسيف وتتغاضي عن النصاري ودينهم ..)

وبعد انتصار السبلة كشر عبد العزيز عن انيابه للعلماء وشيوخ القبائل معا،وهددهم بلهجة حاسمة بنفس مصير الاخوان اذا كرروا ما سبق .

والملاحظ ان مؤتمري الدوادمي والشعراء قد اختفي فيهما صوت العلماء ،ولم يعد احد يستفتيهم او يجعلهم حكما بينهم وبين الملك .بل اصبح الملك هو الذي يتحدث عن الشرع ويهدد خصومه بلهجة حاسمة .وبانتهاء التمرد الثاني انتهت معه سطوة العلماء مما اعطي لعبد العزيز حرية الاجتهاد السياسي بعيدا عن الانغلاق الفقهي الذي كان يمثله الفقهاء ،وينفذه بسيوفهم الاخوان ، وبذلك انهي عبد العزيز نظاما انشأه بنفسه ،نظام الاخوان وآلية تثقيف البدو بالدعوة الوهابية .

آلية تثقيف البدو ليكونوا اخوانا :

قامت هذه الآلية علي طريقتين ،بالنسبة لشيوخ القبائل ،كان يتم استدعاؤهم لاخبارهم بغلظة انهم كفار ويجب ان يعرفوا الاسلام، ثم  يؤمرون بالانتظام في مدرسة العلماء المحلية في الرياض بينما يتم  ارسال ستة من العلماء  في حراسة مشددة الي نفس القبيلة لتفقيه اهلها ،وعندما يصبح شيخ القبيلة متفقها في الوهابية يقيم له بيتا في الرياض ليكون بجانب عبد العزيز .

وقام بالتثقيف العلماء ثم المطوعة .

العلماء هم اساتذة المطوعة، ويشتركون في القتال يوم الجهاد، وهم فلاسفة في غير اوقات الجهاد ، ومثلهم في ذلك المطوعة ،ويدور المطوعة بين القبائل في الصحراء في لباس تقشف مع القدرة علي الاقناع وقوة الشكيمة ايضا .ولكن يعرف الحدود الفاصلة بين استعمال الحجة واللجوء الي القوة .وبالطبع كان اولئك المطوعة همزة الوصل بين عبد العزيز والرعية العاديين والمسئولين .

اما المحتوي الثقافي الذي تكونت علي اساسه عقلية البدو  ليكونوا اخوانا فكانت رسائل مبسطة كتبها الشيخ عبد الله ابن محمد بن عبد اللطيف وتم توزيعها علي القبائل ،وقام علي تدريسها العلماء والمطوعة لشيوخ القبائل وافرادها، واحتوت هذه النشرات علي التحذير الشديد من الشرك والامر بانذار البغاة وارباب البدع و الضلال ،والحرص علي ارشادهم وتنوير اذهانهم، فاذا اصروا علي الضلالة وجب تأديبهم، والامر بالتنكيل لكل من يوالي اعداء الدين علي اخوانه او يعمل بما يجر الضرر للمسلمين ..الخ .واعتمدت علي الترغيب والترهيب بصورة حسنة مبالغ فيها وادخلت في روع البدو تصويرا محببا لنعيم الجنة تتضاءل الي جانبه متع الدنيا، وهي بطبيعته نادرة لدي البدوي في بيئته القاحلة ، وكان الجهاد يعني ذروة الخلاص للبدوي في الدنيا والاخرة، اذ يعني الغنائم الحلال في الدنيا والنصر ،او الجنة ونعيمها في الاخرة .والجهاد هو قتال المختلف في المذهب والعقيدة لاهون الاسباب طالما هم يمتلكون ناصية التكفير ويستعملونه حسبما يشاءون . [ -المختار : المرجع السابق 2/147]

وبهذه الالية توحدت الايدولوجية بين العلماء والمطوعين للاخوان ،وعزز هذه الايدولوجية اشتراك اساتذة الاخوان (وهم العلماء )مع الاخوان في القتال ،لذلك انتهت سطوة العلماء بانتهاء سطوة الاخوان ، خصوصا وان اسلوبهم في الحرب كان انعكاسا لتلك الثقافة الوهابية .

الحرب تجسد البناء الايدويولوجي للاخوان :

تثقيف الاخوان في الهجر توزع بين الصلاة وقراءة السيرة النبوية في الجهاد ورسائل الفكر الوهابي ،وكانت الحرب هي التجسيد الحي لهذا التثقيف ،ففي المعركة يشعر الاخواني انه علي وشك اجتياز الحاجز بين الدنيا والاخرة . والحرب ليست فقط المنفذ الوحيد لدخول الجنة ،بل هى ايضا المخرج الوحيد للخروج من الحياة الرتيبة داخل الهجر ،وهي المحك العملي لما يتعلمونه في صلاتهم وتثقيفهم .

وصيحاتهم اثناء المعركة عكست هذه الايدولوجية ،ومنها (هبت هبوب الجنة ..وين انت يا باغيها ..انا خيال التوحيد ..اخو من اطاع الله ..بين رأسك يا عدو الله …اهل التوحيد اهل التوحيد …اهل العوجاء اهل العوجاء )(أي اهل الرياض ).وعند افتتاح الهجوم يصيحون :( اياك نعبد واياك نستعين ) [ وهبة :الجزيرة العربية في القرن العشرين :295].

وعقيدتهم في التشوق للجنة واعتبار الحرب هي القنطرة التي توصلهم للجنة تتجلي في صياحهم (هبت هبوب الجنة وين انت يا باغيها )وموالاة انفسهم او التعصب الذاتي وتكفير الاخر واستحلال دمه يظهر في قولهم (انا خيال التوحيد اخو من اطاع الله ..بين رأسك يا عدو الله ).

ومعني انهم يبدأون الهجوم (بأياك نعبد واياك نستعين )ان الجهاد اصبح قرين الصلاة لديهم ..اذ تداخلت فريضتا الصلاة والجهاد لديهم ، ففي كل هجرة توجد اسماء الرجال ،وهي تراجع قبل كل صلاة ،كما تراجع ايضا قبل كل غزوة ،والمتخلف عن الصلاة وعن القتال عقوبته الموت ،وحين يؤدون فرض الصلاة يتخذون الشكل العسكري اذ تظل البنادق مرافقة لهم حتي داخل المسجد ولكن تكمم افواهها وتظل مدلاة في اجنابهم او توضع امامهم في الصلاة ثم يقفون في صفوف متماسكة خلف الامام في الصلاة  [DICKSON   ,OP  . CIT  .PP.  156,126] وخلفه في القتال، وامامهم في الصلاة ،وهو قائدهم في الحرب .ونأخذ تطبيقا لذلك مما حدث في موقعة تربة اشهر معارك الاخوان والتي هزموا فيها اقوي جيش للشريف حسين .يقول عبد العزيز يصف المعركة(كان لدي الشريف حسين عشرة آلاف جندي متمركزين في المدينة وسبعة آلاف جندي في الحجاز اضافة الي عشرين مدفعا واربعين رشاشا ومؤن وذخيرة يحملها عشر آلاف جمل، بينما وصل عدد الاخوان الي حوالي الفين ، كان من بينهم خمسمائة اخ بدون سلاح اللهم الا السيوف والخناجر .كان الشريف حسين قد حفر خنادق يكفي عمق الواحد منها لتغطية قامة رجل من الرجال ،واقام تحصينات ،كما قام ايضا بوضع المدافع والرشاشات في كل موقع من المواقع .وقد بدأ الاخوان تقدمهم عند منتصف الليل، وبعد ان ادوا صلاة الفجر استعانوا (بلا اله الا الله )علي مدافع الشريف حسين وبدأوا الهجوم عليه في الصباح واستمرت المعركة طوال النهار بكامله والليلة الثانية الي الباقية ..)وعن نفس الموقعة يقول من الجانب الاخر من الهاشميين الشريف عون بن هاشم وقد شهد الموقعة وهو في الخامسة عشر من عمره وعاش بعدها يقول للريحاني (رأيت الدم في تربة يجري كالنهر بين النخيل ،فبقيت سنتين عندما اري الماء الجارية اظنها والله حمراء ،,رأيت القتلي في الحصن متراكمة… ومن اعجب ما رأيت، رأيت الاخوان اثناء المعركة يدخلون الجامع للصلاة ثم يعودون للقتال !!).

والارتباط بين القتال والصلاة لا يظهر فقط في افتتاح القتال بالفاتحة (اياك نعبد واياك نستعين )وليس فقط باطلاق الرصاص مفاجأة كالآذان للصلاة ،وانما يظهر هذا الارتباط ايضا بمواقيت القتال التي جعلوها اشبه بمواقيت الصلاة وتميزت بذلك عن غارات البدو العادية .

وقد جعلوا للقتال مواقيت اربعة ،الصباح او التصبيح في الصباح ،والغارة او اللقوة ،وهي في الضحي  ،والرباح أي التراويح بعد الظهر ،والهجاد او المجهاد في الليل مما بين غروب الشمس الي طلوع فجر اليوم التالي ،ومعركة تربة تنتمي للنوع الاخير  [ام القري : العدد  302 في 19 سبتمبر 1930 .].

وهذا الارتباط الديني والعقائدي بين القتال والصلاة ادي الي تحول القتال الي استحلال و مذابح ، وهذه المذابح شملت النساء والاطفال و ادت بدورها الي  شهرة سيئة للاخوان نشرت الفزع منهم ،مما ساعد علي سهولة استيلاء عبد العزيز علي بعض المدن كما حدث في ضم مكة والمدينة وجدة .

وكان الاخوان انفسهم ضحايا هذه المذابح ،اذ اشتهروا بالتهور وهذا منطقي طالما يعتقدون ان الجنة تنتظرهم بما فيها من نعيم وحور عين وليس بينهم وبينها الا الموت والقتل ،علي نحو ما يتردد في كتب التراث الذي تربوا عليه ،وساعد علي هذ الروح هتافاتهم الحماسية بالتقدم نحو الجنة ،كما ساعد علي ذلك ايضا هجومهم العشوائي بأسلحة بدائية امام اسلحة حديثة مثل المدافع والرشاشات والمركبات الحربية ،وحدث هذا عندما واجهتهم الاسلحة البريطانية في جنوب العراق وشرق الاردن  [-خلة :محمود كامل :التطور السياسي في المملكة الاردنية .  317،318]أي عندما خرجوا خارج نطاق الجزيرة العربية .

اما المذابح التي اقامها الاخوان لخصومهم فالحديث عنها يطول ،ورأينا جانبا منها في روايتين لابن سعود والشريف عون بن هاشم عن موقعة تربة .والواقع ان الاخوان كانوا يهجمون علي الهدف بشكل خليط همجي من الرجال والخيول والابل والمشاة يدمرون معسكر العدو ويقتلون كل من يجدونه من البشر دون رحمة ،فاذا كان الهدف مدينة او قرية اضيف الاطفال والنساء والشيوخ الي قائمة الضحايا .ففي هجومهم علي الكويت في معركة الجهرة قتلوا النساء سنة 1920 ،ونفس الحال في هجومهم علي ثريب في شرق الاردن سنة 1924 ،وقتلوا النساء والاطفال والشيوخ عندما افتتحوا الطائف في 7/9/1921 وسجل المراقبون الاجانب ان الاخوان لايحتفظون بالاسري وانما يذبحون كل من يقع في ايديهم، وكانت الدعوات للانضمام الي الوهابية او الاسلام تحمل التهديد لمن لا يستجيب بالاعدام .وتقول احداها (ان من ينضم الينا يأمن علي ممتلكاته واسرته )وقيل عنهم انهم ظلوا لعدة سنوات لا يخيفون الاطفال وحدهم وانما الكبار ايضا ..وقد قتلوا جميع الرجال والنساء والاطفال في المنطقة ما بين المويلة وشرق الاردن، وقد ادت هذه الوحشية الي انشاء البريطانيين قلعة بسية التي كانت سبب المعارضة السياسية والحربية بين الاخوان وعبد العزيز .وقد اعترف اثنان من الاخوان الاحياء الي جون حبيب ،وقد قالا انهما شاركا في الغارة التي توغل فيها الاخوان داخل العراق ،وقد استغرقت المسيرة عشرة ايام، وانهما فيما بينهما قتلا حوالي الف شخص ، وكان القتال يجري ليل نهار ،وانهما لم يناما سوي ثلاث ساعات فقط في اليوم ،وكان طعامهما من التمر والخبز والقهوة ،وحفنة من التمر.

وذيوع شهرة الأخوان بهذه الوحشية وقتل المدنيين بدون تمييز كان من عوامل الخلاف والتعارض بينهم وبين عبد العزيز الذي حاول ان ينبههم الي ذلك مرارا، ورأينا كيف كان فيصل الدويش ورفاقه يريدون ان يكرروا ما فعلوه في الطائف في المدينة وجدة ..وحين رفض عبد العزيز انسحب الدويش غاضبا ..ورأينا كيف اشترطت تلك المدن الا يدخلها الاخوان مما جعل عبد العزيز يرسلهم الي نجد، وكانت بداية مرحلة حاسمة للمعارضة الاخوانية .وعندما تمردوا وهاجموا اخوانهم الوهاببين من اتباع عبد العزيز، فأنهم قتلوا الشيوخ والنساء والاطفال كما ذكر حافظ وهبة القائل تحت عنوان( الاخوان ) (اذ ذكر الاخوان علي حدود العراق او شرق الاردن او الكويت استولي الرعب علي قلوب السكان ،وهب البدو يطوون الصحراء لائذين بالبلاد القريبة منهم يحتمون بجدرانها وابراجها، فهم رسل الذعر والرعب في بلاد العرب ) ثم انطلق في التاريخ لهم الي ان قال (وقد ظهرت قوة الاخوان الحربية في هزيمة اهل الكويت هزيمة منكرة في موقعة حمض سنة 1919،ثم في حصار شيخ الكويت في الجهرة 1920 ،وفي ابادة جيش الشريف عبد الله في موقعة تربة 1919 وفي هجومهم المتكرر علي العراق والكويت وشرق الاردن .)ثم يشير حافظ وهبة الي ان بعض هذه الغزوات والغارات كانت بدون اذن عبد العزيز فيقول (وبالرغم ان امامهم كان ينهاهم كثيرا عن هذه الغزوات وانه كان يأمرهم بالرفق وعدم القتل، وعلي الرغم من ان علماءهم كانوا يوصونهم بعدم قتل الاسير او المستجير فانهم لم يصغوا لاحد .وان من يقرأ رسائل العلماء في الانكار عليهم وعلي انصاف المتعلمين الذين سمموا افكارهم يري ان علماء نجد لم يقصروا في النصيحة ويعلم ان ما يأتيه بعض الاخوان مما تأباه طبائع العرب ولا تقره الشريعة الاسلامية ، ولا يصح ان تلقي بتعته علي علماء نجد او الملك عبد العزيز ) [ حافظ وهبة :جزيرة العرب في القرن العشرين : 297،285،288] .

وهذه الكلمات الديبلوماسية لمستشار الملك عبد العزيز تستحق بعض التعليق ، فالواضح انه يريد تبرئة الملك عبد العزيز وعلماء نجد من المسئولية .وقد اوضح الملك عبد العزيز موقفه فتمرد عليه الاخوان وكفروه .اما علماء نجد فقد كانوا الي جانب الاخوان حتي اظهر لهم الملك عبد العزيز انيابه فاضطروا الي الانحياز إليه ،اما المطوعة وفقهاء الاخوان ،فقد ظلوا مع الاخوان حينما تحدد الاختيار بين نجد او الاخوان او بين الوهابيين التقليديين الحضريين والاخوان البدو الصحراويين .

ويقول (ان ما يأتيه بعض الاخوان مما تأباه طبائع العرب ولا تقره الشريعة الاسلامية) والصحيح ان الشريعة الاسلامية الالهية ترفض قتل المدنيين كما ترفض قتال من لم يعتد ولم يبدأ في القتال، ولكن طبائع العرب استحلت قتل الاطفال والنساء في العصور الوسطي ،واتت هذه الشرعيات من نفس المنطقة ،من نجد وما حول نجد، لقد عاش شيخ المؤرخين العرب محمد بن جرير الطبري وادرك بداية القرامطة ورأى علي الطبيعة تخريبهم للعراق والشام، ولعل ذلك ما جعله يخشي علي حياته ويوجز التاريخ في السنوات الاخيرة من تاريخه، ومع هذا يقول بايجاز سريع عن القرامطة (وفي هذه السنة-286- ظهر رجل من القرامطة يعرف بابي سعيد الجنابي من البحرين ،فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة، وكان خروجهم في ما ذكر في اول هذه السنة وكثر اصحابهم في جمادى الاخرة وقوي امره فقتل من حوله من اهل القري )أي قتل كل الاحياء في القري ..ثم يتحدث الطبري عن غزوات ابن زكروية القرمطي في الشام سنة 290هـ وكيف اطاعه اهل البوادي وغيرهم فاشتدت شوكته وصار الي دمشق وصالحه اهلها علي خراج يدفعونه اليهم فانصرف عنهم، ثم سار الي اطراف حمص فتغلب عليها وخطب له علي منابرها وتسمي بالمهدي، ثم سار الي حماة ومعرة النعمان وغيرهما ،فقتل اهلها وقتل النساء، ثم سار الي بعلبك فقتل عامة اهلها حتي لم يبق منهم فيما قيل الا اليسير ،ثم سار الي سلمية فحاربه اهلها ومنعوه من الدخول ،ثم وادعهم واعطاهم الامان ففتحوا له بابها فدخلها فبدأ بمن فيها من بني هاشم ،وكان بها منهم جماعة فقتلهم ثم ثني بأهل سلمية فقتلهم اجمعين، ثم قتل البهائم ثم قتل صبيان الكتاتيب ثم خرج منها وليس بها عين تطرف، وسار فيما حوالي ذلك من القري يقتل ويسبي ويحرق ويخيف السبيل)) [ الطبري :محمد بن جرير (224-310) تاريخ الطبري  10/71،100].

اذن اعتاد أولئك العرب ان يفعلوا ذلك تحت شرعية بشرية تحترف التدين وتستحل به دماء الابرياء حتي الاطفال والنساء وبدون هذه الشرعية الدينية احترف البدو –في العصور الوسطي –السلب والنهب بالطريق (العلماني )أي بدون مبرر ديني .وكان الاطفال والنساء والشيوخ من بين الضحايا ايضا ،خصوصا في قوافل الحج. مع ان الشرعية الالهية تؤكد علي حصانة الحجاج اثناء سيرهم الي الحرم بالاضافة الي حصانة الحرم في حد ذاته (المائدة 2).

والفارق بين غارات الاعراب العادية أو ( العلمانية ) وجهاد الاعراب تحت شرعية دينية بشرية ان غارات الاعراب العاديين كانت تستهدف السلب والنهب اساسا ولا تلجأ الي القتل المباشر الا مضطرة، فاذا تبين للاعراب ان القافلة تستعصي علي الاغارة اعرضوا عنها ، واذا اشترت منهم القافلة سلامتها بالاموال سارت في حماية الاعراب انفسهم .ويختلف الامر مع جهاد الاعراب انه يستهدف الابادة جنب الي جنب مع السلب والنهب والتدمير ..وقد اعطينا مثالا ساطعا رواه شيخ المؤرخين الطبري وكان شاهدا عليه يوضح طبيعة الجهاد القرمطي لابن زكروية الذي تسمي بالمهدي وهو لقب ديني وهو لا يختلف كثيرا عن جهاد الاخوان في عهد عبد العزيز الذي رصده حافظ وهبة وغيره من المؤرخين المعاصرين له .

وبقي ان نذكر شهادة اخري لغارات البدو (العلمانية) في القرن الخامس الهجري وقد ذكرها اشهر مؤرخي عصره عبد الرحمن بن الجوزي، وقد حدثت هذه الغارة سنة 545 هـ ،وعاش ابن الجوزى الي ان مات 597هـ ، وكان في الخامسة والثلاثين من عمره في ذلك الوقت، وذكر الحادثة في تاريخه المنتظم، وملخصها ان العرب بعثوا يطلبون الاتاوة فرفض الحجاج واستمروا في سيرهم (فخرج عليهم العرب بعد العصر ليوم السبت رابع عشر من محرم فقاتلوهم، فكثرت العرب،فاخذوا من الثياب والاموال والاجمال والاحمال ما لا يحصي، واخذوا من الدنانير الوفا كثيرة، فتحدث جماعة من التجار انه اخذ من هذا عشرة آلاف ومن هذا عشرون الفا ومن هذا ثلاثون الفا، واخذ من خاتون  اخت سعود ما قيمته الف دينار ، وتقطع الناس وهربوا علي اقدامهم يمشون في البرية ،فماتوا من الجوع والعطش والعري ، وقيل ان النساء طين اجسامهم بالطين لستر العورة)  [-المنتظم لابن الجوزي ،18/78] ومع شناعة الوصف فان الواضح ان اهتمام البدو بالسلب والنهب وليس بالقتل ،ولو كان اولئك البدو متدينين اصحاب عقيدة تستحل الدماء وتجعله جهادا لتكفلوا بقتل الجميع .

شهادة مؤرخ معاصر للاخوان :

يقول حافظ وهبة عن البدو وحالهم بعد ان تشربوا الايدولوجية الوهابية واصبحوا اخوانا (لقد عرفت البدو في حروبهم وفي حياتهم البدوية ،وعرفتهم بعد ما سكنوا الهجر ، وعرفت كثيرا من قاداتهم في جاهليتهم –أي قبل الدخول في الوهابية –واسلامهم –أي بعد دخولهم الوهابية –فرأيت ان الدين قد غيرهم تغييرا تاما .

كان البدوي لا هم له الا النهب والسلب وقطع الطريق ،ثم هو يعد هذا العمل من مفاخر البادية ،والويل للضعيف في البادية ،وكان لسان حالهم يقول : ( المال مال الله ،يوم لي ويوم لك ،نصبح فقراء ونمسي اغنياء ،ونصبح اغنياء ونمسي فقراء ) والقوافل التجارية كانت تحت رحمة البادية لا تمر من المنطقة الا باتاوة او مجيز، والبدوي لا يمكن ابدا ان يخاطر بحياته ،فاذا رأي ان النهب سيكون من ورائه خطر تركه ،وكذلك اذا رأي دفاعا قويا من خصمه تركه ،والبدوي لا يعرف قلبه الاخلاص تقريبا ، شيمته الرياء والنفاق،لا تنفع معه الا الشدة المشوبة بالعدل، لذا فلا يعول الامراء كثيرا علي عددهم ولا علي قوتهم ،وكثيرا ما كانوا وبالا علي صديقهم ،فاذا بدرت منه بوادر الهزيمة فانهم يكونون اول الناهبين له، ويحتجون بأنه مادام صديقهم منهوبا او مأخوذا كما يقولون فهم اولي به )ثم يقارن بأحوال البدو بعد ان اصبحوا اخوانا فيقول (اصبح الاخوان لا يهابون الموت بل يندفعون إليه اندفاعا طلبا للشهادة ولقاء الله ، واصبحت الام حين تودع ابنها تودعه بهذه الكلمات :جمعنا الله واياك في الجنة ،واصبحت كلمة التشجيع علي الحرب :هبت هبوب الجنة وين (اين )انت يا باغيها )وكلماتهم عند الهجوم (إياك نعبد واياك نستعين )ولقد شاهدت بعض مواقعهم الحربية ،فوجدتهم يقذفون بأنفسهم الي الموت قذفا، ويتقدمون الي اعدائهم صفا صفا ، ولا يفكر احدهم في شئ الا هزيمة العدو وقتله .والاخوان علي العموم لا تعرف قلوبهم الرحمة علي الاعداء ولا يفلت من تحت ايديهم احد ،فهم رسل الموت اينما حلوا) . [ -حافظ وهبة :المرجع السابق 285-286]

أي كان البدوي يحترف السلب والنهب وابتزاز القوافل طالما لا يخاطر بحياته،واذا تقابل مع من هو اقوى منه نافقه ووافقه الي ان يجد فيه ضعفا فينقلب عليه، ومع هذا الصنف المتقلب المنافق فالحل هو الشدة والعدل،او بالتعبير القرآني(واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ).

والتحول الذي طرأ علي اولئك البدو بالثقافة الوهابية هو ان الله تعالي اشتري منهم انفسهم واموالهم في مقابل الجنة والغنائم ، ومن هنا كانوا يقذفون بانفسهم الي الموت قذفا ،واصبحوا رسل الموت لاعدائهم ،لا تعرف قلوبهم الرحمة علي اعدائهم …والعدو هنا- وهذا هو الفارق الاساسي مع الشرعية الالهية- هو من ليس منهم .أي هو الاخر المسالم ،وكان هذا الاخر هو الانجليز والنصاري والمشركون من الشيعة والسنة من كان منهم مسالما او محاربا ،ثم اضيف للاخر الوهابيون من البادية ومن الحضر ،ممن لم يهاجر ويعيش في الهجر ويرتدي العمامة ، وعندما منع عبد العزيز ذلك في مؤتمر العلماء سنة 1919 اصبح عبد العزيز نفسه مرشحا ليكون الاخر في معارضتهم السياسية له ،ثم جعلوه خصما لهم تمردوا عليه ،وقتلوا النساء والاطفال والشيوخ من الوهابيين المسالمين في تمردهم الثاني ،وهذه احدي ملامح التحول الاخواني الذي بدأ علي البدو .فالبدوي العادي غاية ما كان يفعله ان يتخلي عن عبد العزيز ويهرب عنه حين يشتد القتال ، وقد يثور علي عبد العزيز اذا وجد الثورة في مصلحته ولكنه في كل الاحوال يحرص علي حياته ودمائه ،وفي سبيل حرصه علي حياته قد يحرص علي حياة خصمه اذا كان قويا يخشي منه او كان يريد سلب امواله فقط ، ولا مصلحة له في قتله ،ونسي البدو ذلك حين اصبحوا بالايدولوجية الوهابية اكثر حرصا علي قتل انفسهم وقتل الاخرين ،وبالتالي اصبحت معارضتهم لا تعرف الوسط ولا تعرف الحدود السياسية المصلحية ،والسياسة هي فن الـ ( COMPROMISING )التي لاينفي فيها طرف الطرف الاخر ،وهذا ما لايمكن حدوثه في حالة عبد العزيز والاخوان .أي كان عبد العزيز يستطيع ان يصل الي نوع من التراضي مع البدو ،لكن بعد ان حولهم الي اخوان ما كان يستطيع ذلك ،والدليل علي ذلك ان عبد العزيز جرب معهم التساهل والتسامح فما افلح ،فازدادوا طغيانا ،وجرب معهم الشدة ثم عفا عنهم ،فعاد الدويش للثورة وعادت عتيبة للثورة مرتين ..

وادرك عبد العزيز في النهاية انه لا سبيل امامه الا بنفيهم من حياته السياسية وتكوين اخوان جدد من نوع مختلف ، يستطيع المكر والتلاعب مع العدو ن وأهم من ذلك أن يكون بعيدا عن الجزيرة العربية ليأمن عبد العزيز شرّه. وبهذا كوّن عبد العزيز الاخوان المسلمين فى مصر ، وحرّم عليهم فى نفس الوقت العمل داخل دولته..

وندخل بذلك على أكبر خطيئة زرعها عبد العزيز فى مصر والعالم : الاخوان المسلمون،

اذ أنه بدلا من اصلاح الفكر الوهابى من داخل الاسلام فانه قام بتصدير الوهابية الى مصر ليحرق مصر والعالم ، وهذا ما نريد منعه. 
 
 
 

الفصل الثاني :الاخوان المسلمون فى مصر صناعة وهابية

لفصل الثانى

الاخوان المسلمون فى مصر صناعة وهابية

حاجة عبد العزيز لضم مصر للوهابية

    قامت الدولة السعودية الثالثة بقيادة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ، وخلال سنوات التأسيس هذه كانت لعبد العزيز رؤيته الواضحة فى إرساء دعائم الدولة الثالثة حتى تستمر ولا تسقط مثل الدولتين السابقتين . وتتلخص هذه الرؤية فى التمسك بالأيديولوجية الوهابية والتسلل بها إلى مصر لتكون مصر عمقاً استراتيجياً للدولة السعودية، وتستطيع من خلالها السيطرة على العالم الإسلامى. وكانت النتيجة نجاح عبد العزيز آل سعود فى تحويل التدين المصرى القائم على التسامح حتى فى العصور الوسطى إلى تدين وهابى متشدد فى عصر حقوق الإنسان. ونأتى للسؤال التالى، وهو: كيف؟ كيف تم هذا التحول؟

    فى الوقت الذى كان فيه عبد العزيز وآله لاجئين تحت رعاية آل الصباح فى الكويت كان الإمام محمد عبده فى مصر يعلن تطليقه للسياسة والثورة وتفرغه للإصلاح الدينى والفكرى، واعتبر التصوف خرافة كما وقف موقفاً حازماً من الفقه والأحاديث، واعتبر الأحاديث كلها أحاديث آحاد، وأعاد للأذهان ما قاله الأئمة المجتهدون فى عصر الازدهار الفكرى. وكان محمد عبده يأمل فى تأسيس مدرسة فكرية للاجتهاد الدينى تقوم بإصلاح عقائد المسلمين وتسهم فى تطورهم العقلى والعصرى، وكان هذا اقتناعه بعد تطليق السياسة ولعنها.

    ولم يكن محمد عبده يدرى أن حركته سيقوم بإجهاضها تلميذه رشيد رضا لصالح السعوديين وأيديولوجيتهم السلفية الثورية.

مات محمد عبده سنة 1905، وفى ذلك الوقت كان عبد العزيز قد هرب من الكويت بأربعين من "إخوانه" وبهم استولى على الرياض سنة 1902 ثم سيطر على أواسط نجد سنة 1904. وبعد موت محمد عبده فى مصر ورثه رشيد رضا. وكانت الأنباء تأتى إلى مصر بانتصارات الشاب ابن سعود ونجاحه فى ضم الإحساء والمنطقة الشرقية، ثم نجح بعدها فى ضم عسير، وحاصر الشريف حسين فى الحجاز، ثم انتزع منه الحجاز سنة 1926 ليحتل ابن سعود بعدها موقعاً متميزاً جفف به دموع الملايين الذين حزنوا على إلغاء الخلافة العثمانية. ثم قام ابن سعود بإعطاء مملكته الوليدة اسم أسرته السعودية سنة 1932 بنفس المنهج السائد فى العصور الوسطى حين يطلق الحاكم على دولته اسمه أو اسم أسرته، كالدولة الأخشيدية والطولونية والفاطمية والعباسية.

    ومع هذا النجاح لابن سعود فقد كان يدرك أن توسعه فى شبه الجزيرة العربية قد أضاف ألغاماً كثيرة تحت عباءته، فأعدى أعدائه وهم الشيعة يرتكزون فى المنطقة الشرقية، كما أن الأشراف والصوفية فى الحجاز لا ينسون ثأرهم عنده بعد ما فعله بالحجاز وأسرة الشريف حسين، وفى الخارج يقف أعداؤه الشيعة الزيدية فى اليمن بعد أن استولى على عسير، وهناك شيعة إيران والعراق والخليج وهم لا ينسون ما فعله وما سيفعله بالمشاهد الشيعية فى العراق، علاوة على أن أبناء خصمه الشريف حسين كانوا يحكمون العراق والأردن، أى أن أعدءه يطوقونه من كل الاتجاهات، ولهم جماهير فى أهم منطقتين فى مملكته، المنطقة الشرقية بجوار نجد، والحجاز، وهم لا يغفرون له أنه محا وجودهم حين جعلهم سعوديين، أى موالى وعبيداً لأسرته . وهكذا لم يعد أمام ابن سعود إلا مصر يتكئ عليها فى صراع البقاء وفى أمل الاستقرار والاستمرار أيضاً. فمن مصر جاء الخطر الذى دمر الدولة السعودية الأولى، ومنها يمكن أن يأتى الخطر الذى سيقضى على الدولة السعودية الثالثة، خصوصاً وأن التصوف هو التدين المصرى الأساسى والدعاية ضد الوهابيين على أشدها فى مصر، ومن الممكن أن تتطور ثقافة الكراهية ضد الوهابية إلى تحالف عسكرى أو سياسى خصوصاً مع طموح ابن سعود للسيطرة على الحجاز والذى كان دائماً تحت السيطرة المصرية.

    ومن الممكن أن يتفادى ابن سعود هذا الخطر المصرى، بل يستغل مصر إلى جانبه إذا تحول التدين السنى الصوفى المصرى المعتدل إلى تدين سنى وهابى متطرف. وليس ذلك مستحيلاً، فالمهم هو العثور على الشخصية المناسبة التى تقوم بخلق هذا التحول، وكان سهلاً العثور على هذه الشخصية، وهنا بدأ دور الشيخ رشيد رضا تلميذ الشيخ محمد عبده والذى خان مسيرته الاصلاحية وعمل عميلا لابن سعود.وكانت الأحوال مناسبة لذلك التحول.

    جاء الشيخ رضا إلى مصر يحمل بين جوانحه الفكر السلفى مع كراهية موروثة للمسيحيين استقاها من بيئته الشامية، ولكنه كتم هذه الثقافة الشامية داخله أثناء تبعيته لشيخه الإمام محمد عبده. وبعد موت الإمام لم يكن رشيد رضا مؤهلاً للسير فى طريق شيخه فى معاداته لشيوخ الأزهر، إذا كان محمد عبده بفكره ومصريته وأزهريته وتاريخه ومكانته وشخصيته أقدر على الصدام مع شيوخ الأزهر، فهو منهم وهم منه، وهو أعلاهم قدراً وأرجحهم عقلاً وأكبرهم علماً وأكثرهم شهرة، ومع ذلك فقد عانى منهم ما عانى فى جهاده الإصلاحى، فكيف بتلميذه الوافد من الشام إذا كان فعلاً يريد السير فى طريق شيخه الإمام؟

    على أن رشيد رضا قد يوافق فكر الإمام محمد عبده فى الهجوم على التصوف وأوليائه إلا أنه لا يوافقه فى انتقاد الأحاديث وفى انتقاده لتحجر الفكر الوهابى . وعندما مات شيخه الإمام وجد فرصته فى الزعامة ميسورة إذا تحالف مع ابن سعود، خصوصاً وقد جرت مياه كثيرة فى النهر، إذا علا نفوذ ابن سعود فى شبه الجزيرة العربية وبدأت الأحلام تتجمع حوله خصوصاً مع استقلاليته وشبابه ومقدرته، ثم بدأ تيار الشيوخ يميل إلى التعصب بعد إلغاء الخلافة وشدة التيار العلمانى فى تركيا ثم فى مصر والشام، وارتفع صوت الإلحاد متشجعاً بالليبرالية الفكرية والنفوذ الاستعمارى، وكل ذلك أثار حفيظة الشيوخ العاديين والصوفيين والسلفيين وقرب المسافة بينهم . خصوصاً وقد كان أئمة العلمانيين فى مصر من مثقفى الشوام المسيحيين والذين هاجروا لمصر بعد المذابح الطائفية في لبنان . وكان لابد أن تشتعل المعركة بين رشيد رضا وبينهم، وفى هذا الجو أتيح لرشيد رضا أن يثمر تحالفه مع ابن سعود فى نشر الفكر الوهابى بعد أن سيطر عبد العزيز على الحجاز وجعل من مناسبة الحج منبراً لنشر الدعوة وتجميع الأمصار وإعداد الكوادر وإعداد الخطط وتنفيذها. ودليلنا على ذلك أن عام 1926 الذى شهد أول موسم للحج بعد سقوط الحجاز هو أنشط الأعوام فى نشر الفكر السلفى فى مصر وخارجها.

نبذة عن أحوال مصر الثقافية فى النصف الأول من القرن العشرين

كانت التصوف هو التدين السائد تحت شعار السنة في العالم الاسلامي السني، وكانت الوهابية السنية هي الاستثناء في هذه القاعدة مع وجود انصار لها في مصر وشمال افريقيا، وكان الوهابيون ينقمون علي الشيعة والصوفية عبادتهم للأضرحة وتقديسهم للبشر ،وكان الوهابيون علي حق في ذلك ،وكان الشيعة والصوفية ينقمون علي الوهابيين استحلالهم لدماء المسلمين المسالمين وهدمهم لما يعتبرونه مقدسات ،وكانوا علي حق في ذلك.

وبين هؤلاء واولئك برز صوت مجتهد لم يلبث ان ضاع في الزحام ،هو صوت الامام محمد عبده( ت 1905 )الذي انتقد الصوفية في تخلفهم العقلي كما انتقد الوهابية في تزمتهم وتشددهم، ووضع اصولا للاسلام تخالف الايدولوجية الوهابية ،هي:

1-  قيام الايمان علي العقل.

2- تقديم العقل علي ظاهر الشرع عند التعارض بينهما .

3- الابتعاد عن التكفير .

4- التفكر بسنن الله في الخلق ،أي الاستدلال العلمي .

5- هدم السلطة الدينية والدولة الدينية  فليس في الاسلام سلطة دينية .وانما دولة مدنية ،ولم يجعل الاسلام لأي فرد او جماعة سلطة علي العقائد وتقرير الاحكام .

6- حماية الدعوة لمنع الفتنة ،فالقتال في الاسلام لرد الاعتداء وليس في التكفير والاكراه في الدين .

7- ومودة المخالفين في العقيدة .

  8- والجمع بين مصالح الدنيا والاخرة ،والنبي لم يقل بع ما تملك واتبعني ،ونهي عن الغلو في الدين ،واباح الزينة والطيبات . [الامام محمد عبده :الاسلام بين العلم والمدنية :2/124:101.سلسلة التنوير .مصر: الهيئة العامة للكتاب :1993 .]

ومع علو مكانة الامام محمد عبده الدينية والسياسية ووجوده في مصر الاكثر انفتاحا الا ان المناخ العام السائد اجهض دعوته ،فمات يلعن الشيوخ الذين اضاعوا الاسلام .

ومن عجب ان يحاط عبد العزيز باثنين من اصدقائه كلاهما ادرك هذه الحقائق الاسلامية التي ارساها محمد عبده في مطلع القرن العشرين ،والاثنان وهما حافظ وهبة و الصحفي النمساوي المسلم محمد اسد ، وقد حاولا معا اختراق حاجز المستحيل الذي اعجز الامام محمد عبده .

حافظ وهبة هو مستشار عبد العزيز آل سعود والذى رسم له سياسته من الألف الى الياء. وقد تجاهل حافظ وهبة التناقض بين منهج محمد عبده والمنهج الوهابي ،وزعم ان الامام محمد عبده كان يشيد بابن عبد الوهاب ،وقد كانت مشورة حافظ وهبة ضرورية لعبد العزيز، واقامت فجوة بين عبد العزيز والمستوى الفقهي لعلماء الوهابية المشهورين بتزمتهم وجمودهم، وحافظ وهبة بذلك حقق بدهائه بعض ما كان الامام محمد عبده يدعو اليه من نبذ الجمود والتخلص منه [الامام محمد عبده :نفس المرجع :2/174:151.].واعان عبد العزيز علي مواجهة جريئة لاحد اهم المستحيلات في عصره وهو المناخ السياسي السائد .

اما محمد اسد فقد عرف الاسلام عن طريق القرآن ،وبالفهم المباشر للايات ادرك من حقائق الاسلام ما لم يدركه علماء الاسلام في القرون الوسطي والعصر الحديث ،ومع انه لم ير الامام محمد عبده ،ولم يظهر في كتابه (الطريق الي مكة )انه قرأ شيئا من مؤلفاته الا ان الاتفاق بينهما واضح لأن منهجهما اتفق في الرجوع الي القرآن والاحتكام اليه واعتبار سنة النبي  تطبيقا للقرآن وليس مختلفة عنه او مناقضة له .

وفيما بعد قابل محمد اسد الشيخ المراغي قبل ان يكون شيخا للازهر بعدة سنوات،وننقل من كتاب محمد اسد وصفه للحركة العلمية في الازهر وتعليق الشيخ المراغي وقتها عليها ،يقول محمد اسد :

( وفي اجتهادي لأخذ صورة أكمل عما كان الاسلام يعنيه في الحق،اخذت فائدة كبري من الايضاحات والتفسيرات التي تمكن من تزويدي بها اخواني المسلمون القاهريون .وكان من ابرزهم الشيخ مصطفي المراغي ،وهو من اشهر علماء الاسلام في ذلك الوقت ،والمع علماء الجامغ الازهر ،بما لا يقبل الشك (وقد قدر له ان يصبح شيخه بعد ذلك ببضع سنوات ).ولابد انه كان في منتصف العقد الخامس من العمر في ذلك الحين ،الا ان جسمه الممتلئ العضلي كانت له خفة ابن العشرين وحيويته .وبالرغم من علمه وسعة اطلاعه ووقاره فانه كان دائما فكها بشوشا .واذا كان الشيخ المراغي تلميذا للمصلح المصري العظيم محمد عبده ،ورافق في صباه تلك الجذوة المتقدة ،جمال الدين الافغاني ،فقد كان هو نفسه مفكرا وناقدا ثاقب الرأي. انه لم يتواني قط عن ان يشعرني بأن المسلمين في العصر الحديث قد قصروا في الحق تقصيرا كبيرا عن مثل دينهم ..

دخلنا الي صحن الجامع فوجدت التلاميذ،وكانوا يرتدون الجبات الطويلة السوداء ويضعون العمامة البيضاء فوق رؤوسهم ،جالسين علي حصر من قش ،يقرأون في اصوات منخفضة في كتبهم ومخطوطاتهم ،وكانت المحاضرات تلقي في قاعة المجلس الكبري حيث كان عدد من المدرسين يجلسون ،علي حصر كذلك تحت الدعامات التي كانت تقطع القاعة في صفوف طويلة .وفي شبه دائرة امام كل مدرس كان فريق من الطلبة يجلسون القرفصاء .ولم يكن المدرس ليرفع من صوته ابدا ،وهكذا فقد كان واضحا ان الانتباه والتركيز الي اقصي الحدود كانا ضروريين بسبيل التقاط كل كلمة تخرج من فمه ،وكان لابد لي من الاعتقاد ان مثل هذا الاستغراق من شأنه ان يفضي الي المعرفة الحقيقية ،ولكن الشيخ المراغي سرعان ما بدد اوهامي حين قال : (هل تري الي هؤلاء العلماء هناك ؟انهم مثل تلك البقرات المقدسة في الهند ،التي تلتهم ،كما قيل لي ،كل ما تستطيع العثور عليه في الشوارع من اوراق مطبوعة ..اجل انهم يزدردون كل الصفحات المطبوعة من الكتب التي كتبت منذ قرون عدة ،ولكنهم لا يهضمونها .انهم لم يعودوا يفكرون لأنفسهم .انهم يقرأون ويرددون ،يقرأون ويرددون – والتلاميذ الذين يصغون اليهم لا يتعلمون الا ان يقرأوا ويرددوا ،جيلا بعد جيل .)وقاطعته قائلا : (ولكن الازهر ،يا شيخ مصطفي ،علي كل حال ،مركز العلوم الاسلامية واقدم جامعة في العالم !، ان المرء لتقع عينيه علي اسمه كل صفحة تقريبا من التاريخ الاسلامي الثقافي .وما قولك بالمفكرين ورجال الدين والفلاسفة والمؤرخين والرياضيين العظام الذين اخرجهم الازهر خلال القرون العشرة الاخيرة ؟)

فأجابني بمرارة : (لقد انقطع عن اخراجهم منذ عدة قرون .لربما كان في ذلك بعض المبالغة، ذلك ان مفكرا مستقلا كان يظهر من الازهر بين الحين والحين حتي في الازمنة الحديثة .ولكن الازهر ،بصورة عامة ،اصيب بالعقم الذي يشكو منه العالم الاسلامي كله اليوم ،وانطفأت جذوته المتقدة .ان اولئك المفكرين المسلمين المتقدمين الذين ذكرتهم لم يحلموا قط بأن افكارهم ،بعد هذه القرون العديدة ،بدلا من ان تستمر وتنمو وتتطور ،يقدر لها ان تعاد وتعاد ،كأنما هي حقائق الاسلام غير القابلة للخطأ .فلو اردنا ان نبدل حالتنا بأحسن منها ،فان علينا ان نشجع التفكير الحي بدلا من تقليد ما سبق من افكار ..)

ولقد ساعدني وصف الشيخ المراغي الحاسم للازهر علي ان ادرك سببا من اعمق اسباب الانحطاط الثقافي الذي يبهر المرء في كل مكان في العالم الاسلامي .الم يكن هذا التحجر العلمي لهذه الجامعة القديمة منعكسا ، الي درجات مختلفة في العقم الاجتماعي للحاضر الاسلامي ).[ محمد اسد :المرجع السابق :233:231]

وتولي الشيخ المراغي مشيخة الازهر وظلت المناهج العقيمة كما هي ،ولم يفلح في تغييرها لأن المناخ لم يسمح ..وعندما حاول شيخ الازهر الحالي في اواخر القرن العشرين تخفيف بعض المقررات الدراسية في الازهر ثار عليه الجميع واتهموه بما يشبه الكفر حتي اضطر في مجلس الشعب الي ان يقسم انه يفعل ذلك لمصلحة الاسلام . 

جيل الاحتجاج المصرى فى النصف الأول من القرن العشرين 

تمتع المصريون بنوع من الليبرالية السياسية بدأت مع عصر اسماعيل وتطورت بعد دستور 1923 فى قيام حركة حزبية نشطة وبرلمان نشط وانتخابات وحرية صحافة لم يعرفها العالم العربى وقتها، بل ربما حتى الآن.  الا ان هذه الليبرالية المصرية الفوقية فى دنيا السياسة حصرت العمل السياسى فى الطبقة العليا من المجتمع ومعها بعض الشرائح العليا من الطبقة الوسطى. وجاء الجيل الجديد المتعلم من أبناء الطبقة الوسطى فلم يجد له متسعا فى التوظيف أو العمل السياسى . وبجانب هذا القصور عن استيعاب الأجيال الصاعدة الطموحة كانت هناك ظاهرة أخطر هى انعدام العدل الاجتماعى ووجود فجوة هائلة بين الأغنياء والفقراء ، قيل عنه ( مجتمع النصف فى المائة ) حيث كان يملك الثروة فى مصر نصف المائة من عدد السكان. ( وهو نفس الحال الآن ). اسهم القصور الليبرالى والظلم الاجتماعى عن ظهور جيل جديد متنمر متمرد ساخط ، استغل الليبرالية السياسية وقتها فى اثراء حركات التطرف بكل أنواعها، الشيوعية ، ومصر الفتاة والاخوان المسلمين.

أى ان التخلف الثقافى فى الفكر الدينى مع حركات الاحتجاج الشبابية جهزت مناخا ملائما لنجاح الوهابية فى غزو مصر دينيا لتغير تاريخها وتاريخ العالم. كانت تلك البيئة المريضة هى المناسبة لنمو حركة الاخوان المسلمين وتطورها وتوسعها.وهى نفس البيئة التى نعيشها الآن. 

نشأة حركة الاخوان المسلمين فى مصر بين حافظ وهبة ورشيد رضا:  

وقد كان حافظ وهبة مهتما بتوثيق العلاقات بين الملك عبد العزيز ومصر ،يقول مثلا في تاريخه لأحداث الصراع بين الملك عبد العزيز والشريف حسين (وفي سبتمبر سنة 1925 وصل فضيلة الشيخ المراغي وكان رئيسا للمحكمة العليا الشرعية ومعه عبد الوهاب بك طلعت من موظفي السرايا ومعهما كتاب رقيق من جلالة ملك مصر جوابا لكتاب سلطان نجد بمناسبة عزمه علي زيارة مكة ،ويقول حافظ وهبة معبرا عن مشاعره (انه ظرف ملائم جدا وفرصة نادرة لتوثيق العلائق بين مصر ونجد ،وسلطان نجد كان ولا يزال معترفا بزعامة مصر من وجهة الثقافة والمدنية ويجب ان توطد العلائق بينه وبين مصر) [حافظ وهبة :المرجع السابق :268] .

ومصر في حد ذاتها هي المشكلة الكبري لعبد العزيز، فهي التي كانت تسيطر علي الحجاز في العصر المملوكي ،واستمر نفوذها الادبي فيه الي ان اصطدم بأخوان عبد العزيز في حادث المحمل،ومن الطبيعي ان يقوم بتطبيع العلاقات معها بعد استيلائه علي الحجاز ،ونلاحظ حرصا زائدا من  عبد العزيز ومستشاره حافظ وهبة علي استمالة مصر بكل طريقة الي السلطة الجديدة .كما ان مصر هي التي اسقطت الدولة السعودية الاولي واسهمت بالايجاب والسلب في سقوط الدولة الثانية ،وبالتالي فان مصير الدولة السعودية الثالثة لابد ان يرتبط بمصر ايجابا وسلبا ،فمصر هي اقدم دولة في المنطقة وكانت دولة عبد العزيز وقتئذ احدث دولة في المنطقة (قبل قيام اسرائيل ) ومن الممكن ان يكون العمق المصري رصيدا للكراهية والحرب ضد الدولة الجديدة يتعامل ضدها مع الاردن والعراق حيث الاشراف (فيصل وعبد الله )،وفي اليمن بالاضافة الي الشيعة في الاحساء وفي الحجاز ،فيتم بمصر ذلك الحصار وتختنق دولة عبد العزيز.

ومن الممكن ايضا ان يكون العمق المصري رصيدا لدولة عبد العزيز ترتكز عليه في مواجهة اولئك الخصوم المتربصين بها في الشرق والشمال والجنوب . ومن هنا كان لابد من كسب مصر الي جانبهم بكل وسيلة ،وقد حاول عبد العزيز ومعه مستشاره الداهية حافظ وهبة ونجح ..علي المستوي الرسمي امكن تفادي حادث المحمل ،وعلي المستوي الشعبي والثقافي بدأ انقلاب خطير منذ سنة 1926 تمثل في بداية تحويل التدين المصري السني الصوفي الي تدين سني وهابي ،ليكون العمق المصري الشعبي والحضاري امتدادا للدعوة النجدية والدولة السعودية الثالثة وكان سمسار هذا التحول في مصر اثنين من الشيوخ الشوام وهما محب الدين الخطيب ورشيد رضا وعن طريق رشيد رضا ، بالذات تسلل الفقه الوهابي الي مصر عبر الطرق الاتية .

  1. الجمعية الشرعية ،أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي سنة 1913 علي اساس الولاء المطلق للتصوف ،وفي اخضاع الفقه للتصوف كتب الشيخ محمود السبكي اولي مؤلفاته : اغلب المسالك المحمودية في التصوف والاحكام الفقهية .في اربعة اجزاء .ولكن في 1926 اتخذت مؤلفاته طابعا جديدا تحت شعار الدفاع عن السنة ،وبالطريقة الوهابية اخذ يهاجم التصوف تحت هذا الشعار ،وفي هذا الاتجاه الجديد كتب 26 كتابا الي ان مات سنة 1931 وعلي طريقه سار ابنه امين السبكي فقد كتب في الدعوة الوهابية تسعة من الكتب وتوفي سنة 1968 ،وهكذا .

وبالنفوذ السعودي الذي ارساه رشيد رضا انتشرت مساجد الجمعية الشرعية ،وهي الان اضخم جمعية في مصر ،تسيطر على اكثر من الفي مسجد والوف الائمة الوعاظ ،وملايين الاتباع ،وكانت ولا تزال الاحتياط الاستراتيجي للاخوان المسلمين ، وهم – أي الجمعية الشرعية والاخوان المسلمون-هم مادة الفكر السلفي وحركته في المجتمع المصري

  1. جمعية انصار السنة في نفس العام 1926 اقامها الشيخ حامد الفقي احد الازهريين ،وقد انشأ له عبد العزيز آل سعود منزلا في حي عابدين كان مقرا للدعوة الوهابية ،وتخصصت هذه الجمعية في نشر الفكر الوهابي ومؤلفات ابن تيمية وابن القيم ،كما انشأ مجلة الهدي النبوي سنة1936 ولا تزال تصدر .
  2. جمعية الشبان المسلمين :أنشئت سنة 1927 بتخطيط محب الدين الخطيب رفيق الشيخ رشيد رضا الشامي في الدعوة السلفية ،وتولي رئاستها د.عبد الحميد سعيد ،والاتجاه الحركي يغلب علي هذه الجمعية وانتشرت وسط الشباب ،وكان حسن البنا هو اهم الشباب فيها ،ومع انه انشا الاخوان المسلمين علي غرار جماعة الاخوان التي انشأها عبد العزيز آل سعود،الا ان حسن البنا كان دائم التردد علي جمعية الشبان المسلمين ،وقد قتل امام ابوابها سنة 1948.
  3. جماعة الاخوان المسلمين :سنة 1928 وهي الاتجاه الحركي السياسي المسلح ،وكان انشاؤها بعناية رشيد رضا وتوجيهاته . ورشيد رضا هو الذي قام بتقديم الشاب حسن البنا الي اعيان السعودية واعمدة الدعوة الوهابية،ومنهم حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز ،ومحمد نصيف اشهر اعيان جدة ،وابنه عبد الله نصيف هو الذي يتزعم رابطة العالم الاسلامي ،والتي يتغلغل من خلالها النفوذ السعودي الى العالم الاسلامي حتي اليوم ،وهي التي لعبت دورا في تجنيد الشبان للذهاب الي افغانستان وتدريبهم هناك .

ونعود الي الشيخ رشيد رضا وجهوده خارج نطاق الجمعيات لنلمح الي تأسيسه مدرسة الدعوة والارشاد لتخريج الدعاة في جزيرة الروضة سنة 1912 وكانت تجاوره مؤسسة الزهراء للسلفي الشامي محب الدين الخطيب في نفس المنطقة ،كما كانت مجلته (المنار)ذائعة الصيت متخصصة في الدعوة الوهابية والسعودية ،هذا بالإضافة الي مؤلفاته المتخصصة (كالخلافة والسنة والشيعة ) ،وفيها يدعو الي الخلافة الاسلامية، ويري في ابن سعود المؤهل الوحيد للخلافة .وعن طريق مطبعة المنار نشر رشيد رضا الكثير من مؤلفات ابن حنبل وابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب ،وتوفي رشيد رضا بعد ان قام بتوديع الامير سعود ولي العهد في ميناء السويس سنة 1935 وترك الراية يحملها وراءه تلميذه حسن البنا مؤسس الاخوان . .( د. محمد أبو الإسعاد: السعودية والإخوان المسلمون: نشر مركز الدراسات والمعلومات القانونية: 27، 41.) 

     والشيخ حسن البنا اعترف في مذكراته(الدعوة والداعية) بصلته بالشيخ حافظ وهبة والدوائر السعودية، والاستاذ جمال البنا شقيق حسن البنا يعترف بتلك الصلة بين شقيقه الاكبر ووالده والسلطات السعودية ،في كتابه (خطابات حسن البنا الشاب الي ابيه )والدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته عن السياسة المصرية يشير الي معرفته بالشاب حسن البنا في موسم الحج سنة 1936 ،وكيف ان حسن البنا كان وثيق الصلة بالسعودية ويتلقي منها المعونة، وكان البنا يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة، ولذلك فان الانشقاقات عن الاخوان ارتبطت باتهام الشيخ حسن البنا بالتلاعب المالي واخفاء مصادر تمويل الجماعة عن الاعضاء الكبار في مجلس الارشاد (جمال البنا: خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه: 62، دار الفكر الإسلامى.د. محمد أبو الأسعاد: السعودية الإخوان المسلمون 67: 79.)

    وعن طريق الدعم السعودى استطاع البنا، وهو المدرس الإلزامى البسيط، أن ينشئ خمسين ألف شعبة للإخوان فى العمران المصرى من الإسكندرية إلى أسوان، واستطاع ألى جانب ذلك أن ينشئ التنظيم الدولى للإخوان عن طريق الفضيل الورتلانى الجزائرى المساعد الغامض لحسن البنا، وهو الذى فجر ثورة الميثاق فى اليمن لقلب الموازين فيها لصالح السعودية، وقد نجحت الثورة فى قتل الإمام يحيى، ولكن سرعان ما فشلت وتنصلت منها السعودية، ورفضت استقبال الفضيل الورتلانى بعد هربه من اليمن وظل الورتلانى فى سفينة فى البحر ترفض الموانئ العربية استقباله كراهية لدوره فى اليمن، إلى أن استطاع بعض الإخوان تهريبه فى أحد موانى لبنان، وانتقل منها إلى تركيا، ثم ظهر بعد ذلك كالرجل الثانى فى قائمة جبهة التحرير الجزائرية حين توقيع ميثاقها فى القاهرة سنة 1955 وكان بن بيلا فى ذيل القائمة. واكتشفت الحكومة المصرية بعد ما حدث فى ثورة اليمن سنة 1948 خطورة حسن البنا وتنظيمه السرى وكيف استطاع حسن البنا إجراء ثورة فى اليمن بالريموت كنترول. ولذلك كان التخلص من حسن البنا سياسياً بكشف أسرار التنظيم وما جرى إبان ذلك من حوادث عنف متبادلة.

ومعروف بعدها موقف الإخوان من تعضيد الثورة والخلاف بينهم وبين عبد الناصر، وتحالف السادات مع الإخوان، وعودة التيار الدينى السياسى للسيطرة على أجهزة الدولة فى التعليم والثقافة والإعلام مع عصر الثورة النفطية، ثم خلافهم مع السادات، وقتلهم له، واستمرار سيطرتهم فى عصر مبارك الذى آثر مطاردة الإرهاب المسلح مع التصالح مع الفكر السلفى الذى أصبح يقدم نفسه على أنه الإسلام. ..[ د.احمد  صبحي منصور :التدين المصري والتدين النجدي: 28:26.منشور في (الانسان والتطور العدد 61/ابريل مايو ويونية /1998.)].

اذا استعاض عبد العزيز آل سعود عن الاخوان البدو المشاكسين بإخوان اخرين مصريين يدينون له بالولاء ويعملون في نشر الايدولوجية الوهابية في اكبر عمق عربي واسلامي يلاصقه ،وينتظر منهم ان ينشروا هذه الدعوة الي افاق ارحب في العالم العربي –وهذا ما حدث –وينتظر منهم ايضا ان يحولوا دعوتهم الدينية الي حركة سياسية في المستقبل –وهذا ما حدث –وربما ينجحون في الوصول الي الحكم ،وبذلك تعود الدولة الاسلامية الاولي ليحكمها آل سعود بدون الفتح العسكري الذي تمنعه الدول الكبري

ومع المنهج الوهابي انطلق به الي آفاق ارحب ،حين ركز علي مصر فانطلق به الاخوان المسلمون المصريون من خلال سيطرتهم على الأزهر ومناهجه الدينية الي العالم العربي والاسلامي ،وتحول التدين المصري من التصوف الي الوهابية علي مهل خلال النصف الثاني من القرن العشرين ،خصوصا بعد أن سقطت الأيدولوجية القومية والأيدولوجية اليسارية .

باختصار صدر عبد العزيز مشكلته في المنهج الايدولوجي الوهابي الي مصر في نفس الوقت الذي قام فيه بتحجيم دور الفقهاء السعوديين مع الانفتاح علي الغرب ،وجاء البترول وعوائده الضخمة فانشغلت مملكته باستهلاك المنتجات الغربية التي لم تعد رجسا من عمل الشيطان ،بينما تسلل الفكر الوهابي الي مصر المنفتحة بطبيعتها علي الغرب ،فاصبح للفقهاء السعوديين مجال مصري وعربي اوسع يسمع لهم خارج المملكة ،واستعاضوا به عما كان لهم من نفوذ سابق داخل المملكة ،وظهر اثر ذلك التطرف والتعصب والتزمت الوهابي خارج السعودية منذ السبعينات من القرن العشرين ،حين اخذ الاخوان الجدد ( الاخوان المسلمون المصريون ) يكررون-بعد نصف قرن- ما كان يفعله اخوان نجد من قبائل مطير وعتيبة والعجمان…

رحلة داخل عقل الاخوان المسلمين

عن طريق مصر انتقلت الوهابية والنفوذ السعودى إلى شمال أفريقيا غرباً وإلى الشام واليمن والهند شرقا، ولا ينبغى هنا نسيان دور الحج بطبيعة الحال، وعزز من هذا الانتشار أن حجة الوهابيين قوية وحقيقية فى الهجوم على عبادة الأنصاب والقبور، وأن منهجهم يعتمد أساساً على الأحاديث المنسوبة للنبى عليه السلام، وأنه يقوم على عموميات لا يختلف عليها اثنان مثل صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان وإخلاص العقيدة لله تعالى.

    وبانتقال الدعوة الوهابية إلى مصر وإجهاضها المشروع الإصلاحى التنويرى لمحمد عبده فقد تم قطع خط الرجعة على الدعوة، بحيث كان عليها أن تسير فى اتجاه واحد يمحو الاتجاه القديم للإصلاح والتنوير وبدلا منه يقوم بتجميع المسلمين نحو هدف واحد هو الحكم الاسلامى – فى الظاهر – والوهابى فى الواقع. وبدأ حسن البنا فى رفع لواء التجميع لكل المسلمين من صوفية وسنيين وقال كلمته المشهورة "هى رسالة سلفية وطرق سنية صوفية" وإذا كان مستحيلاً الجمع بين عقائد السنة والصوفية فإن البنا خرج من هذا المأزق بتأجيل البحث فى الخلافات على أساس تربية القيادات على المنهج السنى الوهابى وأثناء ذلك تظل الرايات مرفوعة عن شمولية الدعوة لكل الطوائف فى اتجاه هدف واحد هو الحكم بطبيعة الحال.

    ومن طبيعة الحركات الدينية السياسية التقية، وأهم وسائل التقية رفع الشعارات المقدسة، فكذلك فعلت الدعوة الدينية السياسية التى تمخضت عن قيام الدولة العباسية، إذ كان شعارها "الرضى من آل محمد" وكذلك فعل ويفعل الإخوان حين يرفعون شعارات سياسية مقدسة مثل "القرآن دستورنا والرسول زعيمنا" ومثل "تطبيق الشريعة" ثم "الإسلام هو الحل" وبعد هذه الشعارات التى لا خلاف عليها ليس لديهم اجتهاد فقهى يناسب العصر وليس لديهم منهج فكرى للحكم أو برنامج سياسى لعلاج المشاكل السياسية والاجتماعية لأنهم طالما أجهضوا حركة الاجتهاد الفكرى والإصلاح الدينى فى سبيل الوصول للحكم فلم يعد أمامهم إلا استرجاع الفقه التراثى ومحاولة إخضاع العصر لمقولاته، بينما ينبغى أن يكون العكس هو الصحيح،أى الاجتهاد الفقهى لمقتضيات العصر بمثل ما اجتهد الفقهاء السابقون لعصرهم. ولو كانت تلك الحركة الدينية السياسية مصرية فى جذورها لأثمرت اجتهاداً فقهياً يناسب العصر حتى مع تركيزها على الثورة والهدف السياسى، فتلك هى الطبيعة المصرية التى ترغم بعض العناصر فى الأزهر على الإتيان بجديد، مع كون الأزهر أعرق مدرسة فى الجمود العقلى.

    ولكن لأن جذور تلك الحركة ترجع إلى نجد فإنه ليس أمامها إلا اتباع الفقه الحنبلى التيمى الذى لم يجد ابن عبد الوهاب غيره أقرب إلى منهجه وإلى طبيعته المتشددة . صحيح أن هناك بعض التعديلات بين السطور كالذى نراه لدى محمد الغزالى والقرضاوى والشعراوى، ولكن هذه التعديلات القشرية لا تصل إلى المنهج الفكرى نفسه. والمنهج الفكرى للدعوة السلفية وحركتها السياسية هو تحويل الفكر إلى دين عن طريق التأويل، وهذه هى أولى الملامح الفكرية للحركة السلفية بالإضافة إلى الملمح الآخر وهو الثورية العنيفة الدموية. وبذلك يمكن أن نوجز ملامح تلك الحركة فى كلمتين، إنها "حركة ثورية معصومة" أو هكذا يعتقدون. ونتوقف قليلاً مع التأويل الذى جعل الحركة معصومة وجعل إطارها الفكرى ديناً يعاقب من يخرج عليه أو يناقشه بالقتل.

    وهذا هو التراث الحنبلى الذى تحمله الدعوة الوهابية، ويضاف إليه تراث ابن تيمية الفقهى والحركى فى الهجوم على خصومه من الصوفية والشيعة، مع أنهم كانوا فى عهده أصحاب سطوة ونفوذ، خصوصاً الصوفية. ومع ذلك فإن عنف ابن تيمية تجلى فى فتاويه التى تبيح قتل الزنديق بدون محاكمة، والزنديق ليس هو المرتد ولكنه المسلم الذى يؤمن بالله ورسوله والكتاب والسنة ولكنه يخالف المذهب السلفى فى بعض آرائه. وقد نقل هذه الآراء فقهاء الاخوان المسلمين المشهورين بالاعتدال مثل أبى بكر الجزائرى فى السعودية وسيد سابق فى مصر. (ابو بكر الجزائرى: منهاج المسلم 537،سيد سابق: فقه السنة 2، 391.) وعليه فكل من أنكر أو ناقش مقولة سلفية أو شعاراً أساسياً للاخوان المسلمين مثل تطبيق الشريعة أو الشعار الغامض "المعلوم من الدين بالضرورة" فجزاؤه القتل بدون محاكمة وبدون استتابة عندهم. والتفاصيل فى كتابنا: ( حد الردة: دراسة أصولية تاريخية ) ، وبالتالى فإن الحديث عن تداول السلطة إذا وصلوا للحكم ليس له محل من الإعراب.

    ان نفى الآخر ( المسلم غير الاخوانى وغير الوهابى ) يأتى ضمنيا فىتسمية أنفسهم بالاخوان المسلمين، فمن عداهم وليس منهم لا يكون عندهم من المسلمين ، وقد جعلوا أنفسهم ( اسلاميين ) وتجاهلوا نسبتهم للوهابية ، وبذلك فالمسلم المخالف لهم هو زنديق وليس اسلاميا. والمشكلة ان العصر يوافقهم على كونهم ( اسلاميين ) فيظلم الاسلام ويظلم الحقيقة أيضا. ولو أنصف المعاصرون لوصفوهم بوصفهم الحقيقى وهو أنهم وهابيون ، وأنهم ضد الاسلام فى فكرهم وسلوكهم وفى خلط الدين بالسياسة وفى استغلال الاسلام مطية لوصولهم للحكم، وفى تآمرهم ونفاقهم.

    وحتى فى عملهم السياسى فهم يمارسون أردأ انواع السياسة التى لا تتورع عن التآمر على الخصم والحليف معا ، ويصل التآمر الى القتل ، وقد قتلوا كل من قدروا على قتله ممن تعاون معهم ، ونآمروا على كل أحسن اليهم. تآمر الاخوان على الدولةالسعودية نفسها. استضافت السعودية الاخوان بعد أن انقلب عليهم عبد الناصر، فوفرت لهم المأوى والعمل داخل المملكة وخارجها شريطة ألا يمارسوا العمل السرى داخل المملكة ـ طبقا لسياسة عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية. ولكن مالبث الاخوان أن أقاموا لهم بدعوى التثقيف حركة معارضة قوية للسلطة السعودية من بين أبناء الممللكة السعودية، وقد عبرت هذه الحركة عن نفسها بعد حرب الخليج ، وقابلتها السلطات السعودية بالعنف فهرب بعض زعمائها للخارج ومنهم المسعرى والفقيه، ومن رحم تلك المعارضة السعودية خرج أسامة بن لادن أكبر ارهابى فى هذا العصر.

    ضحايا الاخوان من السياسيين بدأ بأحمد ماهر والنقراشى ، ولم ينته بالسادات وأحمد شاه مسعود والملك يحيى فى اليمن. ومؤامراتهم الفاشلة ضمت كثيرين من الملوك والرؤساء ، من حسنى مبارك وأعمدة دولته ، وحتى الأمير عبد الله ـ ملك السعودية الآن، حيث تآمر على قتله الدكتور عبد الرحمن العمودى ، واحد من أكبر عملاء السعودية فى أمريكا ، ولكنه فى الخفاء تآمر على اغتيال عبد الله باتفاق مع معمر القذافى ، ويقضى الآن العمودى عقوبة السجن مدى الحياة فى أمريكا.

وهل ننسر الراحل فرج فودة الذى واجههم بالقلم فأسكتوه بالمدفع الرشاش ؟؟!!

ضحايا الاخوان المسلمين من الأقباط والمصريين والسياح يصل الى الآلاف . صحيح ان من يقوم بالقتل هم من جماعات مختلفة من الجهاد الى الجماعة الاسلامية وغيرها، الا انه توزيع أدوار أرساه حسن البنا الذى جعل له جهازا سريا للاغتيال ، وكان يسارع بالتبرؤ من الجناة اذا اكتشف أمرهم.فالاخوان يمثلون واجهة الاعتدال بينما يمثل الشباب الارهابى العصا التى تخيف النظام وتحمى بطريق غير مباشر شسوخ الحركة من الاعتقال أو أن يغتالهم النظام. وتلك الجماعات مع وجود اختلاف ظاهرى بينها الا انه لا يصل الى العقائد والأهداف ، فقد خرجت تلك الجماعات من عباءة الاخوان ، ونشأوا على تربيتها. والخلاف طبيعى داخل تلك النوعية من الحركات ، وقد اختلف الأخوان النجديون مع سيدهم ومنشىء حركتهم عبد العزيز وحاربوه . وتلك الجماعات بشبابها وعملياتها الارهابية تؤدى دورا محسوبا بدقة فى حركة الاخوان السياسية فى اللعب مع النظام فىالداخل والقوى السياسية الأخرى فى الخارج.

لو جاءت الانتخابات بعرش السلطة للاخوان اليوم ما رضوا به. معنى وصولهم بالديمقراطية للحكم انهم سيكونون عرضة للمساءلة الديمقراطية ، وهذا يوقعهم فى مأزق حاد لا يستطيعون معه الا الفشل ، فليسوا مؤهلين للحكم والمساءلة ، وليست لديهم حلول للمشاكل ، بل مجرد شعارات براقة دون مضمون واقعى أو خطة علمية عملية للاصلاح.بل هم ضد  الاصلاح أساسا. لذا يركز الاخوان على التربية لاعداد المجتمع للايمان بالحاكمية التى تعنى البيعة للحاكم بالسمع والطاعة المطلقة ، حتى يحكم باسم الله تعالى دون أن يكون مسئولا أمام (الرعية ) بل فقط أمام الله تعالى يوم القيامة. وهذه هى أسوأ أنواع الديكتاتورية.

يحتاج الاخوان الى حوالى عشرة سنوات ليصلوا بالشعب المصرى الى هذه الحالة من الغيبوبة العقلية حتى يركع لهم طائعا ليركبوا ظهره باسم الحاكمية.

عندها قل على الديمقراطية وحقوق الانسان والأقباط .. ومصر  .. السلام.

السؤال الأخير : الى متى ننتظر؟

المفجع أن الزمن يعمل لصالحهم طالما نظل ساكتين متفرقين .. 

الملحق الاول: الاخوان واهل القرآن

1 ـ الاخوان واهل القرآن

ـ فى البداية فان تحديد الاخوان المسلمين فى كل ما أكتب هو الثقافة وليس الأشخاص. ليس بينى وبينهم كأشخاص أى مشكلة ، المشكلة هى مع فكرهم الوهابى المناقض للاسلام والذى يستخدمونه للوصول للحكم فيظلمون الله تعالى ورسوله ودينه قبل أن يظلموا المسلمين وغير المسلمين. ليس ما أكتبه حكما مسبقا على النيات حين أقول ان حكم الاخوان المسلمين الآتى هو "أسفل السافلين " الذى سنترحم فيه على الحضيض ـ وهو حكم مبارك البوليسى الاستبدادى .  
اننى أقرر هذه الحقيقة بناء على التخصص العلمى فى تاريخ الاخوان وعقلياتهم وانتمائهم الفكرى والفقهى ، وبناء على ما عانيته منهم ومن أتباعهم منذ 1977 وحتى الآن. انها شهادة على العصر يؤكدها أشخاص لا يزال بعضهم على قيد الحياة ، كما تؤكدها وثائق وأحداث وقعت ولا تزال تقع . اضطهاد مستمر ودعوات للقتل واستعداء للنظام ضدى وتلفيق للاتهامات وتأليف لأكاذيب وافتراءات تدمر السمعة الدينية والوطنية بالتكفير والتخوين والتحقير. انه الاغتيال المعنوى للشخصية الذى يمهدون به للتصفية الجسدية كما حدث مع صديقى الراحل فرج فودة . الاغتيال المعنوىيأخذ طابع الاستمرارية والالحاح على القارىء بالاصرار على تكرار الكذب وترديد نفس البهتان دون ملل أو خجل مهما تم الرد وظهر الحق، الى أن يتم الاغتيال المادى. بعده لا يسكتون وانما يستمرون فى تشويه الضحية ولعنه وأكل لحمه ميتا ليكون مستحقا لما فعلوه به وليكون عبرة لغيره . اذا خاف وتراجع فى منتصف الطريق ـ كما حدث لبعض الأصدقاء ـ لم يغفروا ولم يصفحوا عنه ، بل تظل محاكمته قائمة لا يرفعها الندم ولا تخففها التوبة. فاذا كان الله تعالى يغفر فهم لا يغفرون ، واذا كان الله تعالى يصفح فهم لا يصفحون ، واذا كان جل وعلا قد وسعت رحمته كل شىء فان ظلمهم قد شمل كل شىء ، ظلموا رب العزة حين زعموا أنه اختارهم من دون العالمين ليحكموا الناس باسمه وليمثلوا دوره فى التحكم فى البشر ، وظلموا البشر بالتعالى عليهم واعتبار أنفسهم المؤهلين وحدهم للتحكم فى الناس ومن عارضهم فمصيره القتل فى الدنيا والجحيم فى الآخرة. وهكذا فانه اذا كان محمد عليه السلام ـ خاتم النبيين ـ ليس له من الأمر شىء كما جاء فى القرآن الكريم فان أولئك زعموا لأنفسهم كل شىء بالتحكم فى الدنيا وفى الآخرة معا. هذه الثقافة الدينية الاجرامية هى التى تحول من يقتنعها الى شيطان مريد مهما تخفى خلف كلام معسول وابتسامة ساحرة وعمامة ولحية . ان الشيطان يحلو له دائما أن يتخفى خلف كثير من العمائم واللحى ،فاذا اشتقت اليه فانظر الى بعض العمائم واللحى وابتعد عنهم مستعيذا بالله العزيز العليم من الشيطان الرجيم.  
2 ـ أتذكر بكل أسى ما فعلوه مع الراحل فرج فودة . أعاشوه فى خطابات وتليفونات لا تنقطع من الشتائم والتهديدات فأرعبوا أولاده وأصابوا السيدة زوجته بمرض نفسى عاشت معظم وقتها فى المستشفى من الهلع ، واختطفوا ولده الثانى وكان فى الرابعة عشر من عمره ، وأطلقوا سراحه بعد ضرب مبرح ، ولولا همة البحث البوليسى وخوف القبض عليهم ومعرفة المتورطين فى الخطف والتعذيب لصبى برىء ما أطلقوا سراحه. هذا هو الجانب الخفى الذى شهدته فى صحبتى لفرج فودة ، والذى أبت كرامته الشخصية الحديث عنه أوالشكوى منه . يرتبط بذلك أزماته المالية المستمرة بعد أن حاربوه فى رزقه ـ كمستشار اقتصادى ـ فى الوقت الذى يؤلفون فيه الروايات المفتراة عن الملايين التى تصل اليه من الغرب . كان فى سعة من الرزق قبل أن ينغمس فى العمل السياسى والفكرى، كان له مكتب وسيارة وعملاء كثيرون لا ينقطع توافدهم على مكتبه. فلما أصدر كتابه " قبل السقوط " بدأت ضده الحرب الضروس فهرب عملاؤه وأقفر مكتبه الا من زوار الفكر والفقر من أمثالى ، نجلس سويا نحكى همومنا ونحلم بمستقبل افضل لمصر. رشح نفسه عن دائرة شبرا وفيها تجمع كبير من الأقباط ، كان يحمل همومهم يريد أن يصل بها الى مجلس الشعب، وكمسلم كان يريد أن يعبر عن كل المصريين جميعا.كان واضحا تفوقه واكتساحه الجميع بما فيهم مرشح الحزب الوطنى. أسقطه الاخوان المسلمون بطريقتهم الشيطانية: قبل الانتخابات بيومين امتلأت شوارع شبرا عن آخرها بمنشور يزعم أنه يعرض لمؤلفات فرج فودة. ويفترى أنه فى كتابه كذا قال كذا فى الطعن فى القرآن ، وفى سب النبى محمد عليه السلام قال كذا ، وفى الاستهزاء بالصحابة قال كذا .. الخ. يذكر الكلام كأنه نصوص منقولة من كتب فرج فودة. فوجىء فرج بهذه الأكاذيب السامة التى لم تخطر على باله ، تحرك بسرعة يعقد الندوات حاملا كتبه يثبت أنه لم يذكر أى حرف من ذلك ذلك الافك المنسوب اليه ، ولكن كان السهم قد نفذ، ولأننا شعب الثقافة السمعية فقد تناقل الجميع كل ما جاء به البيان كحقائق مؤكدة خصوصا مع الهجوم المستمر عليه من خطباء المساجد الذين روجوا لهذا الافتراء يتهمون فرج بالكفر وعداء الاسلام والطعن فى الله تعالى ورسوله والعمالة للغرب ، فرسب فرج فى الانتخابات بتلك الحيلة التى تعبر عن"الافتراء" وهو أهم سلاح (شرعى) للاخوان.  
مع أزماته المالية ـ التى كانت أحيانا تعوقه عن اصلاح سيارته المتهالكة ـ الا أنه كان كريما سخيا. مرت على ّ أوقات غاية فى الفقر فكتبت مقالا ساخرا بعنوان " فان مع العسر يسرا" أمتدح فيها صديقى الدائم طبق الفول وأتحسر على زمن اللحم الذى ولى ولم يعد. كنت أنشر مقالا اسبوعيا فى الأحرار بفضل توسط فرج فودة وعلاقته بوحيد غازى رئيس تحرير الأحرار وقتها مقابل مائة جنيه كانت تشكل بندا أساسيا فى قوام معاشى. وقتها كان ينشر فيه الأخوان المسلمون وأعوانهم ـ ولا يزالون ـ أكاذيب ضخمة عن ملايين تأتى لى من اعداء الاسلام!!. بعد نشر مقالى المشار اليه فوجئت بفرج فودة ـ يرحمه الله تعالى ـ يستدعينى على عجل من تليفون البقال ـ وكان أقرب تليفون لبيتى حيث لم يكن لدى المقدرة وقتها على ادخال تليفون فى بيتى ـ ويطلب منى أن ألقاه على عجل. قابلته فى مكتبه ألهث لمعرفة السبب فى هذا الاستدعاء العاجل ، طمأننى واصطحبنى الى مطعم كباب وأقسم بكل عظيم أن أقبل دعوته على الغذاء مع ان موعد الغذاء لم يكن قد حل بعد. لم يتركنى أتساءل عن السبب اذ شغلنى بمشكلة فقهية أثناء الطعام زعم أنها تؤرقه وهى السبب فى دعوتى.استيقظت لنفسى بعدها وأنا فى بيتى وقد عرفت السبب فجأة أذ كان يومها الاثنين وكانت الأحرار قد نشرت مقالى اياه بعد كتابته وارساله بشهر سابق ونسيت أمره ، فلما نشرته الأحراروقرأه فرج فودة بادر بهذا التصرف النبيل .  
هو نفسه فرج فودة الذى دافع عنى وأنا فى سجن طرة دون معرفة سابقة بيننا فى مقاله:"أحمدك يا رب " المنشورفى " ألاهالى "، وكان موقفه النبيل منى أساس صداقتنا فيما بعده ، ولقد حكى هذا فى كتابه " نكون أو لا نكون" ، وحكيت نفس الحادثة فى نقابة الصحفيين فى أول مناسبة لتأبينه بعد اغتياله. وأحكيها هنا أيضا للتحذير من عصر أسفل السافلين القادم ان لم نتكاتف لانقاذ مصرنا ومصيرنا ومصير أولادنا. 
3 ـ منذ بداية الثمانينيات بدأ الفكر الوهابى يسيطر على جامعة الأزهر ، بعد انحسار الوصاية الصوفية عنه. كان لى الفضل فى مواجهة الفكر الصوفى وقهره خلال رسالتى للدكتوراة وصراعى مع النفوذ الصوفى فى الأزهر بسببها فيما بين 1977 الى 1980، ثم فى كتبى اللاحقة 1982 ـ 1984 ، وكنت سنيا معتدلا وقتها أطمح الى اصلاح الفكر السنى أسوة بما فعلته فى التصوف. واندلعت الحرب بينى وبين شيوخ الأزهر السنيين سنة 1985 حين أحالتنى جامعة الأزهر للتحقيق بعد تأليفى خمسة كتب للترقية لأستاذ مساعد وقمت بتدريسها للطلبة ، كان أهمها كتاب :"الأنبياء فى القرآن الكريم ".لم تكن تهمة "انكار السنة " قد جالت بخاطرهم بعد . لذا اتهمونى بانكار شفاعة النبى محمد عليه السلام وانكارعصمته المطلقة وانكار تفضيله على الانبياء السابقين عليهم السلام. وطلب مجلس التأديب الذى أحالونى اليه تقريرا عن كتبى من بعض الأساتذة ومن الأمين العام لمجمع البحوث الاسلامية وقتها وكان الشيخ عبد الجليل شلبى. جاء تقرير عبد الجليل شلبى أكثرها رفقا بى اذ اختلف معى فكريا الا انه أشاد بمشاعرى الاسلامية واجتهادى وشدد على عدم الاضرار بى وبسمعتى ومعالجة الأمر بهدوء داخل الجامعة.  
طبقا لقرارتهم جلست فى بيتى عامين محروما من الترقية لاستاذ مساعد ومن السفر للخارج ومن العمل داخل الجامعة، بل صادروا معظم مستحقاتى المالية السابقة واللاحقة حتى اتراجع عن عقيدتى فلم أرضخ. أحس بمشكلتى صديق فاضل يعمل رئيسا لقسم التاريخ وقتها فى جامعة المنصورة فجعل رئيس جامعة المنصورة يخاطب جامعة الأزهر للموافقة على نقلى الى قسم التاريخ هناك حلا للمشكلة، فأرسلوا اليه انذارا يأمره بالابتعاد عنى، وعزز الأمر بتأييد من مباحث أمن الدوله فاضطر عميد القسم ورئيس الجامعة فى المنصورة للانسحاب خوفا. 
لأنه كان هينا فى تقريره ضدى فقدعوقب الشيخ عبد الجليل شلبى بعدم التجديد له فى مجمع البحوث بينما تمت ترقية الشيخ سيد طنطاوى رئيس اللجنة التى كانت تحاكمنى فأصبح مفتى مصر لموقفه المتشدد معى. خلال العامين قدمت استقالتى فرفضوها فرفعت ضدهم دعوى لارغامهم على قبول استقالتى فاضطروا الى اصدار عزلى من الجامعة.  
أعطواالفرصة للشيخ عبد الجليل شلبى ليكفر عن خطئه فاسندوا له وظيفة جديدة هى كتابة العمود اليومى "قرآن وسنة" فى الجمهورية بعد موت الشيخ محمد سعاد جلال. قام الشيخ عبد الجليل بالهجوم على شخصى يتهمنى بكل ما يسىء لدينى وشرفى وخلقى وعلمى. نسى الشيخ ـ وكان وقتها يقترب من الثمانين من عمره ـ ما كان أوصى به زملاءه الشيوخ من عدم الاضرار بى ومعالجة الأمر بهدوء بعيدا عن الصحافة ، فكان هو الذى استمر فى الهجوم الصحفى علىّ بطريقة كانت لا تخلو أحيانا من سفاهة ، كأن يقول عنى اننى أتهمت النبى محمدا فقلت " ووجدك ضالا فهدى" ناسيا أنها آية قرآنية. الا أنه كان يلح دائما على اتهامى بتلقى الملايين من الخارج لأخرب الاسلام ، حتى يفلت من مناقشة آرائى القرآنية. 
بعد تركى الجامعة فى مارس 1987خططوا للقبض علىّ وعلى أخوانى القرآنيين بتهمة جديدة هى انكار السنة، فتوالت مقالات الشيخ شلبى فى عموده اليومى "قرآن وسنة " تتهمنى بتلقى الملايين من الخارج فى الوقت الذى كنت عاجزا فيه عن شراء ملابس العيد لأولادى. ان انسى لا أنسى أن كنت يوما بصحبة ابنى الأكبر محمد نسير فى شوارع العتبة وأسواقها التجارية. كان محمد قد ازداد طولا ويرتدى الملابس القديمة التى تقاصرت عليه ، وكانت آخر ملابس اشتريها له منذ تركت الجامعة. طافت بى عواصف الأسى وتساءلت فى نفسى : ما ذنب أولادى فى الذى يجرى لى ؟ وهل عليهم دفع الثمن لمجرد انهم ابنائى ؟ وأين خصومى وافتراءاتهم لينظروا حالنا؟ أقول هذا الآن لأحمد الله سبحانه وتعالى وأنا أرى أولادى قرة عين لى ولعائلتى برجولتهم وثقافتهم بما تعلموه معى من الصبر على الشدائد !! كنت قد خرجت من الجامعة محالا على المعاش وأنا فى الثامنة والثلاثين من عمرى بعد عمل فى جامعة الأزهر استمر خمسة عشر عاما فقط استحققت عليه معاشا شهريا لم يبلغ فى سنته الأولى 86 جنيها لا تكفى نفقة اسبوع ، بينما ينعم الشيوخ الأفاضل حتى بعد السبعين من أعمارهم بمعاشات ومكافآت بكل العملات الصعبة والسهلة من الوظائف المختلفة فى اللجان الشرعية فى البنوك الاسلامية و الجمعيات المختلفة الحكومية والشعبية والرسمية وشبه الرسمية.  
ليلة القبض على كنت أكتب الجزء الثانى من موسوعة لم أتمها كانت بعنوان " شريعة الله وشريعة البشر " اناقش فيها التناقض بين سريعة القرآن والفقه السنى. الجنود البواسل الذين قبضوا على صادروا كل ما كتبته فى تلك الموسوعة وما أعددته من مادة علمية كما صادروة حوالى الف نسخة من آخر كتاب لى طبعته على حسابى وبمعونة أصدقائى ، وهو " المسلم العاصى ". تركونى أصلى ركعتين وأودع زوجتى وأولادى وأترك معهم اربعين جنيها محتفظا لنفسى بكل ما تبقى لدى من مال وكان ثمانين جنيها ، وخرجت معهم الى المجهول. 
فى سجن طرة كنت انظر فى حسرة الى الثمانين جنيها مؤنبا نفسى لماذا لم أتركهم لأولادى وهم وحدهم فى تلك المحنة.لا أنسى أننى فى موقف ضعف بينى وبين نفسى اجتاحنى الغم والوساوس تأكلنى حول حال أولادى وكيف يعيشون بالقليل الذى تركت معهم وأتهم نفسى بالأنانية . سمعت صوتا ينادينى وكان أحد المساجين يقرأ فى الجمهورية يقول لى مبتسما أن الشيخ عبد الجليل شلبى يتحدث عنك هما. أعطانى " الجمهورية " لأقرأ فيها مقال الشيخ يتشفى فى سجنى ويتحدث عن الملايين التى تأتينى وكيف أنها ما أغنت عنى شيئا. لأول مرة فى تجربة السجن تلك غلبتنى دموعى من القهر ونظرت الى السماء أطلب المزيد من الصبر. لم يكن اهلى قد عرفوا بعد اين أخذونى ، وطاف أهلى يبحثون عنى فى أقسام البوليس بينما تطاردهم الصحافة المصرية فى شهامتها المعهودة تهاجمنى وتفترى أكاذيب عنى. كانت الصحف القومية هى المسموح بها فقط فى السجن دون صحف المعارضة. وقد عشت أوقاتا كئيبة وأنا أقرأ ما تكتبه الصحف القومية عنى من افتراء وهجوم دون وازع من ضمير أو شرف أو محاولة لاستطلاع رأى الطرف الآخر المسجون الذى لا حول له ولا قوة. فى هذه الأثناء ظهر فى "الأهالى "مقال فرج فودة " أحمدك يا رب " وكان الوضع قد تحسن اذ عرف أهلى اننى فى طرة ، فجاءوا فى أول زيارة لى ومعهم ما لذ وطاب من الطعام ، تسلمته عبر الأسلاك وسمعتهم يؤكدون على أهمية ورق الجرائد الذى يغلف أوانى الطعام. فتحت أوراق الجرائد فاذا بها "الأهالى " وفيها مقال فرج فودة الذى يدافع عنى بكل قوة ويهاجم مباحث أمن الدولة وتلفيقها تلك التهمة لى قائلا انه يقتنع بنفس الفكر ، وان الامام أبا حنيفة قد قال نفس ما قلته من قبل . نزل مقال " أحمدك يارب " على قلبى بردا وسلاما ، وأكد لى أن فى مصر رجالا مهما تكاثر فيها الأشرار والخصيان والأنذال. وطفقت اقارن بين فرج فودة وعبد الجليل شلبى . الأول كاتب علمانى لا يعرفنى ويندفع للدفاع عنى وكل ما قرأه لى هو الاتهامات الواردة فى الأهرام وغيرها عن كتاباتى وهى كلها دلائل اجتهاد علمى ولكن تحولت فى الزمن الأغبر الى جرائم تستحق السجن . الثانى شيخ جاوز الثمانين قرا كتبى وعرفنى وقال شهادة حق ثم تنكر لها وواصل الهجوم بالأكاذيب لمن لم يسبق له أن اساء اليه ، بل حتى لم يترفق به بعد تركه الجامعة او حين وضعوه فى السجن مظلوما. فارق هائل بين شهامة ونبل فرج فودة وموقف عبد الجليل شلبى الذى أترك تقييمه لحكم القارىء. توالت مقالات الشيخ عبد الجليل شلبى تهاجمنى بنفس الأكاذيب بعد الافراج عنى ، لم يعد الهدف هو القبض على بل دفع الارهابيين لقتلى .  
4 ـ حضيض النظام العسكرى الاستبدادى كان أكثر رحمة بى منهم. ليس فى القانون المصرى عقوبة على الاتهام المنسوب لى وهو" انكار السنة" ولو كانت دولة الاخوان المسلمين لكانت التهمة "حد الردة " وعقوبتها القتل بدون محاكمة كما يرون فى عقوبة " الزنديق " التى قال بها ابن تيمية فى رسائله ، وسيد سابق فى كتابه " فقه السنة" وابو بكر الجزائرى . كل ما فعله الاستبداد العلمانى المصرى هو السجن لمواجهة ضغط سياسى هائل قادته السعودية وأعوانها من الشيوخ الأزهريين السنيين الوهابيين. وبعدها بأكثر من عشر سنوات حين ازداد نفوذ الوهابية فى مصر وازداد ضعف النظام فى مصر وازداد حنقه على ما نفعله بالتعاون مع مركز ابن خلدون فقد قرر معاقبة القرآنيين بتهمة ازدراء الأديان ، وبذلك حكم على بعض الرفاق القدامى بالسجن بضع سنين. 
احقاقا للحق فى شهادتى هذه لابد أن أذكر بعض الايجابيات لبعض ضباط ومسئولى أمن الدولة دون ذكر اسماء. لقد تعاملت معهم متهما يستدعونه للتحقيق وللترويع منذ عام 1986 طبقا لأوامر عليا من الوزير زكى بدر ثم من جاء بعده . ولا زلت أذكر غرفة النشاط الدينى فى لاظوغلى التى دخلتها عشرات المرات فيما بين 1986 الى 1997 ثم بعدها فرع أمن الدولة فى المرج ودار السلام. خلال تلك السنين عايشت ضباطا كبارا أنهوا خدمتهم ، وضباطا صغارا كبروا أمام عينى مثل أطفالى وترقوا من ملارزم أول الى مقدم ، وكنت اسميهم بينى وبين نفسى ساخرا " الظباط بتوعى ". كانت مهمتهم التخفيف من غضب الشيوخ وضغوطهم المستمرة التى تلح على اعتقالى وسجنى لتسهيل إغتيالى فى السجن بعد أن صرت مشهورا ومعروفا ومطلوبا .أفهمنى أولئك الضباط أن إستدعائى هى مجرد أوامر ، وبهدف حمايتى .  
قبل القبض على بأيام قال لى رئيس النشاط الدينى ، وكانت أمامه مذكرة القبض علىّ كما عرفت فيما بعد :"يا دكتور أحمد أنا لا أنام الليل من أجلك ، لماذا لا تقعد فى حالك ولا تخطب فى المساجد". قبلها طلب هو نفسه من الشيوخ عقد مناظرة بيننا فى أى موضوع يختاره الشيوخ ولا يحضره سوى كبار ضباط أمن الدولة لأنهم مقتنعون بأننى مسلم حريص على دينه ولست كافرا كما يقول شيوخ الوهابية. رفض الشيوخ بالطبع. قبلها وفى سنة 1985 طلب رئيس نادى جامعة الأزهرالدكتور عويضة عقد نفس المناظرة بينى وبينهم داخل الجامعة فرفضوا. إنهم لا يجرأون على مواجهتى فى مناظرة، ولا يستريحون إلا بتغييبى فى سجن أو فى قبر.  
هذه هى نظرة الشيوخ الأخوان لكل من يختلف معهم فى الرأى. فهل ستتسع صحراء مصر للقبور الجماعية التى سيقيمها الأخوان المسلمون لكل من يعترض عليهم ؟  
5 ـ فى مواجهة الآخوان وغيرهم من المتطرفين الذين شوهوا الاسلام العظيم سينطلق قريبا موقع (أهل القرآن ) الذى سينقل للقراء كل مؤلفاتى ومنها ( الصلاة بين القرآن والمسلمين ) . وسيكون موقع ( أهل القرآن ) بعونه تعالى بيتا فى فضاء الانترنت لكل المسلمين المستنيرين.  
6 ـ والحمد لله تعالى رب العالمين

الملحق الثانى يسألونك عن الاخوان المسلمين

مقدمة  
1 ـ كل المصريين يعرفون السيد البدوى وابراهيم الدسوقى وأبو الحسن الشاذلى وأبو العباس المرسى .. الخ ، ومعظم المصريين يعتبرونهم أولياء مقدسين.  
الذى لا يعرفه معظم المصريين ان السيد البدوى ورفاقه كانوا فى الحقيقة زعماء لتنظيم سرى لقلب نظام الحكم فى مصر منذ سبعة قرون ، وقد امتد هذا التنظيم من مكة الى العراق والمغرب واتخذ قاعدته فى مصر، واعتمد هذا التنظيم سياسة النفس الطويل فى تربية الاتباع واعداد القادة ، وبعد قرن تقريبا كان البدوى والرفاعى والدسوقى والشاذلى والمرسى هم قادة المرحلة الأخيرة من التنظيم، فلما فشلوا فى قلب نظام الحكم بقوا حتى الآن فى العقيدة لمصرية كبار الأولياء الصوفية المقدسين حسبما كانوا يقدمون أنفسهم للناس.  
الذى لا يعرفه معظم المصريين ان كلا منهم كان له اسمه الحقيقى المختلف عن اسمه الحركى ، وكانت لهم شفرة للاتصالات ، وعندما فشلوا فى اقامة دولتهم انتقموا من الدولة المملوكية القائمة باحراق كل الكنائس المصرية ـ ما عدا الكنيسة المعلقة ـ فى وقت واحد من الاسكندرية الى القاهرة الى اسوان ، وبطريقة واحدة . 
 
2 ـ هذا ما أثبته فى كتابى "السيد البدوى بين الحقيقة والخرافة " الصادر سنة 1982 ، وقد نبهت فى خاتمة الكتاب على التشابه بين حركة الاخوان المسلمين وتلك الحركة التى قامت منذ سبعة قرون وفشلت سياسيا ولكن لا تزال آثارها الدينية قائمة ، ودعوت الى اصلاح الفكر الدينى للمسلمين ومناقشة التراث حتى لا يؤمن به الشباب وتسيل الدماء. كالعادة لم يلتفت أحد لتحذيرى وبعد عشر سنوات تقريبا من صدور الكتاب والضجة التى صاحبته دخلت مصر فى مواجهة بين الارهابيين والأمن لا تزال مستمرة. 
أثناء حركة البدوى كان العالم الاسلامى يرزح تحت حكم عسكرى ويواجه الاستعمار الصليبى ، والمسيحيون ضحية الصراع الدينى المسلم الصليبى. والعرب المسلمون يحلمون بدولة عربية اسلامية قوية بدلا من الحكام المتفرقين . هى نفس الظروف تقريبا التى نعيشها الآن والتى أدت الى نشأة الاخوان المسلمين . حركة السيد البدوى اعتمدت على النفس الطويل فى التربية والاعداد الثقافى والدينى ونشر التنظيمات السرية والعلنية، وكذلك يفعل الاخوان المسلمون الآن.  
هذا التشابه بين الاخوان وحركة البدوى يؤكد أن الاخوان ليسوا مجرد تنظيم سياسى بل هم ثقافة دينية يجرى اعداد المجتمع على مهل للايمان بها وللتضحية فى سبيلها باسم الاسلام وبها يتم تقسيم الوطن والعالم كله الى معسكرين معسكر الاسلام ومعسكر الكفر لتتحول الحرب المحلية الى حرب عالمية بدأنا نحس بها الآن بعد الحادى عشر من سبتمبر .  
3 ـ الكتابات عن الاخوان لا تغوص فى الجذور التاريخية والاصولية. وهذا ما نحول تقديمة فى ايجاز فى هذه المداخلة . 
سأضع الموضوع على شكل سؤال وجواب ليكون أكثر تبسيطا. 
 
1) هل الأخوان المسلمون يمثلون الاسلام ؟  
بالقطع لا. الاسلام دين ، أى نظرية ومبادىء، وأوامر ونواهى تشمل العقائد والسلوكيات. الاخوان المسلمون فى عقائدهم وسلوكياتهم يتناقضون مع دين الاسلام . أبسط تناقضهم مع الاسلام أن القرآن الكريم يؤكد ان من يستغل الدين لمطامع دنيوية فهو عدو لله تعالى . أى أنهم أعداء الله حين يستخدمون الاسلام مطية للوصول للحكم. 
2) هل الاخوان المسلمون يمثلون المسلمين ؟  
بالقطع لا. المسلمون الآن ثلاث طوائف كبرى : سنة وشيعة وصوفية. بالاضافة الى طوائف صغرى كثيرة كالقرآنيين والاباضية والبهائية والمعتزلة. 
ينتمى الاخوان المسلمون الى طائفة السنة، وهى أكثر المسلمين تعصبا. 
3) هل يمثل الاخوان المسلمون كل الطائفة السنية ؟  
بالقطع لا . السنيون أربعة مذاهب مشهورة : الالأحناف ، المالكية ، الشافعية ، ثم الحنابلة.  
الحنابلة هم اشد المذاهب السنية تعصبا. ينتمى الاخوان المسلمون الى المذهب الحنبلى. 
4) هل يمثل الاخوان المسلمون كل الحنابلة السنيين ؟  
لا . الحنابلة مدارس متنوعة . اكثرهم تشددا مدرسة ابن تيمية. وينتمى الاخوان الى مدرسة ابن تيمية. 
5) هل يمثل الاخوان المسلمون مدرسة ابن تيمية ؟ 
لا. مدرسة ابن تيمية فيها تيارات مختلفة، وأشدها تعصبا الوهابية. والدولة السعودية الراهنة التى أنشأها عبد العزيز آل سعود هى التى أنشأت تنظيم الاخوان المسلمين فى مصر على يد الشيخ رشيد رضا وصديقه الشيخ محب الدين الخطيب وتلميذهما المصرى الشاب حسن البنا سنة 1928 . 
6) اذن الاخوان ينتمون الى الوهابية وهى أقلية دينية، فلماذا اكتسبوا كل ذلك النفوذ ؟ 
بسبب الدولة السعودية التى أنشأت حركة الاخوان المسلمين ، وبتعاونهما معا فى ظل ظروف اقليمية ودولية مواتية اقتنع العالم بأنهم الممثلون للاسلام مع التناقض بين ثقافتهم الدينية وبين الاسلام 
7) كيف أنشأ السعوديون الوهابيون حركة الاخوان المسلمين ؟. 
عبد العزيز آل سعود هو المنشىء للدولة السعودية الثالثة الراهنة فيما بين 1902ـ 1932 بعد استيلائه على الرياض سنة 1902قام بتجميع شباب البدو وتعليمهم الوهابية وتلقينهم ان الجهاد هو تكفير الآخرين وغزوهم واستحلال دمائهم وأموالهم ونسائهم واحتلال أرضهم ، وان كل من ليس وهابيا من المسلمين فهو مشرك ، وكل يهودى ونصرانى فهو كافر، ولا بد من جهاد الجميع. هؤلاء البدو الوهابيون اشتهروا باسم "الاخوان " وكان اسمهم يرعب الجميع فى الجزيرة العربية والشام والعراق بسبب المذابح التى اعتادوا ارتكابها. وبهم استطاع عبد العزيز توسيع ملكه فضم معظم الجزيرة العربية وهزم اليمن وخرب جنوب العراق والأردن واستولى على الحجاز سنة 1926 .  
أراد الاخوان السعوديون الوهابيون بقيادة زعمائهم فيصل الدويش وابن بجاد وابن حيثيلين استمرار غزو العراق ولكن بريطانيا حذرت عبد العزيز وهددته أن لم يكف الاخوان عن الهجوم على العراق، وبنى البريطانيون حصونا على الحدود لتحمى العراق من هجمات الاخوان. اعتبر الاخوان بناء تلك الحصون الدفاعية فى الاراضى العراقية مانعا لهم من استمرار الجهاد وطالبوا عبد العزيز بالتحرك معهم ضدها فرفض خوفا من البريطانيين، فاتهمه الاخوان بموالاة الكفار " الانجليز ".  
كان عبد العزيز قد ضم اليه الحجاز بسيوف الاخوان ومذابحهم، وسيطر على موسم الحج والحجاج، فانتهزها فرصة لتكوين تنظيمات اخوانية خارج الجزيرة العربية عوضا عن الاخوان البدو المشاغبين ، ولينشر الوهابية فى بلاد المسلمين مع التركيز على مصر والهند . وعن طريقه تحولت الجمعية الشرعية فى مصر الى الوهابية بدلا عن التصوف، وأنشئت حركة الشبان المسلمين كتنظيم شبه عسكرى نبغ فيه حسن البنا، ثم جماعة أنصار السنة وهى حركة وهابية خالصة يقودها الشيخ الأزهرى حامد الفقى صديق عبد العزيز آل سعود . وفى النهاية أنشئت حركة الاخوان المسلمين بديلا عن اخوان عبدالعزيز وتحمل اسمهم . وكان هدفها المعلن هو التربية الاسلامية ، وهدفها المستتر هو الوصول للحكم لاقامة دولة وهابية. اقامة تلك الجمعيات الوهابية فى مصر قام بها اثنان من الشوام هما رشيد رضا ومحب الدين الخطيب. 
8) هذا عن الاخوان المسلمين فى مصر. فماذا حدث للاخوان البدو الوهابيين فى الجزيرة العربية مع عبد العزيز ؟ 
ثاروا عليه وحاربوه وانتصر عليهم فى معركة السبلة سنة 1929 ، وبعدها وفى سنة 1932 اعطى دولته الجديدة اسم أسرته فأصبحت تسمى المملكة العربية السعودية. 
 
9) كيف سارت العلاقات بين الاخوان المسلمين والسعودية ؟ 
عن طريق الدعم السعودى استطاع البنا، وهو المدرس الإلزامى البسيط، أن ينشئ خمسين ألف شعبة للإخوان فى العمران المصرى من الإسكندرية إلى أسوان، واستطاع انشاء الجهاز السرى العسكرى الى جانب التنظيم الدولى للإخوان ، وكان من أعمدته الفضيل الورتلانى الجزائرى المساعد الغامض لحسن البنا، وهو الذى فجر ثورة الميثاق فى اليمن لقلب الموازين فيها لصالح السعودية، وقد نجحت الثورة فى قتل الإمام يحيى، ولكن سرعان ما فشلت وتنصلت منها السعودية، ورفضت استقبال الورتلانى بعد هربه من اليمن وظل الورتلانى فى سفينة فى البحرمع الذهب الذى سرقه من اليمن ترفض الموانئ العربية استقباله كراهية لدوره فى اليمن، إلى أن استطاع بعض الإخوان المسلمين تهريبه فى أحد موانى لبنان، وانتقل منها إلى تركيا، ثم ظهر بعد ذلك كالرجل الثانى فى قائمة جبهة التحرير الجزائرية حين توقيع ميثاقها فى القاهرة سنة 1955 وكان بن بيلا فى ذيل القائمة.  
واكتشفت الحكومة المصرية ـ بعد ما حدث فى ثورة اليمن سنة 1948ـ خطورة حسن البنا وتنظيمه السرى والدولى وكيف استطاع حسن البنا إجراء ثورة فى اليمن بالريموت كنترول. وبالصدفة وقعت فى ايديهم الوثائق السرية للاخوان المسلمين فيما يعرف بقضية العربة الجيب التى أظهرت الجانب الارهابى السرى للاخوان مما سهل القضاء على حسن البنا سياسيا وجسديا سنة 1948 . 
ومعروف بعدها موقف الإخوان من تعضيد الثورة والخلاف بينهم وبين عبد الناصر، وهروب معظمهم الى السعودية وخدمتهم للوهابية ونشرها فى العالم الاسلامى. ثم تحالف السادات مع الإخوان، فعادوا للسيطرة على أجهزة الدولة المصرية فى التعليم والثقافة والحياة الدينية والأزهر والمساجد والإعلام تعززهم ثورة السعودية النفطية وسيطرتها الاعلامية والتليفزيونية ، وأفرزوا تنظيمات مختلفة على نسق التنظيم العسكرى فى عهد حسن البنا كان أهمها الجهاد والجماعة الاسلامية. ثم اختلفوا مع السادات، وقتلوه، واستمرت سيطرتهم فى عصر مبارك الذى آثر مطاردة الإرهاب المسلح مع تدعيم النفوذ السعودى والفكرالاخوانى الوهابى وتقديمه على أنه الإسلام. 
10) ماذا قدم الاخوان للوهابية والسعودية ؟ 
عن طريق الاخوان المسلمين المصريين انتقلت الوهابية والنفوذ السعودى إلى شمال أفريقيا غرباً وإلى الشام شرقا والى الجاليات الاسلامية فى الغرب وأمريكا. كما استطاع الاخوان تقديم الفكر الوهابى للمثقفين المسلمين والطبقة الوسطى فى اسلوب عصرى مفهوم يختلف عن اسلوب محمد بن عبدالوهاب الفقهى الاصولى الجاف.ثم صاغوا الوهابية فى شعارات سياسية مقبولة لجماهير المسلمين مثل الاسلام هو الحل وتطبيق الشريعة، دون الدخول فى تفصيلات. أهم من ذلك كله ان الاخوان المسلمين أجهضوا المشروع الإصلاحى التنويرى للشيخ محمد عبده لصالح الهدف السياسى وهو الحكم الاسلامى – فى الظاهر – والوهابى فى الواقع. وبذلك استطاعوا تغيير المناخ لصالحهم فأصبح أكثر تطرفا وتعصبا ضد الغرب والمسيحيين واليهود والمرأة . الدليل على ذلك ان ما كان محمد عبده يقوله منذ قرن من الزمان فى دعوته الاصلاحية أصبح هرطقة وكفرا فى عصرنا الحالى يستوجب القتل. 
11 )ما الذى سبب الوقيعة بين الاخوان والدولة السعودية مع اتفاقهما فى العقيدة الوهابية ؟ 
منذ البداية رفض عبد العزيز منشىء الدولة السعودية الراهنة ومنشىء الاخوان المسلمين ان تعمل حركة الاخوان داخل بلاده محددا عملها فى الخارج فقط. ولكن أدى تطور الأحداث الى هروب معظم الاخوان الى السعودية هربا من اضطهاد عبد الناصر يحملون معهم تربيتهم السياسية القائمة على النفاق وسياسة الوجهين والتقية. تلك هى خلفيتهم الثقافية التى أرساها حسن البنا طبقا لظروف الاخوان فى مصر والمخالفة للطبيعة البدوية فى الجزيرة العربية والتى ظهرت فيها الدولة السعودية. ومن الاختلاف حدث الاحتكاك وأدى الى نمو المعارضة الوهابية داخل المملكة وضد الاسرة السعودية. الاخوان بفكرهم المتطور ساعدوا فى ولادة المعارضة السعودية، فأخذ النظام السعودى وشيوخه الرسميون يهاجمون سيد قطب وجماعته والاخوان، يبينما تمتدحهم المعارضة الاصولية الوهابية. 
11) ما هى نقطة الخلاف بين الاخوان والسعوديين ؟ 
ظروف نشأة الدعوة الوهابية والدولة السعودية تختلف عن ظروف نشأة الاخوان المسلمين تبعا لاختلاف مصر عن نجد. الاخوان النجديون الصحرايون لهم وجه واحد يتميز بالصراحة والجرأة واستباحة الدم علنا. وهذا ما كان مستحيلا على حسن البنا الجهر به ، لذا اتبع سياسة المداهنة وادعاء الاعتدال .عندما ظهر حسن البنا فى مصر بدعوته كانت أغلبية المسلمين المصريين بزعامة الأزهر صوفية يمقتون الوهابية. تسلل حسن البنا الى المجتمع المصرى المسلم المتدين بفكرة تجميع المسلمين حول هدف واحد هو الحكم الاسلامى مع نبذ الخلافات المذهبية وتأجيلها، وعاونه فى فكرته سقوط الخلافة العثمانية وحنين المسلمين الى استعادتها فى ثوب عربى أصيل. واستغل الليبرالية المصرية وافتقارها الى العدل الاجتماعى بأن تسلل للشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى وأوساط الأفندية المتعلمين الحالمين بالعدل والساخطين على التفاوت الطبقلى فاجتذبهم الى فكرة الحل الاسلامى بديلا عن العلمانية الشيوعية والغربية.كان يتحدث لكل فريق باللغة التى يؤثرها متبعا طريق التقية الشيعية ، وكان يرفع لواء التسامح والاعتدال محتفظا فى نفس الوقت بتنظيمه السرى المسلح ليتخلص من خصومه فاذا افتضح امر بعضهم تبرأ منهم على الملأ قائلا : "ليسوا اخوانا وليسوا مسلمين". هذا ما تربى عليه الاخوان على يد حسن البنا طيلة عشرين عاما {1928 ـ 1948 }. وبهذا الفكر تسللوا الى الأحزاب السياسية المعلنة والتنظيمات الشيوعية السرية وخلايا الضباط الأحرار الذين قاموا بانقلاب 1952 . وكان لا بد ان يحدث الاصطدام بينهم وبين عبد الناصر وهو الأعرف بهم حيث كان منهم يمارس نفس اللعبة. تغذى بهم عبد الناصر قبل ان يتعشوا به فهاجر معظمهم للسعودية التى كانت تواجه عبد الناصر ومشروعه القومى اليسارى.  
فى السعودية عملوا فى خدمة الوهابية فاكتشفوا تسلط الأسرة السعودية وعنصريتها وفسادها. العادة فى الدولة الدينية أن الحاكم يستمد سلطته السياسية من الفقيه. وهذا ما حدث فى الاتفاق المشهور بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب. ابن عبد الوهاب الفقيه أعطى الشرعية الدينية لابن سعود أمير الدرعية ليغزو ويحتل ويحكم باسم الشرع. وبذلك أصبحت الوهابية هى مصدر الشرعية للسلطة السياسية للأسرة السعودية. وصارت أسرة الشيخ {ابن عبد الوهاب } تسير فى ركاب الأسرة السعودية الحاكمة. الاخوان الوهابيون الذين ثاروا على سيدهم عبد العزيز قالوا ان مصدر السلطة هو الوهابية وليس الأسرة السعودية، لكنهم كانوا مجرد جنود غير مؤهلين للجدل الفقهى فىمواجهة فقهاء عبد العزيز. عبد العزيز فى خلافه مع الاخوان الثائرين عليه حسم الموضوع بأن شرعيته فى الحكم ليست مستمدة من الوهابية ولكن من حقه فى استرداد ملك أسلافه الذين أقاموا الدولة السعودية الأولى والثانية . عبد العزيز بهذا أعلى أسرته السعودية على الدعوة الوهابية نفسها ثم أعطى الدولة اسم اسرته. برز هذا الاستعلاء الملكى السعودى أكثر بعد موت عبد العزيز ودخول مملكته عصر النفط وزعامة أسرته للعالم الاسلامى وتحالفها مع امريكا. تجلى هذا الاستعلاء فى تعامل الدولة السعودية مع العرب الوافدين ومنهم الاخوان المسلمون، مما أعاد التفكير فى الفجوة بين الحكم السعودى ومبادىء الوهابية التى ينبغى على الاسرة السعودية الانصياع لها. لم يكن الاخوان المسلمون وحدهم الذين يشعرون بالدونية داخل المملكة السعودية، شعر بها أيضا المتعلمون من أبناء المملكة الذين تخرجوا فى جامعات الغرب ففوجئوا عند التوظيف انهم ليسوا من أهل الثقة مهما كان نبوغهم لأن الدرجات العليا مقصورة على الاسرة السعودية و تحالفاتها القبلية. تقارب الساخطون من الاخوان المسلمين ومن الشباب السعودى المثقف المتدين بالوهابية، ونشأ جيل جديد من الوهابيين السعوديين متأثر بسيد قطب وآرائه الحادة اكثر من تأثره بالفقهاء الرسميين فى النظام السعودى. هذا الجيل السعودى الوهابى أخذ التقية عن الاخوان المسلمين وتحرك فى هدوء تحت السطح ، ومع تراكم الفساد والانحلال فى الاسرة السعودية وتحالفها مع امريكا أثمرالطرح الاخوانى تطورا فى العقلية الوهابية لدى هذا الجيل فأخذ يهمهم بتكفير الحكام السعوديين طبقا للتكفير العام الذى نادى به سيد قطب. جاءت الفرصة لهم بالجهر بالمعارضة بعد احتلال صدام للكويت وصرخةالأسرة السعودية تستنجد بأمريكا لتنقذها من غزو صدام لتؤكد عدم أهليتها للحكم بعد عجزها عن حماية الشعب بعد كل ما أنفقته من بلايين فى شراء السلاح بالملايين . تولدت المعارضة السعودية من رحم حرب الخليج متأثرة بالانفتاح على الاخوان.  
هوجم الاخوان من شيوخ الوهابية الرسميين السعوديين، الا ان هؤلاء الشيوخ انفسهم تعلموا النفاق والتظاهر بالاعتدال فى مدرسة الاخوان. يقابلون الغرب بالحديث عن سماحة الاسلام والتبرؤ من ابن لادن ثم يتحدثون عن استمرارية الجهاد بالمفهوم الوهابى. 
12) هل يؤثر هذا الخلاف على العلاقة بين السعوديين والاخوان ؟ 
لم يؤثر فى الثقافة المتفق عليها بينهما وهى الوهابية. هما يعملان معا فى نشر وتعميم الوهابية كممثل للاسلام.. يقدم الاخوان الفكر والخبرة البشرية ويقدم السعوديون النفوذ السياسى والامكانات غير المحدودة فى السيطرة على القنوات الفضائية والصحف ودور النشر والانتاج الدرامى والثقافى والمساجد والمعاهد ومراكز البحوث والدعوة والتنظيمات العلنية والسرية والرسمية داخل وخارج العالم الاسلامى. وبجهدهما معا تم تغيير المناخ فىمعظم بلاد المسلمين ليكون اكثر ميلا للعنف والتعصب وكراهية الغرب وغير المسلم ورفض الاصلاح الدينى للمسلمين من داخل الاسلام ورفض الديمقراطية. 
13) ما هى الاستراتيجية السياسية للاخوان ؟ 
تتلخص فى كلمة واحدة هى التربية الثقافيةالدينية للفرد والمجتمع وصولا الى اخضاعه للسمع والطاعة بدون مناقشة لولى الأمر وفق مبدأ الحاكمية الذى يؤمنون به كعقيدة دينية وسياسية. لو قيل للاخوان الآن تعالوا احكموا لرفضوا الحكم ، لأنه سيكون امتحانا يعرفون مقدما انهم سيخسرون فيه. فى موقع الحكم سيكونون فى متناول النقد والمعارضة ومطالبون بتنفيذ الوعود السياسية فى كيف يكون الاسلام هو الحل وكيف يتم تطبيق الشريعة .هم ليسوا مؤهلين للحكم الديمقراطى اذ لا يعرفون الا الحاكمية التى تعنى أن يكون الحاكم مسئولا فقط أمام الله تعالى يوم القيامة باعتباره الراعى والشعب هو الرعية او الاغنام. 
14) ولكن بعض الحركات الاسلامية السياسية وصلت للحكم وتركته وفق تبادل السلطة وقواعد الديمقراطية.. لماذا لا يكون الاخوان كذلك خصوصا وهم يعلنون رضاهم بالديمقراطية ؟ 
الحركات السياسية الاسلامية التى تقبل الديمقراطية وتتعامل معها ايجابيا تنتمى الى التدين الصوفى المنتشر فى بلادها من تركيا الى ماليزيا واندونيسيا وسنغافورة وبنجلاديش. قلنا ان المسلمين طواف ثلاث كبرى سنة وشيعة وصوفية. السنة أكثرهم تشددا والوهابية هم الأكثر من السنيين تشددا. الصوفية المسلمون اكثر مسالمة واكثر اعترافا بالتعددية ، بل ان التصوف يقوم على اساس التفرق الى طرق صوفية تتفرع وتتفرع الى طرق أكثر وأكثر. ولهذا فالديمقراطية واردة فى تدين التصوف الذى يعترف بالتعددية ويتسامح مع المختلف فى الدين .  
15) ولكن الاخوان المسلمين يشجبون الارهاب يعلنون تمسكهم بالديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق الأقباط وحرية الرأى والمعتقد وحقوق المرأة . 
هى نفس سياسة النفاق التى كان يخدع حسن البنا بها المصريين فى عهده. 
16) كيف نتأكد انهم مخادعون ؟ أو كيف نكشف توجهاتهم الحقيقية؟ 
بأن لا نكتفى بالسؤال، أى نحول السؤال الى استجواب ونقاش علنى أمام أعين الناس فى الاعلام والتعليم والمساجد والمقاهى والنوادى والشوارع وعلى المصاطب ـ وحتى حفلات الزفاف ومناسبات العزاء.  
يقولون انهم يؤمنون بحرية المعتقد .. فماذا لو ارتد مسلم عن دينه واصبح مسيحيا أو يهوديا ؟ هل يطبقون عليه حد الردة قتلا، وحينئذ لا يخالفون الاسلام فقط بل يخالفون مبدأ حرية الفكر والعقيدة.؟ ام يقررون فعلا حرية كل انسان فى اختيار ما يشاء من دين والخروج عما يشاء من دين وحريته حتى فى الكفرو والالحاد وفقا لأكثر من خمسمائة أية قرآنية؟ واذا وقفوا مع حقائق الاسلام وحرية المعتقد فعليهم حينئذ اعلان كفرهم بالسنة والفقه السنى لتأكيدهما على قتل المرتد. 
يقولون بأنهم ضد الارهاب. وتعريف الارهاب هو قتل المدنيين المسالمين ، أو الاعتداء على من لم يقم بالاعتداء علينا. هذا جميل .. ولكن ماذا يقولون فى الفنوحات العربية التى حملت اسم الاسلام زورا واعتدت على أمم لم تهاجم المسلمين ؟ وماذا يقولون فى الصحابة الذين ارتكبوا هذا الاثم الفظيع المخالف لشرع الله تعالى فى القرآن ؟ وماذا يقولون فى الحديث الضال القائل " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله وان محمدا رسول الله .. الخ ؟ وهو الحديث المخالف لتشريع القرآن الكريم؟ وماذا يقولون فى البخارى الذى رواه؟ وماذا يقولون فى الأعمال الارهابية التى ارتكبها الأخوان ومنظماتهم السرية والعلنية فى الماضى؟ أليس الأجدر بهم الاعتذار عنها والاعلان بعد العودة لها والتبرؤ ممن يرتكبها ؟ 
يقولون انهم يؤمنون بالمساواة والعدل وحقوق المواطنة بلا تفرقة على أساس الدين والمذهب والمعتقد. فماذا يقولون عن معاملة أهل الذمة فى تاريخ المسلمين وتراثهم، وماذا يقولون عن الأحاديث التى تدعو لتحقير أهل الكتاب وازدرائهم؟ وماذا يقولون عن التفسيرات المذهبية التى تسىء فهم معانى القرآن الكريم فى هذا الاطار ؟ اليس من الواجب عليهم اعلان التبرؤ من هذا الفقه السلفى وتجريمه واعلان عدائه لحقوق الانسان وحقائق الاسلام ؟ ثم تصريحات مرشدهم الأسبق مصطفى مشهور عن منع المسيحيين من التجنيد وتطبيق أحكام أهل الذمة عليهم... ماذا يفعلون بها؟ ألا يجب عليهم التبرؤ منها ودحضها والاعتذار عنها؟ وماذا يقولون فى ولاية غير المسلم ؟ يعنى تولية مسيحى أو يهودى رئاسة الدولة؟ الفقه السلفى يمنع ذلك ولكن تجيزه الديمقراطيات الحديثة التى يعلن الاخوان توافقهم معها؟ اذا وافقوا الفقه تناقضوا مع الاسلام والديمقراطية ، واذا وافقوا الديمقراطية والاسلام فعليهم التبرؤ من الفقه السلفى وأحاديثه الكاذبة المتعصبة. 
يقولون بحق المرأة ، فكيف يفعلون بالفقه السلفى الذى ينتمون له وهو ينتهك حقوق المرأة ويجعل النساء ناقصات عقل ودين ومادة للتشاؤم والتطير؟ وماذا يفعلون مع النص القرآنى القائل " واضربوهن " وما قاله الفقه السلفى فى شرح وتقعيد ضرب الزوجة ؟ وهل يقولون بولاية المرأة للقضاء والرئاسة للدولة كما يقول بعض المستنيرين من الفقهاء؟ واذا أيدوهم فلا بد من التبرؤ من أعيان الأئمة المتعصبين من الحنابلة .. 
ماذا يقولون فى تطبيق حد السرقة وحد الحرابة ؟ ماذا يقولون فى عقوبة الاعدام خارج القصاص فى القتل مثل حد الرجم الذى ينفذ فى السعودية وايران وقتل الشواذ { وهذا ما حكمت به ايران وتخشى السعودية تطبيقه خوفا من قتل معظم السكان ) وقتل تارك الصلاة طبقا للفقه السنى، وعقوبة شرب الخمر؟ وماذا يقولون فى قتل المخالف للسلطان وحق الراعى فى قتل من يشاء من الرعية .. الى آخر تلك المنكرات المخالفة للقرآن والاسلام؟ 
اذا أعلنوا تبرأهم من كل هذا التراث وأحاديثه والسنة التى تدعمه وتلصقه زورا بالاسلام فعليهم أيضا التبرؤ مما كتبه شيخهم سيد سابق فى كتابه المشهور " فقه السنة " وهو الكتاب الذى كتب مقدمته حسن البنا ، وهو التشريع الحقيقى للاخوان وهو الذى يجيز قتل الزنديق ، والزنديق عندهم هو المسلم السنى العارف بدينه ولكن يخالف الحنابلة فى آرائهم . يقولون بوجوب قتله دون محاكمة أو استجواب أو نقاش ، يقتلونه حال العثور عليه. هذا ما قاله ابن تيمية وسيد سابق والشيخ ابو بكر الجزائرى ، والمكتوب فى مناهج الأزهر أضل سبيلا. فاذا كان الاخوان مخلصين فى توجههم الديمقراطى ـ اى فى تمسكهم بحقائق الاسلام ـ فلا بد من التبرؤ من كل تلك المؤسسات وأولئك الأئمة وكل ذلك التراث الحنبلى السنى وكل من طبقه ودعا اليه. ولا بد لهم بالتالى من الاحتكام للقرآن الكريم واعادة قراءته من جديد قراءة عصرية موضوعية. اذا فعلوا ذلك ـ وهم لن يفعلوه ـ فسيكتشفون أن الأولوية ليست للوصول للحكم ولكن لاصلاح المسلمين بالاسلام.  
سيرفضون بالقطع ليس فقط لأنهم طلاب سلطة وليسوا طلاب اصلاح ، وليس فقط لأنهم لا علم لهم بالاسلام وتاريخ المسلمين وطوائفهم ومعتقداتهم الواقعية وتراثهم واختلافه عن الاسلام. سيرفضون لكل تلك الاسباب ولسبب آخر أهم هو أنهم لن يرضوا مطلقا أن يكونوا تابعين للقرآنيين وشيخهم كاتب هذا المقال. 
أرجو أن يوافقوا على التوبة وتغيير جلدهم والوقوف بحسم مع الديمقراطية وثقافتها الاسلامية ومواثيقها الدولية. حينئذ سأكون معهم فى نفس الطريق ومعنا كل مسلم حريص على دينه. عندها سيقدم الاخوان أكبر خدمة للاسلام حين يستخدمون قدرتهم التنظيمية ونفوذهم فى اصلاح المسلمين بالاسلام ليس رغبة فى حطام الدنيا والتحكم السياسى ولكن ابتغاء مرضاة الله تعالى واعلاء لشرعه ودينه بالدعوة السلمية التى تعلى من شأن الانسان وحقوقه حتى لو اختلف معك فى المعتقد. على أن الاخلاص هنا يعنى التفرغ لتغيير المناخ الى الأفضل وهذا يستلزم عملا مضنيا مستمرا فى التنوير والتوضيح والتثقيف للخلاص من الثقافة المتعصبة التى أرساها الاخوان أنفسهم منذ أكثر من نصف قرن . 
الواقع يقول انهم على مكانتهم يعملون. ينشرون فكرهم متمسحين بالاسلام، ويعملون على تربية الشباب على أساسه بأناة وتؤدة، وينتظرون الثمار على مهل. 
17)ولكن تغيير المناخ كلية وفق ما يشتهيه الاخوان يستلزم وقتا طويلا. 
ولكنه هو الخيار الأكثر ضمانا ، ثم هو نفس السياسة القديمة للحركات السياسية الدينية فى العصور الوسطى ، سياسة النفس الطويل وتغيير المناخ على مهل أو بتعبيرهم تربية الفرد ثم تربية المجتمع، فاذا وصل الفرد والمجتمع الى اعتناق الفكر الوهابى مستعدا للتضحية بنفسه كما يفعل الانتحاريون اليوم تهيأ لهم المناخ للحكم بدون معارضة.  
18)ولكن الاخوان سعوا للحكم وكادوا ان يصلوا له ، وأحيانا وصلوا له لفترة أو فترات ؟ 
حدث فعلا وفشلوا ، فتعلموا من أخطائهم ولن يكرروها. 
حاول الاخوان الوصول للحكم عن طريق دبابات الجيش فوقعوا ضحية للعسكر.  
حاولوا استخدام عبد الناصر فاستخدمهم عبد الناصر ولعب بهم.  
فى الجزائر كانوا قواد الحركة الوطنية فى مقاومة المستعمر الفرنسى ولكن بنفوذ عبد الناصر صار العسكريون فى المقدمة ووصلوا للحكم دونهم، حاولوا تعويض ذلك بالسيطرة على التعليم منتهزين فرصة التعريب فى الجزائر، فقام بالتعريب أئمة الاخوان وشبابهم من الغزالى الى الشعراوى وغيرهم ، وبالتعريب تحول الجيل الجديد الى التطرف ، وفى الانتخابات كادوا أن يصلوا للسلطة ولكن عسكر الجزائر وقف لهم بالمرصاد وألغى الانتخابات فى ظل سلبية عامة من جماهير الشعب الجزائرى، فأقام المتطرفون مذابح دموية للاطفال والنساء والأبرياء الجزائريين انتقاما من الحكام العسكر.  
فى السودان وصل الترابى الى الحكم تابعا للبشير فما لبث البشير أن ألقى به فى السجن. بسبب الاخوان والحركة السلفية انقسمت الهند الى باكستان والهند، وبالنفط السعودى أنشئت المدارس الوهابية والجامعة الاسلامية فى اسلام أباد. قامت الحركة السلفية والاخوان فى باكستان بتجميع ابناء الفقراء ويتامى الحروب وتعليمهم فى المدارس وكلية الشريعة فى اسلام أباد, وأطلق عليهم الطالبان. أصبح الطالبان قوة عسكرية ضاربة بانضمام أقرانهم من الأفغان على الحدود بين باكستان وافغانستان. انتهى الأمر بوصول الطالبان لحكم أفغانستان ثم انهزموا بعد أن أعطوا نموذجا مفزعا للحكم السلفى الاخوانى.  
فى كل الأحوال تبين للاخوان أن العصر الآن ليس ملائما لهم ، لذا هم يعملون بصبر وأناة للمستقبل مستغلين كل ما يحدث الآن لصالح استراتيجيتهم الرامية الى غسيل مخ الأفراد بالثقافة الوهابية وعقيدتها فى الحاكمية. عندها تأتيهم السلطة راكعة وبدون معارضة أو نقاش بل السمع والطاعة .  
19) اذا كانت هذه هى استراتيجيتهم ، فما هو التكتيك الذى يتبعونه. ما هى خططهم ؟  
المساعدات المجانية تأتى للاخوان المسلمين بلا مشقة ومن الجميع بلا استثناء .  
من مصلحة الاخوان تأكيد العداء بين المسلمين واليهود، وقد استغلوا الصراع العربى الاسرائيلى فى هذا. عن طريق حماس تحول النضال السلمى السياسى الى ارهاب يقتل المدنيين اليهود فى الشوارع والفنادق ودور العبادة والنوادى ومحطات المواصلات.مما جعل الوصول لحلول وسطى أكثر تعقيدا. من مصلحة الاخوان تأكيد العداء بين المسلمين والمسيحيين ، وهذا تتكفل به السياسة الأمريكية فى العراق والشرق الأوسط، اذ يسهل تحويل الصراع السياسى الى صراع دينى وفق المفهوم الاخوانى. يريد الاخوان تأكيد العداء بين المسلمين والأقباط فى مصر فيتبرع بعض المتعصبين من الأقباط بالهجوم على الاسلام نفسه عبر مواقع الانترنت فيثيرون المعتدلين المسلمين المتعاطفين مع الاقباط والمناوئين للاخوان. العسكر المستبدون بالسلطة فى الشرق الأوسط هم الأعداء التقليديون للاخوان فى مصر وسوريا وغيرها وهم أيضا الأكثر فائدة للاخوان لأن العسكر يحاولون المزايدة دينيا على الاخوان برعاية أكثر للثقافة السنية الوهابية. وهناك ناحية أخرى اذ يجمع بين الاخوان والاستبداد العسكرى الخوف من الاصلاح الدينى والسياسى ، لذا يتبارى العسكر فى مطاردة دعاة الاصلاح ليبقى الحال على ما هو عليه ولصالح الاخوان.  
الاستفادة الكبرى تأتى للاخوان مجانا من جهتين : الأولى دول النفط ونشرها للفكر الوهابى بالقنوات الفضائية ومواقع الانترنت والانتاج الفكرى والثقافى والدرامى والدينى. الجهة الأخرى هى التنظيمات المسلحة المختلفة وعملياتها الارهابية فى كل أنحاء العالم. الهدف الأساسى لهذه العمليات هو شغل الغرب وأمريكا وكل من يهمه الأمر بهذه الضربات الارهابية المتفرقة عن ما هو أخطر، وهو "التمكين".  
التمكين فى مصطلحاتهم هو التوغل شيئا فشيئا فى السيطرة على الأفراد عقائديا ، بحيث يكون الفرد مستعدا لتفجير نفسه عندما يؤمر. فاذا تمكنوا من السيطرة على أفراد المجتمع قلبا وقالبا فقد تحقق لهم التمكين والسلطان المقيم. اذا وصلوا الى تربية نصف مليون فرد على السمع والطاعة والاستعداد بحيث يكون كل فرد منهم متحمسا لأن يكون انتحاريا فسيبدأون المرحلة الأولى فى التمكين، وهى الارهاب العام لكل الأقباط والعلمانيين والمعارضين السياسيين والمفكرين لطردهم من مصر. وعندها تخلو لهم مصر بملايينها المستضعفين ليصبحوا رعايا خاضعين لهم وفق ما كان سائدا فى العصور الوسطى. 
20) اذن كيف نواجههم ؟ 
المواجهة هنا فكرية ثقافية تسندها وتؤازرها مواجهة قضائية فى ساحات المحاكم . 
قبل التوضيح لا بد أن نبدأ هنا بالممنوعات وهى  
أولا: المواجهة بالعنف مرفوضة. اذا واجهت الفكر بالسلاح انتصر الفكر حتى لوكان فكرا سيئ السمعة. اذا قضيت على الدولة الايدلوجية بالسلاح تاركا أساسها الايدلوجى فانها ـ اى الدولةـ لا تلبث أن تنهض طالما بقى بناؤها الايدولوجى قائما وقادرا على خلق الأنصار والأتباع . قضى صلاح الدين الأيوبى على الدولة الفاطمية فى هدوء بموت الخليفة العاضد الفاطمى . ولأن الدولة الفاطمية دولة ايدولوجية عقائدية تقوم على التشيع فان صلاح الدين حارب التشيع من داخل الثقافة السائدة لدى المسلمين ، وكانت التصوف وقتها. استورد صلاح الدين الأيوبى متصوفة الى مصر وخصص لهم خانقاة سعيد السعداء وجعل لهم طقوسا فى الذهاب لصلاة الجمعة ومنحهم وغيرهم الامكانات حتى حولوا المجتمع المصرى من النشيع الى التصوف ، فظل التصوف هو التدين العملى للمصريين الى أن قلص الوهابيون نفوذه أخيرا عن طريق الاخوان المسلمين. 
محمد على باشا هزم دمر الدولة السعودية الأولى سنة 1818 واكتفى بهذا الجهد العسكرى تاركا الوهابية دون مواجهة فكرية مع وجود الأزهر وقتها عدوا لدودا للوهابية ،فازدهرت الوهابية وتضاعف أنصارها حتى خارج الجزيرة العربية مما مكن الأسرة السعودية من اعادة ملكهم فى الدولة السعودية الثانية ، ثم الثالثة.  
عبد الناصر واجه الاخوان المسلمين بالعنف والتعذيب دون مواجهة للفكر الوهابى الذى تقوم عليه ايدلوجيتهم . ربما أراد باصلاح الأزهر أن يقوم بهذه المهمة ولكن اصلاح الأزهر لم يكتمل وانشغل عنه عبد الناصر بمعارك أخرى ومات تاركا المناخ موائما للاخوان بعد أن اكسبهم شهرة وتعاطفا بسبب ما فعله معهم من تعذيب واضطهاد . استفاد الاخوان من سياسة عبد الناصر العنيفة معهم وخسر عبد الناصر فى صراعه معهم لأنه استخدم السلاح غير المناسب.  
المشكلة هى فى نظام مبارك الذى يتفوق دائما على نفسه بالفشل. يدافع بضراوة عن الفكر الوهابى ويجعله ممثلا للاسلام ، ويعاقب القرآنيين المصلحين ويتهمهم بازدراء الدين لأنهم يناقشون الوهابية والفقه السنى بالقرآن والتراث نفسه. وفى نفس الوقت يضطهد الاخوان ويقوم بتعذيبهم ، يعاند الاصلاح الديمقراطى والاصلاح الدينى ويصل بالبلاد الى الحضيض فى كل الميادين، ويحاصر الأحزاب الشرعية فى مقراتها ، ويمنع العمل السياسى فى الجامعات بينما يترك المساجد والأزهر مقصورا على تدعيم فكر الاخوان السياسى والعقائدى مما يجعل الاخوان هم البديل المتاح بعد مطاردة كل المصلحين وتهميش منظمات المجتمع المدنى الممثل الحقيقى للتقدم والاصلاح والديمقراطية. بكل هذا الحمق من النظام نجح الاخوان وكان نجاحهم متوقعا .  
ان المواجهة مع الاخوان لا تكون الا ثقافية فكرية عقلية مسالمة. التعامل معهم بالعنف هو الممنوع الأول. 
ألممنوع الثانى :هو دخول شخصيات مسيحية أو أفكار مسيحية أو علمانية فى هذه المواجهة الثقافية الدينية و القضائية . لا يقوم بهذه المواجهة الا مسلمون متدينون لهم تاريخهم فى النضال ضد التطرف والارهاب وخبرتهم فى المواجهة ونبوغهم فى الاسلاميات وولاؤهم لحقوق الانسان وحقوق المواطنة والديمقراطية.هم فقط الذين يستطيعون مواجهة الاخوان من داخل الاسلام ومن داخل عقيدتهم وثقافتهم وبنفس اسلوبهم وأدواتهم.هم فقط الذين لا يستطيع الاخوان المزايدة عليهم فى التدين الاسلامى أو فى التبحر فى علوم الاسلام وتاريخه وتراثه. 
المواجهة الثقافية : 
دعاة التطرف والارهاب ليسوا فقط شيوخا وأئمة ومقدمى برامج دينية ، ولكن أخطرهم هم كاتبو الدراما العادية والدراما التاريخية الاسلامية ، اذ يتم الترويج لأفكار التطرف وثقافة الارهاب بطريق فعال – وغير مباشر – من خلال الدراما التى تتسلل الى عقل المشاهد ووعيه الباطنى وتصيغه وتؤثر فيه وهو مستمتع لما يشاهد دون مناقشة أو احتجاج . لقد أفلح الوهابيون وعملاؤهم فى انتاج دراما من تاريخ المسلمين وتراثهم أسهمت فى نشر التعصب والتطرف. 
لا بد من انشاء قنوات تليفزيونية تواجه الوهابية ببرامج ثقافية تناقش المسكوت عنه فى الفكر السلفى الوهابى فى ضوء الاسلام وحقائقه لتثبت ان ثقافةالوهابية والاخوان تناقض الاسلام . وتقدم أيضا مسلسلات درامية مكتوبة بطريقة مدروسة تبتعد عن الغوغائية والوعظ المباشر ، بل تتسلل الى عقل المشاهد فى سهولة ويسر.  
هذه القنوات لا بد لها من شركات انتاج للدراما والبرامج تغذيها وتملأ ساعات ارسالها بما يعزز رسالتها ويحقق الغرض منها.. علينا ان نقدم دراما تاريخية واقعية من حاضر المسلمين وتاريخهم توضح وتناقش المسكوت عنه وتشغل المتطرفين بالدفاع عن تراثهم وأكاذيبه. ونفس الحال مع البرامج التليفزيونية التى ستجد مجالات هائلة من المسكوت عنه فى التراث والتاريخ والماضى والحاضر. 
هذه الحرب الفكرية بالقنوات الفضائية لا بد من تعزيزها بمواقع على الانترنت . 
هذه الحرب الفكرية ستساعد المواجهة القضائية بالدعاية والتنوير وتسليط الضوء على القضية المطروحة امام المحاكم لاجتذاب الرأى العام للحقائق المطلوب اثباتها قضائيا.  
المواجهة القضائية 
نحتاج الى مراكز قانونية متخصصة لرفع دعاوى ضد سياسات الدولة واجهزتها مثل الأزهر والأوقاف وبقية المؤسسات فى تأكيد العدل وحقوق المواطنة وفى اصلاح التعليم واصلاح الأزهروفق ما يمليه قانون الأزهر نفسه والدستور بل واصلاح الدستور. هناك الكثير من المتاح لنا استغلاله والبناء عليه فى ارساء الاصلاح عبر آليات التقاضى. وتقوم البرامج التليفزيونية بالتعليق عليها لتشرك المجتمع فى المناقشة ولتخلق رأيا عاما مستنيرا يقوم بدوره بالتوعية ونشر ثقافة الديمقراطية وآداب الاختلاف فى الرأى دون تخوين وتكفير ودون اطلاق المفتريات والأكاذيب ، وبذلك يمكن اصلاح المناخ شيئا فشيئا. 
الخاتمة 
كل مصلح يعلن آراءه وخططه على الملأ ،لأنه لا يريد الا الاصلاح ابتغاء مرضاة الله تعالى فقط . هذا ما أفعله بكل وضوح حين أكتب ما أومن به حتى لو أتعب الكثيرين. لا أهتم برد الفعل لأننى لا أريد شيئا من أحد. ليست لى أجندة سرية لأنه ليس لى أى طموح سياسى ولا أرضى بالحلول الوسطى فيما يخص دينى ووطنى . آمل أن يقوم المخلصون لمصر بتنفيذ ما قلت لانقاذ أم الدنيا .  
ان مصرـ بسكانها وبحضارتها القديمة وبحاضرها وبمستقبلها وبتأثيرها ـ توشك أن تقع فى قبضة أشد طوائف الحنابلة تعصبا وتطرفا وانغلاقا وأكثرهم دهاءا. 
لقد جرت مصر فى طرق عديدة من القومية العربية الى الاشتراكية، وقد رأينا ارهاصات مما فعله التيار الوهابى الاخوانى قبل أن يصل للسلطة فى مصروفى العراق والجزائر وباكستان و غيرها. . وشهدنا حكم الوهابيين فى الجزيرة العربية وافغانستان . لم يعد لمصر المزيد مما تفقده بعد ان أفقدها نظام مبارك كل شىء . لا نريد ان تكون مصر جثة بين يدى الأخوان يجربون فيها تخلف الفقه السنى الذى لم يكن مناسبا لعصره ، فكيف يكون مناسبا لعصرنا؟ 
انه نداء لكل مصرى وكل مسلم ـ حتى من الاخوان المسلمين ـ تعالوا الى كلمة سواء نضع فيها كثيرا من النقاط فوق كثير من الحروف قبل أن نقفز بمصر فى الظلام . 
لا نريد أن يأتى اليوم الذى يتحسر فيه المصريون على أيام حسنى مبارك الذى وصلنا فيه الى الحضيض .  
تسألون عما هو أسفل من الحضيض ؟ سترونه بأعينكم اذا ظللتم على سلبيتكم جثة هامدة تنتقل من عسكر مبارك الى شيوخ الاخوان . عندها اذكرونى بخير فقد صرخت فى البرية أحذركم ناصحا فلم أسمع الا سبا وشتما آتيا من أسفل الحضيض الذى أخشى عليكم منه.  
والله تعالى المستعان 
 

الملحق الثالث : التناقض بين دولة الاسلام العلمانية ودولة الاخوان الدينية

الملحق الثالث

 
مقدمة  
السائد خطأ بين الناس أن للإسلام دولة دينية، والوهابيون السلفيون والاخوان المسلمون يناضلون لاقامة تلك الدولة الدينية على أنقاض دول الاستبداد العسكرى والحزبى الحالية. ومن قبل نجح السعوديون بمذهبهم الوهابى فى اقامة دولة دينية تحكم طبقا للحاكمية التى تجعل الحاكم يحكم باسم الله تعالى ويستمد منه السلطة وليس مسئولا الا أمام الله تعالى يوم القيامة، وهذه الحاكمية شر أنواع الاستبداد الذى ساد فى العصور الوسطى فى العالم بأسره ، وكان تعرفه أوربا وقتها بمبدأ الحق الملكى المقدس. وبعد نضال استمر قرونا تخلص الغرب من الاستبداد الدينى وأرسى الديمقراطية. ثم تسللت رياح الديمقراطية والاصلاح الى مصر منذ عصر اسماعيل الى جهود محمد عبده الاصلاحية لولا ان الدولة السعودية أنشأت حركة الاخوان المسلمين فى مصر فنشرت ثقافة الاستبداد الدينى المنتمية للعصور الوسطى وعطلت الاصلاح السياسى والدينى وقامت بتغييب الديمقراطية كفريضة اسلامية. والمؤسف ان يحدث هذا ويستمر فى عصرنا الحديث ؛عصر الديمقراطية.  
وهكذا فبينما تغزو رياح الديمقراطية دول أفريقيا فان الشرق الأوسط ـ مهد الحضارات والرائد الطبيعى والملهم لأفريقيا ـ لا يزال بعيدا عن الديمقراطية بسبب ثقافة التخلف السنى الوهابى التى نشرها الاخوان المسلمون على أنها الاسلام مع تناقضها مع الاسلام. وبينما تنادى كل حركات المعارضة فى كل دول العالم بالديمقراطية وحقوق الانسان وحرية الفكر والعقيدة فان المعارضة السنية السلفية الوهابية الاخوانية تقف ضد الديمقراطية وحقوق الانسان وحرية الأقليات الدينية والمذهبية والعنصرية وحقوق المرأة .وبينما تتطلع حركات المعارضة ـ وأحيانا النظم الحاكمة نفسها ـ الى المستقبل وتستعد له فى ظل ثورة المعلومات والاتصالات وقفزاتها الهائلة فان الاخوان والوهابيين يريدون العودة بنا الى العصور الوسطى واكاذيب البخارى وتفاهة أبى هريرة وتخلف الشافعى وتحجر ابن حنبل والارهاب الدموى لابن عبد الوهاب .وبينما تحول الكفاح فى عصرنا الى الوسائل السلمية والسياسية فان الجهاد السلفى أصبح قتلا للمدنيين فى الشوارع والمساجد والكنائس والمقاهى والبيوت.  
ما أتى الاسلام الا للقضاء على الدولة الدينية وكهنوتها ، لذا كانت دولة النبى محمد دولة علمانية ديمقراطية لا تزال ملامحها فى القرآن الكريم، ومع القضاء على كل ملامح هذه الدولة فلا يزال باقيا من معالمها أنه ليس فى الاسلام كهنوت أو مؤسسة دينية أو رجل دين، هذا مع أن المسلمين أقاموا كهنوتا ومؤسسات دينية ودولا دينية. 
يزيد المشكلة تعقيدا أن العلمانيين العرب يعتبرون أن الأزهر وتنظيمات الاخوان المسلمين السرية والعلنية هم الممثلون للاسلام، وأصبح من الأخطاء الشائعة تسميتهم بالاسلاميين ،مع أنهم سلفيون وهابيون وليسوا اسلاميين . ويعتبر العلمانيون مشروع الاخوان السياسى فى الدولة الدينية أنه الدولة الاسلامية مع التناقض الهائل بين الدولة الاسلامية والدولة الدينية. الذى لا يعرفه العلمانيون ان الاسلام دين علمانى وأن دولته الاسلامية دولة علمانية . صحيح انه توجد خلافات بين علمانية الاسلام وعلمانية الغرب التى تأثر بها العلمانيون العرب ، ولكن الصحيح أيضا ان هناك خلافا فى داخل العلمانيات الغربية ذاتها ، منها العلمانية الشيوعية التى ترفض الدين مطلقا وتعتبره افيونا للشعوب ، ومنها العلمانية الرأسمالية بانفتاحها وقبولها للمسيحية . وهناك خلافات محلية داخل العلمانية الشيوعية، كما توجد خلافات نوعية داخل العلمانية الغربية حول مدى الفصل بين الدين والدولة والدين والسياسة. وهكذا فمن الطبيعى ان توجد خلافات بين علمانية الاسلام وعلمانيات البشر المختلفة فيما بينها . ولكن لا بد من التذكير والتأكيد على التنافض بين الاسلام وثقافة الاخوان المسلمين والسلفية حتى نستريح مقدما من ذلك الخلط المؤلم بين النقيضين. نحن هنا نتحدث عن حقائق الاسلام التى جاءت فى القرآن ، والتى يمكن فهمها بسهولة اذا قرأنا القرآن الكريم قراءة موضوعية وفقا لمفاهيمه ومصطلحاته بعيدا عن مفاهيم التراث وسمومه. 
 
أن قيم الاسلام العليا - وهى العدل والحرية المطلقة فىالفكر والعقيدة والدين - هى مهمة الدولة وعليها توفيرها للافراد.. تطبيق معظم تشريعات القرآن موكول للفرد وحريته فى الطاعة أو الرفض دون اكراه أو تدخل من الدولة، وهو مسئول عن ذلك أمام الله تعالى . لا يتدخل المجتمع ـ ممثلا فى الدولة ـ الا ما يتعلق بحقوق الأفراد وحق المجتمع -أى العقوبات ، وهى تسقط بالعفو و بالتوبة. والتوبة تعنى ارجاع الحقوق للأصحابها والتعهد بعدم العودة للجرم والاعتداء. وعموما معظم تشريعات القرآن تفصيلات فى قوانين الأحوال الشخصية والميراث ، وبعضها قواعد عامة أو احتكام للعرف أو المعروف- وهو ما يتعارف الناس على انه عدل وتيسير . وعموما فان المذكور فى تشريعات الاسلام فى القرآن لا يتعدى مائتى آية بالمكرر والتفصيلات والقواعد ، ومعناه أن هناك مساحة هائلة متروكة لسن التشريعات البشرية فى ضوء العرف أو المعروف المتعارف على انه عدل وخير وفيه مصلحة للمجتمع . وبهذا يمكن تطبيق كل القوانين العصرية بما يلائم حركة المجتمع ومصالحه . وأى قانون يحقق مصلحة المجتمع ويتماشى مع العرف أو المعروف فهو تشريع اسلامى ، كما أن أى دولة تحقق العدل وحقوق الانسان والديمقراطية هى دولة اسلامية بغض النظر عن جنسيتها وخلفيتها الحضارية والثقافية. 
وواقع الأمر أن النبى عليه السلام أقام دولة مدنية ديمقراطية علمانية فى أشد العصور الوسطى اظلاما . لم يلبث المناخ المظلم للعصور الوسطى أن أطفأ نورها الا أنه بقى منها أصولها القرآنية وما تواتر فى السيرة النبوية عن إقامة تلك الدولة فى الجزيرة العربية. دولة الإسلام المدنية العلمانية الديمقراطية ما لبثت أن تحولت إلى الاستبداد السياسى والحكم القبلى بعد الحروب الأهلية بين الصحابة أو ما يعرف بالفتنة الكبرى وتأسيس الدولة الأموية، ثم تحول الحكم الاستبدادى القبلى إلى حكم دينى سياسى فى الدولة العباسية، واستمر هذا النظام سائداً إلى سقوط الدولة العثمانية تحت اسم الخلافة. وقد اصطلح المؤرخون على تسمية الدولة المدنية الإسلامية بعد النبى محمد بالخلافة الرشيدة أو الراشدة، وأطلقوا على الدول التالية مسمى الخلفاء فقط، أى لم يكونوا خلفاء راشدين. وهذا فى حد ذاته دليل على تحول هائل فى نظام الحكم دفع المسلمون ثمنه غالياً ولا يزالون. وقد تم تدوين التراث فى عصر الخلفاء العباسيين غير الراشدين، وذلك التدوين تجاهل كتابة التاريخ الحقيقى لدولة النبى محمد وفق الاشارات التى جاءت فى القرآن الكريم ، بل على العكس قام باضافة ما يتفق وأيديولوجية الاستبداد فى الدولة الدينية العباسية. 
وسنناقش سريعاً التناقض بين الدولة الإسلامية فى عصر النبى والدولة الدينية فى العصر العباسى وما تلاه. 
أساس التناقض بين الدولتين: الإسلامية والدينية: 
سبق العلامة ابن خلدون فى الإشارة إلى الاختلاف بين الدولة الدينية والدول التى نعرفها الآن بالعلمانية، ففى فصل فى المقدمة بعنوان "معنى الخلافة والأمامة" يقسم النظام الملكى إلى نوعين وهما الملك الطبيعى وهو الذى يحكم بالهوى والشهوة، ويراه فجوراً وعدواناً، والملك السياسى وهو الحكم بالعقل فى جلب المصالح ودفع المضار. ويراه أيضاً مذموماً لأنه ينظر بغير نور الله. وفى النهاية يرى ابن خلدون أن نظام الخلافة هو الأفضل، لأنه إرغام الكافة بالشرع للنظر فى مصالحهم الدنيوية والأخروية "أى هى خلافة عن صاحب الشرع فى حراسة الدين وسياسة الدنيا به". 
باختصار يرى ابن خلدون أن أساس الدولة الدينية هواكراه الناس فى الدين وإلزامهم بإقامة الشرع،ليس شرع الله تعالى الحقيقى ولكن الشرع الذى يكتبه فقهاء السلطة الاستبدادية. ولكن هدف الدولة غير الدينية إذا كانت عاقلة هو جلب المصالح للناس ودفع الضرر عنهم. وابن خلدون باعتباره قاضياً شرعياً ينحاز للدولة الدينية التى يعيش فى كنفها ويسيطر عليه تراثها، ونحن هنا نختلف معه ومع الآخرين. 
فليس إدخال الناس الجنة وهدايتهم إلى الحق هو الأساس فى إقامة الدولة الإسلامية. لأن الهداية مسئولية شخصية لكل إنسان ﴿مّنِ اهْتَدَىَ فَإِنّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلّ فَإِنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ﴾ (الإسراء 15) بل إن الهداية ليست وظيفة النبى حتى حين كان حاكماً، يقول تعالى له ﴿لّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ (البقرة 272) ويقول له ﴿إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ (القصص 56) ويقول له يؤكد عدم الإكراه فى الدين ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ (البقرة 256) ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّىَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس 99). 
أما اٍلأساس فى إقامة الدولة الإسلامية فهو إقامة القسط بين الناس، أو بتعبير الفقهاء رعاية حقوق العباد أو بتعبيرنا رعاية حقوق الإنسان.والفقهاء المستنيرون أكدوا على أن حقوق الله تعالى من الإيمان به جل وعلا وعبادته هى مسئولية شخصية والحكم فيها مرجعه لله تعالى يوم القيامة، أما حقوق العباد فهى مسئولية الدولة فى هذه الدنيا. والله تعالى يقول ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد 25) أى أن الهدف الأساسى من إنزال الكتب السماوية وإرسال الأنبياء والرسل هو أن يقيم الناس القسط فيما بينهم. والقسط نوعان، القسط أو العدل فى التعامل مع الله تعالى بحيث لا نشرك به أحدا، والله تعالى يقول ﴿إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان 13). والحكم فى هذا الموضوع مرجعه لله تعالى يوم القيامة فى كل ما يخص تصورات البشر عن ربهم جل وعلا، يقول تعالى ﴿قُلِ اللّهُمّ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر 46) أما النوع الثانى فهو القسط أو العدل فى التعامل مع البشر وذلك يستلزم نظام حكم، ويقدر نجاح ذلك النظام فى إقامة العدل تكون إسلاميته، وذلك معنى قوله تعالى ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ولذلك فان العقوبات فى تشريع القرآن تهدف أساساً لحقوق العباد أو حقوق الإنسان فى الحياة والمال والعرض والشرف. ومن إقامة القسط تتفرع كل حقوق الفرد وحقوق المجتمع والتوازن بين العدل والحرية فى منظومة رائعة تفتقدها البشرية المعاصرة. 
أما فى الدولة الدينية فالأمر مختلف. 
فكل دولة دينية تتبنى مذهباً دينياً ترغم الناس على قبوله وتستخدمه فى تدعيم سلطتها، وفيها يتمتع الحاكم وحده بالسلطة والثروة ويعاونه رجال الدين فى اخضاع الشعب لاستبداده ، بحيث يصير انتقاده خروجاً على الدين. وبطبيعة الحال تعاونه قوة عسكرية يستخدمها لارهاب الناس ، وبالكهنوت الدينى والعسكر يصير الحاكم المستبد المتأله فى اعتقاد الناس متحكماً فى الدين والدنيا والآخرة . وبينما يكتفى الاستبداد العادى بقتل المعارضين فإن الاستبداد فى الدولة الدينية يصادر حق الخصوم فى الدنيا وفى الآخرة أيضاً ، اذ يقتلهم باسم الشرع متهما اياهم بالكفر وحد الردة، ويزعم انهم أيضا من أهل النار منتزعا سلطة الله تعالى فى الآخرة بعد أن انتزع سلطة الشعب فى الدنيا.. وكل ذلك تحت لافتة الشرع وإقامة الدين. وفى ذلك ظلم عظيم لله تعالى ورسوله ودينه. وهذه هى خلاصة التاريخ الواقعى للدول الدينية فى الشرق والغرب فى كل العصور القديمة والوسطى والحديثة والمعاصرة فى تاريخ المسيحية والاسلام ـ كلها استغلت دين الله تعالى فى ظلم الناس وارهابهم وأكل أموالهم بالباطل . وهذا ينافى إقامة القسط، وهو الهدف الأساسى للدين الالهى الحقيقى. 
التناقض فى حقوق الإنسان بين الدولتين: 
أولاً: فى الدولة الإسلامية: 
إقامة القسط بين الناس فى الدولة الإسلامية تتوازن فيها حقوق الفرد مع حقوق المجتمع، كما يتوازن فيها العدل مع الحرية، أما فى الدولة الدينية فلا يحتاج الأمر إلى هذا التشابك والتداخل، حيث يتمتع فيها فرد واحد بكل الحقوق وهو الحاكم، وتنتهى الأمور عند هذا الحد. 
ونأتى إلى التفصيل: 
فللفرد حق مطلق فى الدولة الإسلامية فى شيئين وهما القسط وحرية الفكر والاعتقاد. وللمجتمع حق مطلق فى ثلاثة أشياء، وهى السلطة والثروة والأمن. وللفرد حقوق نسبية فى هذه الأشياء الثلاثة. 
(1) حق الفرد المطلق فى القسط: 
لن نتوقف بالتفصيل مع الآيات القرآنية التى توجب إقامة العدل والقسط فى التعامل مع العدو أو الصديق مثل قوله تعالى ﴿إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ (النحل 90) ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (النساء 58) ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىَ﴾ (الأنعام 152) ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىَ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ﴾ (النساء 135) ﴿يَا أَيّهَآ الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة 8). 
لن نتوقف مع هذه الآيات الكريمة إلا فى تقرير حقيقة قرآنية واحدة، وهى أن الحكم المقصود فى الآيات هو الحكم القضائى، أو الحكم بين الناس، وإقامة ذلك الحكم بالقسط يعنى أن الوظيفة الأساسية للدولة الإسلامية هى إقامة العدل والقسط، أو الحكم بين الناس بالعدل، وليس حكم الناس أو التحكم فيهم. والمعنى المقصود أن يقتصر تدخل الدولة بين الناس على إقامة القسط فى الداخل. ولكن إلى أى حد؟ نقول إلى حد القسط المطلق للأفراد، أى بنسبة مائة فى المائة، وتتعرف على ذلك من التفرقة الدقيقة بين كلمتين قرآنيتين وهما "المقسطين"، و"القاسطون" والمقسط هو تعبير مبالغة يفيد تحرى القسط دائماً، أى القسط بنسبة مائة فى المائة. 
ويتكرر فى القرآن قوله تعالى ﴿إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة 42، الحجرات 9، الممتحنة 8) فالذى يراعى العدل بنسبة 100% يحبه الله، أما القاسط الذى يراعى العدل بنسبة أقل من 100% فمصيره جهنم، يقول تعالى ﴿وَأَمّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنّمَ حَطَباً﴾ (الجن 15). 
(2) الحق المطلق فى الفكر والعقيدة: 
فى القرآن الكريم أكثر من خمسمائة آية قرآنية تؤكد حرية العقيدة وحرية التعبير عنها وحرية الفعل العقيدى إيماناً وكفراً، وإرجاع الحكم فى العقائد لله تعالى يوم القيامة، وأن ذلك يسرى على النبى نفسه. ونكتفى من مئات الآيات القرآنية التى تؤكد حرية العقيدة ببضع آيات قلما يستشهد بها الناس. 
فالله تعالى يقول للبشر ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنّ اللّهَ غَنِيّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ ثُمّ إِلَىَ رَبّكُمْ مّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ﴾ (الزمر 7) إذن هى حرية مطلقة فى الإيمان والكفر، ومسئولية شخصية والحساب عليها أمام الله تعالى يوم القيامة. 
والله تعالى يقرر أيضاً حرية الفعل الإلحادى مع آيات الله، ويجعل العقوبة عليه يوم القيامة، ويؤكد حفظ كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقول تعالى ﴿إِنّ الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَىَ فِي النّارِ خَيْرٌ أَم مّن يَأْتِيَ آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِالذّكْرِ لَمّا جَآءَهُمْ وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت 40: 42). 
يوم القيامة يكون البشر حسب تصوراتهم عن الله وعقائدهم فيه قسمين كل منهما خصم للآخر، وأحدهما فى النار والآخر فى الجنة، والله تعالى يقول ﴿هََذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ ﴾ (الحج 19) والملفت للنظر أن القرآن الكريم ساوى بينهما فى وصف الخصومة، ولم يجعل أحد الخصمين حكماً على الآخر، إذ كيف يكون الشخص خصماً وحكماً فى نفس الوقت، هذا مع أن أحد الخصمين سيكون ناجحا وفائزا يوم القيامة، بل أن النبى محمدا سيكون يوم القيامة خصماً لأعدائه الذين اضطهدوه فى مكة وماتوا على كفرهم وبغيهم دون توبة ، والله تعالى يقول للنبى محمد وخصومه ﴿إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مّيّتُونَ. ثُمّ إِنّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر 30: 31) فالنبى عليه السلام سيختصم معهم أمام الله تعالى، والآية تساوى بين النبى وبينهم فى الخصومة واستحقاق الموت.  
وهكذا فإن الفرد يتمتع فى الدولة الإسلامية بحق مطلق فى العدل وحق مطلق فى حرية الرأى والعقيدة فى الإيمان أوالكفر، فى الهداية أوالضلال طالما لا يتعرض فى حريته القولية والفعلية الى سب الأشخاص واهانتهم ، هنا يقع فى عقوبة القذف وهى من حقوق الأفراد أو حقوق الانسان وليس من حقوق الله تعالى. حسابه عن عقيدته عند ربه فقط يوم القيامة وليس لأى بشر أن يتدخل فى تلك الحرية الدينية بأىحال من الأحوال ، والا كان مدعيا للالوهية متقمصا دور الله تعالى ، وهذا ينافى عقيدة الاسلام فى أنه لا اله الا الله. 
(3) حق المجتمع المطلق فى السلطة السياسية: أو "الشورى"{الأمة مصدر السلطة } 
الله تعالى وحده هو الذى لا يُسأل عما يفعل، وما عداه يتعرض للمساءلة (الأنبياء 23) وعليه فإن المستبد بالسلطة والذى يتعالى عن المساءلة من الشعب إنما يجعل نفسه مدعياً للألوهية، ولذلك فإن الاستبداد يقترن بادعاء الألوهية صراحة أو ضمنا، وهذا ما يؤكد التناقض بين الاستبداد والاسلام فى مجال العقيدة، وفى نفس الوقت يوثق الصلة بين الشورى ـ أو الديمقراطية الاسلامية وعقيدة أنه لا اله الا الله تعالى. وقد جعل الله تعالى من فرعون موسى مثلا للمستبد الذى أوصله استبداده لادعاء الالوهية، وتكررت قصته فى القرآن للتأكيد على هذا المعنى للأجيال القادمة بعد نزول القرآن الكريم.. وهذا هو موقع الشورى فى عقيدة لا إله إلا الله الإسلامية، يعزز ذلك أنه إذا كان النبى محمدعليه السلام مأموراً بالشورى فى قوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ (آل عمران 159) فإن أى حاكم يستنكف من الشورى يكون قد رفع نفسه فوق مستوى النبى، أى يكون مدعياً للألوهية. 
على أن الآية الكريمة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ تؤسس حق المجتمع المطلق فى السلطة، أو أن الأمة مصدر السلطات، وهذا يشمل كل الأمة من رجال ونساء وأغنياء وفقراء على قاعدة المساواة. تقول الآية فى خطاب النبى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ﴾. أى بسبب رحمة من الله جعلك ليناً معهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، وإذا انفضوا من حولك فلن تكون لك دولة ولن تكون لك سلطة، لأنك تستمد سلطتك من اجتماعهم حولك، وإذن فهم مصدر السلطة والقوة لك، وبهم تكونت لك دولة وانتهت قصة اضطهادك فى مكة، ولأنهم مصدر السلطة فاعف عنهم إذا أساءوا إليك واستغفر لهم إذا أذنبوا فى حقك وشاورهم فى الأمر لأنهم أصحاب الأمر، فإذا عزمت على التنفيذ فتوكل على الله. 
إذن فالنبى حين كان "حاكماً" للدولة الإسلامية فلم يستمد سلطته من الله كما يدعى أصحاب الدولة الدينية، وإنما يؤكد القرآن على أنه كان يستمد سلطته من الأمة ومن اجتماعها حوله، ولذلك جعله الله تعالى برحمته ليناً هيناً معهم، ولو كان فظاً غليظ القلب لتركوه وانفضوا عنه وانهارت دولته. وهذا هو النبى وتلك دولته الإسلامية..!! 
والدولة الإسلامية تتفق مع الدولة العلمانية فى أن الأمة أو المجتمع هو مصدر السلطات. وتختلف الدولتان (الإسلامية والعلمانية) عن الدولة الدينية فى ذلك الأمر، إلا أن الدولة الإسلامية تختلف أيضاً مع الدولة العلمانية فى تطبيق مبدأ "الأمة مصدر السلطات" الذى يعبر عن حق المجتمع المطلق فى السلطة. 
فالدولة العلمانية فى تنفيذها هذا المبدأ تعتنق نظرية العقد الاجتماعى، وهو أن الأمة تتنازل عن جزء من سيادتها لحاكم ومجموعة من الناس لكى تحكم بالنيابة، وتنتخب الأمة مجموعة تمثلها فى البرلمان وتنوب عنها فى التشريع ومساءلة الحاكم، باختصار فالأمة فى الدولة العلمانية لا تحكم وإنما تنيب عنها من يحكمها وتنيب عنها من يمثلها ويتحدث باسمها، وهذه نقطة الخلاف بين الدولة المدنية الإسلامية والدولة المدنية العلمانية. 
فالخطاب السياسى والتشريعى فى القرآن لا يتوجه إلى حاكم مسلم أو سلطة حاكمة مميزة تختص بالحكم والتشريع والتطبيق. وإنما يتوجه إلى الأمة التى تحكم فعلاً نفسها بنفسها وفق ما يسمى بالديمقراطية المباشرة والتى يكون فيها الحاكم موظفاً بعقد وبأجر ولمدة محدودة لينفذ المطلوب منه باعتباره أجيراً وخادماً للأمة، فإذا انتهى عقده رجع إنسان عادياً يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق. 
ولكى تمارس الأمة هذا الحق المطلق لها فى السلطة فإن القرآن قام بتحويل هذا الحق إلى فريضة ملزمة واجبة وقرنها بالصلاة والزكاة، وذلك فى سورة "الشورى" قبل أن يقيم المسلمون لهم دولة، وسورة الشورى مكية، وفيها يقول تعالى يصف المجتمع المسلم المدنى فيقول من ضمن ملامحه ﴿وَالّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى 38) فجاءت الشورى بين الصلاة والزكاة لتؤكد أنها فريضة كالصلاة تماماً، فإذا كانت الصلاة فرض عين فالشورى كذلك، وإذا كانت الصلاة تؤدى فى المسجد فكذلك كانت الشورى، وإذا كانت الصلاة لا تصح فيها الاستنابة والتمثيل النيابى فالشورى أيضاً كذلك. كما أن الحديث عن الشورى جاء وصفاً للمجتمع القوى الذى يمسك زمام أموره بنفسه، فقال تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ﴾.وكون أمرهم شورى بينهم يؤكد على اشتراكهم جميعا فى مسئولية القيام بالأمر على قاعدة المساواة، بلا فرق بين غنى أو فقير ، رجل أو امرأة. 
وهنا يتأكد نفس الخطاب القرآنى فى التوجه للمجتمع بأسره دون حاكم. فى التشريع الإسلامى فى الدولة الإسلامية يأتى الخطاب دائماً للمجتمع وعن المجتمع عندما يكون التشريع عاماً وغير مختص بعصر النبى وحده، واقرأ مثلاً ﴿وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ﴾ (الأنفال 60) ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (البقرة 178) ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَآ﴾ (النساء 35) ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ﴾ (النساء 5،6). 
وعندما انتقل المسلمون إلى المدينة وأقاموا لهم دولة "مدنية" كانت مجالس الشورى تعقد فى المسجد وينادى على الناس بأذان يقول "الصلاة جامعة". وفى بداية الأمر تثاقل بعض الأنصار عن حضور مجالس الشورى، وبعضهم كان يعتذر للنبى قبل الحضور، وبعضهم كان يعتذر بعد الحضور وبعضهم كان يتسلل لواذاً بعد الحضور دون استئذان. وذلك التثاقل يعنى أن ينفرد بالأمر قلة لا تلبث أن تحتكر السلطة، وتتعطل فريضة الشورى ويضيع حق الأمة بسبب تهاون أبنائها وتحولهم إلى "أغلبية صامتة"، من أجل ذلك نزلت الآيات الثلاث الأخيرة من سورة النور، وهى من أوائل السور المدنية، نزلت الآيات تجعل حضور مجالس الشورى فريضة إيمانية تعبدية وتهدد وتحذر من يتهاون فى الحضور، والتزم المسلمون بعدها فى حضور مجالس الشورى، وتحدثت سورة المجادلة عن مكائد المنافقين وإشاعاتهم فى تلك المجالس (المجادلة 7: 13). 
ولأنه ليس فى الدولة الاسلامية حاكم فرد ـ ديمقراطى أو استبدادى ـ ولأن المسلمين كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم وفق نظام محدد أشار اليه القرآن وفصلناه فى مؤلفات لنا سابقة فإن النبى محمدا عليه السلام حين مات لم يرشح بعده حاكماً بل ترك الأمة تحكم نفسها بنفسها وفق ما تعودوا عليه فى عصره . وأول خروج عن تعاليم الاسلام حدث حين أقام المهاجرون أبا بكر حاكما بسبب ظروف استثنائية كانت لمواجهة هجوم المرتدين على المدينة فاحتاجوا الى قائد حربى ما لبث أن تحول الى حاكم فردى ديمقراطى. ثم تزايد العصيان لتشريع الاسلام بالفتوحات العربية التى حملت اسم الاسلام زورا لتعتدى على من لم يعتدوا على المسلمين ويحتلوا بلادهم ، وأدى الوضع الجديد ـ الفتوحات ـ الى الحروب الأهلية، والتى أدت بدورها الى تدمير الحكم الديمقراطى للخلفاء الراشدين وتحوله الى حكم استبدادى وراثى قائم على القهرهو الحكم الأموى العسكرى القبلى ، وهو الذى أسلم الراية الى الحكم العباسى الدينى الذى شهد تدوين التراث للمسلمين ليبرر الدولة الدينية ويؤكد زورا انتماءها للاسلام بالأحاديث المنسوبة كذبا للنبى محمد عليه السلام والفتاوى التى أصدرها علماء السلطان المستبد .  
الشيخ على عبد الرازق الذى قال بالفصل بين الإسلام والدولة أساء فهم الآيات القرآنية التى كانت تخاطب مجتمعاً ولا تخاطب حاكماً أو رئيساً. ولأن العقول عاشت على وجود رئيس يستأثر بالسلطة ويتوجه إليه الخطاب فإن الشيخ على عبد الرازق فهم خطأ أنه ليس فى الإسلام دولة،لآن القرآن لا يخاطب حاكما. وفعلاً فإنه ليس فى الإسلام دولة ثيوقراطية أو حتى دولة رئاسية، وإنما هى دولة يحكمها شعبها بالديمقراطية المباشرة وفق نظام الدولة السويسرية فى عصرنا. إن أساس قوة هذه الدولة فى قوة أفرادها وقوة المجتمع، والشورى فى مصطلح القرآن وشريعته هى فن ممارسة القوة. وكل فرد مفروض عليه أن يمارس الشأن العام بحيوية وفعالية. وليس من حق أحد أن يستأثر بالسلطة. وإذا حدث ذلك فإن الشورى تصبح فريضة غائبة. 
(4) حق المجتمع المطلق فى الثروة: 
الثروة فى الأصل ملك لله تعالى، وقد جعلها حقاً مطلقاً للمجتمع، وهى حق نسبى للأفراد بحسب العمل وحسن الاستغلال والاستثمار، وهى حق للورثة طالما أحسنوا الاستغلال والاستثمار، فإذا تصرفوا بسفاهة قام المجتمع بالحجر عليهم والالتزام بالإنفاق عليهم وحسن معاملتهم. نستفيد هذا من قوله تعالى ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مّعْرُوفاً. وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ حَتّىَ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (النساء 5: 6) فالمال حق مطلق للمجتمع ولهذا كان الخطاب للمجتمع فى الإشراف على الثروة ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ والمجتمع هو القائم على تنمية الثروة ﴿الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ فإذا أحسن الفرد القيام على تنمية ثروته كانت حقاً له ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ويتجلى هذا فى الفرق بين كلمتى "أموالكم" و"أموالهم" فى الآية. 
وبالنسبة لمن يعجز عن الكسب فإن له حقاً فى ثروة الأمة، والقرآن يؤكد على "حق" السائل والمحروم وحق المسكين واليتيم وابن السبيل فى الصدقات الفرية والصدقات الرسمية كقوله تعالى ﴿وَالّذِينَ فِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ مّعْلُومٌ. لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج 24: 25)، ﴿وَفِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات 19) ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىَ حَقّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ﴾ (الإسراء 26) ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَىَ حَقّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ﴾ (الروم 38) ﴿وَآتُواْ حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام 141).ويلاحظ هنا ان حقوق الفقراء والمساكين واليتامى وأبناء السبيل لا شأن لها بالعنصر والدين والايمان والكفر والملة والطائفة والذكورة والأنوثة. يكفى أن يكون أحدهم فقيرا أو مسكينا أو ابن سبيل أو يتيما ليأخذ حقه .  
(5) حق المجتمع المطلق فى الأمن: 
الوظيفة الأساسية للدولة الإسلامية نحو أفرادها هى إقامة القسط وضمان حرية العقيدة وحمايتهم داخليا وخارجيا بتوفير الأمن الداخلى والخارجى. الأمن ضد الخطر الخارجى يعنى أن يكون للمجتمع جيش قوى يرهب الأعداء من الاعتداء عليه ﴿وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ﴾ (الأنفال 60) وهذا الاستعداد لإرهاب العدو يعنى ردعه عن التفكير فى الاعتداء وبالتالى حقن الدماء ـ دماء العدو ودماء أبناء الدولة الاسلامية ـ وهذا يقع ضمن مشروعية القتال فى الدولة الإسلامية. انها دولة تعتنق السلام كفريضة دينية فى تعاملها الدولى، اذ لا مجال فى شريعة الاسلام للاعتداء على أحد بل مجرد رد العدوان بمثله. وشان الدولة المسالمة أن يتشجع المعتدون على الاعتداء عليها اذا اقترن السلام عندها بالضعف، ولذا كان لا بد من أن يقترن السلام بالقوة الحربية لتخويف المعتدين وردعهم. وبذلك فان القرآن الكريم فى تشريعاته قد سبق سياسة الردع النووى الى استعملها المعسكران الغربى والشيوعى فى النصف الثانى من القرن السابق.  
مشروعية القتال فى الدولة الاسلامية تتفق والقسط والعدالة، فكل الآيات التى تحض على القتال هى أوامر تشريعية تخضع لقواعد تشريعية تحصر القتال فى الدفاع ورد الاعتداء بمثله ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة 190،194) ثم المقصد النهائى للقتال هو أن يكون لمنع الاضطهاد والإكراه فى الدين، والمصطلح القرآنى هو الفتنة وتعنى الإكراه فى الدين، يقول تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ﴾ (البقرة 193) ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لله﴾ (الأنفال 39) ومعنى أن يكون الدين كله لله أى بدون كهنوت، وأن يكون الناس أحراراً فى اختيار ما يشاءون من عقائد حتى لا تكون لأحدهم حجة أمام الله تعالى يوم القيامة. 
إذن فالعدل والقسط هما أساس التعامل مع العدو الخارجى ويكون بتكوين دولة قوية بجيشها وأهلها، لتؤكد حق المجتمع المطلق فى الأمن.  
كما أن من حق الأفراد النسبى أن يعيش كل منهم آمناً وعلى أساس التساوى وبحيث لا يستأثر فرد واحد بالحماية دون الآخر، حتى لو كان ذلك الفرد هو رئيس الدولة، وفى الدولة الدينية والدولة المستبدة العلمانية والعسكرية ، وحتى فى الدولة الديمقراطية التمثيلية نرى نصيب الحاكم فى الأمن يفوق ما للفرد العادى من الحماية. بل ان الدول المستبدة ـ علمانية أو دينية ـ تنفق على الأمن السياسى الذى يعنى أمن الفرد الحاكم وزمرته أضعاف ما تنفق على الأمن الجنائى الذى يحمى المجتمع كله.  
ان الأمن هو مقياس مدى ما يتمتع به الحاكم من سلطات. فى دول الديمقراطية المباشرة يكون الحاكم أجيرا حقيقيا للمجتمع لا يتميز عن الشخص العادى بشىء ، وهكذا كان النبى محمد عليه السلام فى حياته فى مكة والمدينة ، يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق بدون حراسة، شأن كل شخص عادى. عندما يزداد نفوذ الحاكم فى الديمقراطية التمثيلية يكون ذلك على حساب الشعب الذى تنازل عن جزء من سلطته للحاكم وأعوانه، وبالتالى يحتاجون الى حماية أمنية وحراسة بوليسية ظاهرة ومستترة تتساوى وما أخذوه من حقوق الناس بالرضا أو بالظلم. اذا وصلنا الى الحاكم المستبد الذى يسرق حقوق شعبه الاقتصادية والسياسية والانسانية نجده فى حالة رعب من الناس اعترافا منه بما ارتكبه فى حقهم . لا بد له من ارهابهم وتعذيبهم ليسكتوا عن المطالبة بحقوقهم خوفا من هيبة الدولة التى هى هيبة الحاكم الفرد نفسه. وبزيادة الظلم والتعذيب يزداد خوف الحاكم أكثر وتطارده صرخات ضحاياه ، فيحاول التخلص من تلك الكوابيس بالمزيد من اجراءات الأمن فيزداد الارهاب على المواطنين ويزداد بالتالى هلع الحاكم من انتقام منتظر قادم لا محالة ، وهكذا يدور المستبد فى حلقة مفرغة متزايدة من الظلم والارهاب والخوف من الانتقام القادم أو احتمال الثورة بحيث لا تكفى قوى الجيش والبوليس وأجهزة الأمن المختلفة فى أن تجعل المستبد المذعور الملعون يحس بالأمن. ولو أنصف لأعطى الناس حقوقهم بالعدل والمساواة وتمتع معهم بالأمن والحرية ، وعاش حياته بين الناس متنمتعا بالحب والاحترام أثناء فترة عمله رئيسا وبعد تركه العمل شأن كل خادم للشعب أو حاكم فى نظام الديمقراطية المباشرة حيث لا يمتاز عن غيره من المواطنين فى الحراسة والأمن. 
ثانياً: فى الدولة الدينية فى تاريخ المسلمين: 
الشورى الاسلامية وحقوق الانسان ضاع فى الدولة الأموية القائمة على العسف والقوة الظالمة فى سياستها العملية، ثم جاءت الدولة العباسية وقامت بتشريع ذلك الابتعاد عن شرع الله تعالى عن طريقين: (1) إسناد أحاديث زائفة للنبى تشرع ذلك الخروج عن شرع الله تعالى. (2) إلغاء التشريع القرآنى الذى يخالفهم بدعوى أنه منسوخ، مع أن النسخ فى مصطلح القرآن يعنى الإثبات والكتابة وليس الحذف والإلغاء، والأهم من ذلك كله أن الدولة العباسية التى شهدت تدوين التراث تجاهلت تدوين السنة الحقيقية للنبى فى إعداده للأمة وتربيته لأفرادها، والقرآن الكريم أشار إلى مهمة النبى فى المدينة ومنها أن يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، أى يسمو بهم، وكان ذلك يتم عن طريقين، الأولى فى خطب الجمعة والأخرى فى مجالس الشورى، ولقد عاش النبى فى المدينة عشر سنوات، وخطب أثناءها الجمعة أكثر من خمسمائة مرة، ومع ذلك تجاهل التدوين العباسى تسجيل تلك الخطب. كما أهمل تسجيل ما كان يدور من حوار سياسى ونقاشات فى مجالس الشورى، وظلت الآيات التى تحدثت عن هذه المجالس فى سورتى النور والمجادلة بدون روايات تاريخية حقيقية تعززها. 
والواقع أن الدولة الأموية كانت تحكم بقانون القوة، ولم تكن تهتم كثيراً باستصدار فتاوى تبرر ما تقوم به من فظائع بلغت قتل الحسين وآله وانتهاك حرمة الكعبة والحرم واستباحة المدينة ثم قتل مئات الألوف فى ولاية الحجاج على العراق. ولعل خطبة عبد الملك بن مروان سنة 75 هـ أمام أهل المدينة توضح هذه السياسة، إذ قال "أما بعد، فلست الخليفة المستضعف- يعنى عثمان- ولست الخليفة المداهن- يعنى معاوية- ولست الخليفة المأفون- يعنى يزيد بن معاوية- ألا وأنى لا أداوى هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لى قناتكم، فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم، والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه" ومن يتأمل هذه الخطبة لا يصدق أن حاكماً مسلما يمكن أن يقولها علنا للمواطنين. 
وجاءت الدولة العباسية تكرر نفس السياسة ولكن تقوم بتبريرها وتشريعها عن طريق فقهائها، ولذلك كان أبو جعفر المنصور يخطب فيعلن فى عرفات للناس "إنما أنا سلطان الله فى أرضه أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه". وهذا هو المبدأ الأساسى للدولة الدينية فى الخلافة العباسية والفاطمية والعثمانية، وهو أيضاً نفس المبدأ للإمبراطورية الرومانية المقدسة. أن يحكم الخليفة أو الإمبراطور بالسلطة الإلهية ويملك بها الأرض ومن عليها، ويعاونه فى ذلك رجال الدين وفقهاء السلطة، ومن هذه السياسة نبتت تعبيرات مختلفة منها "الراعى والرعية" و"أهل الحل والعقد". وتعنى أن الحاكم المتآلة هو الراعى وأن المجتمع مجموعة من القطعان يتصرف فيهم الراعى كيف يشاء باعتبار أنه يملك هذه الرعية ومسئول عنها أمام الله وحده، ولا يمكن لأحد من القطيع أن يسائل الراعى. ولكن الذى يعاون الراعى فى قيادة القطيع هم الملأ الذين يستشيرهم الراعى وهم أهل الحل والعقد. 
ومن العبث هنا أن نتساءل عن القسط أو عن الحق فى حرية العقيدة والتعبير أو سائر الحقوق النسبية، فقد احتكرها شخص واحد وصار بها مستبداً مدعياً للألوهية. 
 
التناقض بين حقوق المواطنة بين الدولتين: 
إذا كان هذا هو حال الأفراد المسلمين داخل الدولة الدينية، فما هو وضع غير المسلمين فيها.. ثم ما هو وضعهم فى الدولة الإسلامية. 
(1) نبدأ بالدولة الإسلامية: 
هنا نشير إلى أن مصطلح الإيمان والإسلام فى التعامل البشرى بين أفراد الأمة والمجتمع يعنى الأمن والأمان والسلم والسلام. فالمؤمن هو المأمون الجانب مهما كانت عقيدته، والمسلم هو المسالم مهما كان دينه. والجميع مهما اختلفت أديانهم هم مسلمون مؤمنون طالما لا يرفع أحدهم السلاح ضد الآخر، والجميع مهما اختلفت دياناتهم وعقائدهم ومذاهبهم موعدهم أمام الله تعالى يوم القيامة ليفصل بينهم فيما كانوا مختلفين. وإلى أن يأتى هذا اليوم فالجميع يعيشون فى إطار العدل والقسط والمساواة ولهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. والآيات فى ذلك بالمئات فى القرآن، ولكن نستشهد بآية واحدة جاء فيها الإذن بالقتال، ونصت على حيثيات الإذن بالقتال واختتمت بالمقصد التشريعى للقتال وهو حماية دور العبادة من صوامع وبيع وصلوات لليهود والنصارى ومساجد للمسلمين وفيها جميعاً يذكر أصحابها الله تعالى كثيراً (الحج 40). 
ثم نستشهد بآية أخرى يتحدد فيها مفهوم المواطنة، يقول تعالى ﴿إِنّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مّنْهُمْ﴾ (القصص 4) فالطائفة المستضعفة كانوا بنى إسرائيل، والقرآن يعتبرهم ضمن أهل مصر مع اختلافهم العرقى والدينى. أى أن تشريع القرآن يجعل الوطن للجميع بدون أقلية أو أكثرية. وفى نفس الوقت فإن الدين كله لله تعالى بلا كهنوت فى الدنيا، ومرجعه لله تعالى يحكم فيه فى الآخرة، أى أن مقولة "الدين لله والوطن للجميع" هى تشريع قرآنى. 
ولكن ذلك التشريع القرآنى خالفته الدولة الأموية حين تعصبت عنصرياً ضد غير العرب من الموالى والأقباط المصريين والأنباط فى الشام والبربر فى شمال أفريقيا. ثم جاءت الدولة العباسية منذ خلافة المتوكل العباسى وتعصبت ضد غير المسلمين من النصارى واليهود وضد غير السنيين من الشيعة والصوفية. وفرضت زياً معيناً لتحقير أهل الكتاب، وقبل ذلك تم فرض الجزية على غير المسلمين خلافاً للتشريع القرآنى واعتبروهم مواطنين درجة ثانية فى إطار أنهم أهل الذمة. وتبارى فقهاؤهم فى التعقيد الفقهى لذلك التشريع المخالف للقرآن الكريم. 
 
وفى النهاية: 
نقررالحقائق التالية: 
1- أن الدولة الإسلامية ليست يوتوبيا خيالية، بل قد أمكن تأسيسها من لا شىء فى عصر النبى محمد وصمدت بعدها، وكان نتيجة انهيارها فى الفتنة الكبرى حروباً طوالاً، أى لم تسقط بهدوء، ولكن قاومت بشراسة حتى أن المقاومة استطاعت إنهاك الدولة الأموية وإسقاطها فى عنفوان شبابها. ثم جاءت الدولة العباسية بعد أن خدعت المسلمين بشعار "الرضى من آل محمد" وزعم إعادة الدولة الإسلامية للنبى محمد . ولكنهم ما لبثوا أن أقاموا دولة تتمسح بالاسلام وتناقضه فى نفس الوقت. 
2- برغم التحريف وإرساء قواعد تشريعية للدولة الدينية فى العصر العباسى فإن حقائق القرآن المنزه عن التحريف لا تزال تحتفظ بأسس الدولة الإسلامية وتناقضها مع الدولة الدينية التى عرفها المسلمون والغرب على السواء. 
3- "الاسلام هو الحل" شعار يرفعه الاخوان المسلمون لخداع الناس واتخاذ الاسلام مطية يصلون بها للسلطة. ونحن نقول " الاسلام هو الحل " فعلا فى تعرية الاخوان المسلمين واثبات عدائهم للاسلام الذى يتمسحون به. الاخوان المسلمون هم ثقافة دينية تنتمى للعصور الوسطى المظلمة بتعصبها وتطرفها واستبدادها ، وهم أكبر من أن يكونوا مجرد تنظيمات سرية وعلنية. أى اننا لا يمكن أن نواجههم الا بثقافة اسلامية مستنيرة من داخل الاسلام. ومن حسن الحظ أن الاسلام يناقضهم على طول الخط عقيديا وتشريعيا وسلوكيا وأخلاقيا وثقافيا. ومن هنا نقول ان " الاسلام هو الحل " فى مواجهة الاخوان المسلمين . لا بد من مواجهتهم بالاسلام . 
4- أن الدولة العلمانية الحديثة هى الأقرب للدولة الإسلامية، ولكن أقرب النظم الحديثة للدولة الإسلامية هو نظام الديمقراطية المباشرة فى الاتحاد السويسرى.واذا كانت الدولة الاسلامية فى عصر النبى محمد قد سقطت لأنها كانت ضد المناخ السائد فى العصور الوسطى فان مبادئها تتسق مع المناخ السائد فى عصرنا، وهى فعلا موجودة على أرٍض الواقع فى الاتحاد السويسرى ، وبصورة أقل فى الديمقراطيات الغربية النيابية التمثيلية. 
5- إن نظام العقوبات أو ما يعرف بالحدود فى الدولة الإسلامية جرى تحريفه فى التطبيق التاريخى للمسلمين كما جرى تدوين ذلك التحريف فى تشريعات الفقه التراثى. وهذا يستلزم بحثاً خاصاً فى إطار التشريع القرآنى واختلافه عن تشريع الدولة الدينية وتراثها.

الملحق الرابع: الاخوان و الاستبداد و الديمقراطية

الاخوان و الاستبداد و الديمقراطية

التحليل السياسي للحركة الدينية يكون قاصرا حين لا ينفذ الى الجذور ، فالحركات الدينية المنتمية للإسلام كلها حركات تراثية ولابد في بحثها من العودة الى الجذور التاريخية والعقيدية . وعموما فإن المسلمين فى عصرنا ينقسمون الى ثلاثة تيارات أساسية : السنة والشيعة والصوفية . الصوفية أكثرهم اعتقادا فى الخرافات ولكنهم أكثرهم ميلا للسلم والاعتراف بالآخر وحرية العقيدة ، والشيعة أقل عنفا من السنة والأكثر فى التقية والدهاء ، والسنة هى الأكثر عنفا وتعصبا . وينقسم السنة الى أربع مدارس ، الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة . والحنابلة أشد المدارس السنية تعصبا وأفرز الحنابلة تيار ابن تيمية وهو الأكثر تعصبا بين الحنابلة، ثم فى تاريخنا الحديث نشأت الوهابية أكثر خط متشدد داخل الخط التيمي "نسبة الى ابن تيمية" الحنبلى السني.  
وبتحالف ابن عبد الوهاب مع ابن سعود أقيمت الدولة السعودية الأولى 1745 التى ارتكبت مذابح فى الجزيرة العربية والشام والعراق حتى قضى عليها محمد على 1818 ، ثم أعيد تأسيسها لعدة عقود فى القرن التاسع عشر وسقطت ثانية ، ثم فى القرن العشرين بدأ عبد العزيز آل سعود تأسيسها للمرة الثالثة فيما بين 1920-1926 وأعطاها اسم السعودية ، اسم أسرته سنة 1932. 
والذي ساعد عبد العزيز فى إنشاء هذه الدولة كان "الإخوان" وهم أعراب متشددون أرضعهم الفكر الحنبلى الوهابي على أساس أنه الإسلام الحقيقي الذى ينبغي فرضه بالقوة ، وأن المسلمين الآخرين هم مشركون ، وأن النصارى واليهود كفار ، وينبغي التعامل معهم بالسيف طبقا لتعليمات محمد بن عبد الوهاب فى رسائله الكثيرة . اختلف الإخوان مع سيدهم عبد العزيز حين رأوه يتعامل مع المصريين "الذين هم مشركون حسب التوصيف الوهابي" وحين رأوه يتعامل مع الإنجليز"الكفار" وحدثت حروب بين الإخوان وعبد العزيز فقضى عليهم ، إلا أنه بدلا من اصلاح الفكر الوهابي الذى تعلمه الإخوان "إخوان عبد العزيز" فإنه صدّر هذا الفكر الى مصر ، والشرق الأوسط ، والهند. عن طريق عميله الشيخ رشيد رضا وبتخطيط من مستشاره المصري حافظ وهبة . واستطاع عبد العزيز أن يحول الجمعية الشرعية فى مصر من توجهها الصوفى المسالم إلى التوجه السلفى المتشدد سنة 1927 وفى نفس العام الذى يليه ، أنشأ عبد العزيز جمعية وهابية بحتة ، هى أنصار السنة المحمدية ، التى تزعمها الشيخ حامد الفقى ، وأنشأ جمعية أخرى حركية ، شبه عسكرية ، هى جمعية الشبان المسلمين ، وكان حسن البنا أشهر المنتمين اليها ، فتم تكليفه عن طريق رشيد رضا لإنشاء جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928 كجماعة سياسية (عسكرية) تريد الوصول إلى الحكم وإقامة الخلافة. وبنفس المنوال أنشأ عبد العزيز التيار السلفى داخل الهند بمدارسة وكوادرة مستغلا الشعور العدائي بين المسلمين الهنود والهندوس ، مما ساعد على تقسيم الهند وإقامة باكستان كإحدى الأخطاء الكبرى فى القرن العشرين .  
نعود الى مصر والإخوان "المصريين" الذين أنشئوا تحت نفس اسم الإخوان السعوديين من قبل ، ونرى حسن البنا قد استغل تقاصر الحكومات فى عصره عن الإصلاح الاجتماعي ووجود شباب ناقم مع ليبرالية سياسية ـ استغل ذلك كله فى ما بين 1928 – 1948 فى أن ينشئ خمسين ألف فرع للإخوان فى ربوع مصر ، وأن ينشئ جيشا سريا "التنظيم السري", وأن ينشئ حركة الإخوان المسلمين العالمية وفروعا لها فى البلاد العربية أو الاسلامية وأن ينجح فى قلب الحكم فى اليمن "ثورة الميثاق" مما نبه الدولة المصرية إلى خطورته ، فاغتالوه ، وكان قبلها قد اغتال اثنين من رؤساء الوزارات المصرية وأحد القضاة، وكان قد نجح فى التسلل الى الجيش والتحالف مع الضباط احالف مع الضباط الأحرار . 
وقامت الثورة المصرية بتأييد معلن من الإخوان ، إذ كانوا جناحها المدني ، ثم حدث الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر ، فهرب معظمهم إلى السعودية موطنهم الروحي ، ثم عادوا فى عصر السادات ، حيث تحكموا فى الثقافة والاعلام والتعليم والأزهر ، فتحولت مصر فى خلال القرن العشرين من تدينها المشهور بتسامحه وتصوفه الى تدين آخر, اكثرة سني متعصب حنبلي . وردّ الإخوان الجميل للسادات باغتياله ، حيث أن التنظيمات الكثيرة التى تفرعت كلها تنتمي فى الأصل الى الإخوان من الجهاد والجماعة الإسلامية والتحرير الإخواني .. ألخ . انةوهذا مجرد توزيع أدوار بين الشيوخ المهادنين : يصدرون الفتاوى ويتحكمون فى الحياة العقلية والدينية والفكرية ، بينما الشباب يتولى التنفيذ ، ومقتل فرج فودة أكبر دليل. هذه هى طبيعة الحركة الدينية السياسية فى مصر ، والعالم العربي ، وكلها نتاج للدولة السعودية وتدينها الحنبلى الوهابي والذى ينتج عنه عادة إقصاء الطرف الآخر ، إما بحد الردة أو تحت مسمى الجهاد . ولا يمكن فى ظل الوهابية الحنبلية ان تقام دولة الا كالدولة السعودية , اى اسرة تملك الأرض ومن عليها وتعطى الدولة اسمها, كما يطلق احدنا اسمة على ما يملكة من عقار وممتلكات. 
 
. بالطبع هناك أنواع أخرى من التدين فى العالم الاسلامي ، فتركيا مثلا تدينها صوفى ، لذا فالحركة السياسية الدينية هناك متأثرة بالتدين الصوفي ، لذا تعترف بالآخر وبتداول السلطة ، وهكذا تجد التدين فى إندونيسيا وفى معظم تجمعات المسلمين فى شرق وجنوب شرق آسيا ، على أن النفوذ السعودي فى عصر الحقبة النفطية استطاع التسلل الى بعض التجمعات الإسلامية المشهورة بتسامحها ، مثل إندونيسيا والفلبين والبلقان وأنشأت مدارس لنشر الفكر الوهابي ، وخلقت منظمات وهابية ارهابية ، إلا أن ذلك يعتبر نشازا وسط ثقافة التسامح الصوفية لدى المسلمين هناك. 
وهكذا فإنه لكى نفهم ونحلل ما يسمى بالحركة الإسلامية لا يكفي أن ننظر إليها نظرة فوقية وإنما لابد أن نغوص فى جذورها التاريخية والدينية وهذا هو المنهج الذى أتبعه ، فدائما تحمل دراساتي تلك العبارة "دراسة أصولية تاريخية" إذ لا يمكن الفصل بين ما يقوله زعماء وقادة التطرف الآن ، سواء كانوا حركيين"ابن لادن، أيمن الظواهرى، مصعب الزرقاوي" أو كانوا منظرين "المسعري، سعد الفقيه ، القرضاوي ، عبد العظيم المطعني، عبد الصبور شاهين، صالح الفوزان"  
وعموما لا بد من ارساء ثقافة الديمقراطية فى التعليم والأعلام, وفى البيت والأ سرة والمدرسة والمسجد والنادى والمجتمع. و لا بد من التأكيد على اثنين من الحقوق الأساسية للانسان فى القرآن الكريم , وهما العدل و الحرية المطلقة فى العقيدة و الفكر. وقد يكون سهلا ارساء ثقافة الديمقراطية وحقوق الأنسان فى المجتمعات المسلمة الصوفية ولكنة عسير فى تلك المجتمعات التى يسيطر عليها الفكر الحنبلى الوهابى. الأ انة لا بد من الجهاد لتغيير تلك الثقافة واحلال التسامح والليبرالية مكانها حتى يمكن انجاح الديمقراطية , والا وثب الحنابلة المخادعون الى السلطة بالديمقراطية لينقلبوا عليها باسم الشرع"الوهابى". 
ومن هنا بادر مركز ابن خلدون فى أواخر التسعينيات لطرح مشروع إصلاح التعليم بناء على مقالة لى كانت قد ظهرت فى روزاليوسف قبلها بسنتين تدعو لإصلاح التعليم ، حتي لا نمر بتجربة الجزائر وحركة التعريب فيها ، التى قام بها الإخوان بالجزائر فأنشئوا جيلا متعصبا دمويا لم يجد فى الجزائريين نصرانيا ولا يهوديا ، وإنما وجدهم جميعا مسلمين سنيين ، فاتهمهم بالكفر وقتل الآلاف منهم . نجح مشروع التعليم الذى تبناه مركز ابن خلدون ، وقمت فيه بإعداد مناهج دينية بديلة – فى إثارة المشكلة وإظهارها للعيان ، وبعدها أصبح مطلب إصلاح التعليم الديني شعارا تتمسك أمريكا وأوروبا بعد 11 سبتمبر. 
وإصلاح التعليم يعني أن هناك جذورا تاريخية ودينية فى مسألة الحركة الاسلامية المعاصرة لابد من بحثها لتوضيح توجهات هذه الحركة ، هل هي صوفية مسالمة تعترف بالآخر ، أم هي إيرانية شيعية تحترف الدهاء والتقية ، وتتسلل إلى الآخرين ، أم هي وهابية حنبلية تيمية لا ترى إلا نفسها وتصادر حق الآخرين فى الحياة والاعتقاد. 
و لا بد من الأصلاح التشريعى لأرساء اطار قانونى شرعى تجرى في اطارة عملية الأصلأح السياسى والدينى والتعليمىوالأعلأمى والأقتصادى لتمهيد الطريق للديمقراطية . عندها يظهرالتيار السلفى على حقيقتة المعادية للاسلام و الأنسان , ويعود الى من حيث اتى ؛ يعود الى متحف التاريخ. 
هذا كله كلام جميل يدخل فى اطار التمنى والنيات الحسنة والخيال الفسيح . لأن السؤال الهام هو كيف ؟؟؟ كيف يمكن اقامة الاصلاح وترسيخه على أرض الواقع ؟؟  
المرشحون عادة للاصلاح اما القوى الداخلية – اصلاح من الداخل – او القوة الخارجية – امريكا بايجاز. 
الأصلاح من الخارج يأتى عادة من المعارضة. المعارضة التى نحظى بها ونفاخر بها العالم كله علاقتها بالغة السوء بالديمقراطية. يسرى ذلك على الكيانات الحزبية القائمة فى الساحة والتى سمح بها النظام لتعطيه واجهة ديمقفراطية زائفة وقد تحدد لها سقف لا تتعداه فظلت مثل نبات الزينة مجرد زينة لا حياة فيها لذا تجد فيها مساوىء الحكم المستبد ومفاسده وهى لم تصل بعد للسلطة ..فكيف اذاوصلت لها وهى فى مقاعدها ومكاتبها البعيدة عن نبض الشارع والاحتكاك به.؟ فى مقابل هذه المعارضة الورقية الضعيفة تبدو المعارضة القوية التى يقال انها تحتل الشارع وتؤثر فيه وهى التنظيمات السلفية السياسية والأخوان المسلمين . هنا قد يقال أن الأخوان معتدلون بريئون من العنف وقد قبلوا بالاختيار الديمقراطى ، أذن هم الذين يقع عليهم العبء فى الاصلاح الديمقراطى وهم البديل الليبرالى للحكم العسكرى المستبد 
 
 
 
قد يحتاج الأخوان الى الديمقراطية كوسيلة للوصول للحكم ولكن بناءهم العقيدى والايدلوجى يحتم عليهم الانقضاض عليها عند أول فرصة. ابن لادن والزرقاوى وغيرهم من التنظيمات السرية والارهابية كانوا واضحين فى تكفير الديمقراطية واعتبارها خروجا على الحاكمية وهى الدين الأصلى للوهابية والأخوان المسلمين، الا ان الاخوان المسلمين بقبول الديمقراطية انما يخادعون الله تعالى والذين آمنوا وما يخدعون الا أنفسهم وهم لا يشعرون.  
الخداع وسياسة الوجهين هى سياسة الاخوان منذ عهد حسن البنا فى وقت ظهورهم العلنى الشرعى . حسن البنا كان يجمه داخل التنظيم الاخوانى كل المذاهب المتعارضة والمتعادية من الصوفية الى السنية الحنبلية الوهابية ، من شيوخ الازهر والفقهاء الى شيوخ الطرق الصوفية الى شباب الشبان المسلمين وشيوخ الجمعية الشرعية. ونجح فى تأجيل الخلافات العقيدية والمذهبية والاجتماعية الى مرحلةو الوصول للسلطةز وبينما كان يخاطب الاخرين بوجهه السلمى كان اعوانه فى التنظيم السرى يقتلون خصومه من السياسيين واذا افتضح امره كان يسارع للتبرؤ من اتباعه قائلا :" ليسوا اخوانا وليسوا مسلمين."!! كان فى الظاهرمنسجما مع النظام اليبرالى الديمقراطى فى مصروهو النظام الذى سمح له بالانتشارلينشىء خمسين الف شعبة فى العمق المصرى وأن يتحرك بدعوته كيف شاء يعقد الاتفاقات العلنية والسرية من الدولة السعودية الى القيادة البريطانية – ومشهورة المساعدة النقدية التى اعطوها له. ولم يكتف بتلك المساحة من الحرية فتآمر على النظام الليبرالى بمؤامرات الاغتيال فرد عليه النظام بالمثل واغتاله. ثم تآمر اتباعه على النظام كله وتحالفوا مع شباب الضباط من العسكر فكان الانقلاب العسكرى الذى حمل لقب الثورة سنة 1952 ، ثم تآمروا على الحركة النى ساعدوا فى اقامتها فكانت محنتهم التى تعلموا منها فنون التقية والخداع اكثر واكثر. 
الاخوان سعداء بالنظم الديكتاتورية أكثر من اى احتمال للاصلاح الديمقراطى. الاصلاح الديمقراطى يلغى وجودهم ويقم اليبرالية الفكرية التى تؤكد حرية الفكر والمعتقد. وحرية الفكر وحدها هى الكفيلة بتعرية حقيقة الاخوان وفكرهم المعادى للاسلام والانسان. أما فى وجود الديكتانورية فهم الضحايا، والديكتاتوريزايد عليهم فى الدين – وهو بجهله لا يعرف الا التدين الواقعى المخالف لحقائق الاسلام والذى تنافح عنه وتحميه المؤسسات الرسمية للحاكم نفسه – وبذلك تنتشر ثقافة الوهابية الاخوانية السنية التى عن طريق قطار النفط السريع أتيح لها أن ترفع لواء الاسلام زورا وبهتانا . والاخوان سعداء بهذا التدين الزائف المنسوب زورا للاسلام ويأملون بالنفس الطويل أن يؤول اليهم الحكم فى النهاية بدون مشقة بعد ان يسقط الديكتاتوروقد قام بتفريغ البلاد من كل القوى الحية . وفى الخراب المتبقى يتاح للاخوان الحكم . ليس ذلك كلاما نظريا بل هو واقع محزن لدول تفككت بعد أن امعن الحكم الديكتاتورى فى خرابها وقتل روح النخوة والنضال والكرامة لابنائها وشرد وصفى وقتل وحيد وغيب الطبقة الوسطى والنخبة المثقفة والقطاعات الحية الواعية من المجتمع ز بعدها لا يبقى من المجتمع الا أسوا من فيه ممن لا يعرفون من الحوار الا لغة الديناميت والقتل للمخالف فى الرأى لأنهم ليسوا اصحاب رأى ولا يعرفون النقاش الا بالبندقية فيتحول الوطن على أيديهم بعد غياب الديكتاتور الى ساحة حرب أهلية تدعو المجتمع الدولى للتدخل والاحتلال لكى يؤكد لنا للمرة الألف اننا عاجزون عن حكم انفسنا بانفسنا ، واننا أخطأنا حين قاومنا الاستعمار وجئنا باستعمار افظع لأنه استعمار محلى بلدى متخلف دمر الأرض وما عليها ومن عليها. وفعلا فقد أخطأنا حين نادينا بالجلاء دون الناداة بالدستور الديمقراطى ، فكانت النتيجة اننا وقعنا بين نابى العسكر والآخوان. هذا فى السلطة وذاك يترقبها. وبين هذا وذاك ضاع منا الدين – الاسلام – وضاع الوطن – وضاعت اواصر القربى – العروبة. لم يبق لدينا ما نفقده لذلك يسارع شبابنا الى تفجير نفسه املا فى وهم بعد أن فقد احلامه فى هذه الدنيا . الشباب فى كل أنحاء العالم هم عنوان المستقبل وعنوان الاقبال على الدنيا . أما عندنا ففى سبيل شخص واحد هو الديكتاتور أو فى سبيل أسرة حاكمة واحدة يضيع شبابنا – وهم أكثر شرائح المجتمع عددا – يضيعون بين اوهام المخدرات العادية او المخدرات التراثية ويضيع بالموت مفجرا نفسه او بالموت البطىء ، او ينسحب الى الماضى التراثى تاركا الحاضر والمستقبل. يتلاعب بعقله شيوخ التطرف ويصادر الديكتاتور احلامه بينما ينتظر الاخوان على مهل سقوط الوطن ضحية ليرثوه خرائب.  
خذوها منى كلمة : الديكتاتور خائن لوطنه ولشعبه مهما كان حسن النية . وهذه حقيقة تاريخية وانسانية.... 
والمتلاعب بدين الله تعالى يشترى بآيات الله تعالى هو خصم لله تعالى يوم القيامة . وهذه حقيقة قرآنية ... 
لقد آن الأوان لنا ان نتخلص منهما معا بالديمقراطية وبطريقة سلمية تتيح للحاكم أن يكون خادما حقيقيا للشعب يخدمه فترة من الوقت ثم يستريح ليعيش تحوطه رعاية الناس وحبهم . أليس هذا أفضل من أن يضطر المستبد للتمسك بالحكم الى آخر نفس فى حياته ليحمى نفسه واسرته وأمواله من لحظة العقاب اذا زال عنه سلطانه ؟ نحن نعرف ما يعانيه كل مستبد ظالم تطارده اشباح ضحاياه ويحاول ما أمكنه الهروب من ساعة العقاب ولذلك يظل فى اواخر حكمه يجرى هنا وهناك ويسلك كل طريق يبقيه فى منصبه طالما ظل حيا أو يورث ابنه السلطة لينجو من العقاب . يظل يتقافز هنا وهناك معطيا للاخرين امتصاصه للنهاية ثم يلقون به الليمونة التى تم عصرها . يتقافز المستبد فى نهاية حكمه ليحمى نفسه فى كل اتجاه عدا الاتجاه الوحيد الذى فيه مصلحته ونجاته ، وهو الشعب . الشعب هو الذى يمكنه ان يعفو عن المستبد اذا ختم المستبد حياته وحكمه بالاصلاح .  
ولكن من الصعب على المستبد ان يفعل ذلك لأ نه تعود التعالى على الناس واحتقارهم بنفس تعوده استجداء الغرب ، ولأنه لايمكن للمفسد أن يكون مصلحا خصوصا اذا عاش معظم حياته فى الفساد والافساد ..لآ يتبقى الا التدخل الاجنبى الامريكى .  
هل لديكم حل آخر ؟؟؟ 
 

الملحق الخامس :فى اصلاح الاخوان المسلمين فى مصر

الخامس

فى اصلاح الاخوان المسلمين فى مصر

1 ـ يعانى الاخوان المسلمون من أزمة تتلخص فى الضغط الأمنى عليهم فى مصرمع عدم الاعتراف الأمريكى بهم مع أنهم أكبر قوة شعبية معارضة فى مصر والمؤهلة أكثر من غيرها للوصول للسلطة بعد حكم عسكرى وصل بمصر الى الحضيض. 
وتعانى السياسة الأمريكية نحو مصر من الحيرة ، فهى تتردد فى فى قبول توريث الحكم لنجل الرئيس مبارك لأن ذلك يدمر مصداقيتها فى الدعوة للاصلاح الديمقراطى ، وفى نفس الوقت فانها لا ترغب فى صعود الاخوان الى المشاركة السياسية ووصولهم الى السلطة. 
لا أعتقد أن الرئيس مبارك يرضى بأن يجعل ابنه حاكما بعده تاركا له تركة ثقيلة يعجز عن اصلاحها بعد تخريب لمصر استمر حوالى ثلاثة عقود. إن غياب مبارك عن الساحة سيخلف ثورة شعبية هائلة ستطيح بابنه اذا تولى السلطة بعده ، ولا بد لمن يتولى الحكم أن يفتح كل الملفات المسكوت عنها , وبالتالى فلا مجال لآل مبارك الا الهجرة ناجين بحياتهم وأموالهم. وعليه فان إثارة قضية التوريث فى مصرـ بين النفى والاثبات ـ يقصد بها مبارك الهاء الناس ليظل محتفظا بالسلطة الى آخر مدى يستطيع التماسك فيه صحيا و سياسيا، ويستطيع التمهيد لنفسه وأسرته ملجأ آمنا فى الخارج. وهكذا فان كل يوم يمر يضيف الى رصيد مبارك بينما يزيد فى تدمير مصر اقتصاديا و سياسيا. وقد يسفر الحال عن انفجار قادم فى مصر بدأت نذره تتجمع فى الأفق.  
وهكذا فانها ليست فقط أزمة الاخوان إنما هى فى الاساس أزمة مصر حاليا وفى المستقبل القريب الوشيك. 
وللخروج من هذه الأزمة لا بد من علاج وضعية الاخوان المسلمين باعتبارهم القوة الشعبية الوحيدة التى تستطيع سلميا ـ بعد الاعتراف بها سياسيا ـ إنهاء الحكم العسكرى فى مصر واستبداله بحكم مدنى. بل وأكثر من هذا تستطيع ترشيد الحركات الأصولية الأخرى فى الشرق الأوسط. 
وعلاج وضعية الاخوان المسلمين يكمن فى أن يكونوا حزبا مدنيا يتبنى نفس الأطروحات المدنية الديمقراطية التى تؤكد حقوق الانسان وحقوق المواطنة ولكن بمرجعية اسلامية أصيلة. 
والدكتور سعد الدين ابراهيم ـ وهو أكبر دعاة الديمقراطية و حقوق الانسان و المجتمع المدنى فى مصر والشرق الأوسط ـ يجاهد لإقناع الادارة الأمريكية وفصائل أخرى مصرية من أجل اشراك الاخوان فى الحياة الديمقراطية ولكن لا تزال لهذه الأطراف الأمريكية والمصرية شكوكها وارتيابها من الاخوان. 
هذه الشكوك لها ما يبررها فى تاريخ الاخوان وفى تراثهم الفقهى السلفى الذى لا يزالون يتمسكون به ولا يقومون بعملية نقدية له ليتوافق مع العصر ومع الاسلام. 
 
2 ـ ليس من الاسلام أو من الديمقراطية أن يستعلى الاخوان المسلمون على الناس أو أن يعطوا لأنفسهم هداية الناس وحكمهم باسم الله تعالى ، فهذا ما لم يعطه الله تعالى للنبى محمد عليه السلام حين كان حاكما فى المدينة، بل أنه من الاسلام والديمقراطية أن يكون عليهم تقديم إجابات واضحة معلنة للناس طالما يسعون لحكم الناس. من حقهم السعى للحكم كالآخرين ولكن من حق الناس عليهم وعلى الآخرين أن يعرفوا بالتحديد وبالتفصيل والوضوح برنامجهم السياسى ومبادئهم السياسية وماذا سيفعلون ، من حق الناس أن يأمنوا على حرياتهم الدينية والاجتماعية اذا ما أوصلوا الاخوان للحكم ، ومن حق الناس أن يعرفوا كل ما يبدد شكوكهم التى نبتت بسبب تاريخ الاخوان وبسبب التراث السنى الذى يتمسكون به والذى يجرى تطبيقه بالحديد والنار حول مصر والذى مارسته جماعات ارهابية فى مصر تنتمى لنفس الفكر ونشأت وترعرعت على منهج الاخوان.المعترضون على الاخوان المسلمين لديهم مخاوف مشروعة وعندهم أسئلة جادة لا بد للاخوان من الاجابة عليها علنيا وفى وثيقة رسمية تضع كل النقاط فوق كل الحروف ولا تدع فرصة لأى تشكيك أو ارتياب. ثم يكون الجيش المصرى ـ فى حالة تطبيق الاصلاح السياسى ـ هو الحارس للديمقراطية وتداول السلطة.  
إذا بدد الاخوان كل الشكوك والمخاوف فانهم يسهلون مهمة الدكتور سعد الدين ابراهيم فى اقناع الادارة الأمريكية، إذ يكون صعبا على تلك الادارة التنكر للوضع الجديد الذى وصل اليه الاخوان. إذا رفض الاخوان هذا الاصلاح الذاتى فهم الذين يضعون المتاريس أمام جهاد الدكتور سعد الدين ابراهيم فى الدفاع عنهم . 
لا يمكن لمعارضى الاخوان المسلمين ـ ومنهم كاتب هذه السطور ـ أن يقبلوهم طالما يتمسكون بما قاله السيدان ( سيد قطب ) عن الحاكمية أو الثيوقراطية الدينية و( سيد سابق ) عن أهل الذمة والجزية على الأقباط والرجم وقتل المرتد بعد الاستتابة وقتل الزنديق عند العثور عليه وبلا محاكمة وحتى لو تاب . والزنديق هو المسلم المؤمن بالقرآن والسنة والأحاديث ولكن يخالفهم فى بعض آرائهم. وما قاله السيدان ( قطب و سابق )وغيرهم يخالف القرآن الكريم وهو المرجعية الاسلامية الوحيدة التى لا شك فيها ، بالاضافة الى أنه يخالف مواثيق حقوق الانسان وهى المرجعية الانسانية لعصرنا.  
وإذن لخروج الاخوان من هذه الوضعية ولكى يقبلهم الآخرون ولكى تنتهى حالة الاغتراب والاضطهاد التى دخلوا فيها منذ 1948 لا بد لهم من عبور هذه الفجوة باصلاح فكرى اسلامى.  
وطالما يقولون فى شعاراتهم المعلنه ( القرآن دستورنا ) عليهم أن يحتكموا الى الدستور القرآنى فى تطوير دعوتهم السياسية الى الأفضل . 
 
3 ـ على الاخوان المسلمين فى مصر الاختيار بين واحد من اثتين : 
*إما قوله تعالى فى تشريع القتال للدفاع فقط ( وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين ) (البقرة 190 ) وقوله تعالى فى الحرية الدينية ( لا إكراه فى الدين ) ( البقرة 256)  
وإما الأحاديث الكاذبة الدموية مثل ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا .. ) 
*إما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بمفهومه القرآنى ( فالمعروف هو القيم العليا المتعارف عليها مثل الصدق والأمانة والرحمة و التسامح والعدل والسلام والحرية ..الخ ) والأمر بها هو تواصى وتناصح بين الناس جميعا وليس لفئة معينة وهو مجرد أمر قولى ونهى قولى وليس استطالة على الناس وتدخلا فى حريتهم الشخصية...  
وإما الحديث الكاذب القائل ( من رأى منكم منكرا فليغيره ) والذى أثبتنا من قبل بقواعد الجرح والتعديل والبحث التاريخى أنه تم وضعه وتأليفه فى عصر الخليفة الواثق العباسى أبان اضطهاد ابن حنبل فى موضوع خلق القرآن. 
*إما أن يكون خاتم النبيين محمد عليه السلام مبعوثا رحمة للعالمين كما أكد رب العزة فى القرآن الكريم ( الأنبياء 107)  
وإما أن يقفوا مع الفكر الدموى الذى أنتج ابن لادن والذى شوّه الاسلام وصورة رسول الاسلام عليه السلام. 
* إما أن يقفوا مع العدل المطلق الذى حفلت به آيات القرآن الكريم فى التعامل مع الأقارب والأعداء ومع الناس جميعا ،  
وإما بمنهج الظلم الذى مارسه العرب والمسلمون حين حكموا وسادوا فى العصور الوسطى و اضطهدوا غير المسلمين وغير العرب فى فترات مختلفة من تاريخهم الممتد والطويل. 
*أما أن يقفوا مع المبدأ القرآنى ( الدين لله تعالى ) يحكم فيه يوم القيامة و لذلك فلا بد من تقرير الحرية الدينية المطلقة ( والوطن للجميع ) على قاعدة المساواة والعدل حيث لا تميز لأحد على أحد بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو المذهب أو المال أو الذكورة أو الجاه والمنصب ، وانما على حسب العطاء و العمل الصالح النافع للمجتمع ،  
وإما احتكار الدين والوطن لطائفة تستعلى على الناس باسم الله فتظلم الله تعالى الذى أكّد أنه لايحب الظالمين ولا يريد ظلما للعالمين. 
*أما أن ينصفوا المرأة ويسيروا مع حقوقها بالعدل الذى قرره الله تعالى لها ،  
وإما أن يقولوا ما قاله البخارى عنها أنها ناقصة عقل ودين وأنها مخلوقة من ضلع أعوج وأنها شؤم ..الخ. 
* إما أن يؤمنوا بالشورى الاسلامية كما جاءت فى القرآن بمفهوم الديمقراطية المباشرة وأنها جزء من عقيدة الاسلام وجزء من فرائضه التعبدية ومن ثقافته العقلية والسلوكية كما أوضحنا فى كتابات منشورة باللغتين العربية والانجليزية ،  
وإما أن يؤمنوا بالحاكمية وهى أرذل أنواع الديكتاتورية الدينة وأفظع الظلم لله تعالى وللناس. 
*إما أن يؤمنوا بقوله تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ( الحجرات 13 ) وما يعنيه هذا من مساواة بين البشر وصلة قرابة بينهم لانتمائهم لأب واحد وأم واحدة وأن الله تعالى خلق البشر مختلفين فى ليتعارفوا سلميا وليس ليتحاربوا ،  
وإما أن يظلوا على عقيدة تقسيم العالم الى معسكرين متقاتلين .  
 
4 ـ لقد كتبت قبل ذلك مستبعدا أن يقبل الاخوان الديمقراطية وتداول السلطة لأنهم ليسوا مؤهلين سياسيا للمساءلة امام البرلمان ، ولأنهم يعتبرون أنهم أعلى من أن يسائلهم أحد باعتبارهم المختارون من الله تعالى لتطبيق شرعه على الغير ، ولذا فهم لا يريدون تولى حكم مصر الآن بالطريق الديمقراطى وإنما يفضلون الانتظارالى أن يصلوا الى ( التمكين ) أى ب( تربية ) الشعب المصرى على الطاعة العمياء تمهيدا للقبول بمبدأ ( الحاكمية ) أى الايمان بهم مبعوثون من الله تعالى لحكم الناس وأنهم مسئولون أمامه تعالى عن تنفيذ شرعه. والشرع عندهم هو الأحاديث الضاله والفقه الحنبلى ، أى كلام بشر انتهى عمره الافتراضى ولم يكن صالحا لعصره فكيف يكون صالحا لعصرنا.  
لازلت عند رأيى طبقا لحال الاخوان الان فليس لهم اجتهاد فى استخلاص صيغة تشريعية من القرآن توافق العصر ، ولا يدور فى أدبياتهم الا اشارات عن الحاكمية والتمكين والتربية. ولا يزال ما قاله حسن البنا وسيد قطب والقرضاوى والمودودى هو الحجة لديهم. وبالتالى فان ما كتبه السيدان (قطب ) و( سايق ) هو المرجعية السياسية و الفقهية لديهم. وما يقوله وما يفعله ابن لادن هو التطبيق الحرفى لتلك المرجعية السياسية والفقهية.  
إن الذى يحتم الدعوة لاصلاحهم هو الحال الذى وصلت اليه مصر وهى على وشك انفجار قادم ان لم نسارع بالاصلاح، ولذا فان اصلاح الاخوان لنفسهم جزء جوهرى لانقاذ مصر، وهو أيضا طوق النجاة لهم . 
 
5 ـ أتمنى أن يبادر الاخوان المسلمون المصريون بعقد مؤتمر موسع ليناقش فى ضوء القرآن الكريم ومن الناحية الفقهية الاسلامية سائر النقاط المختلف عليها أصوليا وفقهيا مثل ( الجهاد ـ الولاء والبراء ـ التسامح الدينى ) ( حقوق المرأة) (الجزية وأهل الذمة ـ حقوق المواطنة ـ حق بناء الكنائس ـ الدين لله والوطن للجميع ... ) ( الديمقراطية ـ الدولة الاسلامية المدنية العلمانية ) ، ( و تطبيق الشريعة الآن ـ النسخ ، الرجم ، وقتل المرتد والزنديق و قتل تارك الصلاة، و عقوبة شرب الخمر) (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والحرية الشخصية وحرية الفكر والمعتقد) (الشفافية فى العمل السياسى وتحريم العمل السرى ومنع الاستخدام السياسى للدين حفظا لقداسة الاسلام). وأن يخرج الامؤتمر ببيان يؤكد على علمانية الدولة الاسلامية وديمقراطيتها.  
إذا رفض الاخوان هذا الاقتراح واذا تمسكوا بأفكارهم القديمة فهم مسئولون عما يحدث لهم من استمرار الاضطهاد والاستبعاد دون ان يرثى لهم أحد ، بل سيفقدون المتعاطفين معهم وسيكون مصيرهم التجاهل والنسيان طالما لا يتكلمون بلغة العصر. إذ لا بد فى عصرنا الجديد من تغيير الأفكار السلفية القديمة. خصوصا بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر ووجود مسلمين أصوليين يرفضون السلفية ويواجهونها من داخل الاسلام.وهم يتزايد عددهم ويتعاظم تأثيرهم ومعهم المنطق والحجة القرآنية ومعهم أيضا المستقبل وثقافة العصر وأدواته . 
 
6 ـ يعلن الاخوان شعار ( القرآن دستورنا ) وإذن فلا بد لهم من الاحتكام الى القرآن فيما ورثوه من معتقدات وشرائع تناقض القرآن. 
يؤمن الاخوان بان الاسلام صالح لكل زمان ومكان ، وإذن فلماذا يقزمون و يحصرون الاسلام فى تشريعات بشرية تنتمى للعصور الوسطى وتتناقض مع القرآن الكريم ـ إذا قرأنا القرآن الكريم بمصطلحاته هو بمفاهيمه هو وليس بمصطلحات التراث السنى وأحاديثه ومروياته. 
يعرف الاخوان أن الدعوة الاسلامية فى جوهرها دعوة اصلاحية ، وان الاصلاح هو مهمة كل نبى طبقا لما جاء فى القرآن الكريم. فلماذا يتقاعس الاخوان عن الاصلاح ـ واصلاح أنفسهم ومنهجهم هو البداية؟ 
 
7 ـ اصلاح الاخوان ضرورة لانقاذ أنفسهم وانقاذ مصر وهو أقصر طريق لعلاج الفجوة بين الاخوان والادارة الأمريكية التى تعارض التوريث وتعارض المنهج الحالى للاخوان فى نفس الوقت. فى الاصلاح الداخلى للاخوان قطع لدابر فكرة التدخل الخارجى ، بالاضافة الى أن اصلاح الاخوان يسهل الدعوة لرفع الحظر عنهم والافراج عن المعتقلين من شتى التيارات السياسية مثل الدكتور العريان والدكتور أيمن نور وغيرهما ، ويكف يد الأمن المصرى عن التدخل فى العمل السياسى ، توطئة للدخول فى عملية اصلاح سلمى فى مصر تنقذها من الانفجار القادم. 
 
8 ـ الانفجار القادم هو الذى سيأتى بالتدخل الخارجى. فى ظل الفوضى القادمة سيصرخ الناس انفسهم يطلبون التدخل الخارجى فيأتى ليكون وبالا عليهم .. 
 
9 ـ وانظروا الى انفجارات العراق .. لعلكم تعقلون ..!! 

الملحق السادس : الاخوان المسلمون والأقباط بقلم محمد احمد صبحى منصور

الملحق السادس

الاخوان المسلمون والأقباط

محمد احمد صبحى منصور 

1 ـ أدين بالفضل فى تكوينى الثقافى الى والدى الدكتور أحمد صبحى منصور والدكتور سعد الدين ابراهيم. بفضلهما عايشت منذ صغرى الفكر المستنير فى رواق ابن خلدون الاسبوعى حين كان يديره أبى ويغذيه دكتور سعد باسهاماته العلمية .

كانت ندوات الرواق الاسبوعية تتشابك بالنقد مع كل المحظورات السياسية والدينية ، وأهمها موضوعان هما  الاخوان المسلمون والاقباط . 

2 ـ من الندوات التى تأثرب بها فى الرواق ندوة حضرها قادة حزب العمل بعد تحوله ليكون بوقا للاخوان المسلمين. كان حزب العمل يقدم للرواق مشروعا للدستور المصرى فى اطار دعوة الرواق فى سنة 1997 لاصلاح الدستور المصرى . كان من ضمن المتحدثين عن الحزب الدكتور حلمى مراد الوزير الأسبق والاستاذ الجامعى الأشهر وثانى شخصية فى حزب العمل وقتها. المفاجأة فى مشروع الدستور الذى أعده حزب العمل وكتبه الدكتور حلمى مراد أنه أفرد بابا خاصا فى الدستور للأزهر. كانت مفاجأة ان يكتب هذاالعبث مفكر مصرى بحجم وتاريخ الدكتور حلمى مراد بعد نصف قرن من تاريخ قضاه مدافعا عن مصر العلمانية. قال الدكتور أحمد صبحى منصور ان اضافة باب للأزهر فى هذا الدستور يؤكد ان الدولة المراد اقامتها هى دولة دينية وليست الدولة المدنية العلمانية وهو الثمن الذى يجب أن يدفعه كل من يتحالف مع الاخوان المسلمين حتى لوكان الدكتور حلمى مراد وحزب العمل اليسارى السابق.

من وقتها فهمت أن تراث الأزهر هو المرجعية الحقيقية لفكر الاخوان ومنهاجهم السياسى . 

3 ـ ندوة اخرى تكلم فيها ابو العلا ماضى عندما أعلن انشقاقه عن الاخوان وانشائه حزب الوسط وضم اليه شخصية مسيحية مرموقة وهى الدكتور رفيق حبيب ابن الاستاذ صموئيل حبيب رئيس الكنيسة الانجيلية . حضر رفيق حبيب مع ابو العلا ومعهم جمال سلطان وآخرون من اعضاء حزب الوسط تحت التأسيس . كان برنامج الحزب غاية فى الروعة ، يذهل من يقرؤه من تسامحه و عصريته . قبل الندوة أعطى والدى برنامج الحزب لنا ـ نحن شباب الرواق ـ  لندرسه ولنجهز اسئلة عليه للمتحدث . قدمنا الأسئلة لأبى فلم تعجبه ، قال لا تسألوه عما كتب فى برنامجه ، بل اسألوه عما لم يكتب ، وهو كيف سيتصرف مع الفكر الدينى الذى يجعل الأقباط أهل ذمة ؟ والذى يأمر بقتال غير المسلم حتى يسلم ؟ والذى يمنع بناء الكنائس، اسألوه عن حد الردة، عن حد الرجم ، كيف سيطبق حد السرقة ..الخ .قمنا باعداد هذه الأسئلة وتوزيعها علينا. وبعد أن انتهى ابو العلا من عرض برنامجه السياسى وبعد أن انتهى حليفه المسيحى رفيق حبيب من التصديق على كلامه انتفتح باب الاسئلة وفوجىء أبو العلا بأن عليه ان يجيب بصراحة على المسكوت عنه ، حاول المراوغة فلم نعطه الفرصة ، فنحن من الأزهر ونعرف مناهجه الدراسية وفكره وثقافته . هاج أبو العلا واضطر لأن يقولها صريحة : ان الأزهر هو مرجعيته فى كل هذه القضايا ولا يستطيع انكار الشريعة التى يتمسك بها الأزهر. عندها ظهر وجهه الحقيقى وضاع كل الكلام الجميل الذى ملأ به برنامجه. من وقتها وحتى الآن لا يزال ابو العلا ماضى ناقما على والدى معتقدا أن ابى قد نصب له فخا واوقعه فيه. 

4 ـ اننى أنتمى لعائلة أزهرية عريقة. أبى وجدى وبعض أعمامى وأبناء أعمامى من شيوخ الأزهر وخريجيه. ولقد أدخلنى أبى الأزهر ومعى أخى شريف وقت أن كان فى خلاف معلن مع الأزهر. ودرسنا فى الأزهر فى كل مراحله الابتدائية والاعدادية والثانوية الى أن تخرجنا فى جامعته أنا وشقيقى شريف. وتزامن تعليمنا فى الازهر مع تكويننا الثقافى بصحبة أبى فى معاركه ضد الفكر المتطرف والاخوان داخل مركز ابن خلدون وخارجه. أى أننا كنا ولا نزال نجمع بين دراستين متناقضتين: الدراسة الأزهرية الظلامية والافكار التنويرية. ومن هنا أستطيع أن اتأمل  ما ينتظر الأقباط  اذا وصل الاخوان لحكم مصر لأن مرجعية الاخوان هى مقررات الأزهر التى درستها وتعلمتها وعايشت النضال ضدها. 

5 ـ لقد درسنا فى الأزهر ان المسيحيين كفرة، وأهل ذمة يجب أن يدفعوا الجزية ، أى أنهم مواطنون من الدرجة السفلى . فلا يمكن أن يلقى المسيحى فى بلاد المسلمين نفس المعاملة التى يلقاها المسلم. على سبيل المثال فان المسلم اذا قتل مسيحيا  لا يقام عليه القصاص، ولا يمكن للمسلمة أن تتزوج مسيحيا ، ولا يمكن للمسيحى أن يرث أباه المسلم بينما يجوز لمن أسلم من المسيحيين أن يرث أباه النصرانى. وبينما يتم الاحتفال بالمسيحى الذى أسلم فان المسلم يحكم عليه بالقتل اذا تنصر . هذا بالاضافة الى فتاوى أخرى متفرقة يفهم منها استحلال دماء وأموال الأقباط والتأكيد على اذلالهم واضطهادهم والجائهم الى السير فى الحارات بدلا من الشوارع وتضييق الطريق عليهم وعدم رد السلام عليهم. هذه مجرد أمثلة لما درسناه فى الأزهر. وهناك تفصيلات أكثر فى كتاب " فقه السنة " الذى كتبه الشيخ الأزهرى سيد سابق ، الفقيه الأشهر للاخوان المسلمين, وقد كتب مقدمة هذا الكتاب وأشاد به الشيخ حسن البنا نفسه . ومن المعروف أن عبد الناصر كان يسمى الشيخ سيد سابق " مفتى الدم ". 

6 ـ المرشد الأسبق للاخوان المسلمين صرح مرة بضرورة فرض الجزية على الأقباط ونادى بعدم تجنيدهم فى الجيش ، وقد أثارت تصريحاته ضجة . وهى تعبر عن حقيقة المنهج الفكرى الأزهرى للاخوان المسلمين. ولقد صبر الاخوان كثيرا على فرج فودة وهو يهاجمهم ويتحداهم بأن يقدموا برنامجا سياسيا محددا للحكم. لكنه عندما بدأ ينتقد الفكر السنى الأزهرى ويتحدى الأزهريين علنا على صفحات جريدة الأحراروفى مناظرته الشهيرة بمعرض الكتاب سارعوا بالتخلص منه لأنه اقتحم قدس الأقداس وهومناهج الأزهر التراثية .  

7 ـ لم يصل الاخوان للحكم بعد ، ولكن تأثير ثقافتهم السلفية يتحكم الآن فى الاعلام والتعليم والمساجد والشارع المصرى ، ولذلك فان اضطهاد الأقباط  قائم على المستوى الشعبى والرسمى . والسؤال الآن عن المستقبل : ماذا سيحل بالأقباط اذا وصل الاخوان للحكم ليطبقوا شريعتهم السلفية الوهابية ؟

من خلال ما تعلمته من الأزهر أقول الآتى:

أ ـ المحاكم الشرعية ستعود  حتى لو تنكرت فى ثياب مدنية  . وستكون خصما للآقباط بحكم عقيدتها الوهابية السلفية الحنبلية، وستعتمد فى أحكامها على الفقه السنى الذى لا يزال يدرس فى الأزهر.  وسيعاونها فى التطبيق لهذه الأحكام " الشهود " وفق نظم القضاء فى العصور الوسطى الذى كان يعتمد على الشهود العدول، ويفسر العدالة فى الشهود بمعنى أن يكونوا من أهل الثقة، باختصار أن يكونوا تابعين للسلطة والقضاء ينفذون أوامرها .

ب ـ أخطر ما سيعانيه الأقباط سيأتى من خلال " حد الردة ".

قد يقال ان حد الردة لا شأن له بالأقباط ، فهو عقوبة بقتل المسلم اذا ارتد عن الاسلام واعتنق دينا آخر. ولكن الصحيح أن هناك حيل كثيرة موجودة فى الفقه السنى فى مجال ضخم اسمه فقه الحيل الذى كتبت فيه مئات المجلدات. ومن السهل بعثها من مرقدها فى عصر تحكم الاخوان للكيد للأقباط باستعمال حد الردة ضدهم.

على سبيل المثال:  يشهد اثنان من الشهود العدول أمام القاضى أن القبطى حنا قد أعلن أمامهم اسلامه ونطق  "بالشهادتين ". ويكتب الشاهدان العدلان محضرا رسميا بذلك ، وتصبح شهادتهما رسمية ومقبولة، اذا أنكر حنا حدوث ذلك ، أو اذا تمسك بدينه يصبح مرتدا ويتم قتله بعقوبة الردة، وتصادر امواله كأى مرتد.

أيضا قد يشهد الشاهدان أن فلانا القبطى الذى مات وخلف ثروة هائلة قد أعلن أمامهما اسلامه قبل موته. عندها لا يجوز للورثة الأقباط ان يرثوا أباهم المسلم ، وتؤول التركة للدولة. أيضا قد يشهد الشاهدان على أن فلانة القبطية قد أسرت لهما باسلامها وهى تخشى من أذى زوجها الذى لا يزال على مسيحيته، عندها لا بد ان تحكم المحكمة بالتفريق بين الزوجين لاختلاف الدين. .. وأمثلة أخرى كثيرة فى موضوع الأبناء والأرحام والثروة والأحوال الشخصية يمكن فيها استخدام حد الردة المزعوم لاضطهاد النصارى والمفكرين المسلمين أيضا.

ج ـ وما فعله الوهابيون بمزارات الشيعة فى العراق وبمزارات آل البيت فى الحجاز ليس ببعيد ، فاذا كانوا يفعلون هذا بأماكن العبادة لدى المسلمين الشيعة والصوفية وهم أغلبية المسلمين فكيف سيتصرفون مع أماكن العبادة للأقباط وهم أقل عددا ؟ ان الوهابية السلفية المتشددة هى العقيدة الحقيقية للاخوان مهما حاولوا اخفاءها والتمويه عليها. وعليه سينال الكنائس المصرية ضرر هائل اذا ما وصل الاخوان للحكم. هناك بعض آراء معتدلة فى الفقه السنى تجيز الابقاء على الكنائس القديمة وتجيز تجديدها. ولكن الفقه السنى المتشدد الحنبلى الذى ينتمى اليه الوهابيون والاخوان المسلمون يرى هدم الكنائس القديمة ومنع بناء أى كنيسة جديدة .

د ـ  الآثار القبطية والفرعونية ستتعرض للازالة باعتبارها أوثانا لا بد من تدميرها. واذا كان النفوذ الاخوانى قد نجح فى تجاهل الحقبة القبطية من مقررات مادة التاريخ فى التعليم المصرى ، فان وصول الاخوان للحكم سيمكنهم من تدمير البقايا المادية لآثار هذه الفترة. ولنتذكر تدمير  الطالبان لتمثال بوذا . 

8 ـ نأتى للسؤال الهام : ماذا نفعل؟

الجواب هو الاصلاح عموما ، واصلاح لأزهر على وجه الخصوص ليكون قلعة تدافع عن الأقباط فى مواجهة الاخوان وتؤكد من خلال الاسلام على حقوق الانسان وحقوق المواطنة وحرية الفكر والمعتقد والعدل. وهذا هو الطريق الذى نسير فيه نحن القرانيين المسلمين.

اننى ادعو من خلال هذا المؤتمر الى عقد مؤتمر خاص لاصلاح الأزهر لكى يكون حصنا حقيقيا يدافع عن الاقباط والديمقراطية والعدل والحرية. 

الملحق السابع : حوار مع أحمد صبحى منصور

الملحق السابع :  

حوار مع الدكتور احمد صبحى منصور

أجراه سامح سامى لموقع ( الأقباط كتحدون ) 

نظام الحكم في مصر بفساده وقمعه للحريات وتعذيبه وعجزه وترهله هو السند الأكبر للإخوان *

عندما سأل فرج فوده الإخوان: كيف يكون الإسلام هو الحل ؟.. قتلوه، وبذلك قدموا الإجابة العملية المفحمة. *

الإخوان يعتبرون الأقليات غير المسلمة داخل معسكر الإسلام رهائن في إطار الحرب المقدسة بين معسكري الإيمان والكفر . 

كتب سامح سامى

ما زال أصداء نمو وانتشار وتوغل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، يثير الكثير من الجدل والتفاعل. وما زالت هذه الجماعة فاعلة وناشطة رغم بعض الاعتقالات التي تمارسها قوات الأمن كرد فعل على ميليشيات الإخوان بالأزهر، ومازالت هذه الجماعة تستخدم الدين في السياسة حتى عندما أدعوا أنهم ينون إنشاء حزب سياسي لهم بعض التعديلات الدستورية الأخيرة التي ستمنع تأسيس أي حزب على أساس ديني. الكل يتجه نحو الإخوان وما يفعلونه دون النظر إلى فكرهم ومرجعيتهم. هناك قلة بسيطة من المفكرين يهتمون بفكر الإخوان وخطابهم الديني المُسيَّس.

من هؤلاء الدكتور أحمد صبحي منصور رئيس المركز العالمي للقرآن بواشنطن، وأحد المضطهدين من سيطرة الأفكار الإخوانية التي توغلت في معظم المؤسسات، حتى أنها طالت جامعة الأزهر الشريف، التي معروف عنها أنها جامعة وسطية.

والدكتور أحمد صبحي منصور بالطبع غني عن التعريف، فهو دائم النشر في معظم المواقع الاليكترونية، وصاحب التاريخ النضالي المشرف الذي بسببه دخل السجن ولم يقف معه وقتها إلا الراحل المفكر فرج فوده.....

لذلك أردت أن أجري معه حوارا حول جماعة الإخوان المسلمين وفكرهم ولماذا يربط بين هذه الجماعة والوهابية، وأسئلة أخرى..

  • دعوت في إحدى مقالاتك أنه يجب على الإخوان تغيير وضعيتهم لكي يندمجوا في العملية الديمقراطية.. كيف ؟

طرحت هذه الرؤية لإصلاح الإخوان المسلمين بقصد إحراجهم فقط، وأنا متأكد من رفضهم المطلق لأي إصلاح داخلي عقيدي أو سياسي ينتج عنه تغيير وضعيتهم العقيدية والسياسية. هذا على المستوى العملي الواقعي. أما على المستوي النظري التخيلي الذي يدخل في إطار التمنيات والينبغيات (أي ما ينبغي عمله) فأقول الآتي: الإخوان المسلمون لهم حضور قوي في الشارع، و فكرهم الديني هو المسيطر على الإعلام والمساجد والنوادي والمصاطب، وهم الأقدر على الحركة بين الجماهير واستقطابهم، ولهم تاريخ طويل في العمل السياسي والشعبي منذ 1928. كل ذلك يؤهلهم للعب الدور الأعظم في تحقيق الجزء الأول من التحول الديمقراطي، وهو إرساء ثقافة الديمقراطية. لا يمكن إقامة ديمقراطية بدون إرساء ثقافتها أولا، بأن يتعلم المواطن العادي ـ وليس مجرد المثقف ـ قبول الآخر والتعايش معه واحترام رأيه، والإيمان الحقيقي بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة والدفاع عنها والجهاد في سبيلها باعتبارها جوهر الدين السماوي. بدون إرساء ثقافة الديمقراطية تتحول العملية الديمقراطية إلى فوضى وحرب أهلية كما يحدث في العراق الآن، وكما كان يحدث في أوربا في قرون وعقود التحول الديمقراطي. من الممكن تجنيب بلادنا ويلات هذا التحول الديمقراطي بالإسراع بالتخلص من ترسانة القوانين المقيدة للفكر والإبداع والمعوقة للحركة السياسية السلمية، وإنشاء هيكل تشريعي جديد يؤطر لنظام مدني ديمقراطي غير مركزي في مصر تحت إدارة حكومة مؤقتة يقوم بتعضيدها كل القوى الحية في مصر، وعلى رأسهم الإخوان. هذا طبعا مجرد أمنيات وأحلام اليقظة.. وأرجو أن أكون مخطئا، وأن يكون الإخوان على غير ما أتوقع.

  • إذن هذه الجماعة في حاجة إلى إصلاح من الداخل أو في حاجة إلى تفكيكها....

إصلاح الإخوان من الداخل عن طريق الإخوان أنفسهم ممكن جدا في أحلام اليقظة.!! لا أتصور أن يتخلى الإخوان في هذه المرحلة عن مكاسب أسسوها خلال عقود من التضحيات والآلام, وهم الآن المرشحون لوراثة النظام إن آجلا أو عاجلا إن لم يحدث إصلاح حقيقي, الإخوان يستمدون قوتهم من كونهم ثقافة أكثر منهم تنظيما، وأن هذه الثقافة ينشرها النظام الحاكم نفسه حيت يتصور أنه يزايد عليهم بالتمسك بالفكر السلفي واعتباره وحده هو الإسلام، ولذلك يضطهد المفكرين المسلمين ويتهمهم بازدراء الدين، وهي تهمة مخففة من (حد الردة.) نظام الحكم في مصر بفساده وقمعه للحريات وتعذيبه وإفقاره للمصريين وعجزه وترهله هو السند الأكبر للإخوان. في الواقع كلاهما لا يستغنى عن الآخر، وضروري لاستمرار الآخر. ولا بد من التخلص منهما معا إذا أردنا لمصر أن تنهض من كبوتها. إلا إنني لا أؤمن بالحلول الأمنية واستعمال العنف، بل أؤمن أن العنف والحرب هما مشكلة أكبر. اعتقد بضرورة فرض الإصلاح السلمي من الخارج مع تأييد قوى من الداخل. إذا حدث الإصلاح انتهى الإخوان المسلمون لأن بقاءهم مرتبط بالفساد والاستبداد.

  • وهل ترى أن سياسة النظام المصري الآن في التعامل الأمني مع الأخوان سليمة؟

  بالقطع لا. إنها تفيد الإخوان على المدى القريب والبعيد وعلى كل المستويات. خصوصا مع عدم وجود أفق للإصلاح أو للتغيير إلى الأفضل. الإخوان يكسبون الآن بأكثر مما مضى مع دخول المنطقة عصر فاصل ستتغير فيه خريطة المنطقة. التعامل الأمني معهم يجعلهم شهداء اليوم وزعماء الغوغاء في الغد، وقد يتحكم الغوغاء كما يجري في العراق اليوم وتكون القاصمة..  

  • بوصفك رئيسا للمركز العالمي في واشنطن والذي يقود حركة القرآنيين في العالم، ماذا يقوم المركز العالمي للقرآن الكريم في مواجهته مع الإخوان؟


بالإضافة إلى موقع (أهل القرآن) ودوره التنويري فان المركز يعمل الآن جاهدا على عقد مؤتمر في واشنطن لمواجهة الإخوان والوهابية. المؤتمر المزمع عقده سيناقش مواثيق حقوق الإنسان الدولية من وجهة نظر إسلامية لإقرارها مرجعية للدستور المصري بدلا من المادة الثانية المثيرة للجدل. ويتمنى المركز العالمي للقرآن الكريم أن تتعاون معه كل منظمات حقوق الإنسان والتنوير في عقد هذا المؤتمر ومؤتمرات أخرى في مواجهة ثقافة التطرف والإرهاب للوهابية والإخوان.

  • وهل يجدي مؤتمر واحد في مواجهة الإخوان المسلمين والوهابية بكل ما لهما من نفوذ؟

هي بداية حقيقية لمواجهة فكرية حقيقية. وهي خطوة على الطريق الصحيح، بعد أن ضاعت خطوات كثيرة وضلت الطريق .  

  • لماذا تستبعد أن يقبل الإخوان الديمقراطية وتداول السلطة؟


لأن الديمقراطية منتج غربي ملعون وكافر عندهم، ولأنها تناقض (الحاكمية) التي تخول لهم أن يحكموا (الرعية) باسم الله وتفويض منه على زعمهم. ولأن وصولهم للسلطة ثم تخليهم عنها بالديمقراطية تأكيد على فشل شعارهم القائل بأن (الإسلام هو الحل) لذا فتداول السلطة غير وارد على الإطلاق عندهم. وهم بالطبع يتمسحون باسم الإسلام قائلين أنه هو الحل، ثم لا يقولون كيف؟ وعندما سألهم فرج فوده: كيف؟، قتلوه، وبذلك قدموا الإجابة العملية المفحمة.  

  • ما الذي يمكن أن يقدمه الإخوان بفكرهم وأقوالهم لتقدم مصر وخير مصر؟


إذا تحول الإخوان إلى العمل التثقيفي والتنويري والدعوي لنشر ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة من داخل الإسلام ـ كما يفعل القرآنيون مثلا ـ فهو الجهاد الأعظم الذي يغفر لهم ما سلف من تدمير لسمعة الإسلام وسفك الدماء.. إن الله تعالى يقول عن المتقين المؤمنين ونعيمهم في الجنة (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص 83). العمل من أجل الوصول للسلطة السياسية والتحكم والعلو في الأرض بالاستبداد هو عين الفساد. والمؤمن الحق لا يسعى لذلك مطلقا، لذا فإن له الجنة في الدار الآخرة لأنه كان في حياته الدنيا لا يريد علوا ولا فسادا في الأرض . باختصار فإن العاملين في المجال الديني قسمان: قسم يجاهد دفاعا عن حق الله تعالى وحق العباد (أي حقوق الإنسان) ودفاعا عن العدل والحرية، وهو في جهاده ملتزم بالصبر والسلم وتحمل الأذى والغفران لمن يؤذيه، والأهم من ذلك أنه لا يسأل الناس أجرا طبقا لأوامر القرآن بل أنه يبذل نفسه و ماله ابتغاء مرضاة الله تعالى وأملا في جنته . ثم هناك صنف آخر يزعم أنه مختار من الله ـ زورا وبهتانا ـ ويريد أن يصل إلى التحكم في الناس باسم الله تعالى، و هو يرفض أن يكون مجرد حاكم عادي يتعرض للمحاسبة والمساءلة، ثم يترك السلطة و يرجع شخصا عاديا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق،، كلا .. إنه يريد أن يحكم باسم الله مستبدا متعاليا على الناس زاعما انه مسئول عنهم أمام الله تعالى فقط يوم القيامة، فهم الرعية (أي المواشي والأنعام) التي يملكها، وهو مسئول عنها يوم الدين فقط. هذه هي (الحاكمية) التي يؤمن بها الإخوان في عقيدتهم السياسية، وهي ما كان سائدا في الخلافة العباسية وما تلاها وفي أوربا العصور الوسطي. وإذا رجعنا إلى الآية الكريمة السابقة (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص 83). نجدها تضع فاصلا بين نوعي المشتغلين بالعمل الديني. أحدهما هو المجاهد الحقيقي في سبيل الله تعالى، والآخر هو العدو الحقيقي لله تعالى ورسوله ودينه. ونحن ـ في أحلام اليقظة ـ نرجو أن يتوب الإخوان المسلمون عما سلف من جرائم في حق الإسلام والناس، وأن يتحولوا إلى عمل ثقافي إصلاحي سلمي بدون غرض سياسي ـ أي بدون أجر دنيوي ـ يبتغون به وجه الله تعالى. فإذا فعلوا هذا فقد كفروا عما سلف. وأنصحهم لمجرد العظة والاعتبار أن يقرءوا الآية 38 من سورة الأنفال .  

  •   يقولون نحن نريد إنشاء حزب سياسي بمرجعية إسلامية .. مرجعية من؟ ومرجعية ما؟ وإسلامية من؟ وإسلامية ما؟ 


أنا كمشتغل بالفكر الإسلامي والجهاد في سبيل الإصلاح أقوم بعمل سياسي مهم هو إرساء ثقافة الديمقراطية وهو جهاد لا بد منه لإقامة الديمقراطية . العمل السياسي المحترم المبجل الذي نحتاجه الآن هو نشر الوعي سلميا بين الناس ليعرفوا حقوقهم وليقفوا دفاعا عنها حتى تتوقف ماكينة التعذيب والظلم، وحتى يتم التحول الديمقراطي بأقل خسائر ممكنة في البشر و الموارد. ليس هذا اتهاما للعمل السياسي الآخر الذي يسعى للسلطة عن طريق إنشاء أحزاب، ولكن الذي يليق بمن يضعون أنفسهم في قائمة الأبرار ألا يهبطوا بأنفسهم إلى قاع التنافس حول حطام الدنيا .. ثم تكون الجريمة الكبرى أن يستغلوا اسم الإسلام العظيم سلاحا في هذه الحرب السياسية الدنيوية لقاء متاع قليل وحطام دنيوي ضئيل. المفجع أن المرجعية الإسلامية المزعومة التي يستندون إليها هي ثقافة الاستبداد والاستعباد و الإرهاب التي سادت لدي المسلمين في العصرين العباسي والمملوكي. ثقافة تقوم على الحاكمية أو الحق الملكي المقدس الذي كان في أوربا العصور الوسطى، وتقوم على الراعي والرعية والخليفة الذي يملك الأرض ومن عليها ـ والذي يمارس الشورى بان يستشير خدمه وجواريه والملأ الذي يتفنن في إرضاء نزواته. كل ذلك التراث السياسي والتاريخ الذي عاشه المسلمون في عصر الخلفاء غير الراشدين مناقض للإسلام وعدله وتسامحه . ولكن الوهابيين ومنهم الإخوان المسلمون يجعلون الإسلام هو هذا التراث وذلك التاريخ، ومن خلاله يحرفون معاني القرآن الكريم. وحين يتحدثون عن مرجعيتهم الإسلامية فهم يقصدون ما قاله الماوردي وابن تيمية وابن خلدون قديما وما قاله سيد قطب وسيد سابق والمودودي في عصرنا. وأؤكد أن كل ذلك مناقض للإسلام . وكتاباتي كلها تثبت هذا . ومعظم كتاباتي منشورة علي موقعنا (أهل القرآن) http://www.ahl-alquran.com/arabic/main.php

وبالمناسبة فأنني أدعو كل العاملين في الإصلاح وحقوق الإنسان للكتابة في موقعنا أملا في تدعيم حركة التنوير. نحن نرحب بكل من يكتب طالما لا يكتب ضد الإسلام كدين، ونحن نضع حدا فاصلا بين الإسلام كدين والمسلمين كبشر، فيهم ما في البشر من حسنات وسيئات.

  • وما تعليقك على الدعوة لإنشاء أحزاب دينية؟

النبي محمد عليه السلام أنشأ أول وآخر دولة علمانية في تاريخ المسلمين، وفيها سبق لكل ما جاء بعدها في عصرنا الحديث من نظم علمانية ودعوات لحقوق المرأة وحقوق الإنسان والمواطنة. ولأنها دولة يرفضها الواقع السائد في عصرها فقد تم تدميرها شيئا فشيئا لتقوم على أشلائها دول للمسلمين على نسق الإمبراطوريات الرومية والفارسية. ومع ذلك تبقى ملامح الدولة الإسلامية العلمانية في القرآن الكريم، إذا قرأناه قراءة موضوعية وفق مصطلحاته هو وليس بمصطلحات التراث الذي تم تدوينه في عصر الاستبداد والاستعباد والفساد . الإسلام دين علماني، ودعوة الإسلام هي للجهاد ضد الكهنوت،والعدو الأكبر للإسلام هو الدولة الدينية خصوصا تلك الدول الدينية التي تستخدم اسم الإسلام نفسه، وهي تتبع دينا أرضيا مناقضا للإسلام كالسنة أو التشيع. وكل دولة ديمقراطية ترعى العدل وحقوق الإنسان فهي دولة إسلامية. وأبعد الدول عن جوهر الإسلام هي الدول الدينية الثيوقراطية المستبدة التي تقوم علي كهنوت سياسي وديني.. وبالتالي فالإسلام يرفض إنشاء حزب ديني لأن ذلك يعني استغلاله في صراع دنيوي ينتج عنه تحريف معانيه والتلاعب بقيمه العليا في سبيل حطام دنيوي. ومنذ أن أدخل المسلمون الإسلام في خلافاتهم السياسية تحولت أحزابهم السياسية إلى اختلاف في الدين، وتحول صراعهم السياسي إلى صراع ديني وانقسموا إلى طوائف دينية ومذهبية، إذا وصلت أحداها إلى السلطة قمعت غيرها وحكمت بكفرها. لذا لا بد من منع التداخل بين العمل السياسي وبين الاستغلال الديني.من حق كل إنسان أن ينشئ حزبا مدنيا يتعامل في السياسة بالسياسة وينافس الآخرين في القدرة على خدمة الناس بعيدا عن استغلال الدين واحتكاره باسم طائفة دون أخرى. لابد فعلا من منع قيام أي حزب يزعم له مرجعية دينية.

  • كمسلم ملتزم لو أردت تكوين حزب ـ اعتبره إسلامياـ سأقول أن مرجعيتي هي العدل وحقوق الإنسان طبقا لما جاء في المواثيق الدولية. هذا في نظري جوهر الإسلام، وفي نظر خصومي أنه لا ضير من ذلك، ففي إطار حقوق الإنسان لا يوجد اختلاف بين الأحزاب المدنية الساعية للديمقراطية والإصلاح.

   هناك سؤال كثيرا ما يُطرح: هل يؤمن الإخوان بوجود وطن أم لا؟ 


يؤمن الإخوان والوهابية بما ساد في عصور السلف، وهو ما تقوم عليه مناهج التعليم في الأزهر والسعودية، وهو تقسيم العالم إلى معسكرين، معسكر الإسلام وهو (دار السلام) ومعسكر الحرب، وهو دار الكفر. ويشمل معسكر الإسلام أو السلام كل بلاد المسلمين تأسيسا على أنها (الأمة الإسلامية) أو أنها (أمة محمد) وقد ناقشت هذه الخرافات من قبل. المهم أن الولاء للوطن منعدم لديهم لأنه في حالة تقسيم العالم إلى معسكرين فالولاء للإسلام الذي يتخطي الأقطار، وبالتالي فإن المسلم في أمريكا تابع لهم ويتحدثون باسمه ـ سواء رضي ذلك أم أباه. وبالتالي أيضا فإن الأقليات غير المسلمة داخل معسكر الإسلام يعتبرونها رهائن في إطار الحرب المقدسة بين معسكري الإيمان والكفر..هذا ما كان سائدا في العصور الوسطى وحروبها الدينية، وكان يحدث خلال تلك الحروب اضطهاد هائل للمسيحيين الوطنيين، وكان يحدث في الدولة العثمانية أن يرتبط إعلانها الحرب على دولة أوربية ما بسجن رعاياها المقيمين في السلطنة العثمانية. هذه الثقافة استعادتها الوهابية، ونشأ عليها الإخوان، ولولا التقية لأعلنوها صباح مساء. وسيعلنونها إذا وصلوا إلى ما يسمونه بالتمكين. وإذا راجعت خطابات الظواهري وابن لادن وجدت كلاهما يتحدث باسم الأمة الإسلامية كقائد لمعسكر الإيمان ضد معسكر الحرب. وفي أدبيات المعارضة السعودية السلفية وما قاله المسعري تأطير للحرب الكونية بين المعسكرين لإقامة دولة إسلامية كبرى لها خليفة واحد تقابل الغرب وأمريكا والأمم المتحدة رمز الشر في اعتقاده.

  • هل يرجع فكر الإخوان إلى إخوان آل سعود أم إلى السلطان عبد الحميد الثاني؟ 


التصوف السني كان الدين الأرضي للسلطان عبد الحميد الثاني والدولة العثمانية، وكانت الوهابية ودولتها السعودية (الأولى والثانية والمعاصرة فيما بين 1902 إلى 1916 ) معادية للدولة العثمانية سياسيا ودينيا . عبد العزيز آل سعود المؤسس للدولة السعودية الراهنة فيما بين 1902 : 1932 هو الذي اقتطع إقليم الأحساء التابع للدولة العثمانية اسميا، وبذلك فازت السعودية بأعظم احتياطي للبترول يملكه في الحقيقة شيعة الاحساء والقطيف والمنطقة الشرقية. عاون الإخوان الأعراب عبد العزيز في إقامة دولته، وبسيوفهم اكتملت الدولة السعودية بحدودها الحالية. ثم ثار عليه الإخوان بزعامة فيصل الدويش وابن بجاد العتيبي وضيدان بن حثيلين، وخلال أعوام الصراع السياسي بينهم ( 1925ـ 1929  ) بعد فتح الحجاز وتحكم الوهابيين في موسم الحج ـ أنشأ عبد العزيز مراكز مختلفة لنشر الوهابية في مصر، كان آخرها الإخوان المسلمين عام 1928 تعويضا عن إخوانه النجديين الذين حاربهم وقضى عليهم فيما بين 1929 : 1930 . هذه وقائع تاريخية شرحتها في كتاباتي وهي على موقع أهل القرآن. ينتمي الإخوان فكريا إلى الوهابية السنية المتشددة، بينما ينتمي عبد الحميد الثاني وتركيا الحالية إلى دين أرضي آخر هو التصوف السني، الذي يعترف بالآخر. ولهذا فان الحركة الدينية السياسية في تركيا تعترف بتداول السلطة خصوصا وأنها عاشت ونشأت في عصر علمانية كمال أتاتورك، وتشربت الاعتراف بالآخر. ولم ينتج الإخوان فكرا جديدا. بل بفضلهم انتشرت كتب التراث الصفراء فأصبحت أكثر بياضا وأشد تأثيرا، وقاموا بشرح ما قاله ابن عبد الوهاب وفقهاء نجد، وجاء شرحهم بأسلوب عصري أسهم أكثر في نشر الوهابية بين مثقفي الطبقة الوسطى والعليا، هذا هو الفكر الذي أعاد الإخوان تقديمه. حسن البنا مجرد منظم وقائد وليس منظرا على الإطلاق. كتاباته وأوراده لا تدخل في إطار الفكر، بل الوعظ, عبقريته كانت في التنظيم . والإخوان بعده مجرد تنظيمات دينها السمع والطاعة للقائد. هذا من حيث الشكل العام. أما من حيث الواقع السياسي فهم ثقافة وهابية تتغلغل بقوة النظم الحاكمة المسيطرة على الإعلام والحياة الدينية والثقافية والتعليمية. وهنا خطورة الإخوان. أنهم ثقافة تنتشر وتفتح ذراعيها لتستقبل المحبطين واليائسين والمتذمرين من كل اتجاه. ولا سبيل للقضاء على هذه الثقافة إلا بالإصلاح الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي.

  • ما هو تصورك لحال مصر إذا حكمها الإخوان؟ وما مصير الأقليات العددية؟  ستنتشر ثقافة الموت وستنتشر معها المقابر الجماعية العلنية والسرية. 
  • أخيرا، لماذا ربطت بين حركة السيد البدوي ورفاقه بحركة الإخوان المسلمين؟

الحركات السرية التي تستخدم الدين الأرضي لها خصائص معينة بغض النظر عن الدين الأرضي الذي تستخدمه، سواء كانت تصوفا أو تشيعا أو سنة. ومن الحركات ما نجح ووصل إلى تكوين دول مثل الدولة العباسية والفاطمية ودولة المرابطين والموحدين. ومنها حركات فشلت وظلت في إطار القناع الذي تتخفي به ومنها حركة السيد البدوي ورفاقه الشاذلي والدسوقي والمرسي.. فشلت حركتهم السياسية فتحولوا إلى آلهة وأقطاب في التدين الأرضي للتصوف السني. والتفاصيل في كتابي (السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة) الصادر سنة 1982 . وسننشره على الموقع قريبا..